بسم الله الرحمن الرحيم
اعتراض
وقف ناقلًا بصره حول الحضور بحرص كأنه يُنعم عليهم ببركات أن يكونوا تحت نظره،
ومبتسمًا ابتسامة متكلفةً متفهمة كأنه يسامحهم على غبائهم ويعذرهم على كونهم أقل منه شأنًا،
وأما حديثه فكان بطيئًا مليئًا بالإسهاب والتوضيحات مع الكثير من الاقتباسات -من هنا وهناك- مؤكدًا بها صحة كلامه.
- "أأنا الوحيد الذي يراه تجسيدًا للغرور؟"
سأل لؤي ذلك السؤال في نفسه باستياء وعيناه لا تتفحصان ملقي المحاضرة بانزعاج،
ثم أدار عينيه ناحية لوحة ضخمة علقت فوق المسرح مكتوب عليها بخط عريض: "علم الطاقة وأسرار السعادة"،
وتحتها بخط أصغر كتب عنوان فرعي: "الأسرار التي ستجعل منك إنسانًا سعيدًا!"،
في حين كان اسم ملقي المحاضرة مكتوبًا في كل مكان من القاعة امتنانًا له على "حضوره الكريم".
سأل لؤي نفسه: "ما الذي أتى بي إلى هنا؟ "
كان يعرف الإجابة جيدًا: عمه هو السبب!
كان مقتنعًا أن لؤي بحاجة إلى سماع تلك المحاضرة "المذهلة" لذلك المحاضر "العبقري الموهوب"
مما سيساعده على "تغيير حياته وتحديد أهدافه".
تنهد لؤي بقوة محاولا ضبط أعصابه قبل أن تنفجر بسبب تذكر كلمات عمه،
فبدلًا من إثارة الحماس في قلبه وإثبات حُسن نيته أثارت الكلمات غضبه وشكوكه!
غير وضعية جلوسه ثم حك حاجبه بطريقة فضحت صراعه الداخلي، وعاد يتساءل هذه المرة عن مقصد عمه من تسجيل اسمه ضمن الحضور.
أجابه صوتً داخلي بسؤال آخر: "أحقًا لا تعرف قصده؟ كفاك طرحًا لأسئلة تعرف إجاباتها سلفًا"
غاص في مقعده، وعادت به الذكريات إلى صور قديمة مزعجة يظهر فيها عمه
متطفلًا وحاشرًا أنفه بكل كبيرة وصغيرة تخص أبناء أخيه بانتقاداتٍ سلبية لا تعد ولا تحصى.
تذكر حين تسبب عمه في أخيه على دراسة تخصص لا يحبه ولا يجيده بحجة أن عمهم أدرى بمصلحته،
وظهرت صورة أحدا ابناء عمه حين سحب ملفه من الجامعة ببرود لأنه لا يحب الدراسة دون أن يعلق أحد على تصرفه.
تذكر حين مُنعَت أخته من حضور دورة لتعليم الإسعافات الأولية لأن عمه قال بأن الدورات مضيعة للمال
ولأنه يخشى على فتاة غير متزوجة بعد من الخروج وحدها دون أن يلتصق بها أحد محارمها إلى وقت عودتها،
وتردد في أذنه صوت عمه حين أخبرهم متفاخرًا بأنه أرسل ابنته إلى فرنسا وحدها لأنها تريد تعلم اللغة الفرنسية.
تذكر رضوخ أبيه وتأثره الشديد بكل تعليق يُطلق على أبنائه،
وتراءى له عمه واقفًا مزهوًا بأبنائه وشقاوتهم في طفولتهم ووقاحتهم في كبرهم أمام صمت أبيه عن كل تلك التجاوزات
وإعجابه الخفي بأفعال أبناء أخيه.
عاد لؤي للتركيز في المحاضرة عندما سمع كلمة لفتت انتباهه: "الأقوال أسهل من الأفعال،
ولذلك أنتم تميلون لإلقاء اللوم على غيركم حين تخطئون، ولذلك أقول لكم: توقفوا، توقفوا، توقفوا! لا تحملوا الآخرين ثقل أخطائكم!"
ثم سكت قليلا مبتسسمًا ابتسامة عطفٍ كأنه يقول: "أعرف بأني قسوت عليكم وفضحتُ حقيقتكم، ولكن كان يجب علي أن أفعل ذلك"،
ثم سأل: "والآن، من لديه أي سؤال؟"
في تلك الأثناء اتسعت عينا لؤي بدهشة. فكر بصمت: "مَن يظن نفسه؟ عالم غيب؟ وما هذا الأسلوب العفن في الحديث؟
منذ بداية المحاضرة وهو يلقي بأحكامه على الحضور كما يشاء وكأنه مطلعٌ على ما في صدورهم"
أصغى من جديد حين بدأ أحد الحضور يطرح مشكلة ملتمسًا لها حلا عند صاحب الابتسامة العطوف،
وسرعان ما قاطعه الأخير بلهجة الخبير العارف قائلًا: "لا، لا، لا! أنا لا أقبل بسماع أي اعتراضٍ أو شكوى،
فالاعتراض ضعف، والشكوى هروب، والاستماع إليها تؤثر على مستوى الطاقة الإيجابية في داخلنا.
كن متفائلًا فالحياة قصيرة جدًا على ادعاء بأن فلانًا ظلمنا أو السعي خلف الانتقام!"
تغيرت ملامح لؤي إلى الازدراء والتقزز، فإضافة إلى وقاحة المحاضر حين قاطع صاحب السؤال
كان من الواضح لأي مستمع بأنه لا علاقة بين السؤال والإجابة!
بعدها تحولت ملامحه إلى الاستهزاء والسخرية لما تذكر حقيقة وجدها حين بحث عن اسم المحاضر في شبكة الانترنت،
فقال ساخرًا: "هذه نتيجة استجابتنا لمن حصل على شهرته بواسطة الحديث عبر برنامج السناب شات"
- "صدَقت!"
التفت لؤي لمصدر الصوت، فوجد الشاب الجالس بجواره يجلس مكتفًا يديه بملل وعلى وجهه نظرات سخرية مماثلة.
تبادلا ابتسامة رثاء وأعادا النظر إلى المحاضر بضجر، وكان يقول مجيبًا أحد الأشخاص:
"لا تتذمر من كلام الناس، فأنت المخطئ! أنتَ من تجذب الناس المزعجين لحياتك. غير تفكيرك وسيختفون!"
استمر المحاضر بشجيع الجمهور على المشاركة وطرح الأسئلة،
كما استمر في المقاطعة كلما بدأ أحد بالكلام معطيًا العديد من النصائح غير المترابطة دون أي تمعن في المشاكل التي تطرح عليه،
إلى أن وقف رجل من الحاضرين وقال بحذر: "جميلٌ ما تفعله يا بني من نصحٍ للآخرين"
هز المحاضر رأسه بسعادة، فتابع الرجل: "لكن ألا ترى أن أسلوبك هجومي قليلًا؟"
تغيرت ملامح المقصود، واشتعل غضبًا فأجاب بحدة محاولا كتم غضبه: "إن كانت مساعدتي للناس هجوما فأنا أفتخر بذلك!"
وأدار رأسه ببطء متأملًا الناس بتحدٍ ثم سأل: "أي اعتراض؟"
التزم الناس الصمت اتقاء غضبه، لكن صدر صوتً رغم هدوئه قطع الصمت كما يَقطع السيف: "نعم"
استدارت الرؤوس بحثًا عن مصدر الصوت، فوقف لؤي مواجهًا دهشة الجميع وصدمة المحاضر.
كرر الأخير سؤاله مستنكرًا: "لديك اعتراض؟"
أجاب لؤي بثقة رافعا صوته ليصبح مسموعًا: "أجل سيدي"
ومن مكان ما، امتدت له يد بجهاز مكبر الصوت، فالتقطه، وركز عينيه على المحاضر وقال:
"سيدي، اعترض على كل ما تقول واعترض على الكثير مما حدث في حياتي!
تقول بأنها حياة واحدة ولا تستحق الحزن، أقول أنا بأننا نحتاج تعويضا حين تضيع حياتنا بسبب غرور الآخرين.
إنها حياتي الواحدة والوحيدة يا سيدي.. كيف لا أغضب؟ أريد تعويضا، أريد ضمانا يعوضني.
سيدي، يقولون لي بأن الساعي للانتقام تافه وضعيف شخصية، لكن لا أحد يقول كلمة واحدة للظالم بل يعتبرونه جزءا لا غنى لهم عنه في هذا العالم!
إن كانوا لا يجرؤون حتى على تنبيه الظالم على سوء خلقه، فبأي حق يلومونني أنا وأنا المظلوم؟
سيدي، إنهم يسخرون من الشخص الذي يسعى ليحقق ما يحبه، هذا الكلام موجه للشخص الذي لا يحبونه ويرونه أتفه من أن يعلو في السماء..
أو للشخص الذي يحبونه حين يحاول أن يعلو بطريقة لا تعجبهم!
سيدي، يقولون بأن من أمن العقوبة أساء الأدب، ويستنكرون عقابي لهم حين يسيؤون أدبهم معي.. أي تناقض هذا وأي لؤم؟
أجل يا سيدي، أنا اعترض!"
سكت لؤي ليلتقط أنفاسه، فحل صمت ثقيل ناتج عن دهشة المحاضر، وترقب الناس لردة فعله، فتابع لؤي خاتما كلامه:
"هذا الكلام موجه لك، ولكل مَن تسمح له وقاحته بإصدار أحكام مسبقة على الآخرين،
ولكل مَن يعطي نفسه الحق بأن يفرغ عقده المكبوتة عبر إفساد حياة غيره.
لا يجب السكوت عن الحق، وأقل ما نفعله هو الاعتراض العلني على إزعاجك أنت وأمثالك، وشكرًا!"
هبت عاصفةٌ من التصفيق وابيض وجه ملقي المحاضرة ولم ينطق بحرف، بينما نهض لؤي مغادرًا وقد خطرت في رأسه جملة ساخرة:
"على الأقل استفدت من هذه المحاضرة بأن فرغت طاقتي السلبية مما سيخلي المجال للطاقة الإيجابية بأن تكون المسيطرة"
خرج إلى الشارع ورفع عينيه للسماء فوجدها ملبدة بالغيوم، فأغمض عينيه وهمس برجاء:
"في هذا العالم الممتلئ لؤما وظلمًا، أرجو بأن تشرق الشمس التي غابت عن قلبي لسنوات طوال،
لعلني بعدها أتوقف عن التذمر وعن الاعتراض"
النهاية
باختصار: أرجو أن تعجبكم، وبانتظار تعليقاتكم،
ويمنع النقل!
في حفظ الله





اضافة رد مع اقتباس

: 








المفضلات