***
~ روك ~
- هي لازالت حية يا سيدي وأنا واثق من ذلك ..
صرخت بهذا عالياً أمام رئيس مخفر الشرطة ، وأخذت ألهث من شدة الغضب ..
نظر إلي الرئيس صاحب الجثة الضخمة بحدة ، وكأن تصرفي لم يعجبه ، لكنني لا أبالي ..
قال الرئيس بخشونة : روك يجب أن تفكر بعقلانية ، رغبتك في نجاة إبنتك ليس سبباً كافياً يجعلني أثق في أن إبنتك حية حتى الآن ، ما من دليل يُشير إلى ذلك ..
أجبت بثقة : وما من دليل يثبت عكس ذلك أيضاً ، إذا كلتا الإحتمالين ليست مؤكدة ..
ضرب الرئس بقبضته الضخمة سطح الطاولة مصدراً ضجة كبيرة أتبعها صوته العالي : مر على إختفاء إبنتك ما يقارب أسبوعين ، لماذا تظن أنهم لايزالون يبقونها حية ؟؟ كما أنك تعرقل التحقيقات كثيراً يا روك خصوصاً في قضية موت عائلة كازيهارا ( عائلة روز ) ..
وقفت منهياً النقاش وأنا أقول : أنا متأكد من أن القضيتين متعلقتين ببعض ، لذا أمهلني أسبوعين لأثبت ذلك ..
زفر الرئيس ناطقاً : حسناً لديك أسبوعين تثبت فيها صحة كلامك ، وأنا سأنتظر نتائج تحقيقاتك ..
غادرت مكتب الرئيس وأنا أشعر بالضياع ، كيف سأثبت صحة كلامي وأنا لا أمتلك طرف خيط يقودني نحو الحقيقة ..
لحظة !!
من قال بأنني لا أمتلك طرف الخيط ؟؟ بلى أنا أستطيع فعلها بما أن لدي بعض المعلومات التي أخبرني بها ياماتو ، وهو سيساعدني حتماً في إتمام المهمة ..
إن كان الخاطف قد أرسل إليه رسالة من قبل فهو لن يشك فيه إذا ما تدخل في الأمر ، وسيبدو طبيعياً جداً ، إذاً يجب أن أستفيد من ياماتو قدر الإمكان ..
***
~ شينا ~
أنتهيت من الحديث مع الطبيب المسؤول عن حالتي ، وحاولت جاهدة إقناعه بالسماح لي بالخروج ، لكنه رفض ذلك وبشدة حفاظاً على صحتي ..
عدت إلى غرفتي المشتركة مع قالب الثلج آلبرت ، وحتى الآن علاقتنا ببعضنا ليست جيدة البتة ..
من الجيد أن السرير الثالث خالي من المرضى وإلا لكنّا قد أزعجناه بكثرة شجارنا ..
تفاجأت حين دخولي بوجود رجل يبدو في الأربعين من عمره ومعه إمرأة مسنة بالإضافة إلى طفلة صغيرة وجميعهم متحلقين حول آلبرت ..
كانت المسنة تبكي بشدة ودموعها بلل وجهها المليء بالتجاعيد ، والطفلة لم تكن بأفضل حالاً من هذه المسنة ، فصوت صياحها العالي صدح في المكان ، أما الرجل فقد كان يقف بعيداً عنهم بقليل وينظر إليهم بملامح جامدة ..
جلست على سريري وأنا لازلت أحدق فيهم ، إنتبه إلي الرجل ونظر إلي بإستغراب ، حين انتبهت على نظراته أشحت بوجهي بعيداً ، وأغلقت الستارة التي تفصل بيننا واستلقيت على السرير ..
لقد ظننت أن آلبرت لا يمتلك عائلة ، فلم أرى أحداً يزوره إلا ذالك الطالب المسمى بياماتو ..
ولكن يبدو أنه يمتلك عائلة تعتني به ، كم هو محظوظ ..
لاشك في أن تلك المسنة هي والدته وتلك الطفلة هي إبنته ، والرجل الواقف بعيداً هو أخوه الكبير أو أحد أقاربه ، ومن المستحيل أن يكون والده ، فوالدته كانت مسنة جداً ، أما هذا الرجل فلا زال صغيراً مقارنة بالمرأة العجوز ..
لحظة !!
أذكر أنني رأيت وجه ذلك الرجل قبلاً ، لكن أين يا ترى ؟؟
إختلست النظر إليهم وبالتحديد إلى ذلك الرجل ، وبعد التدقيق في ملامحه تذكرت أين رأيته قبلاً ، هو ذاته الذي أتى صباح اليوم الأول لآلبرت وجر ياماتو خارجاً ، إذا ربما يكون والد ياماتو ، وهذا هو الإحتمال الأكبر ، فالشبه بينهما كبير جداً ..
رأيت آلبرت يمسح على ظهر والدته بيدين حانيتين وقال بصوت دافئ : أمي لا داعي لكل هذا النواح ، إصابتي ليست بتلك السوء ..
لا تعلمون كم أصبت بالصدمة حين سماعي لهذا ، لا أستطيع التصديق أن قالب الثلج هذا يستطيع التحدث بهذه النبرة الحنونة ، ظننت أنه جاف التعامل مع عائلته أيضاً ، لكن يبدو أنني أخطأت ..
دار بين آلبرت وبين والدته حوار قصير حاول فيها آلبرت تهوين الصدمة على والدته ، ومحاولاً إنتشال الحزن من قلب والدته ..
بعد مدة أفلح آلبرت في ذلك بكلماته التي كانت كالبلسم ، ومن ثم وجه ببصره نحو الصغيرة وقال وهو يمد يده إليها قائلاً : فيفي تعالي إلي ، لقد توقفت جدتك عن البكاء لذا يجب أن تتوقفي أنت كذلك ..
مسحت تلك الطفلة دموعها واقتربت من آلبرت وارتمت بين ذراعيه ، وهي تضحك بسعادة ..
شعرت بقليل من الغيرة حينها ، لماذا قالب الثلج هذا يمتلك عائلة وأنا لا ؟؟
صرت أتأمل ملامح وجهه المسترخية ، وإبتسامته الدافئة وهو ينصت إلى والدته بإهتمام بالغ ، لم أتصور أن أراه هكذا قبلاً ، ربما يكون بارداً مع الغرباء فقط ..
سمعت والدته تقول : أنا سعيدة لأن السيد كودو سيتكفل بتكاليف العلاج ، إنه فعلاً رجل طيب ..
ثم إلتفتت إليه قائلة بإمتنان : سأكون شاكرة لك طوال حياتي كلها يا سيد كودو ، ولن أنسى صنيعك هذا أبداً ..
رد المدعو بكودو : آلبرت خادم مخلص لذا قررت مكافأته ..
لمحت إبتسامة ساخرة صدرت من ثغر آلبرت ، وعينيه مثبتتان على السيد كودو بإستحقار ، لم أفهم سر تصرفاته جيداً ، لكنني لم أعر الأمر إهتماماً ..
عدت إلى سريري واستلقيت فيه ، وبقيت أنصت إلى ما يقولونه بصمت ..
مر الوقت سريعاً وغادر جميع من كان مع آلبرت ، لكنني لازلت مستلقية على سريري ، فإذا بي أسمع آلبرت يقول : لماذا كنت تختلسين النظر أيتها المزعجة ؟؟
قلت ببرود : ومتى فعلت ذلك ؟؟
أصد حينها آلبرت ضحكة ساخرة وفضل الصمت دون أن يجب علي ..
قلت بفضول : بالمناسبة يا آلبرت هل كانت تلك الصغيرة إبنتك ؟؟ وإن كانت كذلك فأين هي زوجتك ؟؟
- ولماذا تسألين ؟؟
- مجرد فضول ..
- هي إبنة أخي المتوفى..
لانت ملامحي حين سماعي لهذا ، ووقفت لأزيح الستار الذي يفصل بيننا وقلت وأنا إجلس بالقرب من سريره : وأين هي والدتها ؟؟
أجاب وهو يتأمل سقف الغرفة : لقد تركتها وهربت بعيداً بعد وفاة أخي ..
شعرن بالشفقة تجاه تلك الصغيرة المدعوه فيفي ، وتمتمت بحزن وأنا أحدق في يدي الموضوعة في حضني : لابد أنها عانت كثيراً ، من الصعب جداً العيش دون الوالدين ، إن والدتها قاسية ماكان يجب أن تتركها مهما كانت الظروف ..
سمعت آلبرت يقول : أنا وأمي نهتم بها جيداً ولن نسمح لها بالشعور بالنقص أبداً ، أنا حللت محل والدها وأمي حلت محل والدتها ، لذا لا مشكلة أبداً ..
ثم صمت لثواني قبل أن ينطق : بالمناسبة لماذا تسألين عن أمور لا يعنيك ؟؟ ألا يجب عليك القلق على نفسك عوضاً عن فيفي ؟؟ فأنا لم أرى أحداً يزورك حتى الآن ..
قلت بتعالي : أنا من منعتهم من زيارتي ، فأنا لا احب لأحد أن يراني على سرير المشفى ..
أمال فمه قليلاً وأخذ ينظر إلي بطرف عينه قائلاً : أليس هذا مجرد عذر سخيف لتخفي حقيقة أنك وحيدة ؟؟
لم أرد أن يعرف أن هذه هي الحقيقة لذا قلت محاولة تغيير مجرى الحديث : بالمناسبة لم يزرك ذلك المسمى بياماتو ، لابد أنه قد مل من التوسل لك ، وقرر الإستسلام ..
رد ونظراته قد احتدت كثيراً : هذا برهان قوي على أن ندمه كان مجرد تمثيل ، في النهاية أنا لست سوى خادم عنده ، ولن يهتم بي أبداً ، يظن أنه ما إذا تكفل والده بعلاجي فأنا سأسامحه ، تباً لذلك الغبي ..
نظرت إلى ملامحه الغاضبة ، إنه يعاني حقاً ، عدم مقدرته على السير بعد أن كان سليماً لهو أمر مؤلم ، حتى لو كان يتظاهر بالهدوء إلا أنه يعتصر حزناً ، فعلاً أشفق عليه ..
وقفت لأغير الأجواء الكئيبة وقلت متصنعة الحماسة : آلبرت ألم تمل من هذه الغرفة الكئيبة ؟؟ ما رأيك أن نتسلل إلى خارج المشفى قليلاً ..
تحدث بهدوء : هي شينا منذ متى ونحن كنا نتحدث مع بعضنا هكذا ؟؟ لا أتذكر أننا أصبحنا صديقين ، أم أنك بدأتي تشفقين علي بعد أن علمت أن نسبة نجاح العملية أقل من النصف ..
نظرت إليه قائلة بتفاجؤ : هل حقاً ما تقول ؟؟ لم أسمع بهذا مطلقاً ، كل ما أعلمه أن سيدك سيتكفل بعلاجك فقط ..
نظر إلي لثواني وقال : يبدو أنني تفوهت بشيء لم يكن يجب أن أتفوه به ..
قربت جسدي إليه قائلة : أخبرني كم هي نسبة نجاح العملية ؟؟ أهي بذلك السوء جداً ؟؟
أبعدني مجيباً : لا شأن لك ، وأتمنى أن تبتعدي عني فأنت تزعجينني ..
قلت بإصرار : لا لن أبتعد حتى تخبرني .. رد بإنزعاج : ظ¤ظ ظھ هل ارتحتي الآن ؟؟ هيا إبتعدي ..
إبتعدت عنه قليلاً وقلت : أحمق ظننت أنها ستكون في العشرين ، ظ¤ظ ظھ ليست سيئة كثيراً ..
صرخ حينها وهو ينهض بإنفعال : ماذا تعنين أنها ليست بتلك السوء ؟؟ تخيلي لو كنت في مكاني ، هل كنت ستجرين العملية بهذه النسبة الضئيلة ؟؟
قاطعته بهدوء : نعم كنت لأفعلها ، فلازال هناك أمل في إستعادتي لعافيتي ..
قال وقد اكفهر وجهه : لكنك ستشعرين بالإحباط إذا لم تنجح العملية ، ستشعرين بالإحباط والحزن أضعاف ما كنت تشعرين به قبل العملية ، لذا أنا لن أخضع أبعداً لهذه العملية فأنا لاأريد أن أتمسك بسراب ..
لأول مرة أراه منفعلاً هكذا ، وهذا مفاجئ قليلاً ، قلت بإبتسامة هادئة محاولة بث الأمل في روحه اليائسة : لماذا تفكر بصورة سلبية ؟؟ لماذا لا تفكر كيف ستكون مشاعرك إذا ما نجحت العملية ؟؟ كيف ستكون عائلتك سعيدة بعودتك سالماً إليهم ، هذا مايجب عليك أن تفكر بشأنه يا آلبرت ..
نهاية الجزء ..




اضافة رد مع اقتباس

المفضلات