في يومٍ من الأيام - غير بعيد - ، مرت بجواري طفلة في المقهى تسأل الناس المال .
فلما بلغت طاولتنا ، وسألتنا ، نهرها صاحبي ، فألحت ، فكشّر لها وزمجر !!
فبدورها غضبت وتجهمت وانطلقت لتعبر الشارع .
فرأيتها تكلم نفسها ، وتلوح بيدها وهي تنظر للهواء بجوارها وكأنها تكلم شخصا ما ، حوارٌ فَذ !!
فارتعت للموقف ، وقلت لنفسي ربما أنا وهي سواء .
غير أنها تُعْذر لصغرها ، ولكن ما هو عذري حين حدثتُ نفّسي يومها !!
وكتبت على لسانها الأبيات التالية :
أكَلِّمُ نَفْسي خِلْسَة ً وَأجاهِرُ … وآنَسُ بالأشْباحِ حَيْثُ أسَامِرُ
تَفَرَّدْتُ في هَمّي أعَالِجُ شَقْوَتي … وَشِبْتُ وَعُمْري بالنَضارِ يُباشِرُ
وَما كَانتِ الدُنْيا بِمِثْلى عَطوفَة ً … ووَاللهِ إنّي في المُنى لا أُخَاطِرُ
أنا بِنْتُ حَظٍّ عَلَّمَ الحَظَّ شُؤْمُهُ … ولا أخْطِأنَّ النَحْسَ حينَ أُقَامِرُ
أكابِرُ في ضَعْفي وَما لِنْتُ هَفْوَة ً … وإنّ مَآلي إنْ هَفَوْتُ أعَاصِرُ
أَسيحُ بِوادٍ مُسْتَحِلِّ بَرائَتي … بِهِ لا تُرى في النّاسِ بَعْدُ ضَمائِرُ
مُسَائِلَة ً عَنْدَ المَقاهي جُموَعَهُمْ … بِكُلّ مَحَلٍّ عَابِثٌ فِيْ وَنَاهِرُ
وأرْحَلُ عَنْهُمْ في رِضاً وَبَلاهَةٍ … أحُادِثُ جِنّي وَهْوَ شَخْصي المُنَاظِرُ
وَيَأتيْ عَلَيَّ اللَّيْلُ أَصْحَبُ خَيْبَتي … وآوي إلى بَيْتِ السِبَاعِ أشَاطِرُ
أنا واللّيالي والعِواءُ وَوحْشَة ٌ … وَحَوْشُ الأفَاعي والسّما وَالمقَابِرُ
وَأَرْقَبُ طَيْفاً مِنْ خَيالٍ لِطِفْلَةٍ … بِبُسْتانِ فَرْحٍ وَالشِدا يَتَطايَرُ
كَأنّي على كَفِّ الحَنانِ ضَحوكَة ً … يُداعِبُني دَهْرٌ رؤوفٌ وَقاهِرُ
كَأنّي بِلا خَوْفٍ أعانِقُ رؤْيتي … لِفَرْحٍ وَتِحْنانٍ وحَظّي مُنَاصِرُ
فَهَلْ لي مِنَ الأحْلامِ بَعْضُ حَقيقةٍ ؟ … ألا رُبَّ حُلْمٍ بالرَجا لا يُغَادِرُ
وَأبْكي إلى أنْ تَعْتليني ثَمَالَة ٌ … فيا لفؤادي تَحْتَ دَمْعِيَ دَاثِرُ
ألا مِنْ صَديقٍ غَيْرَ بَرْدٍ وَقَهْرَةٍ … ألا مِنْ شَفيقٍ غَيْرَ مَنْ يَتَظَاهَرُ
مُعَذَّبَة ٌ يُزْجي الأنينُ عَذَابَها … أنا طِفْلَة ٌ آمَالُها تَتَنَاثَرُ
رَبيبَةُ هِرٍّ بيْتُهُ ضَمّ هَيْكَلي … أعارِكُ كَلْباً مِنْ طَويً وأعافِرُ
أسيرُ على وَهْمِ اللقاءِ بِلُطْفَةٍ … وإنّ بني جِلْدي بحَالي أكاسِرُ
لَهُمْ مِنْ نَصيبِ الليثِ ما يَمْلأُ السُها … ولي عَظْمَة ٌ في عَيْنِهمْ لَجواهِرُ
أتَطْمَعُ في يا مَنْ عَقِمْتَ تَرَاحُماً … وَتَهْزَأُ بي والضَّعْفُ عِنْدِيَ ظَاهِرُ
سَأطْمَحُ في يَوْمٍ يِعِزُّ ذَليلَتي … بِذاكَ فَقُلْ لي مَنْ هُنا يَتَفَاخَرُ
فَرِفْقَاً إذا مَرَّتْ جِوارَكَ طِفْلَة ٌ … تُسَائلُ في قَهْرٍ “حَنانَكَ قادِرُ”
# البحر الطويل




اضافة رد مع اقتباس




المفضلات