الفصل السابع
طائر الفينيق الناري
ذبلت أزهار النرجس الصفراء المحيطة بقصر براغنازا وأصبحت أكثر شحوباً وأشبه بحشائش
تعلقت على سبيل الخطأ بساق النبات أو كأن إعصاراً ما داهمها وجعلها تشتبك بالأغصان القصيرة، وطغت رائحة أوراق الأشجار المحترقة على أي عطر كان يفوح من حديقة القصر، بعض الأصائص حملت أزهار ذبلت نسبياً وفقدت بتلاتها معظم مائها والأخرى تساقطت سبلاتها وتبعتها البتلات، حتى أن مدخل القصر بدا وكأنه فرش بطبقة خفيفة من الحشائش البنية وصفق الشجر الجاف. على الرغم من أن حارس الحديقة بذل قصارى جهده حتى لاتفقد نضارتها إلا أن كل مافعله ضاع سدى فالشتاء مذهل في نسف أي آمال متعلقة بابهاج النفس بالخضرة والأزهار. ومع ذلك لم يعر أي أحد الأمر اهتمام وهذا ماكان محفز أيضاً للحارس لينسى أمر تجديد الأزهار التالفة لأنه يدرك تماماً أنه مهما حل بحديقة القصر فالدوق فرديناند ينفق كشخص سئم من ماله الذي يمكن أن يقذف بباب خزانته ببساطة ويندفع كالسيل إلى الخارج، لذا لم تكن ترعبه فكرة استقطاع جزء من راتبه.
على الرغم من أن القصر فقد نضارته من الخارج إلا أنه ظل محتفظاً بجاذبيته من الداخل فيماعدا أن الأجواء كانت أشبه بإحدى زنزانات سجن الباستيل المسودة الخانقة، والهدوء السائد مشبع بكل المعاني المرادفة لكلمة بؤس، فكل من في القصر يتصرفون بارتياب ورسمية مقلقة بمافيهم الخدم وكان اغلبهم يتهامسون بحذر عندما يكون الدوق فرديناند بالخارج كون قلقه المتزايد تضاعف بخبر موت البارونين كلاري الذي نزل عليه كالصاعقة وكان ذلك بمثابة نذير شؤم وكأن غمامة سوداء تجمعت فوق رأسه، فأخذ يجول المنزل ويهبط ثم يصعد إلى أعلى في قلق جنوني ويتمتم بكلمات غير مفهومة تارة ثم يدخن غليونه تارة أخرى وكان قد عرض في صحيفة نيوز أن من يجد صوفيا بول بونابرت له مكافأة سخيفة من عند الدوق فرديناند ولاريب أنها أجدى طريقة لجعل الناس يحفرون النمسا حفراً من أجل المال، فالمال مسوغ أساسي لنسيان الكراهية المقيتة للشعب تجاه الدوق وإنه كما قال الدوق جونز أورويل عندما قرأ الخبر على الصحيفة:
" المال هو الوقود الأساسي الذي يٌستخدم ضد المتخاذلين، وهذا الماكر استطاع أن يحرك أعداءه بمهارة". وبالفعل في غصون يومين من نشر العنوان تلقى قصر براغنازا عدد هائل من البرقيات والرسائل من الناس يخبروه فيها عن فتيات تطابق أوصافهن صورة الدوقة صوفيا وكان الدوق فرديناند أرسل عدد كبير من حاشيته وقوات شرطة تابعة للبلاط للتأكد من هوياتهن لكن الدوقة صوفيا كانت كمن انشقت به الأرض وابتلعته أو كما قالت إيفلين تبخرت في الهواء، وفي تلك الأثناء كانت الأشاعات بلغت حداً مذهلاً وقد اخذت صحيفة نيوز والوفاق اليومي تتحدثان عن فتاة غريبة كانت متواجدة قبل اندلاع الحريق بفترة وجيزة بافادات أحد المارة من القرية التي يقطن فيها البارون والبارونة كلاري، واخذت نظريات أخرى تنهال عن أن أبناء البارونين تم اختطافهما من قبل أحد أعوان ريتشارد كارلو مثل ماحدث تماماً مع ابنة الدوق فرديناند.
جلب أحد الخدم عدد هائل من الصحف ووضعها أمام رولاند وكان الأخير يبحث كل يوم بيأس عن أي أخبار تخص جيرارد وباتريشيا وهذا مايشغل باله كثيراً هذه الأيام خصوصاً وأن القلق سيطر عليه مثلما حدث لوالده عكس إيفلين والتي بدت هادئة وتأملية أكثر من اللازم بعد الأحداث الأخيرة، ولم يستطيع الخدم التمييز ماإن كان ذلك إثارة أم قلق أم لامبالاة فلغة التعبير تبدو مختلفة قليلاً عندما يتعلق الأمر بالدوقة العظيمة إيفيلين. أخذت وعلى غير العادة إحدى الصحف التي وضعها الخادم أمام رولاند وقالت بلهجة يشوبها الفضول:
"أي أخبار؟"
هز رولاند رأسه ببطء.
"أقصد أخبار تتعلق بأبناء البارون "
أجابها رولاند وهو يبعد الصحيفة عن وجهه وقد كسى ملامح وجهه انهاك شديد يعبر عن مدى الألم الذي يشعر به جراء الأحداث الأخيرة:
" إنهم لا يذكرون أي شيء سوى ريتشارد كارلو وأمور أخرى في صحيفة الوفاق تخص ديون الامبراطورية.لو أن جيرارد بخير اتمنى فقط لو"
قطع رولاند كلامه لأن أحد الخدم أعلمه عن وصول رسالة تخصه، أخذ رولاند الرسالة وهو في حيرة عندما أخبره الخادم أنها من فيينا والعنوان واسم المرسل مجهولان تماماً، أصيبت إيفيلين هي الأخرى بالفضول وأخذت تقول وهي تنظر لرولاند وهو يهم بفتح الرسالة بصبر نافذ:
"أخشى أنها الطريقة المثلى لآل هابسبورغ للحفاظ على السرية، لا أطيق صبراً حتى أرى خط الرسالة المنمق"
"إنها ليست من البلاط. آه"
التفت رولاند بسرعة إلى الخادم وحدق فيه مطولاً ثم إلى إيفلين وهتف بعدم تصديق:
"إنها من جيرارد"
كانت الرسالة مكتوبة بعناية فائقة وكانت أطول من أي رسالة تلقاها رولاند من جيرارد لذا تردد رولاند قليلاً ولم يكن واثقاً ماإن كانت فعلاً منه أم شخص آخر يريد أن يلعب معه، فجيرارد لم يكن من
الأساس يرسل له رسالة بها أكثر من سطرين لو اسهب فيها اكثر من اللازم. بدأ رولاند يقرأ الرسالة وهو يشعر بأن مسمار حاد يغرس في منطقه صدره كلما توغل أكثر في القراءة، حيث لم يكن يتوقع أن جيرارد شخص يمكن أن يصاب بمثل هذه الأحاسيس كبقية البشر.
" عزيزي رولاند
أعتذر لأنني لم أجد الوقت ولا الكلمات المناسبة لأراسلك بمجرد أو أشفى قليلاً من محنتي ولو أن الأمر مازال بالنسبة لي حلم مروع، لقد قمعت نفسي قمعاً حتى استطيع كتابة كلاماً مستقيم إذ أنك كنت ستجد مخلوق هزيل قبل ذلك لولا مساعدات عمتي، لقد مضى اسبوعاً كاملاً على وفاة والديّ ومع ذلك مازالت الأحداث تتردد في ذهني كأنها حدثت بالأمس، ولأصدقك القول خطر في بالي أن اراسلك بمجرد أن صعدت على عربة عمتي البارونة مارغريت لأنني أعلم أنك الشخص الوحيد الذي يمكن أن تقلق علينا قلقاً حقيقياً ولأريحك من تلك الشائعات السخيفة التي تلقي بها صحيفة نيوز وكأن قضية حرق منزل البارونين كلاري لعبة مسلية تثير الاهتمام وعلى الجميع أن يشترك في حلها، ولاضير باخبارك أن البعض هنا في فيينا يرون أن البارون جيرارد وباتريشيا قاما بحرق المنزل لأن ريتشارد كارلو رجل الجحيم هددهما بفعل ذلك، لكنني أعجب من كون هناك شيء يمكن أن يهدد به المرء أكثر من والديه، وطبعاً لولا تصرف عمتي العزيزة مارغريت لكنت قد قرأت مثل هذه التراهات في صحيفة نيوز بما أن عائلة البارون كلاري بالنسبة للبلاط مجرد عائق كبير ولولا أنني اخشى وقوع هذه الرسالة في أيدي أحدهم لأخبرتك بالمزيد عن ذلك.
رجاء لاتحاول أن تأتي إليّ أو تبحث عن منزل البارونة مارغريت زيارتك لن تجدي نفعاً في الوقت الحالي أود منك رداً بسيط يؤكد لي أنك فعلاً من استلم خطابي هذا. ورجاء آخر لاتدع شخص آخر يقرأ هذه الرسالة ويسرني أن تحرقها على الفور بما أنها قد تسبب طنين مزعج لبعض الأشخاص في قصر براغنازا. إن حالنا أصبح اسوأ بكثير حتى مع الجهود المضنية التي تبذلها عمتي والسيد ويليام مع باتريشيا فقد بات الأمر وكأن تعويذة سحبت الروح من جسد الفتاة، ولن أبالغ لو قلت لك أن يوم الحادثة كان أفضل بمئة مرة من الأيام التي نعيشها الآن ويبدو أننا أدركنا حقيقة الأمر، نعم حقيقية أننا غدونا يتيمان بلا أب أو أم مؤخراً إذ يبدو أنه في ذلك اليوم أن الصدمة خدرت عقولنا وجعلتها مخمورة، إن باتريشيا لا تبدو حزينة جداً بمعنى أنها لاتبكي وتنتحب طوال الوقت كماتفعل الفتيات عادة عندمايفقدن أشخاص أعزاء، ولكن أشبه بمخلوق ضعيف نسى كيف يتحدث مع البشر أو نسى فجأة كيف كان يعيش حياته، إنها بالكاد تتحدث وعندما يخبرها السيد ويليام أننا جميعاً ماضون إلى حيث ذهب والداي تجيبه بكل برود "لم أطلب منك أي نوع من المواساة " ثم تنطلق إلى غرفتها حيث تظل في فترة سبات إلى أن يأتيها اشعار من عمتي أن تترك غرفتها قليلاً، ببساطة باتريشيا كلاري السيئة أصبحت أكثر سوءاً من أي وقت مضى، وهذا مايجعل الأمور أكثر تعقيداً، ومع ذلك عمتي تقول أننا نتغذى على شيء يفتقر إليه اغلبنا عندما نروض أنفسنا على تحمل الظروف المأساوية. لكن أتعلم يارولاند لقد عرفت الآن كيف تكون الحياة البائسة بالمعنى الحرفي للكلمة عندما تجولت في شوارع فيينا لأرسل لك خطابي هذا، إن الظروف السيئة تجعلك تظن أنه لا أحد مثلك تعرض لذلك الكم الهائل من العذاب الذي تعرضت له، ويؤسفني اخبارك أنني أشعر بذلك ومازلت أشعر به إلا عندما يقاطع ذهني ذلك المشهد عندما أرى فقراء فيينا يموتون جوعاً وهم ملقوون كأورواق النفايات في قارعة الطريق، إن الوضع هنا مزري للغاية ولن يسرني أن أقول لك أنني أتجاهل وضعهم بلا مبالاة عندما تهاجم صورة النار وهي تحرق أبواي عقلي بكل قسوة إنني لن أنسى ذلك ماحييت.
عزيزي رولاند إنني أدعو من أجل أن يدوم سلام الإمبراطورية التي تنهار سقوفها فوق رؤوسنا واحداً تلو الآخر، وأرجو من أعماق قلبي أن تكون الدوقة صوفيا بول بونابرت بخير، أرسل تحياتي للدوق فرديناند والدوقة إيفليين، وإياك أن تنسى ما أخبرتك به في مقدمة الرسالة وحاول أن تجعل الأمر بالغ السرية قدر الإمكان.
أؤكد لك أن هذه الرسالة من البارون جيرارد عاثر الحظ بما أنك تشكو من قلة كلامي وجمودي الذي تقول أنه غير طبيعي، لكن وسأقولها لك مرة واحد لا أكثر شعرت فقط بأنك الشخص الوحيد الذي يمكن أن أبوح له بمايثقل صدري ولك أن تتخيل من هذا الاطناب كم أشعر بيأس وفراغ مميتين.
المخلص:جيرارد كلاري. "
"ما كل هذا المكتوب؟ "
بالكاد وصل صوت إيفلين إلى مسامع رولاند حيث أنه ولشدة دهشته لم يستطع أن يستوعب الكثير من الفقرات حتى أنه كان على وشك أن يعيد قراءة الرسالة لولا سماعه صوت رنين حلي وخشخشة فستان إيفلين الثقيل والمبهرج أكثر من اللازم وهي تهب بالوقوف.
"آه إنه.."
وعاود النظر مرة أخرى إلى الرسالة التي في يده ثم أكمل بنبرة يشوبها الحزن وقد غطى شعره الأشقر والذي أصبح أطول بكثير وأكثر تموجاً من السابق وجهه:
" يقول أنه بخير، إنهما مع عمتهما البارونة مارغريت كلاري بفيينا"
قالت إيفلين بطريقة لم يستطع رولاند أن يميز ماإن كانت خيبة أمل أم ارتياح:
"فيينا إذاً..ولم تكن حادثة اختطاف كما تقول صحيفة نيوز"
" إنها..نعم لم تكن"
بدا رولاند مشوشاً جداً بعد قراءته لرسالة جيرارد حيث أنه لم يألف ولم يتوقع أن جيرارد يمكن أن يتحدث مع أحدهم بهذا الشكل والذي يبدو مؤثراً إلى حد بعيد لشخصية كتومة مثله، داهمته إيفلين مرة أخرى:
"لماذا الرسالة بهذا الطول؟ماذا كتب فيها؟ "
"إنه لا شيء حقاً ياعمتي، إنه فقط..إنه يشعر بالاحباط الشديد"
ابتسمت ايفلين بسخرية وقالت بصورة استهجنها رولاند بشدة:
"يرغب في بعض الكلمات الشاعرية إذاً، لم يكن ذلك المدعو جيرارد ميالاً لهذا الأسلوب أبداً"
رد عليها رولاند بسرعة:
"ربما تشعرين مثله إذا مات والداك بنفس الطريقة التي مات بها البارونيين كلاري"
كانت الكلمات بمثابة صفعة قوية على خد إيفلين وأخذت تتحدث بايقاع بطئ خطير وهي تصر على أسنانها:
"لماذا توجه لي مثل هذه الكلمات يارولاند؟! إنك تجبرني أن أذكرك بأن والداي هما أجدادك على أي حال"
"إنني أسف اردت فقط أن تعرفي كم يكون الأمر مؤلم، إن جيرارد يهلك حياً وأكاد أجزم بذلك"
جلست إيفلين بعنف شديد واشاحت بوجهها بعيداً:
"ساقولها صراحة..شعرت بالأسى للطريقة التي ماتا بها أكثر من موتهما، ولا يعني ذلك يارولاند حتى تتوقف عن النظر إليّ وكأنني كومة بصاق مقرفة أنني كنت أتمنى ذلك لكن أساليب البارون كلاري لم تكن تعجبني أبداً لقد كان يوجه أتهامات لايمكن لأحد أن يقول أنها علانية في سياسية الإمبراطور شخصياً"
رد عليها رولاند ببرود:
"إنني لا اهتم"
قالت إيفلين بسخط وازدراء:
"جيد أخبر والدك إذاً أنك لن تهتم بشخص يتعرض للإمبراطورية بسوء"
"اسمعيني..موضوع جيرارد وانتقاد البارون كلاري للإمبراطور منفصلان تماماً، وهذا لايغير من حقيقة أنه مات وأصبح لاشيء"
"وحقيقة أنه مات لايغير بالمقابل حقيقة أن البراغيث التي كانت تدور حول دماغه ستنتقل لابنائه"
نظر رولاند إليها بحذر ثم قال بهدوء:
"جيرارد غير مهتم بالسياسة، بالكاد يستطيع أن يشكل في رأسه أفكار لتذكره أنه مازال حياً دعك من الأمور التي يجدها سخيفة وهو في كامل قواه العقلية"
دفعت إيفلين خصلات شعرها الأشقر باختيال للوراء:
"سيتعافى من صدمته قريباً"
لم يرد عليها رولاند وهو قد علم من خبرته الطويلة أن مناقشة إيفلين أو أي محاولة لتغيير تفكيرها لن تؤتي بثمارها، وفي النهاية ستنقلب ضدك أو ستصبح مستقبلاً لو جادلتها أكثر من مرة أحد أعداءها.
قبض رولاند بقوة على رسالة جيرارد وهو ينهض بتثاقل من إحدى أريكات قصر براغنازا ذات الطابع الملكي وقال وهو يحاول أن يبدو لطيفاً قدر الإمكان:
"ينبغي أن نكون ممتنين أن الأمور لم تصبح معهم أسوأ مماهي عليه الآن"
"لم أكن مقتنعة من الأساس بفكرة اختطاف شاب مثل البارون جيرارد إنه يعرف كيف يتصرف وأكبر من أن يتعرض لشيء كهذا"
ولأول مرة ينطق رولاند بشيء يجعل إيفلين في غاية الذهول، وكان الكلام قد قفز من لسانه دون أن يشعر بذلك، لكنه كان معبراً جداً عما يدور في خلده:
"الأمر ذاته ينطبق على صوفيا"
ظلت إيفلين تحدق فيه وحاجبها معقوداً في دهشة ثم قالت وهي تقف وتتجه نحوه لتحيطه بذراعيها الرقيقتين بسعادة وهذا يعني أن افكارها تطابق تماماً ما قاله رولاند:
"يعجبني أنك تفكر بمنطق لأول مرة بشأن تلك المخلوقة صوفيا، لا أعلم لمَ الجميع ينظر إليها كعصفور صغير برئ"
ارتبك رولاند قليلاً وأجاب:
"الأمر ليس كما تظنين..إن كان جيرارد بخير فلاشيء يمنع من أن تكون صوفيا بخير أيضاً"
عبست إيفلين قليلاً:
"لا تحاول أن تتخلص مني بهذه الطريقة إنني لن أمانع لو أن صوفيا حفرت لنفسها قبراً قبل أن يُحفر لها، لكن تذكر أنها أختك بعد كل شيء كما كنت تردد كالأبله في أي مناسبة اذكرك بأفعالها"
ابتعدت ايفلين عنه ومن ثم أكملت كلامها كمن تذكر شيئاً:
"وشيء آخر.. هلا خلعت قبعتك بمجرد دخولك المنزل يارولاند"
ابتسم رولاند لها وقال:
"وهلا توقفت عن إغراق نفسك بالعطر بهذا الشكل"
أصدرت صوتاً ينم على الضجر وخطفت بغيظ كاساً من عصير العليق قدمه لها أحد الخدم وهي في طريقها لغرفتها بالأعلى وشعرها الأشقر الطويل يتلوى يميناً ويساراً مجبراً على اللحاق بها:
"توقف أنت ووالدك عن قول مثل هذه السخافات إننا لسنا في حرب"
اخر تعديل كان بواسطة » شارون فينارد في يوم » 23-12-2020 عند الساعة » 17:39
كان رولاند سعيد بأن الأمر مع إيفلين انتهى بهذا الشكل، ولم تكن مهمة التخلص منها بالأمر السهل حيث أنه كان ينوي قراءة رسالة جيرارد مرة أخرى ليتخلص منها ثم يرد عليها في أقرب فرصة. صعد لغرفته بعد أن تأكد أن الوقت يكفي لكتابة رسالة قبل أن يحين وقت وجبة العشاء وأخذ ورقة شمعية اللون وختم والقليل من الحبر الداكن وشرع يكتب بتمهل رسالة لجيرارد، ولأن الرسالة كانت طويلة بشكل لاتسمح له بقراءتها مرة أخرى ثم قراءتها للمرة الثالثة لكي يرد عليها، أخذ يقرأ الرسالة للمرة الثانية وهو يرد على جزئياتها في نفس الوقت. وكان قد كلفه ذلك التخلي عن القهوة التي طلبها عندما طرق أحد الخدم باب غرفته، ولما كان رولاند معتاد على الرد على الرسائل والبرقيات التي ترسل لوالده فلم يجد أي صعوبة في البدء بالكتابة وحاول بقدر الإمكان أن يتصيد كلمات توحي بمدى تأثره برسالة جيرارد.
انهى رولاند كتابة الرسالة في فترة وجيزة وأعاد قراءتها مرة أُخرى قبل أن يضعها في ظرف منقوش باللون الذهبي وقد جعل الشمعة الحمراء تسيل على طرف الظرف. أول شيء فعله بعد ذلك هو أن القى برسالة جيرارد داخل المدفئة وراقبها حتى تيقن أنها تحولت لرماد كلياً ثم بدل ملابسه بعدها لأن آثار الرماد تطايرت عليها وارتدى بذلة سوداء عادية بمعطف طويل مشابهة لتلك التي يرتديها أي رجل محترم يسير في أحد شوارع سالزبورغ وقبعة جلدية ناعمة الملمس فبدت ملائمة مع مظهره وعينيه الخضراويتين وكان لأي شخص يرى رولاند هكذا سيظن أنه رجل انجليزي ينحدر من أسرة عريقة حيث أن أنفه الطويل والمستقيم يعطي هذا الطابع بامتياز.
كان من المستغرب بالنسبة للعاملين بقصر سالزبورغ أن يروا الدوق رولاند بنفسه يرفض أي خدمه للمساعدة في توصيل الرسالة لفيينا لأنه أراد أن يكون الأمر كما قال جيرارد سري. والأكثر استغراباً أنه رفض أيضاً أن يستقل أي العربات الخاصة بعائلة فرديناند حيث أنه فضل أن يمضي في رحلته بعربة عادية حتى لايلفت نظر العامة وهو يدرك تماماً ماالذي يعنيه أن يسير وسط الدوقية بعربة تحمل أحد شعارات العائلات النبيلة.
بعد أنهى رولاند مهمته قرر أن يعوض نفسه بكوب قهوة بدلاً عن ذلك الذي تخلى عنه سابقاً، وكانت هذه أول تجربة له في المقاهي حيث أنه لم يعتد أن يتجادل أو يخوض في نقاش حاد مع أحد الغرباء ثم ينتهي الأمر بمطاعنات عنيفة قد تتسبب بطرد أحدهم أو إغلاق المقهى كلياً في النهاية، وكانت هذه أحد الأسباب الوجيهة التي تجعله يبتعد نهائياً عن المقاهي.
جلس مقابلاً لرجل في الأربعين من العمر يدخن غليونه ولم يكن رولاند واثقاً من اختياره لأن الرجل بدا عليه وكأن مجالسة رولاند له قد ازعجته قليلاً على الرغم من أنه لم يرفع عينيه عن الجريدة الممسك بها، أخذ الرجل يقلب صحيفته بشغف شديد وهو ينفث دخان كثيف ورولاند الذي كان ينفر من التدخين سأل الرجل بتهذيب:
"سيدي لو كنت ازعجك.."
رفع الرجل رأسه نصف الأصلع ببطء وأخذ يحدق في رولاند مطولاً باهتمام ثم أجاب:
"دقيقة واحدة وكنت ستُطرد لو لم تكن شاب بهذه الوسامة"
ونفث دخان كثيف مرة أخرى في وجهه رولاند ففكر الأخير أنه لن يستطيع أن يتحمل موجات الدخان التي ستُنفث في وجهه في المرات القادمة، فقال بصورة تمنى أن توحي للرجل أنه ينفر من التدخين:
"معذرة ولكن ألا ترى أن الجو هنا خانقاً بشكل لايُطاق"
رد الرجل بشكل وقح جعل رولاند يصمم على الرحيل فوراً:
"لستَ مجبراً على البقاء، كما أن جميع من في هذا المقهى حثالة ليس كما تبدو أنت"
"سأغادر إذاً "
"اجلس لم يكن مقصدي أن أجعلك تغادر لكنني استشعر متعة خاصة عندما ادخن قبل أن ارشف قهوتي لكنك أيضاً لن تتفهم ذلك"
حملق فيه رولاند لثوان ثم جلس مستسلماً وقال منبهاً الرجل للمرة الثانية:
"حسناً ولكن رجاء توقف عن نفث هذا الكم الهائل من الدخان أمام وجهي"
لم يجب الرجل ولكنه وضع غليونه على الطاولة وكانت هذه اشارة لانصياعه لأوامر رولاند، ثم بدأ يقرأ سراً أحد عناوين الصحيفة التي يمسك بها باهتمام بينما كان رولاند ينظر من خلال النافذة إلى المارة وبائعي الصحف والأسمال.
"هذا آخر ما نحتاجه، تعديل في ميزانية الموظفين، زيادة الضرائب للفئات الوسطى، التوقف عن تزويد البنوك بالمال، وتحديد مبلغ معين للحد من الصرف الزائد للبنوك ، بحق الخالق لو كان هؤلاء المسؤولين يرغبون في شيء يثير الضجة أكثر مما هي عليه الآن فقد فعلوا بهذه الترتيبات البلهاء"
"هاقد بدأنا"
قالها رولاند في سره وهو يعلم تماماً أن أحد أنواع المجادلات والتي يمكن أن تحرمه من قهوته للمرة الثانية قد بدأت لذا التزم الصمت وتابع في مراقبته للمارة بهدوء، رفع الرجل بصره بحدة عندما لم يتلقى رداً على كلامه وقال مهدداً:
"تبدو لي أحد المناصرين للأوتوقراطية البغيضة"
واصل رولاند تحديقه بالنافذة وقد ندم كثيراً لقراره بالمكوث في أحد المقاهي، ولم يكن يريد البدء في أي نقاش فقد خاض واحداً قبل لحظات مع عمته إيفلين، رد عليه قائلاً:
"إنني غير متحزب ولا تصنفي تحت أي فصيلة سياسية"
"هراء..إن كان هناك شخص يقول أنه غير متحزب في مثل هذه الأوضاع التي تمر بها الإمبراطورية فهو أرستقراطي بلا ريب..والآن لنكن أكثر صراحة هل أنت أرستقراطي كما تدل قسمات وجهك النضرة؟"
عدل رولاند من وضعيته عندما قدم له النادل كوب القهوة وحاول ألا يبدي أي تأثر بكلام الرجل:
"لااعتقد أن الأرستقراطيين قد تسول لهم أنفسهم بالمجيء لمكان كهذا، وإن كان هذا سبب اصرارك على ابقائي بجوارك فاسمح لي أن اغادر فوراً"
ألقى الرجل جريدته على الطاولة وتناول كوب قهوته بعد أن تأكد أن رولاند قد أزعجه سؤاله وهتف:
"أحب التطلع للشبان الممتلئين بالطاقة ومعرفة وجهات نظرهم، لكن يبدو أنك لاتملك أي وجهة نظر خاصة كما هو الحال مع أبناء الأرستقراطيين الخطيرين"
أجاب رولاند وهو يجاهد نفسه لكي يحافظ على هدوء أعصابه:
"وجهة نظري قد تسبب في طرد كلانا من هذا المكان، وعلى أي حال لست مستعداً لافتعال المشاكل مع المتعطشين لإثارة الضجة"
"أرأيت؟! هذا برهان آخر أنك فعلاً رجل نبيل"
رد رولاند بلامبالاة:
"لنفترض أنني أرستقراطي، ماذا في ذلك إذاً؟!"
ابتسم الرجل بخبث وقد برقت عيناه الرماديتان تحت الأضواء:
"ها أنت تعترف، كونت؟ ميجر؟ أم لورد. بالنظر لهيئتك المتواضعة لايمكنني الجزم بأنك دوق بل يستحسن ألا تكون كذلك لأن العواقب عندها لن تكون محمودة"
وقف رولاند بهدوء بعد أن أكمل كوبه وقال:
"بغض النظر عماتنوي فعله أو قوله لا يمكنني المكوث هنا أكثر من ذلك"
تنهد الرجل بعمق:
"لاتتخذ موقفاً من كلامي معك في بادئ الأمر. إنني لا أنوي سوءاً وماكنت أقصده من العواقب أنك ستعلم أشياء لن تسرك لو كنت دوقاً حيث أنه ياسيدي لن يخطر على بالي شخص يحمل لقب دوق وبشعر أشقر مثل الذي تمتلكه إلا وايقنت أنه ابن ذلك الدوق فرديناند"
ظل رولاند يحدق في الرجل للحظات ثم ابتسم بسخرية وقال:
"إذاً ماذا تريد؟"
اتسعت ابتسامة الرجل بانتصار ثم فرك يديه معاً بحماس:
"خطر في بالي أنك هو بمجرد أن رأيتك، كيف تصدق أن شخص مثلي قد لا يتعرف على الدوق رولاند"
أبعد رولاند الكرسي قليلاً عن الطاولة ليجلس مرة أخرى وسأله باهتمام:
"ومن تكون؟"
"قبل أن أكون أي شيء آخر فأنا في المقام الأول مناصر للديمقراطية ومن أكبر أعوانها"
"هكذا إذاً.تريد أن ترمي لي بأي كلمة لم تقوى على قولها علناً أمام قصر براغنازǿ هل تراني أعزل الآن أم مجرد شاب نبيل وسط مجموعة من الدخلاء القذرين؟"
أحمر وجه الرجل من الغضب وضرب بقبضة يده الطاولة لدرجة أن جميع الزبائن التفتوا إليهم، ظل وجه رولاند ساكناً وكأن شيئاً لم يحدث. قال الرجل وهو يهتز بانفعال:
"كيف تجرؤ أيها الذبابة النتنة!"
"اهدأ..أنت من بدأ كل هذا"
أخذ الرجل نفساً عميقاً ليهدئ من روحه الهائجة وقال بعد أن تأكد من أنه لن يثور كالثور مرة أخرى:
"كن موقناً من أنني يمكنني ابقائك هنا رغماً عنك فلقد ابتسم لي الحظ اليوم بشكل لم أتوقعه"
لم ينطق رولاند بشيء وواصل الرجل حديثه:
"يبدو أنك فعلاً لا تدري من أكون. هل تتذكر مقابلة مصرف تلسون العام؟ لقد كان يوماً بارداً جداً وعصيب عندما تقدم أحد فرسان قصر براغنازا من أجل توصيل الدوقة صوفيا بول بونابرت إلى مصرف تلسون. وعلى مايبدو أن لديها مقابلة مع شخص اسمه جونسون إن لم تخن ذاكرتي. من حسن حظكم أنني كنت بالقرب من قصر براغنازا في الوقت الذي كانت فيه العربات الخاصة بالدوق فرديناند بحاجة لمتكفلين جدد"
استولت الصدمة على رولاند الذي كان قبل لحظات يظن أن الرجل يسحبه ببطء ليدلي عليه ببعض الملاحظات التافة التي لاتهمه وقال وقد استقرت عيناه على عيني الرجل بحدة:
"هل كنت هناك يوم ذهاب صوفيا للمصرف العام؟ لقد كان الظلام حالك السواد كما أن أحد فرساني ويدعى جافرش هو من استأجرك باسمي ولست أنا"
تبادل الرجلان النظرات لبرهة ثم أكمل رولاند كلامه بغير اقتناع:
"هل تنوي نصب مكيدة كاذبة لتصطاد بعض المال؟!..لايبدو لي اسلوبك في الكلام أسلوب شخص مهذب يحترم ذاته"
أخذ الرجل غليونه مرة أخرى ثم اشعل الثقاب وهو يخاطب رولاند:
"إنك تجعلني مضطراً لتأويل كل شيء..جرى في تلك الليلة نقاش ودي بسيط بينك وبين الدوقة صوفيا داخل خميلة قصر براغنازا للحظات ثم صعدت العربة بعد ذلك هي وذلك المدعو جافرش، وكان الضباب الكثيف يغطي كل شيء حولنا عندما وصلنا لمصرف تلسون العام حيث التقت الدوقة صوفيا برجل غريب هناك وتبادلا حديث سريع ثم أمرني ذلك الرجل وكان بهيج الطلعة أن أقلهم إلى مكان ما بالقرب من فيينا، ولم يكن ماحدث بعدها أمر يرغب المرء في ذكره أبداً"
سأله رولاند وكان يرغب في عدم تصديق الرجل ولكنه وجد نفسه مجبراً علي أخذ كل كلمة يقولها بجدية:
"ماالذي حدث في تلك المنطقة الأشبه بالتلال؟"
ضحك الرجل وكأن ماقاله رولاند نكته طريفة وأخذ يهتز للأمام والوراء وهو يضرب براحة يده الطاولة فظن رولاند لوهلة أن الرجل غدا مجنوناً:
اخر تعديل كان بواسطة » شارون فينارد في يوم » 29-03-2021 عند الساعة » 11:50
"أيها الدوق رولاند يبدو أنك لم تفهم جيداً المغزى من كلامي عندما قلت لك أن الحظ ابتسم لي اليوم بشكل لم اتوقعه"
اخرج رولاند محفظة نقوده بسرعة وهو يقول بغيظ:
"فهمت..لم يخطئ حدسي عن كونك رجل متسول ومحتال يدعي ديمقراطية لن يكون لها وجود من الأساس..كم كرونة تريد؟ليس معي الكثير"
نظر الرجل إلى رولاند باحتقار كبير وقال:
"إنني غير مدعي ولاتتحدث عن الديمقراطية باستخفاف كما يفعل ارستقراطيي سالزبورغ الجهلاء.. فقط اعلم أنني لن اقدم لك معلوماتي بلامقابل وعدني أنك ستمنحني جائزة الدوق فرديناند لو كان لماسأقوله لك أي نفع أو ألقى الضوء على مكان الدوقة صوفيا"
أخرج رولاند عدد ضخم من الكرونات أمام الرجل ثم هتف:
"تحدث الآن"
"هل ستعدني بأن الجائزة المعروضة في صحيفة نيور ستكون من نصيبي؟"
"حسناً نعم.تحدث بسرعة حباً في الله"
دنا الرجل من رولاند حتى أصبح وجهة الممتلئ بالقروح والجروح الحمراء العميقة قريباً بشكل مربك وقال بنبرة مهددة:
"اقسم لك أنك لو خدعتني أيها الدوق رولاند لن أتوانى ولو للحظة واحدة أن أتي إليك بصنارتين لاصيدك من قصر براغنازا"
جمع الرجل النقود التي القى بها رولاند أمامه وحشرها باحتراس داخل جيبه، ثم سحب نفساً عميقاً قبل أن يبدأ حديثه وقال:
"تمت مهاجمتنا ونحن بالقرب من التلال بواسطة مجموعة من المتفلتين، لقد حاول المدعو جافرش أن يتصدى لهم ولكن المجموعة كانت مسلحة بأسلحة خطيرة مرعبة، تخيل معي عشرة سواطير يمكن أن تُقتلع بها رقبتك بضربة واحدة وعدد من آلات جَذّ الأشجار الحادة وسكاكين تم شحذها بعناية ثم توجد تلك الكماشات المصنوعة من الفولاذ الصلب كل ذلك مقابل رجل واحد هزيل يمتلك سيفاً حاد الحواف ذو مقبض جلدي لابأس به، ولأكون صريحاً فقد أظهر ذلك الجافرش مجهوداً جباراً وصمد بشكل لن يألفه أي رجل لو حل محله، فقد كان مصمماً تصميماً حاراً على حماية الدوقة صوفيا"
قرع قلب رولاند بقوة وقال مذعوراً لدرجة أنه لم يبالي بكومة الدخان الذي نفثها الرجل في جهه:
"وماذا بعد؟"
"كانت الدوقة صوفياً مفزوعة جداً وأخذت تصرخ بانفعال لجافرش أن يتوقف عما يقوم به و كانت على حق في ذلك فالرجل هوجم بوحشية مخيفة وأخذ يُركل ويصفع ويُجر من كل جانب ولو أنه كان سيقطع كالجزر إن كان لأولئيك الملاعين العزم الكافي للقتل، أماجونسون ذلك وقف متيبساً في مكانه وهو يراقب مايحدث كالنعامة. ثم احتدم القتال أكثر مما هو عليه وفقد جافرش وعيه وتلته الدوقة صوفيا وكان المتسلحين قد اتجهوا صوب جونسون ليلقنوه درساً هو الآخر، انتهزت الفرصة للفرار وعدوت بسرعة مذهلة لم اعدو مثلها قط في حياتي كلها وقد حاول أحدهم اللحاق بي وكان على وشك أن ينجح في ذلك فقد ارتطمت بالأرض وسقط هو الآخر خلفي وكأنه لم يتوقع سقوطي المفاجئ لكنني تخلصت منه بمعجزة إلهية، أترى هذا الجروح التي تغطي وجهي؟ لقد تسبب لي بها ذلك اللعين الذي طاردني باصرار دنئ"
فتح رولاند فمه ثم أغلفه ثم فتحه مرة أخرى وكأنه نسي كيف يتحدث، عثر على صوته أخيراً وقد كان ضعيفاً وخشناً وهو يقول:
"يسعدني أنك مازلت حياً، لكن أخشى أنك ستفقد حياتك قريباً لو أن شخصاً مافقدها"
أطلق الرجل نخيراً ساخراً وقال بصوت أجش وهو يضع غليونه على الطاولة وقد اشتبكت أصابع يديه معاً:
"هل تعتقد أنني السبب فيما حدث لأختك البلهاء؟"
"لماذا هربت كالدجاجة؟ كان عليك مساعدتها على الأقل"
تفرس الرجل في ملامح رولاند وقال بلهجة معسولة يشوبها بعض الاستخفاف:
"عزيزي الدوق رولاند لاشك في أن أي شخص يسمع كلامك الآن سيظنك مختل عقلياً..لاأحد سيحب أن يفقد رأسه في سبيل ابنة الدوق فرديناند..محاولاتي لانقاذ الدوقة صوفيا كانت ستؤدي بنتائج عكسية تماماً"
لم يجب رولاند فواصل الرجل على غرار أن رولاند يرغب في الإنصات:
"شخص ما أمر بألا يؤذي أحد الدوقة صوفيا وهذا مافعلوه، ما السبب الذي يجعلني أهرع لتلك الفتاة بعد أن نقدت ثمن حياتي بين يدي؟!"
تحرك فم رولاند وهو غير راغب في ذلك لكن تعابير الرجل وهو ينظر إليه كالكلب المسعور جعلته يرسم ابتسامة زائفة وهو يقول:
"لو كان ثمن معرفتي ماحدث بعدها هو المال فأجعل فمك اللعين ينطق بالشيء الذي تعرف أنني أرغب في سماعه بشدة"
"عظيم، فتاتكم السخيفة لم تمت..اعطني المال إذاً"
"ليس بعد أن تؤكد لي ذلك..أمازالت حية؟"
طرق الرجل بيديه على الطاولة برفق وطلب كوب قهوة آخر قبل أن يقول لرولاند:
"افترض أنك لن تصدقني لو خرج أي شيء مرادف لكلمة "حية" من فمي اللعين كما تصفه"
"افتراضك في محله، أنت تجبرني على جعل الأمر يبدو كمناوشات لإحدى أقمشة سالزبورغ النفيسة"
ملس الرجل على لحيته المدببة الخشنة وقال بعذوبة:
"معلوماتي نفيسة بقدر سلع سالزبورغ ياسيد رولاند بمعنى أنها تستحق نفس القدر من الاهتمام والترويج والنقد، أنت ذكي بمايكفي لتفهم معنى كلامي ورجاء لاترسم مثل هذا التعبير على وجهك إنه يجعلك أقل وسامة مما تبدو"
تجاهل رولاند الجزء الأخير من تعليق الرجل وحافظ على ملامحه كما يفترض أن تكون بالنسبة لشخص يٌسحب منه المال مقابل كل كلمة تُقال له :
"ما أفهمه منك أن الاتجار بالمعلومات وسيلة أكثر من رائعة لكسب المال"
مرت عدة دقائق تبادلا خلالها نظرات لاذعة قبل أن يدنو منه رولاند وهو يقول بصوت خفيض:
"هل ستفعل ذلك من أجلي إذاً؟ "
ولأول مرة ارتبك الرجل وهو يرد عليه:
"أفعل ماذǿ"
"ماتفعله بي الآن..تتاجر بمعلوماتك لي، لاتقلق ولاتحتار خزينة قصر براغنازا ستتكفل بكل ما هو مطلوب"
بدا العرض مغرياً للرجل لدرجة أن لعابه كاد أن يسيل وللحظة تردد وهو يخاطب رولاند وكان غير واثق مما سيقوله بالضبط:
" سيدي حضرة الدوق رولاند خاطري يقول أنك تعلم أنني لا أعرف أكثر مماأخبرتك به وإلا جعلتك تفرغ جيوبك أمامي وربما اضطررتَ للتخلي عن حذائك وقبعتك أيضاً مقابل معلوماتي"
ضحك رولاند بصخب وهو يقول:
"خاطري يقول أنك ستتخلى بدورك عن قبعتك وحذائك من أجل خزينة قصر براغنازا"
وقف الرجل بشكل مفاجئ بعد أن ارتشف قهوته بسرعة وهو يمد يده لمصافحة رولاند:
"حضرة الدوق رولاند..يسعدني أن أخدمك بأي وسيلة ممكنة"
نظر رولاند ليد الرجل الضخمة المتوردة بشك ثم مد يده وهو يشعر بأنها ستنسحق بلاريب:
"اسمك؟"
أجاب وهو يعدل وضعية وشاحة الصوفي الأخضر حول رقبتة الثخينة وقد ارتسمت ابتسامة سمجة لم يرَ رولاند مثلها في حياته كلها:
"تصرفاتك لاتفتقر للكياسة أيها الدوق رولاند، لكنها لاتفتقر للغباء أيضاً..هل أنا الشخص الذي سأذكرك بالطرق المثلى للدوقة صوفيا أم العكس؟ هل تعتقد أيها السخيف أن الدوقة صوفيا الحذرة ستقول لمخلوق مثلي أنها ذاهبة لمقابلة شخص اسمه جونسون ؟ أو أن قصر براغنازا سيوظف شخص مشبوه مثلي ليقيل تلك الدوقة الثمينة لمصرف تلسون؟ الأدهى والأمر أنك لم تلاحظ أن جروحي طازجة بالنسبة لحادثة مضى عليها عدة أشهر. الشيء الوحيد الذي يجعلك لاتستاء من موقفك الفج أن القصة لم تخضع للتحريف الكامل غير أنني اضفت بعد الملاحظات هنا وهناك لتبدو أكثر منطقية، الدوقة صوفيا حدث لها ما أخبرتك به فعلاً...والآن ياسيدي لندعك تخمن من أين لي بكل هذه المعرفة؟ "
اشاح الرجل بوجهه عن رولاند الذي كان مبهوتاً لأقصى درجة، كانت السماء في الخارج اصبحت ملونة بالرمادي الكئيب في خضم البرودة التي استولت على مقهى قوس المطر بشكل مفاجơ قال الرجل وهو يخطو بعيداً عن رولاند:
"شخص ثرثار كان في غمرة ألم فظيعة حرى به أن يضرب بالحذر عرض الحائط آن ذاك، نعم شخص ثرثار اسمه جافرش ظن أنه سيموت قبل أن يجد نفسه ممدداً في فراش منزلي"
وغادر الرجل وهو يشعر بالظفر والسعادة تغمره، فإذا به يلتفت لرولاند ويعود فجأة:
"ينادونني العوام بمارفل المجنون ومارفل رأس القربة لكن عدني أن أتلقى منك تصرفاً يليق بأرستقراطيين، اتفاقنا مازال قائماً أيها الدوق رولاند"
اخر تعديل كان بواسطة » كاروجيتا السيان في يوم » 26-12-2020 عند الساعة » 01:32 السبب: تم التعديل بناء على الطلب ^^
كانت رياح الشتاء حادة كالسكين تصفع أوراق أشجار الدردار الأحمر بقسوة مما جعلت الفروع تهتز ناثرة معها بعض الوريقات البنية الجافة صانعة فوضى ودوامات في الهواء، وعلى الجانب الآخر من الدردار الأحمر وقف صف من أشجار الجوز الأسود بانتظام تحيط به ثمار الجوز الأسود الخشنة وقد اكتسى لحاء الأشجار بلون رمادي متسخ. وأسفل كل شجرة انتصب عمود حديدي أسود ينتهي بتمثال على هيئة طائر العنقاء مطلي باللونين الأحمر الناري والأصفر المذهب على أن يُرى في قلب الظلام الليلي على أنه طائر عنقاء محلق في فضاء الشتاء وكان منظر عشرون تمثال من طيور العنقاء المصطف مع أشجار الجوز الأسود بجوزها الناضج والدردار الأحمر بصفقها المتناثر على الجليد جعل المكان يبدو كإحدى لوحات الأساطير الإغريقية الشاحبة.
حلق غداف أسود وهو يمطر السماء بفضلاته وقد صنع نصف دائرة ماراً بالتماثيل النارية قبل أن يحط على النافذة ويلتقط بمنقاره القصير الذرة بسرعة وهو ينقر على حواف الخشب صانعاً صوت أشبه بالجلبة، لكن سرعان ما فرد جانحيه مرفرفاً بهما في الهواء صانعاً جلبة أعلى قبل أن يحلق بعيداً وقد ابتلعه الضباب تماماً، عندها وقف رجل في الستينات من العمر يحدق بالنقطة السوداء في السماء وهي تختفي، كان الثلج يذوب على شعره الفضي الطويل وقد ارتدى سراويل واسعة مبطنة بفرو الفقمات وسترة فضفاضة من الصوف والتفت رقبته بوشاح من ريش الأوز الناعم، أغمض العجوز عينيه باسترخاء بعد أن اختفت النقطة السوداء ومن ثم فتحهما مرة أخرى وأخذ يزحف بعصاه على الجليد إلى أن وصل للبقعة التي بها أشجار الدردار الأحمر والجوز الأسود وقد صنعت عصاه خط غليظ على الجليد، وقف عندها وعينيه نصف المغمضتين تحدقان بثمار الجوز وهي ملقيه على الأرض عندها فقط سمع صوت أقدام تقترب منه بايقاع منتظم، تحرك فم الرجل الذي يغطيه شاربه الأبيض دون أن يلتفت للوراء فبدا وكأنه يمضغ شيء ما، قال بصوت مبحوح وهو يشبك يديه وراء ظهره:
"أخبرني ياداريون.. ما أول مصيبة تخطر ببالك عندما تصادف غداف أسود؟ "
كان داريون شاب في العشرين من العمر بهي الطلعة له شعر فضي يصل لرقبته شبيه بذلك الذي لدى رجل الستينات، ولطالما كانت عيناه الزرقاوتين الضاحكتين ملائمتان مع طبيعته الهشة المرحة، أجاب الفتى بجذل:
" شتاء أسود ملعون أو شتاء أحمر نازف..أيهما تفضل ياعمي؟"
التفت الرجل بأقصى التفاتة يسمح له بها مرض الروماتيزم وقال عابساً:
"لتحل اللعنة السوداء عليك يا داريون لا تجعل ابتسامتك هذه تظهر عندما نتحدث عن الغدفان السوداء والثلوج الملونة، أتظن نفسك تخيّرني بين عنب أحمر وآخر أسود؟!"
أنحنى داريون بكسل وهو يجمع ثلاثة حبات من الجوز الأسود بحجم بيضة الدجاجة وأخذ يقذفهم في الهواء ثم يمسك بهم مرة أخري لتسقط إحدى حبات الجوز على الارض البيضاء:
"لم أكن لأتحدث عن العنب ياعماه ومدينة البجع ملأى به، السير هارلود سيقيم مهرجان اليقطين الشتوي الأسبوع القادم وكرمة عائلة بينجامين بها عنب الفوكس والموسكادين، سينقصنا عنب الأمبراطور إذا كانت حادثة مقهى إكيبيرغ لاتزال تعكر مزاج العجوز باثيلدا"
قال الرجل الستيني بهدوء:
"في المرة القادمة ياداريون إياك أن تصنع فكاهات غير مضحكة عندما يُطرد أحدهم من العمل"
أطلق داريون ضحكة قوية وهو يقول:
"عمي العزيز شديد التقدير، هل ترى موقف سقوط ذبابة في كوب أحد المسؤولين أمر غير مضحك؟"
قطب الرجل حاجبه الأبيض الغزير بحدة:
"اضحك كما تشاء ياداريون لكن على الأقل اختار مواقف مناسبة للضحك العجوز باثيلدا كانت شديدة الوفاء مع سيد مقهى إكبييرغ ومع ذلك ضرب بوفائها عرض الحائط بسبب خطأ سخيف، أوتظن أنها ستتجاهل ذلك بالسهولة التي تجاهلت بها أنت حادثة إسطبلات عائلة بينجامين؟!"
كانت عائلة بينجامين تتكون من خمسة عشر صبية لعوبين تجمعهم علاقة ودية مع داريون الفتى المحب للأساطير، ولطالما كان داريون مهووس بالحكايات القديمة والمخلوقات الغريبة لكن ينقصه من يصغي لخزعبلاته كما أحب عمه دانتاس أن يسميها، وعندما عمت سخونة شهر آيار مدينة البجع وأخذ الملل يتسلل لروح داريون الخضراء الضاحكة بمجرد أن رأى شعاع الشمس يغطي ظل الشتاء، فقرر ذات يوم أن يأخذ قيثارته الخشبية ويصنع بعض الدعابات المرحة مع آل بينجامين وكان قد دعى فتيان الإسطبل لسماعه وهو يغني أغنية "بيغاسوس المجنح" وأغنية "طائر الفينيق الناري" وأخذ الجميع يرغى ويزبد عندما غير لحن أغنية "زهرة لوتس برية" فأخبرهم داريون أنه جعل اللحن أكثر عذوبة من الأغنية الأصلية ومع ذلك ازداد الصخب وكأنها مسألة تتعلق بحياة أو موت، بينما التهم أكبر صبية بينجامين كعك التوت والكعك المحلى بالعسل والجوز المطحون وبعض أسياخ الدجاج ولحم الضأن، وفي خضم المعمعة السائدة وقتها اجتاح سبعة من كلاب آل بينجامين حديقة المنزل وانقضوا واحد تلو الآخر على أكبر الصبية ونهشوا لحم يده السمين حتى العظم فاتضح فيما بعد أن فتيان الإسطبل لا يطعمون الكلاب كما ينبغي كما أنهم نسوا أن يغلقوا باب الإسطبل بعد أن دعاهم داريون للمأدبة الصغيرة. وعندما علم السيد هاينريش بذلك طرد جميع صبية الإسطبل ومنع الحفلات والمآدب وهدد داريون بهراوته وزمجر فيه أنه سيقذف برأسه بعيداً إذا ما رأى وجهه مرة أخرى داخل أسوار منزله.
هز داريون كتفيه بلا مبالاة:
"ماحدث لذلك الصبي كان بسبب اهمال فتية الإسطبل ثم إن السيد هاينريش أخطأ عندما لامني، هل تظنه نادم ياعماه على مافعله بي؟"
شد العم دانتاس شاربه الطويل بقوة وأخذ يتأمل طائر العنقاء الناري:
"لم يفعل بك شيئاً ياداريون"
أبعد الفتى شعره الفضي المبتل عن عينه وقال بضجر:
"حقاً؟ لقد كنت أسلي ابناءه بأسطورة كايرون وحيوان الغريفين وجبل أوليمبوس، وأنا الذي اعتقدت أنه أحبني لذلك"
رد عمه بجفاء. ولطالما حذره من خوض هذا النوع من القصص أمام سيد بينجامين المتعصب وزوجته محدودة التفكير:
"كايرون القنطور؟! السيد هاينريش غير متساهل مع من يحشوا رؤوس ابناءه بالحكايات الشعب، وصبيته الخمسة عشر يصدقون كل ما يُقال لهم"
"لو كان السيد هاينريش يتحلى بالقليل من الحكمة لما أعفاني من مهمة تثقيف ابناءه"
قطع عمه الفسحة المحيطة بأشجار الدردار الأحمر وحذائه ينغرس في الجليد وتبعه ابن أخيه بحماس متقد بعد أن سأله عن أسطورة كايرون، قال وقد ناوله وهو يجلس على أريكة من الخشب حبة جوز كان قد بذل جهداً ليهشم جدارها الخارجي بلحاء الشجرة الرمادي:
"قبل آلاف السنين كان كايرون الأسطوري استثنائي من بين شرذمة القناطير كما جاء في ميثولوجيا الإغريق، بقدر ماكانت القناطير في الأسطورة مبتلاة بحب الشهوات ومعاقرتها للخمور وعدم عنايتها بالمعرفة كان كايرون قنطور خلوق تمتع بالبصيرة والإدراك والنضوج، على الرغم من أنه نصف إله وقد جمع أصله بين الإله كرونوس والحورية فيليرا هذا غير أن والده كرونوس ينتمي لآلهة التيتان الذين حكموا قبل آلهة الأولمب الأثني عشر، تقول الأسطورة أنه نسبة لدرايته وعلمه عمل معلماً لأهل زمانه وكان ابن كبير الآلهة زيوس واسمه هرقل أحد تلاميذه"
قاطعه العم دانتاس بعدم تصديق:
"زيوس سيد الرعد والبرق والعواصف؟! "
"لاتقاطعني ياعماه "
قذف العم دانتاس الجوزة في حلقة مباشرة ثم ابتلعها بصعوبة قبل أن يقول بنبرة اعتذارية:
"لم اقصد مقاطعتك ياداريون أكمل"
رسم ابن أخيه ابتسامة خفيفة على شفتيه ثم أكمل:
"حدثت نكبة كايرون المأساوية على يد هرقل نفسه عندما زار هرقل قنطور اسمه فولس داخل كهف لاكمال بعض الأشغال وعندما فتح فولس زجاجة نبيذ ترحيباً بهرقل سحبت رائحة النبيذ قناطير ظلامية لقلب المكان ولمّا حاول هرقل ردعهم عن الهجوم بمجموعة من السهام المسمومة اصاب سهم طائش كايرون عن طريق الخطأ ولأن كايرون نصف إله والألم كان لايُطاق قرر أن يتنازل عن خلوده إلى بروميثيوس لذا حوله زيوس كبير الآلهة إلى مجموعة نجوم كتعويض لخسارته"
لما فرغ داريون من حكايته ولم يقل عمه شيء هتف بأسلوب ساخر لايتلائم مع روحه النابضة بالحياة:
"ظن ابناء عائلة بينجامين أنها حكاية ما قبل النوم وأخذوا يصفقون ببلاهة"
لبس السيد دانتاس بضع دقائق يحدق بالقرميد الأحمر المحيط بالمنزل والجليد المتراكم عليه وقد صارت السماء دخانية وبدأت الريح تعصف من جديد عندها ارتجف داريون وقال لعمه المسن والرياح تطيّر خصلات شعره الفضي لتحجب عنه الرؤيا:
"ياللسماء؟! مدينة البجع تبعد بضع أميال فقط من دوقية سالزبورغ، لو استمرت الرياح تقصف بنا بلا رأفه سيلغي السير هارلود مهرجان اليقطين الشتوي"
تنهد العم دانتاس بعدم ارتياح وقال أخيراً:
"تعلّم ياداريون ألا تتبجح بالحكايات غير المألوفة أمام بسطاء العقل كابناء عائلة بينجامين، لو كنت ترى أن السيد هاينريش مخطئ عندما طردك فأنت أعمى"
رد داريون بنبرة دفاعية:
"الجميع يعرف أسطورة كايرون ياعماه، كما أن الصبية بدو سعداء بالحكاية"
كانت قد مرت عدة أشهر وداريون يطمح في أن ينال وظيفة تعليم عائلة بينجامين بعد أن رفضه البارون كلاري عندما عرض عليه داريون أن يدرس ابنته الصغيرة، مازال داريون حانقاً على ذلك فقد حلم عدة مرات أنه يعمل لدى شخص كالبارون كلاري كما أن الغابة الجنوبية تقع على مقربة من مدينة البجع والحياة هناك أكثر رفاهية وكان يأمل في اصطياد الغزلان والأرانب البرية كما يفعل النبلاء ويحتسي قهوته في المقاهي الدافئة وهو يقلب صفحات الجرائد، لكن البارون كلاري مزق صورة حلمه بلا مبالاة جاعلاً منه فتًى تعس، لاشك في أن شعر داريون الفضي العجيب وعيناه الزرقاوتان المشعتان بالمرح وابتسامته التي تنضخ بالزهو جعلت البارون كلاري يعتقد أن داريون شخصية هزلية، كما أن سنه صغير جداً على تعليم فتاة في الرابعة عشر من العمر. عندما أتى عمه من سالزبورغ قبل عدة أيام بخبر موت البارونين كلاري استقبله داريون بمزيج من الدهشة والجمود.
قال السيد دانتاس:
"عائلة بينجامين لن تقبلك كمعلم لابنائهم كما لم يقبلك البارون كلاري معلم لابنته"
تذكر داريون حينها لحظة أعلن لعمه عن رفض البارون كلاري له وهدر وقتها بغضب "فليذهب البارون كلاري إلى الجحيم" لقد تحققت دعوته بسرعة مذهلة. قال داريون بابتسامة حالمة:
"لم يكن ذلك مقصدي ياعماه، سئمت تلك الوظيفة منذ أن نظر لي البارون كلاري بعدم تقدير، حرى بي أن أرضى ببيع الكرنب والجزر واللفت وأن أعيش حياتي الهادئة مع عمي العزيز"
صمت لبرهة ثم أضاف مقهقهاً:
"منذ متى وآل بينجامين يهتمون بتعليم صبيتهم أصلاً؟!"
"اجلس بقربي ياداريون"
اقترب داريون من عمه بارتباك وأخذ ينفض بقايا الثلج من على الأريكة الخشبية قبل أن يجلس ببطء وتثاقل بالقرب من عمه طاعن السن، فلو طلب منك شخص مثل العم دانتاس الجلوس فالأمر يستحق الجلوس فعلاً.
"ماقلته قبل قليل يابني "
قاطعه داريون باكتئاب وقد ذابت ابتسامته البّراقة بنفس السرعة التي يذوب بها الثلج من على شعره الفضي العجيب:
"لم أقل إلا الحقيقة ياعماه"
خاطبه عمه بحكمة رجل في الستينات من العمر يستطيع أن يرسم ذهنه في أي وقت صورة لجسده وهو ممدد داخل قبره:
"سأقول لك شيئاً احسبه نكتة طريفة. اتفقنا؟ "
حدق داريون في عمه بوجوم وكان قد خمن ماسيقوله لاحقاً، واصل دانتاس حديثه بهدوء قائلاً:
"ذهبت لمقابلة العجوز باثيلدا بعد أن باغتها بتصرفك الطائش آنذاك، لقد أصابتها ضحكاتك
في الصميم فقررت الاعتذار بلباقة نيابة عن تهورك الأرعن، وبدلاً عن ذلك تذكرت أن الاعتذار التقليدي لن يجدي نفعاً مع عجوز كباثيلدا"
صاح داريون غاضباً:
"لذا وجدت حادثة كلاب إسطبل عائلة بينجامين قد تجدي نفعاً معها، لا يوجد أي نوع من الطرافة فيما فعلت ياعمي"
ابتسم العم دانتاس وهو يشد شاربه بغبطة:
"كما لايوجد أي نوع من الطرافة فيما فعلته مع العجوز باثيلدا لكنك فضّلت الضحك عوضاً عن مواساة العجوز في محنتها"
تجاهل داريون ما قاله عمه وقد كانت تعابيره تشيئ بأن شخصاً ما حطم قلبه لسبعين قطعة:
"ما الذي قلته لها أيضاً؟ أنني عاثر الحظ جحود محب للخرافات وأنني تسببت في فقدانك نصف ثروة الحصاد قبل عامين؟ "
"اعترف يابني أن ذلك لم يكن خطأك بل خطأ من سرقوا عربات الكرنب واللفت بينما تتنعم أنت بالنوم وروائح السمك المدخن تشق أنفك بلطف، لكني لم أقل أي من هذه الأشياء بل جعلت العجوز باثيلدا تصدق أنك دائماً ماتتصرف كالأطفال "
قال داريون بتعاسة:
"حقاً؟ هل أنا كذلك؟ أتصرف كالأطفال ودائماً؟"
أخذ العم دانتاس يربت برقه على كتف ابن أخيه الحساس ضد الاساءة:
"لايهم من أنت بل من ستصبح أنت، لذا اطلب منك يابني أن تحسن من عاداتك عديمة الجدوى وتصبح أكثر تعقلاً من داريون الصغير الذي أعرفه"
لو كان ماقاله العم دانتاس أثر في دواخل داريون حقاً فذلك لم يظهر عليه:
"وهل بدت العجوز باثيلدا راضية بعد فضيحتي؟ "
"تقريباً. العجوز باثيلدا تشفي غليها من البشر بهذه الطريقة ودعني أذكرك أن سيد مقهى إكيبيرغ غير مستثنى من هذه القاعدة"
قال داريون مؤيداً والبرودة تلسع خده النحيل المتورد بعنف:
"ستقضي بقية السنوات المتبقية من عمرها تفكر في إهانة ذلك الرجل لها دون أدنى شك"
أومأ العم دانتاس بتقدير وكأن داريون فهم أخيراً مايرمي إليه:
"العجوز باثيلدا تفكر في الانتقام من مقهى إكيبيرغ، كان يفترض بك أن تشكرني ياداريون ولكن كونك تحب أن تنظر دائماً للمصابيح التي لا تعمل جعل ذلك منك فتى أعمى يابني، العجوز باثيلدا كانت ستفكر في الانتقام منك أيضاً لو لم أقل لها ماقلته"
وقف داريون مشدوهاً والهواء يطير شعره الفضي وسترته الطويلة جاعلاً من كل من يراه يظن أن داريون فتى أسطوري بارع الجمال.
"كيف عرفت ذلك؟ "
"لأنني أعرف العجوز باثيلدا جيداً، سيد مقهى إكيبيرغ زاد الطين بلة عندما عين فتاة جديدة مباشرة بعد رحيل العجوز باثيلدا المحزن ويبدو أنها وجدت ثقرة ما بالفتاة قائلة أنها تسمي نفسها جوزفين"
عاد داريون الفتى الأخضر الضاحك لابتسامته الجذابة وقال:
"لو كانت لي أعين صقر مثل تلك العجوز لما جعلت السير هارلود يصر على مراجعة صوامع الغلال، أوتظن حقاً أنها اسقطت تلك الذبابة غفلة منهǿ "
هز العم دانتاس رأسه بتعب وأدرك أن داريون لم يكن يصغي كما آمل حينما حدثه عن توافه الأمور والمصباح العاطل وهتف بعد أن سعل قليلاً شاعراً بالجفاف في حلقه:
"لم تكن تحب الرجل حسب علمي ربما لأنه أهانها هو الآخر، لكن مايهم في ذلك ياداريون؟ "
"ياعمي العزيز لقد.."
صمت داريون لبرهة ثم بصوت أشبه بالهمس قال:
"هل قالت تسمي نفسهǿ "
أجابه العم دانتاس بنبرة عميقة فهم داريون مغزاها:
"العجوز باثيلدا تسعى وراء الفتاة جوزفين لسحب سيد مقهى إكيبيرغ ومن معه إلى القاع، سألتني من قبل ياداريون عن أي لون من الشتاء سنواجه، أنا وأنت والجميع يعلم أنه شتاء أحمر نازف وليرحمنا الإله في أيامنا الحمراء القادمة"
كان مقهى قوس المطر يعج بالزبائن على غير العادة ولطالما عرف أنه مكان يرتاده منحطي الأخلاق وعديمو الشرف وبيئته تضاهي سوء رائحة أزقة سالزبورغ الضيقة والتي تعد المتبرز المثالي لمتسولي الشوارع وسائري الليل، ولما عم ظلام الليل المكان برزت القطط من العدم تتجول متبخترة لتبحث عن فضلات الأطعمة كالعادة وبدأت مجموعة من بائي السمك والمحار تتحرك من أماكنها بعيداً عن القطط، بينما وقفت عدة عربات صغيرة تجرها الخيول أمام مخبز قديم محملة بجوالات الدقيق وعندما خرج سيد المخبز ومعه عدد من الأشخاص أخذ الأخير يصيح مذعوراً أن الحصة أقل من المعتاد فأخبره العامل أن مخازن الدقيق عينت حصص محددة في الأسبوع لكل مخبز بما أن عدد من الطواحين توقفت بالفعل عن استلام القمح. قفز سيد المخبز على أصابعه المتشققة وأمسك الرجل من ملابسه:
"أوه يالك من رجل؟! لكنني سمعت أن مقهى إكبييرغ يتلقى جوالات دقيق أكبر من أن تغطي أسبوع واحد فقط، نحن مخبز عام وذلك مقهى خاص ألا تفهم يا ابن الصرصور؟!"
تحرر الرجل من قبضه سيد المخبر بصعوبة موضحاً أن الأوامر ليست بيده والاعتراض ليس من اختصاصه لكن سيد المخبز صاح للمرة الثانية وهو يفتح إحدى جوالات الدقيق ليتفحصها:
"ناهيك أنه من النوع الردơ أخبر سيدك أنني في المرة القادمة سأبقر بطنه وأحشوها بدقيقه المسوّس لو وجدته بنفس الرداءة، والآن أغرب أنت وعربتك من أمامي"
بعد رحيل عربة جولات الدقيق الثقيلة ودخول سيد المخبز مع رجاله ساحبين ورائهم جولات الدقيق تحركت جوزفين من مكانها أخيراً وكانت رغبتها واضحة في أن تتيقن من جودة المقهى الذي تعمل به ولطالما حذرها سميث من خطورة تعرف أي عدو لمقهى إكبييرغ عليها وعندما سألته عن السبب أجابها بزهو:
"للجودة أعداءها، اُثيرت الكثير من المتاعب في سبيل أشخاص رغبوا في العمل هنا، ومقهى إكبييرغ لازال يتصدر قائمة الأفضل دائماً "
خاطبته عندها بعدم فهم:
"أهذا يعني أن الكثيرين قد تصيبهم الغيرة من عملي هنǿ اخبرتك ألف مرة أنني لاأحب أن أكون محط الأنظار"
فلما فهم سميث ماتقصده ابتسم مطمئناً إياها:
"لاينبغي لفتاتنا العزيزة أن تؤرق نومها لسبب كهذا"
جعلتها ابتسامته الملتوية تشعر بقشعريرة تسري بحدة عبر عروقها وفكرت أن سميث سيئ في جعل الأمور تتحسن، وكانت فكرة رحيلها مرة أخرى لسالزبورغ من أجل خبز الدوق فرديناند واللورد بيريسفورد تصيبها بالغثيان، توسلت حينها بيأس لسميث كي يحل محلها وحاولت إقناعه أن موت البارونين كلاري جعل مهمة توصيل طلبات نبلاء سالزبورغ أشبه بكابوس شيطاني، لكن سميث اكتفى بالضحك وأخبرها أن ذلك لن يحدث مرة أخرى وأنه ظنها أشجع من ذلك. اللعين إنه يعلم ويعلم أنني أعلم ويعلم أن الذهاب لسالزبورغ مخاطرة خطيرة لافرق بينها وبين الانتحار.
أطبق الليل على جوزفين بقبضة من فولاذ جاعلاً إياها تشعر بانقباض في عضلة القلب وهي تجرجر حصانها الكمدي وراءها بانزعاج، كالعادة سميث وكل حظ سيئ سببه سميث الذي أصر هذه المرة أن تأخذ معها حصانه الضخم قصير الذيل نظراً لأن رحلتها السابقة المشؤومة مع العربة كانت فاشلة بكل المقاييس. وعند وصولها لمقهى قوس المطر اكتشفت أن سميث نسي أن يُركّب حدوات الحصان فأخذ يلتكأ في نهاية الطريق وانغرست بعض الأشواك بحجم المسمار على قائمتيه، وها قد تأخرت مرة أخرى عن الوقت الذي يفترض أن تصل فيه لمنزل اللورد بيريسفورد وقصر براغنازا. كان سميث ذكياً بما يكفي ليدع أحدهم ينتظرها في سالزبورغ ومن ثم يسلم حصتيهما نيابة عنها. في تلك الساعة تحديداً بدأت رياح الشتاء تكتسح الأرجاء لتجرد الأشجار من صفقها الجاف وافعمت رائحة السمك الشبيه برائحة البحر المكان، فبرزت الأضواء خافتة محيطة بالشوارع والباعوض وصغار الحشرات والناموس تدور حولها في حلقة مفرغة لانهاية لها. أخذ الباعة يختفون شيئاً فشيئاً مع ازدياد عمق الليل وعندما وصلت جوزفين للطريق الحجري بالقرب من قصر براغنازا سمعت أحدهم ينادي بشكل مفاجئ:
"ياهذه "
جفلت جوزفين من مكانها ورفع حصانها الكمدي قائمتيه باهتياج ناثراً معه قطع صغيرة من الجليد. خاطبها الرجل بينما كانت جوزفين تربت على حصانها مهدئة إياه:
"هل ارسلك سميث؟ لقد طلب مني تسليم الطلبيات بدلاً منك "
أخفى الظلام ملامح الرجل كلياً عن جوزفين ولكن بمجرد أن خطى خطوتين إلى الأمام برزت واضحة تحت ضوء القمر الضئيل، كان الرجل قوي البنية عريض الأكتاف وقد لمعت مقدمة رأسه الحليق تحت ضوء القمر بينما كانت عيناه مجحرتين باردتين ووجهة متغضن وعظام وجنتيه بارزتين بشكل حاد، أصابها مظهره بالرهبة وهي تنزل سلة الخبز ببطء من على الحصان. قال لها الرجل:
"كلا كلا اللورد بيريسفورد أولاً"
اصابها كلامه بالاستغراب وكان لأي شخص أن يشعر بذلك بما أن مايفصلهم عن قصر براغنازا مجرد طريق حجري فقالت بشك:
"لست أفهمك ياهذا قصر براغنازا أمامنا مباشرة بينما يبعد منزل اللورد بيريسفورد عدة أقدام من الطريق الحجري"
همهم الرجل بضيق وكأن طريقة مخاطبة جوزفين له ب "ياهذا " استفزته إلى حد ما:
"للأسف يصدف أن عائلة الدوق فرديناند في زيارة خاصة لبوهيميا"
هتفت جوزفين مصدومة:
"حقاً؟ لم أكن أعلم "
"لاأحد يعلم، سألت حرس المنزل قبل مجيئك بلحظات فقالوا لي أن المنزل خالٍ من أي أحد باستثناء الخدم طبعاً"
كانت جوزفين ستقترح أن يقدموا الخبز للخدم لكن سبقها الرجل قائلاً:
"الدوق فرديناند يحب أن يستلم الطلبيات بنفسه ليتأكد من جودتها لذا وفري على نفسك الكلام، منزل اللورد بيريسفورد قريب جداً من هنا"
تبّلت رائحة المداخن المكان حول منزل اللورد بيريسفورد العتيق، على الرغم من أن تصميمه الخارجي لا يصل لبراعة قصر براغنارا لكنه كفيل بإبهار الوجوه المطلة عليه فقد بُني من القرميد الأحمر القاني والرخام الرمادي المبقع والجرانيت بينما بُنيت النوافذ من أخشاب السنديان والصنوبر، وعلى جانبي البوابة العملاقة اصطفت دستة تماثيل رخامية تجسد فرسان مدرّعين بخوذات على هيئة رأس ثور وتروس مثلثة حمراء نقشت عليها عبارة (الريح والظل، النار والماء، أغرقينا أيتها السماء بالدماء، باركينا بالفولاذ والحديد، أفعمي أنوفنا برائحة الحروب، أطربي آذاننا برنين السيوف والفؤوس، تبارك اسم إلهنا المقدس في الأعالي) . أطفى انعكاس الأضواء الأرجوانية مع القرمزية طابع أنيق على المنزل، وفي المقابل بدت أشجار الفسحة الخارجية لاتختلف كثيراً عن الهياكل العظمية لجثث مرت عليها مئات السنين، عندما وصلوا لسور المنزل النحاسي أخذت كلاب الإسطبل تصدر نبيحاً هائلاً عندها طلب الرجل من جوزفين أن تنتظر عند عتبات السور الخارجي بينما يوصل هو الطلبية وعلق بشكل سريع:
"يكفي أن الرجل لديه أفواه قابله لأن تحكي التراهات".
وقفت جوزفين مرتعشة ومشدوهة أمام زقاق مقهى قوس المطر بعد أن مضى نصف يوم تقريباً من رحيلها منزل اللورد بيريسفورد، أول خاطر جال ببالها آن ذاك أن شخصاً ما يود أن يجعلها كالفتى "بيسيوس" الملقب بطائر الفينيق الناري في أغنية "طائر الفينيق الناري" كانت الأغنية تحكي عن فتى يُدعى "بيسيوس" يحرق كل مكان تطأه قدماه وعندما حاول أهل بلدته التخلص منه بالنار نفذ بكل سهولة عبر اللهيب بجلدته كأنما ينفذ عبر الماء، وفي النهاية قررت البلدة حبسه داخل بئر عميق وإبقاءه معلق بالحبال في الهواء. الفرق بينها وبين "بيسيوس" هو أن "بيسيوس" يفعل ذلك برغبة منه أما هي فالأمر خارج عن إرادتها. فكرت أنه في وقت سابق كانت ستأخذ حصة اللورد بيريسفورد مع حصة البارون كلاري، ترى ماذا كان سيحدث حينهǿ! الفارق السعيد بين حادثة احتراق منزل البارونين كلاري وهذا هو أن اللورد بيريسفورد مازال حياً لكن حروقه حمراء مميتة ولحم ساقه اليمنى انسلخ من مكانه ولولا دفع أحد سادات العربة المنفجرة له لاستحال الآن إلى رماد. قالت جوزفين لنفسها بعد أن تأكدت من خلو الزقاق من المارة:
"صوفيا بول بونابرت كانت تحب أن تتراكض وراء المشاكل أما جوزفين تتراكض المشاكل خلفها"
ثم أطلقت ضحكة مجنونة لاذعة قبل أن تقول:
"هل ينبغي أن تعود الفتاة جوزفين لصوفيا بول بونابرت؟! ".
-نهاية الفصل-
اخر تعديل كان بواسطة » كاروجيتا السيان في يوم » 26-12-2020 عند الساعة » 01:34 السبب: تم التعديل بناءً على الطلب ^^
السلام عليكم ورحمة الله
مراحل كتابة هذا الفصل متعبة من كل النواح حتى أنه أخذ ضعف المدة التي استغرقها عادة لتنزيل فصل +مراحل كتابته مجرد تذكرها آااه «هذه صرخة ضجر..اصبت بالاحباط في عدد من المراحل وغاب الالهام كلياً لدرجة كنت على وشك التوقف من الرواية نهائياً ولكنه هنا بعد كل شيء«حالة مشابهة لحالة كتابة الفصل السادس..وكما قلت سابقاً لاأنوي التوقف أبداً عن الرواية وسأظل اركل إلهامي في كل حالة تمرد مشابهة حتى يتهذب في حضرتي..
على كل حال أتمنى لكم قراءة ممتعة..
بالمناسبة أبلي بلاءاً جيداً مع الفصل الثامن *ابتسامة عريضة مستعرضة*![]()
مرحبا .. سأعود بعد الاكمال الرواية جذابة وواعدة للغاية أحببت أسلوبك من أول سطر 🥺
الفصل الثامن
عودة الملّاح الهارب
لم يعد فرونسكي يتذكر عدد الأشهر التي قضاها وهو على متن سفينة القوافل البحرية أو بالأحرى لم يعد يريد أن يتذكر أشهره السوداء الماضية التي قضاها وهو عالق وسط المياه الزرقاء التي تبدو وكأن لانهاية لها، تقيأ عدة مرات من فوق السفينة في يومه الرابع وكان قد توسل لأحد التجار أن يبتاع له القليل من الزيتون والعنب الحامض مقابل ثلاثة ثمرات من الجوافة ومع ذلك وجد نفسه مرغماً على الانحناء من أعلى وإطلاق فمه للرياح على الرغم من الجهود التي بذلها لكيلا يفعلها بعد حصوله أخيراً على شيء مالح يملأ به معدته. أخبره أحد عمال الوقود أن تقيأه أصبح أقل بكثير من أيامه الثلاثة الأولى ولكن فرونسكي لم يشعر بالامتنان والفراسخ التي تفصله عن وجهته قد تجعله يعود مرة أخرى لابتلاع الجوز المر والثوم الحار وشراب عصارة القصب الحلو وقضم البصل وكأنه ثمرة تفاح، مجرد التفكير في ذلك أشعره بالغثيان وراودته نوبات انقلاب المعدة المفاجئة التي ارتاح منها لعدد من الأشهر. لقد قطع نصف العالم في فترة حسبها تعادل عمره وأبحر فوق المحيطات ورسى على الجزر الشمالية ونام عدد من الأيام مع أشخاص ببشرة متفحمة وأخرى نحاسية وشمعية، وظن في بادئ الأمر أنهم فوق القارة الإفريقية لكن أحد تجار الذهب أوضح له أنها قبائل إفريقية كانت مستعبدة لدى الرجال البيض وأن عاداتهم تماثل عادات أهل الجزر من ذوي البشرة الملونة. ولما غادرت السفينة للمرة الثالثة أو الرابعة تقيأ يخنة فاصوليا كان قد تناولها مع القبطان قبل مغادرتهم بلحظات، وفي المرة التي تليها رست السفينة أمام ساحل رملي خالي من أي شيء ماعدا أشجار نخيل ناضجة وسلطعونات بحرية كانت تجوب الساحل كصغار النمل وبعض الأخشاب المبتلة التي لاتصلح حتى لإشعال النار، لم يميز فرونسكي حتى ما إن كانت تلك المنطقة حقيقية أم أنها مجرد حلم مزعج لمنطقة يهابها لكن الشيء الذي لم يستطع إنكاره هو حبات التمر الأسود التي تناولها بعد معاودة رحلتهم البحرية مرة أخرى، يومها أوشك أن يخبر مرافقه الأسمر البدين في القمرة أن يخيط فمه لكيلا يتقيأ ماتناوله من التمر وهو الذي يعلم يقيناً أنه لو أفرغ معدته فلن ينال شرف مص عصارة الأشجار حتى. وفي صباح اليوم التالي تقيأ شيء أصفر اللون على أرضية السفينة الخشبية لم يعلم ماهيته لكنه تأكد من كونه ليس طعاماً على الأقل كما أنه استيقظ يومها على معدة فارغة وفكر أنه ربما تكون عصارة معدته أو جزء من معدته نفسها، وشعر بالرغبة في القئ مرة أخرى عندما رفسه أحد العمال على بطنه بسبب تلويثه للأرضية بقاذوراته فأنفجر يومها ضاحكاً على حظه الذي لم يعرف كيف يصفه بالضبط.
أما أسوأ أيام عرفها في حياته كانت قبل شهر ونصف عندما ثارت السماء بعواصف ترابية عاتية وقت الغسق وعندما حل الليل تراكمت السحب الرعدية السوداء على هيئة طبقات كثيفة بصورة لم يألفها من قبل وشعر بأنه هدف مكشوف لقاذف دخاني عندما تحركت السفينة بصورة خطيرة مع عصف رياح الشمال لها، كان ذلك قبل تخطيهم لجبلين شاهقين في جزيرة صغيرة مرتفعة مليئة بالجسور الحجرية والتلال والهضاب والسهول الجافة، وأوشكت سفينتهم على الاصطدام بجنادل عملاقة غارقة جزئياً داخل الماء لكنها انحرفت بشكل عشوائي في اتجاه فجوة داخل لسان بحري مكون من صخور ضخمة تغطيها الطحالب الخضراء والأعشاب البحرية، أُصيب القبطان عندها بنوبة هلع عنيفة وفقد السيطرة على عجلة القيادة فانجرفت السفينة مع الرياح شمالاً لحسن حظهم ولأن المياه ضحلة هناك مقارنة بالمحيط استطاع المراقبين ملاحظة الصخور الغائصة وسط الماء. وعندما رست السفينة عند أقرب شاطئ أخذ أحد التجار يبكي ويضحك في آن واحد بينما لطم فرونسكي نفسه ثلاثة مرات ليتأكد أنه مازال حياً. لو أن فرونسكي علم قبل أن يستأنفوا الإبحار أن هنالك عاصفة رعدية تنتظرهم في مساء اليوم التالي لما طلب من القبطان الإسراع في رفع الأشرعة مرة أخرى، وقتها أحاطت بهم أضواء البرق من أربعة جهات وقصف بهم الرعد ككائن متوحش يزمجر أمام فريسته وقبل أن يجد تُجّار التوابل والمنسوجات الفرصة ليهرعوا لقمراتهم وجدوا أنفسهم يتقلبون في الهواء دون سابق إنذار بينما ضرب فرونسكي مؤخرة رأسه بالسارية قبل أن يجد نفسه متشبثاً بالحبال وحوله مجموعة بحارة ضخام يحاولون سحبها من أسفله. لم يذكر بعدها أنه فقد وعيه ومياه الأمطار تضرب وجهه بقوة. وكأن دهراً مضى عندما فتح عينيه مرة أخرى وأشعة الشمس تلسع وجهة بحدة وشعر بأنه يطفو في الهواء ووجهة على بعد بوصة واحدة من السماء الزرقاء، كانت النوارس تحلق في الفضاء والغيوم البيضاء الخفيفة تسبح بهدوء وسمع أحدهم يصرخ بسعادة عن كونه اصطاد أسماكاً وثعابين بحرية صالحة للأكل.
لم يفهم فرونكسي كيف استطاع الهواء دخول منخريه مرة أخرى بعد أن شعر به يُسحب بقوة قبل أن يغيب عن الوعي، ولم يكف السادة حوله عن الهرج وطفق أيديهم مع بعضها البعض بغبطة بعد نجاتهم غير المتوقعة من العاصفة الرعدية وتمنى فرونسكي ألا يضطر للقيام برحلة كهذه لو تبقت له أيام سيقضيها بعيداً عن مياه البحار والمحيطات. أمسك يومها رفيقه البدين الأسمر يديه ورفعه بقوة من على خشب السفينة القديم الصلب والسلاسل الذهبية والحلي حول رقبته تجلجل مصدرة رنيناً مزعجاً عندما تمايل قليلاً وفرونسكي يضع ثقله عليه بعد نهوضه البطئ والمتثاقل وأحس بأن رأسه على وشك الانفجار من الألم وساقيه متيبستان والعضل مشدود كوتر قيثارة قديمة. لم يجرؤ أحد على التحدث عن أي قصة يمكن أن تذكرهم بليلتهم العاصفة تلك وعوضاً عن ذلك حكى بعض التجار نكات وقصص لم يستطيع فرونسكي أن يشعر بأنها مسلية بأي شكل كان وتسائل ما إن كان سيستعيد حسه الفكاهي مرة أخرى بعد الأحداث التي مرت به.
بعد تلك الأحداث بأسبوعين واظب ربابنة السفينة على الحفاظ على حصة أسماك مملحة داخل براميل خاصة إذا ما رست السفينة على شاطئ أو جزيرة ساحلية مهجورة، وقد رفض أحد الربابنة وينادونه بتريك ذو الأنف المفلطح أن يلقي تاجر التمور تمره الفاسد على المياه وأصر على ذلك قائلاً أن التمر الفاسد أفضل من مضغ نشارة الخشب وأوراق الأشجار والرمل المفتت وعندما سمع التاجر كلامه قال مقهقهاً:
"أُفضّل الموت على مضغ نشارة الخشب"
فرد عليه تريك ذو الأنف المفلطح:
"ولكنك ستُفضّل التمر الفاسد على الموت أيها التاجر"
كان فرونسكي وقتها محشوراً داخل قمرته ومدثراً بأغطية من فرو الدببة الثقيل ومع ذلك كان يرتجف من رأسه حتى أغمض قدميه على الرغم من أنهم تجاوزوا الشمال والمناخ القطبي الجبلي والشمس فوقهم أصبحت أكثر سطوعاً وحرارة إلا أنه شعر ببرودة تسري عبر جسده صعوداً وهبوطاً، اقترح عليه وقتها الرجل البدين صاحب البشرة السمراء أن يتناول بعض أعشاب كان قد صنعها بنفسه وعندما سأله فرونسكي عن السبب أخبره أنه مصاب بالحمى وأن الجو في الحقيقة ساخن لدرجة تجعل العرق يسيل على الوجه فأخذ فرونكسي يسب ويلعن اليوم الذي قرر فيه أن يخوض رحلته هذه.
أعلن القبطان أن الوصول للميناء الذي يمثل وجهتهم قد يستغرق حوالي أربعة أشهر أخرى لو لم يتوقفوا أكثر من ليلة واحدة في نقاط المرور الرئيسية وأضاف أنه لم يعد واثقاً من إمكانية مواصلة الرحلة وأوضاع الطقس مجهولة وطعامهم لن يكفي لما تبقى من مسافة، عندها هتف أحد صيادي السمك:
"سيدي بإمكان المأكولات البحرية انقاذنا لو تعرضنا لضغوطات من هذا النوع"
قال القبطان بتعاطف لصائد الأسماك:
"الظروف لن تشفق علينا في المرات القادمة وصدقني لو قلت لك أننا محظوظون بتنفسنا حتى هذه اللحظة، النقاط التي سنرسو عليها خالية من المتاع وأسيادها لن يمنحونا طعاماً بلا مقابل أضف لذلك أن الكثير منكم قد لايقبل بمقايضة سلعكم الثمينة مع طعام رخيص لطاقم فرصة نجاته من هذه الرحلة تكاد تساوي فرصة إيقاظ ميت من نومه والأماكن التي نبحر فوقها مياهها مالحة وقد لا تصلح لصيد أي نوع من مخلوقات البحار"
ألجم كلام القبطان صائد السمك بينما زعق أحد تُجّار المنسوجات وكان معروفاً بفظاظته:
"جيد لقد جعلتنا نخاف كل بوصة تتحركها هذه السفينة إلى الأمام أيها القبطان، هل تخبرنا الآن أنك أصبحت معدوم الحيلة في هذه الرحلة بعد أن أئتمنك فرونسكي البائس على المخاطرة الكبيرة؟"
"بل أخبركم بحقيقة أن الجميع هنا مسؤول عمّا سيحدث مستقبلاً عندما وافقنا جميعاً على خوض رحلة غير شرعية إلى إمبراطورية النمسا"
لم يجيبه أحد باعتبار أن القبطان كان على حق في كل حرف نطق به لكن فرونسكي لم يستطع تجاهل الجزء الخاص به عندما تحدث تاجر المنسوجات الفظ عنه، ولم يكن متأكداً ما إن كان ذلك مديحاً أم العكس ولكن ما لاشك فيه هو أن الأجواء حملت ضغائن خفية نحوه وهو شيء جعله يقرر أن يختلي مع تاجر المنسوجات ليسوي معه بعض الأمور. حين كان فرونسكي في السادسة عشر من العمر تعلّم من والدته الأسبانية ألا يخوض بشكل علني جدالاً لا يعرف فيه ردة فعل الطرف الآخر وهو شيء استرسخ فيه حتى بعد أن أصبح رجلاً راشداً والفضل في ذلك يعود لوالدته الراحلة فقد كانت تتحكم فيه بشكل أفضل من تحكم قبطان سفينتهم بعجلة القيادة عندما كان تَصوّره عن المعرفة قاصراً فقط على تعلّم الأسبانية والروسية والقليل من الفرنسية وهذا شيء أفضى لأن تتحور لهجته الأصلية إلى لهجة غير سليمة وكان ذلك قبل أن يحترف الملاحة ويشق طريقه نحو العالم مبحراً شمالاً حتى القطب الشمالي معانقاً فرو دببة الثلوج والثعالب القطبية وجنوباً حتى جزر القمر ومدغشقر وشرقاً حتى اعتمره مناخ السهوب والبراري داخل روسيا بضراوة وغرباً إلى مابعد المحيط الأطلسي وتياره القاري البارد.
لقد رأى العالم لأول مرة وخاض مغامرته الأولى قاطعاً قاراته بلا أي مخاطر حقيقية ورسى فوق اليابسة دون أن يشعر بأي تهديد لحياته. كان قد قضى أربعون عاماً فوق الماء قبل رحلته الأخيرة إلى روسيا وأول مكان حلم بأن يراه كانت أراضي وادي النيل والإهرامات القديمة بارتفاعاتها الشاهقة وأتربتها الذهبية وقبلات شمسها الناعمة كالحرير. لم يكن يعلم وقتها شيئاً عن الصحاري الغربية وأفاعي الرمال والجمال العملاقة والنخيل الصحراوي وثمار الأجاصة بعصارتها الحلوة وقشرتها الطرية، وسمع لأول مرة أصوات المزامير العذبة ودقات الطبول المهيبة ورقص مع شعب إفريقيا القديم بطريقتهم الغريبة المضحكة ورأى حيوان الكنغر وداعب فروه الرمادي الخشن وغاص في أوحال الغابات الأستوائية الكثيفة والمتشابكة حتى الأذن وراقب اليرقات المضيئة ليلاً وكأنها نجوم في سماء حالكة السواد. استقبل فرونسكي العالم بأذرع مفتوحة وأحبه من أعماقه كما تحب الأم طفلها الرضيع ولكن الآن كرهه من أعماقه كما لم يكره شيء من قبل وكأن الحياة جعلته يدفع ثمن كل دقيقة أحس فيها بالسعادة فيما مضى، وكان قد قال لمرافقة الأسمر البدين في القمرة أنه لو عاد به الزمن للوراء لاختار أن يصنع السفن لا أن يبحر بها.
وصل فرونسكي دون أن يحس بقدميه إلى قمرة تاجر المنسوجات الفظ عندما بدأ الأخير في فرز عدد من العملات الفضية المختلفة باحتراس فأخذت العملات تصدر رنيناً حاداً كلما ألقى التاجر بواحدة فوق جبل العملات المتراكم فوق حقيبته الجلدية، قال له فرونسكي دون أن يفكر حتى في مجاوزة باب القمرة:
"القبطان روج كان يأمل أن تمنحه القليل من ذهبك لإصلاح الأرضيات المتقشرة في عدد من القمرات هنا"
رفع التاجر الفظ عينيه ووجهها بحدة ناحية فرونكسي في الوقت الذي توقفت فيه يداه عن إلقاء العملات الفضية وقال وقد بدا متعجباً من ظهور فرونسكي المفاجئ:
"وهل قال لك أنني بصقت على وجهه بعد أن قال لي ماقاله؟! "
تقدم فرونسكي خطوة للأمام وقال بشجاعة:
"لقد حسبتك رجلاً غنياً"
"أنا بالفعل كذلك ولكنني تاجر يا فرونسكي ولست أدير منظمة خيرية، بمعنى أنني لا أمنح ولا أهدي ولا أتبرع بلا مقابل، واحذر لو تقدمت خطوة أخرى داخل قمرتي فثق في أنني سأبصق في وجهك أنت أيضاً"
كان فرونسكي بالفعل على وشك أن يخطو خطوة أخرى للأمام ولكن قدمه اليمنى تجمدت في الهواء عندما قال تاجر المنسوجات جملته الأخيرة وبعد ثوان من إبقائها معلقة في الهواء أرجعها خطوة للخلف وفكر بامتعاض أن التاجر يحسبه رجلاً جباناً أو ربما يحسب نفسه مخيفاً بلكنته الغليظة الفظة.
"أعذرني ولكنني أعرف بالفعل معنى كلمة تاجر، كل ما في الأمر أنك صديق قديم للقبطان روج وربما ظن أنك ستمنحه القليل من مباركتك"
قال التاجر وقد ضاق ذرعاً من فرونسكي:
"إذا القبطان روج رجل ساذج كما أخشى"
"كلانا يعلم أنه ليس كذلك أيها التاجر"
حل صمت مريب لعدة دقائق قبل أن يشير التاجر الفظ بإصبعه بصورة مهينة وهو يقول:
"لم لا تسهل الأمر على كلينا يافرونسكي وتخبرني بوضوح عن سبب قدومك إلى قمرتي؟"
نقل فرونسكي ثقله من قدم لأخرى وقال وهو يتحسس خشب باب القمرة المتقشر دون أن ينظر للتاجر:
"والدتي أخبرتني ذات مرة ألا أخوض نقاش علني مع أشخاص غير موثوق فيهم"
نهض التاجر مقهقهاً وقرطيه يطقطقان بنعومة:
"والدتك لم تعلمك جيداً أيها الملاح الهارب، على عكس والدتي التي أخبرتني ألا أخوض نقاش بشكل فردي مع أشخاص غير موثوق فيهم"
لم يشعر فرونكسي بالارتياح حيال تعليق التاجر وقال بحذر:
"هل تذكر والدتك جيداً؟ "
هزّ التاجر كتفيه وقال:
"لم يكن لدي أم يافرونسكي لقد تربيت وسط الكلاب المتوحشة والقطط الهزيلة والزنابير العملاقة ومع ذلك ها أنت تخدم من يفترض أن تكون سيدهم بينما يخدمني أنا من يفترض أن يكونوا أسيادي، الحياة غير عادلة يافرونكسي وبعض القوانين تتغير مع تغير الحياة والحياة تتغير باستمرار لذا لا يوجد قانون ثابت، أبصق في وجهها كما تشاء لكنها لن تمنح السلطة لأمثالك كنت ولاتزال ينقصك الكثير، أهذا ماجئت من أجله؟ "
لم يستوعب فرونسكي تماماً مقصد الرجل لكنه لا ينكر أن جزء من خطابه كان صحيحاً، ينقصه الكثير لازال فرونسكي سريع الخضوع والتأثير قليل الحيلة معدوم الهيبة ومكشوف التفكير وتقليدي الطباع، نعم الكثير بينما من يخدمه ينقصه القليل ولو لم يكن كذلك ماكان سيعيش لهذه اللحظة ليخدم من يخدمه. قال فرونكسي محاولاً تجاهل كلام التاجر الأخير:
"أتيت لأنك تقلل من شأني أيها التاجر، خط السير الذي رسمته على الخارطة من آمن الخطوط الذي يمكن أن تتبعه سفينة دون أن تصطدم بالقانون"
أطلق التاجر نخيراً ساخراً وقال:
"القانون؟! تقصد الضرائب أيها الملاح الهارب رسوم الضرائب كانت ستشكل فارقاً كبيراً لو رست هذه السفينة على الحدود الشرعية، لكنني لن أشكرك على ذلك لقد كانت فكرتك منذ البداية وعلى روج أن يتحمل العواقب وعلى أي حال لم أكن أقلل من شأنك وإنما جميع من في هذه الرحلة يبغضونك لأنك الملاح هنا"
اندفع فرونسكي يقول بانفعال:
"على الجميع أن يتحمل العواقب كما قال القبطان روج، ولن أطلب منك أن تشكرني لأنك أقذر من أن تفعل ذلك"
لم يعرف فرونسكي كيف استطاع التفوه بمثل تلك الكلمات المهينة لتاجر المنسوجات الفظ ولم يلحظه وإلا وهو واقف أمامه بجسده الضخم وكتفيه العريضتين، كشر التاجر عن أنيابه المبقعة بالأسود وكان وجهة يبعد أقل من ثلاثة بوصات من وجه فرونسكي فخاطبه بخشونة:
"ألم أقل أن والدتك لم تعلّمك كما ينبغي أيها الملاح الهارب؟!"
ولطمه بقوة على خده الأيمن.
سمع فرونسكي في تلك اللحظة صوت طقطقة رقبته وهي تقذف بحدة بيد التاجر الصلبة، ولم يعي بنفسه إلا وهو يبصق الدم من فمه وهو شبه راكع على خشب السفينة، لقد آلمته الضربة بشدة وظن في بادئ الأمر أن فكه السفلي انفصل من مكانه، تحسس فرونسكي خده الأيمن بوهن وكان محمراً ومتورماً وكأنه حشى فمه بالطعام.
انحنى تاجر المنسوجات أمام فرونسكي الهزيل وقبل أن يقول أي شيء غمغم فرونسكي بشكل غير مفهوم فافترض التاجر أنه لن يقدر على الكلام وفمه ملئ بمذاق الدم الصدىء وربما فقد صف من أسنانه البراقة، قال تاجر المنسوجات:
"اعتبره مجرد لمس طفيف يافرونسكي، لكن إذا أردت أن تحيا إلى أن تُقَبّل تراب موطنك الحبيب فستتأدب أمامي من الآن فصاعداً"
تحدث فرونسكي بصعوبة ويديه مشغولتان بتفقد أسنانه الدامية:
"عليك اللعنة"
"هل تتوق حقاً للموت لتلك الدرجة؟ "
أتجه جُلّ تفكير فرونسكي لهفوته الأخير التي كلفته ثلاثة أسنان، لقد انطلق لسانه يتحدث بسرعة البرق دون أن يعي ماكان يقوله واللحظة التي أدركه فيها وجد نفسه مطروحاً على خشب السفينة، لقد قال أنها مجرد لمسه بسيطة ترى كيف سيكون مذاق لكماته الحقيقية على فمه، تذكر يافرونسكي.
خاطب فرونسكي التاجر وعينه اليمنى متبطنة بفعل الورم:
"سأخبرك بالشيء الذي أتوق له بشدة لو أحضرت لي ماء وضماد ولفافات من القماش الأبيض"
وقف التاجر مقهقاً بصورة لزجة وقد بدا مستمتعاً بمشاهدة فرونسكي وهو يبدو كباعوضة تم صفعها بلا رأفة، قال بتهكم:
"ولمَ تخالني سأفعل لك ذلك؟"
"لأنني لن أضربك بالمقابل، أنت مدين لي أيها التاجر"
تذّكر يافرونسكي..
أمعن التاجر النظر في وجه فرونسكي المنفوخ قبل أن يقول:
"أنت حقاً رجل ضعيف ومهزوز، أهذا ماتدين به لي؟ لفافات وضمادات لجروح كنت أنا السبب الأساسي في حدوثهǿ!"
"لستُ ضعيفاً وإنما متسامح"
"وغبي أيضاً؟ هذا كثير يافرونسكي ألم تعلمك والدتك ماهو الفرق بين الضعف والتسامح؟ أنت لست في موضع قوة لتخبرني أنك شخص متسامح وأنا لست مغفلاً لأصدق هرائك"
بدأ فم فرونسكي ينزف من جديد وقال بصورة غير مفهومة لتاجر المنسوجات:
"لست تعرفني جيداً أيها التاجر، وأنا أعرف نفسي أكثر مما يعرفني أي شخص آخر..الماء من فضلك"
اخر تعديل كان بواسطة » شارون فينارد في يوم » 13-02-2021 عند الساعة » 20:17
غمر فرونسكي فمه بالماء لعدد من المرات والصق الضمادات على خده المتورم وكان قد جرح مرفقه جرحاً بسيطاً عندما سقط على الخشب فغطاه بالقماش الخشن ثم ابتلع أعشاب مخففة للألم قدمها له التاجر ولم يفهم شعوره حيال ذلك أهي الشفقة أم أن التاجر لايريد أن يدينه فرونسكي بأي شيء، من المستبعد أن يكون كلامه مع الرجل آثر في دواخله بهذه البساطة وفرونسكي الذي يعرف نفسه أكثر من اي شيء آخر كان يعرف أنه لم يكن شخصاً مقنعاً ولو لعدة ثوان وخشى في تلك اللحظة فكرة مكوثة وحيداً بلادفاعات حقيقية مع تاجر المنسوجات..تذكّر يافرونسكي.
عندما جلس كلاهما على أرضية القمرة صب التاجر القليل من الشراب لنفسه وأخذ يتلذذ بمذاقه بين كل رشفة والأخرى بينما كان فرونسكي يتأمل المكان حوله بحذر مفكراً فيما ستؤول له الأمور لو نطق بالكلمات الخطأ. خاطب التاجر نفسه أكثر مما خاطب فرونسكي قائلاً:
"طعم هذا الشيء يذيب اللسان"
ونقل بصره لفرونسكي للحظات قبل أن يقول:
"أتعرف ماهذا الشيء؟ إنه مزيج من فاكهة التنين واللوز أحضرته معي عندما هممت بالرحيل من آخر رحله لي إلى جنوب شرق آسيا، البتايا الحمراء القاسية لو كنت قد سمعت بها من قبل، أتود تجربتهǿ"
رد فرونسكي بلا أي رغبة حقيقية في الرد وعدل نبرة صوته في اللحظات الأخيرة:
"لماذا تحدثني عن هذا الآن؟ "
تذكّر يافرونسكي..
"أنت ملاّح لايضاهيه أحد، أفترض أنك تعلم عن العالم أكثر مني بينما أعلم أنا عن الناس أكثر منك، لماذا لايستفيد أي منا من قدرات الآخر؟"
"آخر مرة حاولت فيها التحدث معك أنتهى بي المطاف بفقدان ثلاثة أسنان"
"لم تكن تحاول التحدث معي يافرونسكي بل كنت تغضبني، كن حذراً واضبط لسانك وسنصبح مثل فرانكلين وآيدي الكسيح"
"صداقة فرانكلين وآيدي الكسيح لم تبدأ باللكم"
سحب التاجر حقيبته المليئة بالعملات وفتحها على مرئى من فرونسكي ثم قال بجشع:
"نعم ولكنها بدأت بهذا"
رد عليه فرونسكي وفمه ينبض بالألم:
"هل تعرض عليّ مالك؟"
"إنه ليس مالي..ليس بعد، تجارة المنسوجات تجني أرباحاً هائلة في شرق العالم وفي أطراف قارة إفريقية، سجادات النسيج الأحمر ونسيج ألياف الكتان يجدي نفعاً في الدول المتدنية أكثر من غيرها، ولك أن تتخيل رغبة هؤلاء المجانين عندما أغريهم بسلعتي بمجرد ثلاثة كلمات معسولة، لقد نفذت منسوجات القطن في أول أربعة دقائق عرضت فيها ومن ثم ضاعفت الثمن عندما حان وقت منسوجات خيوط القطن أما منسوجات الحرير فبيعت في مزاد أرتقع فيه السعر ثمانية عشر مرة، توماس وفيلب لن يصدقوا أن سيدهم سيأتي ومعه مال يعادل ذرات غبار العالم ذهباً"
لم يبدو فرونسكي أنه كان ينصت تماماً لكلام التاجر ولكنه تصّنع الاهتمام، وبعد أن فرغ التاجر من قصته قال:
"ولهذا رفضت التصدق لنا بقليل من الأموال، لو شرحت موقفنا لشركائك لتفهموا ما أنت فاعلة"
تجعدت جبهة التاجر قليلاً بينما كان فرونسكي يهيئ نفسه للقفز في أي لحظة قد ينقض فيها التاجر عليه:
"أولاً هم ليسوا شركائي بل أتباعي وأنا سيدهم الذي سيكون رأس المال من نصيبه، ونعم بوب وتوماس قد يتفهمان ذلك ولكنني لن أتحمل الديون التي ستفرض علي لو منحتكم بعضاً من مالي في هذه الرحلة"
تذّكر يافرونسكي..
"ولكننا قد نموت في أي لحظة، قد تبتلعنا العواصف أو قد تصطدم السفينة بالصخور أو ربما نموت جوعاً"
"فلتموتوا إذاً لن أثقل كاهلي بالديون"
وفكر فرونسكي بمرارة أنهم لو ماتوا لن يكون لتاجر المنسوجات كاهل يثقله شيء لكنه لم يجرؤ على قول ذلك له.
قال فرونسكي بحذر وهو يرفض أن يفكر في مظهره عندما يصل للوطن:
"وماذا لو قلت لك أنني سأسدد هذا المال نيابة عنك؟"
نفث التاجر أنفه ساخراً وقال:
"هل تراني مثلك يافرونسكي؟! أنى لي أن أصدق حرفاً واحداً من وعوداتكم الكاذبة؟!"
"سأجعلك تثق بي، امنحنا القليل من مالك أولاً وسأمنحك سراً سيجعلك قادراً على الاطاحة بي في حال لم أسدد لك المال"
فكر تاجر المنسوجات مطولاً وقطب حاجبه بشدة دون أن يعرف فرونسكي مايجول بباله، لقد ضربه التاجر الفظ ثم عالج جراحه وحكى له بصدق عن سبب عدم إعطاء القبطان روج بعضاً من ماله ومن ثم أخبره أن بإمكانه أن يصبحان مثل فرانكلين وآيدي الكسيح، إضافة لأنه مجرد تاجر منسوجات فظ يكره الإهانة كأي مخلوق متضخم العضلات عرفه فرونسكي في حياته، لقد وضع فرونسكي احتمالية موتهم قبل انقضاء الرحلة فوق كل شيء وقد ينجون بأعجوبة لو تصدق عليهم التاجر بقليل من المال، كان يعلم منذ أن رسم خطتهم مع القبطان روج أنها ستكون مخاطرة كبيرة ولكنه كان أقصى تفكير يمكن أن يصل له عقله.
قال التاجر مخاطباً فرونسكي بنهم:
"وماهو ذلك السر؟ "
فأجابه قائلاً:
"يكفي أن أقول أنه كفيل بجعل رأسي يعلق بالمقصلة"
وأضاف في سريرته:
"فليسقط حق الملوك الإلهي المقدس إلى قعر الجحيم الأسود".
"كاثي لقد رأيت الجحيم"
هل قالها ؟!
"كاثي أقسم لك أنني رأيت الجحيم"
هل كان يقولها ؟! لم يعد يعلم الحوائط البيضاء وحدها تعلم، عالمه الذي يعيش فيه الآن ملون بالأحمر والأبيض فقط، لون الجحيم الناري واللون الأبيض النقي ، هل مرّغته خطاياه في الجحيم ثم عاد رجلاً أبيضاً صالحاً مرة أخرى في عالم آخر؟ لا أحد يعلم، الحوائط وحدها تعلم، لقد تشربت أنفه بالسموم السوداء وغرقت عينيه بالماء المالح واستحم جسده بالأحمر القاني وفاحت منه رائحة العفن رائحة القيح والصديد الأصفر الثقيل، هل عاش لحظات عمره الأخيرة في القذارة؟! لا أحد يعلم هذا حتى الحوائط البيضاء نفسها لاتعلم، كم عدد المرات التي حسب فيها أنه رجل طاهر نظيف خال من الشوائب والعيوب؟! هل كان مخطئاً ؟! لقد رأى السواد الأعظم من حياته عندما مرضت ابنته الوحيدة كاثي، وعندما نقهت أقسم أن يطهر نفسه من كل عمل يقترب من كونه فاحشاً في حياته، ولطالما رسخت في ذهنه فكرة عن كون الحياة الكريه والنكدات تصيب أصحاب القلوب السوداء المليئة بالرذائل والمآثم من غاص في السوء والإفك حتى النخاع، هل كانت كذلك ولم يعي بنفسه أبداً حتى وافته المنية؟ هل هو ميت أصلاً؟ لقد دار عليه شريط الحياة وهو معلق بين الحياة والموت، لقد رأى اليوم الذي اشترى فيه منزله عندما بدأت أمطار الخريف الباردة تمطر المكان وتقلب الوحل على الأرض والعشب على الوحل واشتم رائحة التربة المبللة والندى الرطب تحيط بمنزله الجميل، لم يقترف خطأ وقتها أراد أن يفاجئ ابنته الحسناء كما يفعل أي أب حنون في هذا الكون، ورأي اليوم الذي ماتت فيه زوجته السقيمة فيري لقد انتحب وجأر وبكى وحزن على فناء زوجته كما يحزن أي رجل مستقيم على شريكة حياته، رأي أشياء كثيرة بعدها مؤامرة غسل الأموال التي جرت في البلاط والتي لم يكن جزئاً منها واتجار رفيقه القديم بسلع فاسدة، وشاهد عملية احتيال حدثت لأمرأة طاعنة في السن ولم يحرك ساكناً وأسقط صبي صغير بالخطأ بعربته الفارهة وزعق بشراسة في خادمه عندما حاول التملص من عملية شراء أكواب الفضة له، لقد رأى نفسه يمرح ويلهو ويضحك ويثرثر طوال حياته، هل هذا خطأ ؟ لم يرتكب الآثام لكنه لم يكن صالحاً نزيهاً كما حسب نفسه. ألهذا احترق؟! لاأحد يعلم..
عندما توقفت عنه الهلوسة والوساوس الشيطانية قبل يوم شعر بشيء يحوم حوله ويتلمس ذراعه بخشونة، حاول وقتها الصراخ بصوت عالي لكن صراخه كان داخلياً فقط الألم كان يعمي، اشتم رائحة مراهم نفاذة ورائحة عرق ورائحة عطر قوية مزعجة للغاية. وسمع كلمة "لقد تفحمت" هل أصبح أسود اللون؟ الحوائط البيضاء وحدها تعلم لو أن الحوائط الكئيبة التي تحيط به تستطيع أن تتحدث لكان قد سألها عن حاله، حياته التي يعيشها عبارة عن فوضى وضوضاء وألم داخلي، لكنه رأى الجحيم وأقسم لكاثي على ذلك، أهذا يعني أنه في مرحلة مابعد الحياة وماقبل الموت؟ لا أحد يعلم.
أول مرة قارب على أن يرى العالم حوله أبصر البياض فافترض أنها الحوائط، أي مكان يمكن أن يحاط باللون الأبيض غير ذلك الذي يتعالج فيه الناس، لكن هذا هادئ جداً دافئ جداً كئيب جداً.
"فليرحمك الإله في أزمتك القادمة أيها اللورد بيريسفورد"
تمنى ألا تكون هنالك أزمة أخرى مقبلة عليه، يجب أن يتجاوز الحالية أولاً، الألم يعمي والرائحة تخنق والعقل يجٌن هل هنالك أزمة أسوأ من أزمته الحالية؟! لم يعد يعلم ولايريد أن يعلم حتى، لو انعمت عليه الحياة ومنحته مزيداً من العمر سيتخلى عن لورديته وأملاكه للفقراء سيصبح صالحاً وسيعيش حياة ريفية عادية مع ابنته الجميلة كاثرين، كم يريد أن تعود المياه لمجاريها وأن يستنشق هواء نقي منعش ويبعد اللون الأبيض والأحمر عن مخيلته يريد أن يرى بقية الألوان..الأخضر، لونه المحبب علي الأقل، سيغسل روحه ويفتح بصيرته وسيقتل الكبرياء المجنون الذي كان يصيبه أحياناً. تباً للنبلاء ولكبرياءهم، لتكن الحياة معي سخية وتمنحني مزيداً من العمر وسأمنحها بيريسفورد أنقى من ورق طباعة العجوز بيرنارد، هكذا كان يهلوس عقله على فترات متقطعة كلما باغتته نوبات الألم أو كلما شعر بأحدهم يعبث بساقه.
عندما بلغ اللورد بيريسفورد الخامسة والثلاثين من العمر كان أقل بدانة وأكثر وسامة مما يبدو عليه الآن وجهه مكتنز باللحم وله ابتسامة ودودة خرقاء وذقن نصف بيضاوي وشعر مجعد كث كان ذلك قبل أن يرث من والده اللورد ثروة عائلته من منتجعات وقنوات ري ومزارع دواجن قريبة من السهول وخزف وتماثيل رخامية وفخاريات ثمينة وجمشت لامع وأحجار كريمة ومتاجر خاصة بالزينة ومراعي شاسعة لماشية العائلة، كادت ثروة اللورد بيريسفورد وقتها تفوق ثروة عائلة الدوق فرديناند لو لم يفقد اللورد بيريسفورد نصف عقله وهو يحاول بيع إرث العائلة النفيس مقابل أراضي كانت موضع نزاع بسبب تداخلها مع الحدود ودفع الثمن غالياً وقتها وأقسم ألا يجازف ولو بملعقة صغيرة من أملاكه مرة أخرى. تساءل لعدد من المرات ما إن حولته هذه الحادثة لرجل غاشم طماع شديد الحذر يخشى المبادرة بأي شيء قد يُعرّض أملاكه للمخاطر، لكن الحقيقة هي أن اللورد بيريسفورد وأمثاله ممن يأكلون بأطباق وملاعق من ذهب ينسون أن العالم الذي يعيشون فيه عبارة عن طبقتين لا واحدة، وربما يجدر به أن يتذكر اليوم الذي بصقته فيه أمه من رحمها وقدمته لهذا العالم كلورد متورد صغير مدثراً بفرو الفقمات والدببة بينما الألوف من فارغي البطون تلسعهم برودة الشتاء الحادة بلا رأفة، كان هو أبيضاً ناصعاً مشعاً بينما كانت الألوف متسخة
أشعثة وهائمة، كان سعيداً وكانوا تعساء، كان ممتلئا وكانوا نحاف، كان يأكل البرقوق الحلو والعنب الحامض وكانوا يأكلون بقايا الأسماك والنفايات، كانت تفوح منه رائحة العطور الثمينة وكانت تفوح منهم روائح المستنقعات والأزقة القذرة..كان وكانوا، كانت ولاتزال الحياة عبارة عن معادلة غير عادلة، مزيج بين الترف المطلق والرخاصة الفادحة بين الضعف والسلطة بين النفوذ واللامكان بين الجشع والزهد بين التملق الإهانة بين السعادة والبؤس بين الشموخ والإنكسار بين الغنى والفقر وبيرسفورد أقسم ألا يعيش في أخطاء الماضي كما يفعل دائماً، فليرى ابنته كاثي مرة أخرى وسيكفر عن أتفه ذنب اعتقد أنه ارتكبه.
شق شعاع الصباح الأصفر الباهت الغرفة التي يتمدد فيها اللورد بيريسفورد بنعومة، وكان الهواء في الخارج بارد ثقيل مشبع بالرطوبة والشمس مخفية وراء ستار أبيض خفيف من سحب الشتاء الضبابية بينما ارتفع صوت النار وهي تطقطق داخل المدفئة وقد تطاير الشرر البرتقالي في الهواء والحطب يفرقع بين كل دقيقة والأخرى. دخلت الغرفة امرأة متقدمة في السن بشعر كستنائي خفيف ووجه متغضن ناحل يكسوها الأبيض من رأسها حتى أخمض قدميها وأضافت مزيداً من الحطب في المدفئة ثم أسدلت الستائر البيضاء على النافذة ووضعت بطانية ثقيلة من الصوف على حافة سرير اللورد بيريسفورد، وبعد أن تأكدت من تعقيم لفائف القماش الأبيض جيداً أشارت لأحدهم بالدخول ثم قالت قبل أن تغلق الباب وراءها:
"اللورد بيريسفورد غط في نوم قبل ثمانية ساعات بإمكانك الإنتظار ريثما يستيقظ"
أومأ الزائر بحركة بسيطة ثم انتظر خروج المرأة من المكان.
اخر تعديل كان بواسطة » شارون فينارد في يوم » 29-03-2021 عند الساعة » 11:53
لم يعرف أيهما سيفعل أولاً الجلوس أم إيقاظ اللورد من سباته فقرر أن يفعلهما في آن واحدة، كانت مجرد هزة خفيفة بباطن اليد واستيقظ على إثرها اللورد بيريسفورد بآهة تألم وهو يرتجف بعنف والأفكار تتلاطم داخل دماغه وقد تحول بصره للجالس قبالته، استغرق اللورد دقيقة كاملة ليتذكر الوجه اللطيف البدين القابع أمامه. قال اللورد بيريسفورد بصوت خافت مبحوح ضعيف وفكه السفلي يهتز بقوة:
"عزيزي الدوق فرديناند لقد استجاب الإله لدعائي، سأغدو رجلاً مستقيماً إلى أن تفارق الحياة جسدي المترهّل"
ابتسم الدوق فرديناند بسخاء وهتف:
"هل كنت تدعو بينما كان جسدك يصارع الألم؟"
"بل كنت أفقد عقلي، أخبرني أيها الدوق فرديناند كيف أبدو الآن؟ رقبتي متشنّجة ويداي مخدرتان وأنت تعلم ما الذي سيحدث لو حاولت تحريك ساقاي"
رد الدوق فرديناند وهو يجاهد لكيلا ينظر لساقيه:
"اسمع هذا غير مهم، ستعرف فيما.."
حاول اللورد بيريسفورد أن يكون صوته حاداً وهو يقاطعه لكنه خرج متحشرج محموم:
"أريد أن أعرف الآن"
كانت ساقه اليمنى ملفوفة بالقماش الأبيض ولكن منظرها يقول أنها عظام بلا لحم والقماش ملطخ بأحمر أقرب للأسود والجزء السليم منها خليط بين الأسود والأخضر. قال الدوق فرديناند وهو غير راغب في أن يصف للورد بيريسفورد منظره:
"الساق اليمنى دامية مغطاة بالقماش والقطن ونصف وجهك مسود وهنالك بضعة جروح منتشرة على كلتا يديك..حروقك ليست بذلك السوء ومنزل الطبيبة هيلان لاتعوزه مسكنات الخشخاش"
وضحك اللورد بيريسفورد عندها بفتور ومرارة.
"لمّا كنت نظيفاً من الخارج كنت ملوثاً من الداخل والآن عندما قررت أن أصبحت نظيفاً من الداخل تشوهت من الخارج..ياللحياة وحكمتها! "
آثر الدوق فرديناند الصمت بينما واصل اللورد بيريسفورد كلامه بصوته المضمحل:
"كنا سنرتحل أنا وابنتي كاثرين إلى مهجعنا الصيفي جنوباً فالشتاء أصبح أشد عنفاً وندفه تزداد مع مرور الأيام، كلاديوس وأنا حمّلنا العربة من الخلف بكثير من أعواد الثقاب والمشاعل والجازولين على سبيل التحوط إذا ما داهمتنا عاصفة جليدية في منتصف الطريق، ميريل الأعرج وبقيه الخدم كانوا يحملون الطعام والمعاطف إلى العربات الخلفية، والشكر للإله أن كاثرين تذكرت قبعتها الصوفية في تلك الأثناء وإلّا كنا نتشارك الألم الآن"
استحثه الدوق على الكلام قائلاً بتعاطف:
"وبعدها"
تأوه اللورد بيريسفورد بصوت عالي:
"وبعدهǿ آه لا أريد أن افكر فيما حدث مجدداً، بعدها رأيت الجحيم ياعزيزي فرديناند، يبدو أن المشاعل كانت مكدسة في الجانب الأيسر من العربة وإلا لأصبحت الآن مثل كلاديوس المسكين، مازال قلبي موجوع على الفتى الصغير إذ لابد أنه استحال الآن إلى رماد وبيتر..آوه لماذا انقلب العالم فوق رؤوسنا بهذه القسوة ياصديقي القديم؟! ابنتك أولاً ثم البارونين كلاري وبعدها أنا، لينقذنا الإله مما هو قادم"
"نعم صوفيا، كل المصائب بدأت مع صوفيا"
وشعر الدوق فرديناند بغضّة في حلقه. تفكيره صرف بعض الشيء عن صوفيا في الأيام الأخيرة وتحديداً بعد حادثة عربة اللورد بيريسفورد المنفجرة صحيح أن الناس والصحف لم تنفك عن تحريف عدد من النظريات التي كان أغلبها سخيفاً بالنسبة له لكن رولاند جاءه قبل أيام بأخبار لم يستطيع عقله أن يصدقها عن رجل يدعى بمارفل رأس القربة كان قد داوى جراح جافرش أحد فرسان فيلقه قبل أن يفيق من غيبوبته، وتساءل ما إن كان مايقوله الرجل صحيحاً إضافة لأنه أصبح من الصعب الوثوق بأشخاص دافعهم الحقيقي المال لاأكثر لكن من حديث رولاند عنه بدت له حكاية مارفل هذا صادقة أكثر من أي حكاية سمعها عن صوفيا، على الرغم من أنه شعر بقلق بالغ ينتابه بعد ماقاله رولاند لكنه عثر على بارقة أمل ضئيلة قد ترشده لمكان صوفيا، لكن ماذا لو أنها لا ترغب في أن يُعثر عليهǿ! ونبذ الدوق فرديناند الفكرة بقوة رافضاً أن يفكر في شيء كهذا، صوفيا فتاة بالغة ما الذي يدفعها لأن تلقي بنفسها فوق حفرة لا تدري مدى عمقها، لكنها وعدته بأن رحلتها لن تطول وأنها محض تجربة صحفية للكتابة عن إحدى رحلاتها، هل هنالك شيء ما لا يعرفه؟! كلا..صوفيا لا تخفي عنه أمورها الخاصة لكن ماذا لو كان مخطئǿ!ً، وفجأة تذكر كلام رولاند "يبدو أنها بخير، شخص ما أمر ألا تُؤذى"..بحق خالق الجحيم ما الذي يحدث داخل هذه الإمبراطورية الملعونة..
لم يلحظ الدوق فرديناند أن اللورد بيريسفورد كان يحدثه عن صوفيا إلا وهو يقول بصوت خافت مهزوز:
"ضع أسوأ الاحتمالات حتى لاتصعقك الحقائق المؤلمة فيما بعد، أعلم أن لا أحد سيحب أن يفكر في ذلك لكن ماذا لو أن الدوقة صوفيا.."
"ماتت؟ كلا لو ماتت لعرفنا إنها في مكان ما في هذه الإمبراطورية"
"أو خارجها"
صدمه ذلك وقال وحاجبه الأيمن يرتفع لأعلى:
"خارج؟! تقصد خارج البلاد؟! بحق الخالق لماذا قد.."
"وهذا ماعنيته أيها الدوق فرديناند عندما كلمتك عن أسوأ الاحتمالات"
اخر تعديل كان بواسطة » شارون فينارد في يوم » 09-02-2021 عند الساعة » 20:50
"ماهو أسوأ من الموت؟! "
وشعر اللورد بيريسفورد بالدوار والغثيان والألم على التوالي. كان يغلق عينيه ويفتحهما بتعب محاولاً استجماع نفسه وهو يقول:
"صوفيا بخير أقسم لك بذلك، لقد رأيتها في أحلامي لكن شقراء ونارية تعلو وجهها نظرات الهلع، جميلة ناعمة مبيضة كالحليب كما عهدناها"
وغط في نوم عميق تاركاً الدوق فرديناند يحدق فيه مذهولاً.
حلم اللورد بيرسفورد هذه المرة بأنه نمر بري مرقط بالأسود يتجول وسط غابة كثيفة مخضرة ضبابية زلقة يغطي الوحل والطين الرطب وفضلات الخراف أغلبها، كان لسانه المتدلّي يُقطّر اللعاب بتؤدة كقطرات المطر الخفيف وأسنانه المخلبيّة السفلى حادة وملتوية كقرون الأيائل وقدميه ملطخة بالوحل حتى المنتصف وصوته الراعد أشبه بشخير مئة نائم في آن واحد، كانت رائحة براز الخراف وإن كانت في الأصل مقززة تشعره بنوع خاص من النشوة وتجعل لعابه يسيل بشدة، كانت الرائحة قوية لدرجة أنه شعر بها في بلعومة ومعدته، وعندما حاول افتراس إحدى الطرائد الصغيرة المتوارية خلف ستار من الأخضر المكشوف كشبكة العنكبوت برز قطيع خراف من العدم وطرحه أرضاً على ظهره، كان يقاوم بقوائمه الأربعة معاً لكن القطيع الذي انقضّ عليه كان أشرس مما يتخيله أي مخلوق ومزق خاصرتيه وذيله ونهش لحم جسده واقتلع الرأس والقوائم الأربعة وامتص عظام الأضلاع والتهم الأحشاء ولعق الدم بلذة، كان قطيع الخراف يعوي ويزداد عواءه مع ابتلاع الضباب والظلام للمكان وبعدها استيقظ اللورد بيريسفورد مرتعداً بصرخة فزع دوى صوتها في أرجاء الغرفة، كانت رائحة الدم والعشب والبراز القوية لاتزال تفعم أنفه بينما سال العرق على رأسه وصدره وفخذيه كسيلان مياه الأمطار على سطح أوراق الشجر.
"هل جننت يا أبي؟ لقد جعلتني أجفل..أوه الحمى!"
وأمسكت الفتاة بمنديل أخضر مطرز بخيوط ذهبية وأخذت تجفف جبهته وجبينه من العرق. نطق اللورد بيريسفورد بإعياء وفكه السفلي يرتجف كارتجاف ماكينة الخياطة وأسنانه تصطك مع بعضها بحدة:
"فينوس"
"كلا أبي إنني فتاتك المحبوبة كاثي، كاثرين سليلة عائلة بيرسفورد أيعقل أنك نسيت من أكون؟"
وبدا لوهلة أن اللورد بيريسفورد فقد وعيه مرة أخرى قبل أن يحرك رأسه يمنى ويسرى وهو ينظر لابنته.
"أعرف من تكونين ياعزيزتي، إنما فقط.."
"أوه فهمت يا أبي تقصد أن جمالي يفوق فينوس والقمر مجتمعين، أوتعلم ماذǿ لقد سئمت الحديث عن فتنتي الأخّاذة لذا دعنا نتحدث عما يحدث معك هنǿ قبل يوم كنت تصرخ منادياً الحوائط وتنطق بالجحيم في كل لحظة أدخل فيها هذه الغرفة واليوم تبدو وكأن كهفاً مسكوناً ابتلعك"
"كانت كوابيس"
وأردف بصوت مرتجف واجف:
"أخبريني فقط ياكاثي هل الخراف تعوي؟!"
أمعنت كاثرين النظر في وجه أبيها الشاحب للحظات قبل أن تضحك وتقول مداعبة:
"والدي العزيز عُد إلى النوم قبل أن تنقل عدوى الجنون المباغت إليّ"
كانت طباع الليدي كاثرين مزيج مابين فكاهية اللورد بيريسفورد الثقيلة وبين طيبة وذكاء والدتها العقلاني الليدي فيري بينما أخذت أغلب ملامحها الجميلة من الشعر الذهبي المجعد اللامع والأنف الرقيق المعقوف والعيون الزرقاء الحادة المبطنة والفم الرفيع المحمر بشكل طبيعي والخدود المتوردة الناعمة حتى قامتها الطويلة المستقيمة كأشجار البان من عائلة أمها، حتى أنها لا تذكر عدد المرات التي قال فيها اللورد بيريسفورد أنه من حسن حظها أنها لم ترث معدته العظيمة المتكورة وأصابع يديه القصيرة والغليظة كالسجق، فأجابته ذات مرة بصراحة قاطعة كنصل سكين الجزّار:
"لطالما قيل أنك معتوه يا أبي، الأجدر أن تقول من حسن حظي أنني لم أرث منك شيئاً من هذا"
لم يكن يروق للورد بيريسفورد أحياناً -على الرغم من شخصيته- صراحة لسانها الحاد كما لم يرق له أخذها لأغلب الأمور باستخفاف ولامبالاة مزعجة حتى أنه قال لها من قبل أن الدورق رولاند رجل جاد بشكل مهول ولن تنال شرف خطبته لو واصلت التصرف مع أي كلمة تُقال لها بهزلية، وكعادتها أجابت ضاحكة:
"على الدوق رولاند أن يتنازل قليلاً عن جديته المهولة هذه وإلا لن ينال هو شرف خِطبة كاثي الفاتنة"
فأخبرها وهو يأمل أن يغيرها ماسيقوله قليلاً أن الدوقة صوفيا دائماً ماتمدحها أمام الدوق رولاند فأجابته بنبرة ملولة هزلية وهي تطبع قبلة خفيفة على خده المتضخم:
"أوه حقاً؟ إذاً أخبر الدوقة صوفيا عندما تزور قصر براغنازا في المرات القادمة أنها لاتعرفني حق المعرفة"
المرة التي تبدلت فيها ملامح الليدي كاثرين بشكل جذري عندما رأت حالة والدها بعد حادثة الاحتراق الأخيرة، وقتها اسقطت قبعتها الصوفية وأضواء النار تتراقص بسرعة على عينيها المصعوقتان وعندما عثرت على صوتها أخيراً خرج كحشرجة ضعيفة متقطعة بينما حُمل اللورد بيريسفورد على نقالة خشب إلى منزل الطبيبة هيلان الأبيض الكئيب بعد ما أسعفه مرافقه دانسن بشكل سريع.
عندما فتحت الليدي كاثرين نوافذ غرفة اللورد بيريسفورد وازاحت الستائر أخمدت رياح الشتاء أضواء الشموع الضئيلة التي كان ضوئها يملأ المكان فأضفى ذلك على الغرفة طابع أكثر كآبة، قالت الليدي كاثرين وهي تعود لتجلس على الكرسي الخشبي المقابل للورد بيريسفورد وفستانها الأصفر المخملي يتبعها مصدراً صوتاً كفحيح الأفعى:
"هل كنت تقول مثل هذا الهراء أمام الدوق فرديناند؟ لاعجب في أنه غادر بهذه السرعة، لقد قال أنك تحتاج لبعض الراحة لكنني لم أصدقه"
همس اللورد بيريسفورد بخفوت وهو يحاول ألّا يتذكر تفاصيل الحلم قدر الإمكان:
"مجرد كابوس ياعزيزتي، مجرد كابوس"
"أعلم أنه مجرد كابوس ياأبي لكنك كدت أن تصدق أن الخراف يمكن أن تعوي فعلاً، بحق الخالق إلى أي مدى توغلت في ذلك الحلم السخيف؟! تقول قطيع خراف يلتهم نمراً أرقطاً؟ جرب أن تخبر طفل في السادسة عن ذلك وسيُشق حلقه من الضحك"
وعقدت ساعديها ثم اضافت:
"لكن أتدري ماذا ياأبي؟ أنا لست طفلة في السادسة"
"ما الذي يفترض أن يعنيه ذلك ياعزيزتي؟"
لوحت كاثرين بيدها وكأنها تذب باعوضة:
"أوه لايعني شيئاً على الإطلاق، لكن إذا زارك في يوم من الأيام الدوق جونز أورويل أو السيد رالف كارليسل أو الدوقة إيفيلين أو السير نيلسون أو الدوق دانتون ويلاس أو المبجل ديفان أو الكونت بينتاس العظيم أو حتى الإمبراطور نفسه عندها يمكنك الإفصاح عن هذه الرؤيا بكل شفافية"
خاطب اللورد ابنته وهو بالكاد يفهم ماتقوله:
"أهي رؤيǿ!"
"ربما، أبي هل تؤلمك ساقك؟"
أجاب اللورد بيريسفورد وساقه اليمنى تنبض بألم فظيع:
"قليلاً"
"إذاً لندع الطبيبة هيلان تصنع لك المزيد من المسكنات"
الأرواح الخاوية تألف الوحدة..
هكذا فكر اللورد بيريسفورد بعد مغادرة كاثرين الغرفة، ربما تكون هذه أول بوادر طريقه إلى الصلاح الفعلي، في زمن حسبه بعيد جداً كان يعشق الثرثرة والمزاح الذي لا طائل منه أما الآن عرف كم كان سخيفاً لأي درجة، لكن كاثرين ستعرف أن هنالك خطب ما به وستسأله عن ذلك، هل سيقول لها ببساطة أنه قرر أن يصبح رجلاً أكثر نضوجاً عن سابقته؟ يعلم تماماً أن هذا لن ينطلي عليها بسهولة، ولوهلة نسي اللورد بيريسفورد سبب القرار الذي اتخذه. ذكّر نفسه أن البارون كلاري كان رجلاً شريفاً صالحاً لكنه احترق رغماً عن ذلك وبشكل أكثر قساوة. وقبل أن يفكر في المزيد اقتحم الغرفة رجل في الأربعين من العمر مجعد الوجه يتردي قبعة مثلثة من الأمام ومعطف يصل إلى كاحليه وتفوح منه رائحة الغليون والدخان وقال قبل أن يستجمع اللورد بيريسفورد أفكاره:
"لورد بيريسفورد..أحزنتنا مصيبتك للغاية. سنحرص أن يدفع من فعلوا بك هذا الثمن غالياً، ولهذا أنا هنا"
جلس الرجل بلا دعوة وقبل أن يفكر اللورد بيريسفورد المدهوش في رد هتف الرجل الأربعيني بنبرة عميقة:
"أدعى المحقق جارل،أعلم أن الوقت غير مناسب معك لأي نوع من الإجراءات، لكن حرس أمن سالزبورغ يظن أنه كلما أسرعنا في هذا الأمر كلما قل عدد الخسائر المحتملة، لذا لورد بيريسفورد ورجاء أعذرني لذلك، هلا أخبرتني عن حكايتك المأساوية كاملة؟"
لم يكن اللورد بيريسفورد في مزاج ليتحدث مع أي أحد دعك من أن يروي ماحدث في ذلك اليوم مرة أخرى قال للمحقق بفتور:
"لا أريد أن أكون وقحاً لكنني لا أقوى على قول كلمة واحدة عن ذلك الآن"
حك المحقق أنفه لبرهة قبل أن يسأله قائلاً:
"إذاً هلا تلطفت وأجبتني عن هذا السؤال؟! لن يأخذ منك أكثر من ثلاثة أحرف أو حرفين، سيدي هل لاحظت أي فتاة شقراء بشعر قصير ووجه شاحب كانت تتجول حول فناء المنزل أثناء اشتعال الحريق؟"
فكر اللورد بيريسفورد مطولاً قبل أن يجيب وهو يشعر بالغثيان والدوار ينتابه للمرة الثانية ولكن هذه المرة كانت أقوى من سابقتها بكثير:
"لم أرها لكن حلمت بها"
"حلمت بهǿ! "
"نعم شقراء نارية تلوح في الأفق كأنها طائر بعيد"
وازداد الدوار بشكل لم يألفه من قبل وكأنه يسحبه بقوة من العالم وانقلبت معدته وشعر بأن ساقه تُحرق مرة أخرى، وأدرك مع آخر كلمة نطق بها كم كان الناس محقين عندما وصفوه بالمعتوه. وفجأة عرف كل شيء ومن ثم غرق للمرة الثانية في نوم لن يعلم أحد متى سيفيق منه.
- نهاية الفصل -
اخر تعديل كان بواسطة » شارون فينارد في يوم » 29-03-2021 عند الساعة » 11:51
أهلاً جميعاً فصل بسيط وخفيف..
على الرغم من انني زرت شخصيتين رئيسيتين فقط هنا لكن عدد من الشخصيات ذات الأدوار الثانوية ظهرت أيضاً..
اعتقد انني وجدت كتابة الفصول القصيرة و أنزالها بسرعة أسهل من الفصول الطويلة« نظراً لأنني أكسل بشدة من الكتابة عندما اقرر كتابة فصل طويل.. المهم استمتعت حقاً بالكتابة هنا على عكس الفصل السابق إلّا أنني وجدت شخصية تمثل لي معضلة حقيقة وهي شخصية الليدي كاثرين وكان ذلك من اصعب ما كتبت لأن الشخصية لا تبدو كما فكرت فيها..
على أي حال قراءة ممتعة..
اخر تعديل كان بواسطة » شارون فينارد في يوم » 10-02-2021 عند الساعة » 09:21
واجهت صعوبة في تصديق ذلك، حينما وجدت الفصل الجديد فصلين بالنسبة لي وليس فصل واحد فقط < مما يعني أنني غبت عن الفصل السابع
شعرت بالمرارة لذلكولكنني ( إلى ما بعد الاقتباس)
وعليكم السلام يا عزيزتيالسلام عليكم ورحمة الله
مراحل كتابة هذا الفصل متعبة من كل النواح حتى أنه أخذ ضعف المدة التي استغرقها عادة لتنزيل فصل +مراحل كتابته مجرد تذكرها آااه «هذه صرخة ضجر..اصبت بالاحباط في عدد من المراحل وغاب الالهام كلياً لدرجة كنت على وشك التوقف من الرواية نهائياً ولكنه هنا بعد كل شيء«حالة مشابهة لحالة كتابة الفصل السادس..وكما قلت سابقاً لاأنوي التوقف أبداً عن الرواية وسأظل اركل إلهامي في كل حالة تمرد مشابهة حتى يتهذب في حضرتي..
على كل حال أتمنى لكم قراءة ممتعة..
إنني أفتخر بك إلى أبعد الحدوووووووووووووووود
سأحاول أن أعود قريبا، قريبا جدااا![]()
![]()
أوه أنا التي لا تصدق ذلكواجهت صعوبة في تصديق ذلك، حينما وجدت الفصل الجديد فصلين بالنسبة لي وليس فصل واحد فقط < مما يعني أنني غبت عن الفصل السابع em_1f635
شعرت بالمرارة لذلك e406 ولكنني ( إلى ما بعد الاقتباس)
*تبكي وتضحك في آن واحد* أخييييراً..
لكن الفصل الأخير قصير جداً..إذا تم دمجه مع الفصل السابع سيكون وكأنه فصل واحد طويل..
وعليكم السلام يا عزيزتي
إنني أفتخر بك إلى أبعد الحدوووووووووووووووود
سأحاول أن أعود قريبا، قريبا جدااا e106 e411..
في انتظارك على أحر من الجمر«أدركت الآن كم افتقد هذا كثيراً
طائر الفينيق الناري
العنوان في حد ذاته راااائع يسكب علي جرعة فضول حادةة و ...تلميح على أدب ساحر في الأسطر القادمة هيا بنااااااااااااا
ذبلت أزهار النرجس الصفراء المحيطة بقصر براغنازا وأصبحت أكثر شحوباً وأشبه بحشائش
تعلقت على سبيل الخطأ بساق النبات أو كأن إعصاراً ما داهمها وجعلها تشتبك بالأغصان القصيرة،لم أكن مخطئة قيد أنملة في كلامي أعلاه >< كما تأممممللللتتتتت
فيماعدا أن الأجواء كانت أشبه بإحدى زنزانات سجن...
ماذا لو كانت ؟
فيما عدا الأجواء التي كانت أشبه بإحدى زنزانات سجن...
أن من يجد صوفيا بول بونابرت له مكافأة سخيفة من عند الدوق فرديناند تقصدين ( سخيّة ) بالتأكيد ><
فالمال مسوغ أساسي لنسيان الكراهية المقيتة للشعب تجاه الدوق وإنه كما قال الدوق جونز أورويل عندما قرأ الخبر على الصحيفة: " المال هو الوقود الأساسي الذي يٌستخدم ضد المتخاذلين، وهذا الماكر استطاع أن يحرك أعداءه بمهارة". أحببت أحببت طريقتك هذه يا فتااااة، أتعلمين أحب فيك التلاعب بتداخل العبارات لتكون سلّما يربط الأحداث والعبارت في ذهن القارơ وهذا الشيء يجعل القراءة أمتع سطرا بعد سطرررررررر
الأشاعات
الإشاعات أعلم أنها سقطت سهوا هههههههههه
أعتذر لأنني لم أجد الوقت ولا الكلمات المناسبة لأراسلك بمجرد أو أشفى قليلاً من محنتي يا فتاة أعتقد أن هناك كلمة قد سقطت سهوا هنا بعد كلمة بمجرد ، أو أنني أسأت فهم الجملة؟
وكأن قضية حرق منزل البارونين كلاري لعبة مسلية تثير الاهتمام وعلى الجميع أن يشترك في حلها
مؤلمة للغاية، لهذا السبب لا أطيق الصحافة والإعلام، هذه العبارة نقضت الجروح كما يقال 🙁
لكنت قد قرأت مثل هذه التراهات في صحيفة نيوز
ربما الترّهات وليس تراهات، لستُ متيقنة
رسالة جيرارد !!
يا فتاة كيف كتبت هذه الأسطر التي تنضح بكل هذا الكمّ من الأسى ! لقد نسيت نفسي تماما وعيناي تنتقلان بين السطر وما يليه كما لو كنت منصتة بحذر أستمع لصوت جيرارد وهو يصف معاناته بدقة مميتة !
كمية التفاصيل الموجودة في هذه الرسالة..فعلا لا أظنه بالشيء الذي يسهل كتابته
أهنّئك على هذا كثيرا رغم أنني أشعر بتناقض مريع الآن بين ضرورة تهنئتك على هذا النصّ وإحساسي الذي لا يزال محاطا بكلمات جيرارد في رسالته الطويلة تلك
هناك الكثير من الأشياء التي قالها تتجاوز مسألة الإحساس بكارثتهما أو تصوّرها فحسب، على سبيل المثال حينما تحدث عن كيف أن يوم الحادثة نفسه كان أفضل من الأيام التي تليه هو أمر يجعل القارئ يفكر لبضع ثوان ثم يومئ برأسه قائلا: صحيح إن الأمر كذلك !
في تلك اللحظة يتخدر المرء من الصدمة بالفعل، الأحاسيس لحظية مخلوطة بالفزع والصدمة والهرولة المدفوعة بغريزة البقاء
أما فيما بعد، فكيف لذلك المشهد الذي حل بوالديهم أن يغيب عن اعينهم أو على الأقل أن يكف عن مروره البطيء عبرهما !
ما قاله عن باتريشيا صادم كذلك، لم يرحلا والديها بشكل عادي، أو على الأقل لم تكن بعيدة عن الحادثة ولم تشهدها، لذا أظن أن صدمتها تفوق صدمة صبي أو صبية قد فقدا والديهماـ ولكنه شيء آخر، تلك حادثة مريرة تفوق مسألة الفراق والرحيل في حد ذاتها
حتى الآن لا أصدق حقا ما حصل، ولا يمكنني التفكير عن مسبب لذلك، كيف فقط احترقا ومن فعل ذلك بهما 🙁
كلمة أخيرة عن جيرارد " ما يزيد اعتصاري بالألم هو معرفتي وتكرار التنويه على كونه شاب صامت قليل الكلام، أن يُخرج الجرح العميق كل هذا الحديث منه أو بالأحرى أن تنفجر كل هذه الأحاديث منه، إنه لشيء يدمي قلبي 🙁 "
وقد غطى شعره الأشقر والذي أصبح أطول بكثير وأكثر تموجاً من السابق وجهه:
ماذا لو كانت هكذا ؟
وقد غطى وجهه شعره الأشقر الذي أصبح أطول بكثير وأكثر تموجا من السابق
قالت إيفلين بطريقة لم يستطع رولاند أن يميز ماإن كانت خيبة أمل أم ارتياح:
هذه العبارة تجعلنا نغوص في حقيقة الأوضاع ( النفسية ) في كل مكان بالبلاد !، فهذه الحالة ( طريقة التعاطي مع الأخبار والصحف )التي تذمر منها جيرارد بأسى، ليست بالأمر الذي يدور بين أطياف الشعب بعيدا عن شخصيات الرواية هنا ، بل هنا أيضا نشعر بالأمر بل والأمر يؤرق عقول أبطال الرواية نفسها بخصوص أنفسهم وبمن هم حولهم !
أنا أصرّ مرة ثانية على حياكة البارعة لما تكتبينه يا فتاة، تدهشينني في كل مرة
لنستمر لنستمر ...
ابتسمت ايفلين بسخرية وقالت بصورة استهجنها رولاند بشدة:
"يرغب في بعض الكلمات الشاعرية إذاً، لم يكن ذلك المدعو جيرارد ميالاً لهذا الأسلوب أبداً"وأنا أريد أن أصفعها بشدة !
كانت الكلمات بمثابة صفعة قوية على خد إيفلين.. يا للروووعةةةة ، لا تتخيلين كيف اتسعت عيناي وأنا أقرأ هذا السطررر، إذا فصفعتي لم تبق في حيّز الأحلام طويلا
أتهامات اتهمامات
لايمكن لأحد أن يقول أنها علانية في سياسية..
هل تقصدين عقلانية ؟
"وحقيقة أنه مات لايغير بالمقابل حقيقة أن البراغيث التي كانت تدور حول دماغه ستنتقل لابنائه"
ايفلين مريعة حقا ها قد تحولت إلى سياسية مخضرمة الآن -_- < تواصل القراءة سريعا لترى ردّ رولاند الرائع كالعادة
ظلت إيفلين تحدق فيه وحاجبها معقوداً في دهشة ثم قالت وهي تقف وتتجه نحوه لتحيطه بذراعيها الرقيقتين بسعادة وهذا يعني أن افكارها تطابق تماماً ما قاله رولاند: لست متأكدة ولكن ماذا لو كانت نهاية العبارة هكذا أو هكذا ( لدي مقترحين >< )
1- مما عنى تطابق أفكارها تماما مع ما قاله رولاند
2- مما يعني تطابق أفكارها تماما لما قاله
لا أعرف لماذا ( وهذا يعني أن أفكارها ...) كأنها أبعدتنا قليلا عما قبلها < أو ربما أكون مخطئة تعلمين كنت متوقفة عن القراءة منذ فترة هههههههههه
ولكن لحظة مالذي يجري مع رولاند ؟ كنت سأكتب عن هذا منذ بداية الفصل ولكنني أقوم بالتأجيل حتى تحين المناسبة أكثر بشكل صريح في إحدى العبارات ولكنني حقا لم أتمكن من التأجيل أكثر بعد ما قالته له ايفلين تذكره بأن صوفيا تظل أخته كما كان يردد كالأبله إلخ...
لقد شعرت بشيء غريب حينما كان رولاند منشغل للغاية على جيرارد ( وهذا أمر يجب أن يكون وطبيعي) ولكن لم أشعر بنفس الأمر تجاه صوفيا ! هل رولاند يعلم وأنا نسيت الأمر ؟ أتذكر أنها أخبرته بالرسالة التي وصلتها وبأنها ستذهب ولكن هل هذا كفيل بتهدئته ؟ هل حدث شيء آخر نسيته
إنني أتساءل حقااااااااااا
انهى رولاند كتابة الرسالة في فترة وجيزة وأعاد قراءتها مرة أُخرى قبل أن يضعها في ظرف منقوش باللون الذهبي وقد جعل الشمعة الحمراء تسيل على طرف الظرف. أول شيء فعله بعد ذلك هو أن القى برسالة جيرارد داخل المدفئة وراقبها حتى تيقن أنها تحولت لرماد كلياً ثم بدل ملابسه بعدها لأن آثار الرماد تطايرت عليها وارتدى بذلة سوداء عادية بمعطف طويل مشابهة لتلك التي يرتديها أي رجل محترم يسير في أحد شوارع سالزبورغ وقبعة جلدية ناعمة الملمس فبدت ملائمة مع مظهره وعينيه الخضراويتين وكان لأي شخص يرى رولاند هكذا سيظن أنه رجل انجليزي ينحدر من أسرة عريقة حيث أن أنفه الطويل والمستقيم يعطي هذا الطابع بامتياز. ييييي اوصاف سلسلة ممتعة، تجعل العينين تتحركان بفضول نهم لتكمل تخيل اللوحة التي تصفينهاااا
شعرت بانسيابية إحساسه أيضا وهو يتجهز للخروج، أوربما شعرت أيضا بإحساس دفين في صدره، خليط بين الهدوء والاضطراب
والأكثر استغراباً أنه رفض أيضاً أن يستقل...
ربما والأكثر غرابةً ؟ بدلا عن استغرابا ( لست متأكدة مرة أخرى >.<) أو والأكثر إثارة للاستغراب ربما >.<
أي العربات الخاصة
أي من العربات الخاصة < نسيتِ الـ من < أنا في حالة تركيز فظيعة هههههههههه
يتببببببببببببببببببببببببع
بعد أنهى رولاند مهمته
بعد ( أن ) أنهى ...
ونفث دخان كثيف مرة أخرى في وجهه رولاند
في وجه رولاند < هناك هاء وضعت سهوا ><
تعديل في ميزانية الموظفين، زيادة الضرائب للفئات الوسطى، التوقف عن تزويد البنوك بالمال، وتحديد مبلغ معين للحد من الصرف الزائد للبنوك
من أين لك الخبرة في معرفة إجراءات الدول متدهورة الحال هذا الأمور نفسها لا تزال تحصل حتى الآن
"تبدو لي أحد المناصرين للأوتوقراطية البغيضة"
هههههههههه وأنا الآن أقول ها قد بدأناااا
"إنني غير متحزب ولا تصنفي..
ولا تصنفني < نسيتِ النون ههههههههه
"هراء..إن كان هناك شخص يقول أنه غير متحزب في مثل هذه الأوضاع التي تمر بها الإمبراطورية فهو أرستقراطي بلا ريب..والآن لنكن أكثر صراحة هل أنت أرستقراطي كما تدل قسمات وجهك النضرة؟" هههههههه أقنعني الرجل ولكن السؤال الصريح كارثة حقيقية
بعد أن تأكد أن رولاند قد أزعجه سؤاله وهتف:
اقتراحات أخرى ><
بعد أن تأكد أن رولاند قد انزعج من سؤاله وهتف
بعد أن تأكد أنه قد أزعج رولاند بسؤاله وهتف
بعد تأكده بأن سؤاله قد أزعج رولاند
ربماااا ><
"أحب التطلع للشبان الممتلئين بالطاقة ومعرفة وجهات نظرهم، لكن يبدو أنك لاتملك أي وجهة نظر خاصة كما هو الحال مع أبناء الأرستقراطيين الخطيرين"
يووووه لحظة ، لا أريد لجمالية العبارة أن تأخذني بعيدا عن الكلمات الأخيرة هنا، أبناء الاستقراطيين الخطيرين إذا ؟ هل يقصد أمثال صوفيا ؟
"أرأيت؟! هذا برهان آخر أنك فعلاً رجل نبيل"
هههههههههههههههههههههههههههه
يصعب على رولاند التنصل من الأمر أنا أيضا أشعر بهالة نبله في المكان ومن كلامه < أشعر بتأنيب الضمير من هذه العبارة حين مراجعتها < ليس كل نبيل ( بالمعنى الطبقي ) ذو أخلاق عالية
"لنفترض أنني أرستقراطي، ماذا في ذلك إذاً؟!"
تبلع ريقها
"ها أنت تعترف، كونت؟ ميجر؟ أم لورد. بالنظر لهيئتك المتواضعة لايمكنني الجزم بأنك دوق بل يستحسن ألا تكون كذلك لأن العواقب عندها لن تكون محمودة"
يا للهول أنا أشعر بهالة الشغب والاستفزاز تنبعث مع هذه الكلمات وهذا الأسلوب بالذات، لماذا أشعر أنني قد تخيلت نبرة صوته المستفزة أيضاااااااااا
رولاند ليس في المكان الصحيح حتما إنني قلقةةة للغايةة
لنكملللللللللللللللللل
"لاتتخذ موقفاً من كلامي معك في بادئ الأمر. إنني لا أنوي سوءاً وماكنت أقصده من العواقب أنك ستعلم أشياء لن تسرك لو كنت دوقاً حيث أنه ياسيدي لن يخطر على بالي شخص يحمل لقب دوق وبشعر أشقر مثل الذي تمتلكه إلا وايقنت أنه ابن ذلك الدوق فرديناند"
صرت هكذاوأنا اكمل قراءة السطور التالية، شعرت بشيء في معدتي ><
"قبل أن أكون أي شيء آخر فأنا في المقام الأول مناهض للديمقراطية ومن أكبر أعوانها"
فينارد إن كنت تقصدين أنه فقط من أنصار الديمقراطية فأظن أن كلمة مناهض لا تصفه هنا ، لأن مناهض تستخدم ( حسب علمي) للمعنى المناقض
مثلا إن كان هو ضد الامبراطور فسيكون مناهض للامبراطورية ومن أكبر أعوان الديمقراطية
أعني إن كان هو مع الديمقراطية فهو لن يكون مناهض لها
"هكذا إذاً.تريد أن ترمي لي بأي كلمة لم تقوى على قولها علناً أمام قصر براغنازǿ هل تراني أعزل الآن أم مجرد شاب نبيل وسط مجموعة من الدخلاء القذرين؟"
لقد تسمرت مشدوهة أمام كلام رولاند هنا وحينما أفقت من صدمتي قلت مالذي تفعله يا رولاااااااااند
لقد نسى خطته السابقة تماما وقام بقلبها رأسها على عقب يبدو لي أن رولاند لا يعرف الحلول الوسط أبدا هههههههههه
حسنا انتهيت لتوّي من قراءة بقية ما جرى بين رولاند و مارفل !
ضربات قلبي لم تهدأ بعد، ليس من هول ما حكاه الرجل عن تلك الليلة وما أصاب صوفيا، بل من الطريقة التدريجية التي كان يدلي بالمعلومات عن طريقها، شعرت بالاختلال وتدافعت أنفاسي وهو يغير مسار حديثه فجأة بعد سؤال رولاند عن اسمه، وحينما كان يظهر غفلة رولاند بوضوح قاتل مميت !
قبلها كنت أتعجب لماذا على مناصر للديمقراطية أن يعمل هناك ؟ أعني لدى عائلة فرديناند ولكن يا للحماقة كان السؤال الأكثر أهمية هو كيف علم هذا الشخص بهوية من تلتقيه فتاة حذرة كصوفيا ؟؟؟؟؟؟؟
آآآآه شعرت بدوار في رأسي في اللحظات الأخيرة بالذااات، وبالمناسبة حينما كنت في بداية الفقرة تقريبا رصدت سهوا إملائيا ولكنني لم أكن في مزاج يسمح لي بالتوقف للحديث عنه ><
حسنا إنه هذا
إن كان لأولئيك
أظنها لأولئك < تأكدي من صحة ملاحظاتي طبعا أنا فقط لا أريد تفويت ما أظنه وما أشعر به ههههههههههه
كانت رياح الشتاء حادة كالسكين تصفع أوراق أشجار الدردار الأحمر بقسوة مما جعلت الفروع تهتز ناثرة معها بعض الوريقات البنية الجافة صانعة فوضى ودوامات في الهواء،
هذا النص وما يليه كان جميييييييييييييييل للغايةةةةة
أحب أحب أحب وصفك للطبيعة على هذا النحو، وفي الحقيقة ألاحظ أن وصفك للأجواء الطبيعية يكون مرتبطا بحالة الأحداث نفسها، كما لو أن هذه المقاطع تكون الحالة النفسية لشخوص الرواية وأحداثها،،،،بطريقة ماا !
يتـــــــــــــــــــــــــبع
عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)
المفضلات