السلام عليكم
اعتراف من قلب الظلام
تدافعت الكلمات إلى أذنيه في توبيخ مستمر حفظ مفرداته لكثرة تكراره من حين لحين:
"ألا يمكنك القيام بشيء واحد صحيح؟"
"إلى متى تنوي البقاء هكذا ؟"
"ألن تتعلم أبدًا كيف تضع لحياتك هدفًا ؟"
"هل يعجبك أن تضيع عمرك في بهذه الطريقة الفارغة؟"
كان بإمكانه أن يلتزم بالصمت متجاهلا كل ذاك الصياح كما فعل كثيرًا من قبل،
ولكنه فقد السيطرة على أعصابه فجأة فصرخ بحدة: "كفى!"
انتبه لنفسه مباشرة بعد تلك الصرخة. كان من النادر جدًا أن يفقد أعصابه،
وحين تفلت مشاعر الغضب المكبوتة من بين يديه يصعب عليه إمساكها والسيطرة عليها من جديد
تمامًا كما تتساقط حبات الخرز من عقدٍ انقطع خيطه، فنهض مؤثرًا الانسحاب قبل أن يتفوه بكلمات قد يندم عليها.
فَتح بابًا قاده إلى غرفة مظلمةٍ و واسعةٍ لا يدرك البصر حدودها،
وقبل أن يغلق الباب خلفه فوجئ بالرجل الذي كان يصرخ عليه يدخل خلفه.
وقفا معًا قرب الباب المفتوح -مصدرالضوء الوحيد- وسأل الشاب: "وماذا تريد الآن؟ ألا يكفيك كل ما قلته لي؟"
أجاب الرجل بجدية: "صدقني، أفعل ذلك لمصلحتك. يجب أن تنتبه لحياتك"
رد الشاب متأففًا: "ثم ماذا ؟"
سكت الرجل للحظة ثم قال بصوت منخفض: "بصراحة، أريد أن أحادثك عن... حسنًا أنت تعلم!"
تلكؤه وبطؤه في الإجابة جعلا الشاب يفهم ما يعنيه، فشعر بخيط العقد وقد قُطِع فعلًا.
اتجه إلى مكان ما من الغرفة واختفى في الظلمة، وعاد بعد ثوانٍ يسحب خلفه جسدًا صغيرًا لا يغطيه إلا قميص قديم وبطالٌ ممزق الأطراف.
أمسك الشاب بذراعي الجسد الصغير بقوة ليجعله يقف أمامه ومواجهًا ذلك الرجل في بقعة الضوء الداخلة من الباب،
ثم سأل بكل ما في قلبه من غل: "تقصد هذا الشيء، لا ؟ إنه على ما يرام كما ترى"
ألقى الرجل نظرة على الجسد الصغيرِ المنهك بين ذراعي الشاب وإلى الوجه الصغير الفزع والعينين المتجمدتين رعبًا،
فضيق عينيه ثم قال باستنكار: "تقول على ما يرام؟ ما الذي كنت تفعله بالضبط؟"
رد الشاب بسرعة كمن كان ينتظر السؤال: "أحميه!"
ثم ابتسم بسخريةٍ وتحدٍ واضحين.
صر الرجل على أسنانه كي يحافظ على هدوء صوته
فقد كان أكثر مَن يعرف كيف بأن الشاب الذي أمامه يستطيع إذلال أي شخص بلسانه،
وقد كان واضحًا له كم كان متحفزًا وكأنه ينتظر الفرصة للشجار.
تكلم ببطء: "أهكذا تحمي أمانة وُضعَت بين يديك؟"
شعر الشاب بحبات الخرز تتساقط في رأسه بصخب، فصرخ: "أنا لم أطلب وجود هذا الشيء.. لم يسألني أحد عن رأيي حين اؤتمنتُ عليه"
صرخ الرجل أيضًا: "ما المشكلة معك؟ ما الذي تريده بالضبط؟ أنت من رفضت تقديم الأضحية رغم أنك أعطيت الفرصة مرارًا"
رفع الشاب صوته أكثر بينما يداه تهزان الصغير دون شعور:
"أُضحية! طيلة هذه السنوات وأنا أعتني بسلامة هذا الشيء العفن فقط كي أضحي به في طقوس تافهة!"
صاح الرجل بقوة: "ليست طقوسًا تافهة! لماذا لا يمكنك القيام بما يطلب منك بكل بساطة كما يفعل الجميع في العالم كله؟"
ضغطت يدا الشاب على الجسد الصغير بقسوة، واعترض: "تتحدث وكأن الأمر مجرد لعبة ولكنه ليس ذلك"
تنهد الرجل بتعب: "كل ما طلبناه منك هو أن تحافظ على أضحيتك وعلى براءتها وطهرها حتى تكون لائقة وقت تقديمها،
وأنت تتذمر حينًا من الاعتناء بها وتتذمر حينًا آخر لأنك لا تريد أن تضحي بها"
بدا وكأن الشاب لم يسمع أي شيء مما قيل إلا كلمتين، فكررهما باندفاع: "براءة؟ طهر؟"
رفع يده ليسحب رأس الصغير من شعره بقوة، فأغمض الصغيرعينيه بقوة من شدة الألم،
وصاح الشاب بحقد: "هل ترى للبراءة والطهر أثرًا في هذا الوجه؟ إن كنتَ مهتمًا به إلى هذه الدرجة.."
رمى الصغير بعنفٍ نحو الرجل مكملا عبارته:"فخذه!"
ارتطم جسد الصغير بالرجل، فدفعه الأخير بنفاذ صبرٍ وأوقعه أرضًا بينما استمر في حواره مع الشاب:
"أضحيتك مسؤوليتك أنت، ولستُ في مزاجٍ يسمح لي بتحمل أعباء أضاحي الآخرين، وأضحيتك بالذات"
سأل الشاب بغتةً: "ألأنها أنثى؟"
وقعت كلماته بثقلٍ على مسامع الرجل، فعم صمتٌ أثقل، ولما لم يجب أجاب الشاب عوضًا عنه بتأكيد:"أجل. أجل، لأنها أنثى"
اتجه نحو الجسدالصغير ليرفعه بغضب متمتمًا: "هذه الأضحية الملعونةُ أنثى"
التقت عيناه بعينيها، وللحظة ابتسمت الصغيرة بطريقةٍ مستفزة بددت ما كان ظاهرًا عليها من طفولةٍ وضعف
وقفزت من عينيها نظرةٌ ساخرة أقرب للبذاءة مما جعل الدم يغلي في عروق الشاب،
ومن دون تفكير رفع ذراعه للأعلى وكاد يلطمها لو لم يتمسك الرجل بذراعه بذهول ودهشة: "ما الذي تفعله؟"
أفلت الطفلة ورد بصوتٍ مهزوز من شدة الغضب مشيرًا لها: "ألا تراها ؟ إنها تثير جنوني!"
- "أنت تناقض نفسك! لاأرى لماذا ترفض التضحية بها إن كنت لا تطيقها.. أخبرني ما مشكلتك"
تراجع الشاب للخلف بضع خطوات متمتما: "أنا..أنا.."
ثم اندفع فجأة ليحتضن الصغيرة بين ذراعيه ضاغطًا رأسها على صدره بقوة، ثم قال بإرهاق:
"أنا أكره حقيقة أني كلِّفتُ بها دون أن أطلبها أو أعرف المغزى من وجودها معي..
أكره حقيقة أني تعرضتُ للإذلال والإهانات على أيديكم منذ صغر سني من أجلها بحجة خوفكم عليها"
اشتد ضغطه على جسدها، وتسلل الحقد إلى صوته:
"أنا أكره حقيقة أني حافظتُ عليها لأكتشف بأنكم تنتظرون مني أن أجْهِز عليها بنفسي ذات يوم..
وأكره بأنكم طلبتم مني ذلك فجأة وبكل بساطة في الوقت الذي قررتم بأنه مناسب..
أكره بأنكم أردتم أن أتخلى عنها بكل بساطة وكأنكم تخدمونني بذلك!"
أصبح يضغط عليها بعنف شديد حتى أنها شهقت ألمًا شهقةً مكتومة،
وأكمل وحبات الخرز تتساقط من جديد: "أكره بأني أهِنتُ فقط لإثبات أني حافظتُ عليها بطريقة صحيحة..
وأكره كيف أنها أصبحت هي المسيطرة فيما بعد وفقدَت كل ما كان يجب أن أنمِّيه فيها من براءةٍ وطهارة..
أكرهها، أكرهها! أشعر بها كالجبل فوق كتفي!"
دفعها بغتةً فأوقعها أرضًا، ولكنها تلك المرة نظرت له باستحقار وكأنها تخلت عن تمثيل دور الطفلة المسكينة.
وقف الرجل خلف الشاب ووضع يده على كتفه، وقال بهدوء: "صدقني، الأمر لا يستحق منك كل هذا التعب.
الجميع فعل ذلك قبلك، والبقية سيفعلون.
كل ما في الأمر هو أننا أردنا منك أن تقدم أضحيتك بالشكل الصحيح بدلًا من أن تضيعها أو تنقلب عليك"
التفت الشاب وقال بصوتٍ منخفضٍ نتيجة التعب الذي يعصف في داخله ومقاومته لحبات الخرز كي لاتتساقط أكثر:
"فكرتُ ألف مرةٍ بأن أصغي إليكم جميعًا وأضحي بها ثم أمشي في الطريق الذي يتوقع العالم كله أني سأسلكه
رغم أني لا أريد الخوض فيه إطلاقًا، فقط كي أرتاح منها"
هز رأسه يمينًا ويسارًا بإرهاق، وأكمل بصوتٍ منخفضٍ أكثر وعيناه توشكان على الغرق بالدموع:"لا أستطيع.. لا أستطيع.."
تقدم فأفلت كتفه من يد الرجل، وجلس أمام الصغيرة على الأرض وأحاطها من جديد بين ذراعيه بلطف وضعف،
وغرق في ظلمةٍ مصدرها قلبه المتألم متجاهلًا الرجلَ خلفه والبابَ ببقعة الضوء التي يلقيها على ظهريهما.
لاحظ الرجل اهتزاز كتفي الشاب ببكاء غير مسموع،
فعلقت الكلمات في فمه للحظات قبل أن يطرح بترددٍ فكرة كانت تجول في باله منذ زمن:
"أخشى بأنك متعلق بها، وهذا غير طبيعي. المطلوب فقط هو الحفاظ عليها لفترة مؤقتة"
هز الشاب رأسه من جديد كأنه يرفض ذلك الكلام أو ينفض من رأسه فكرةً لا يريد أن يبوح بها،
ثم كرر بصوتٍ مرتعش بسبب البكاء:
"لا أستطيع! لا أريد أن أفتح على نفسي تلك الأبواب التي تريدون منها أن تُفتح بعد تقديم الأضحية، لا أستطيع.
ولا أستطيع التوقف عن التفكير بأنها لو كانت ذكرًا لكان باستطاعتي أن أخنقه بصمتٍ دون تدخل أحد،
وربما بمباركة بعضكم أيضًا، لا أستطيع!"
كان صوته يخفت أكثر فأكثر مصارعًا دموعه إلى أن اختفى تمامًا،
فاستسلم للصمت وكتفاه يرتعشان اعتراضًا على كل شيء مر به وسيمر به بسبب تلك الأضحية بين يديه.
قال للرجل بعد برهة دون أن يلتفت إليه: "أخرج، فليست لدي أي نيةٍ في تغيير حياتي لمجرد أنها لا تعجبك،
ولا نية لدي في تقديم الأضحية تلبيةً لرغباتكم أيضًا"
زفر بقوة والدموع تغسل وجهه: "كما أن هذا الشيء ليس طاهرًا أو بريئًا لأقدمه كأضحية على أية حال!"
استدار الرجل بصمتٍ نحو الباب، وقبل أن يغادر ألقى نظرةً طويلة على الشاب الجالس على الأرض دون حراك،
ثم قال بهدوء: "فلترتح الآن. سأعود لنواصل هذا الحديث فيما بعد
علنا نحدد موعد تقديم الأضحية فعلًا هذه المرة، فهي فرصةٌ لا تفوت يا بني!"
أُغلِق الباب، واختفت بقعة الضوء، وابتلع الظلام الجسدين المتعانقين بصمت.
النهاية
يمنع النقل دون ذكر المصدر
بانتظار تحليلكم واستنتاجكم.. وآرائكم طبعا!
في حفظ الله





اضافة رد مع اقتباس
















)




المفضلات