مشاهدة النتائج 1 الى 4 من 4

المواضيع: وردة الشقاء

  1. #1

    وردة الشقاء

    الفصل الأول
    - يبدو أني لن أستطيع أن اشتري حذاء جديداً هذا الشهر أيضاً !
    كانت تلكم الكلمات التي خرجت من فم كلوديا بكل بئس تشرح ما تشعر به من حزن و كآبة . كانت تلك
    الطالبة الجامعية جالسة لوحدها أمام أحد طاولات مطعم الجامعة ، تقوم بحساباتها الشهرية التي
    كان ولازال يستقبلها دفترها الرمادي الصغير ، المسؤول عن إسعاد كلوديا أو إحزانها ، فهو الوحيد
    الذي يسمح لها بصرف المال ، و هو الوحيد الذي يستقبل دموعها في وحدتها ، وقت ألمها ، بينما
    تعصر نفسها أسفاً على حالها .
    أخفضت رأسها لتسقط خصلات شعرها السوداء القصير فوق عينيها ، و لتنظر إلى حذاءها
    القديم ، و تقول مخاطبة إياه :
    - يبدو أننا سوف نبقى مع بعضنا شهراً آخر...!
    قاطعها صوت ارتطام معدن بسطح الطاولة أمامها ، رفعت عينيها المتسعتان بحثاً عن مصدر
    الصوت ، لتتفاجأ من رؤية سِنتين يتأرجحان على الطاولة لوقوعهما عليها .
    ظلّت كلوديا تنظر إليهما حتى استقر كلٌ منهما على أحد وجهيه ، ثم جالت مطعم الجامعة
    بناظريها ، باحثة عن إشارة ، غمزة عين ، رسالة ، أو حتى ابتسامة من شخص يخبرها بذلك أنه
    من وضع لها السنتين ، لكنها عادت إليهما خائبة الأمل ، فلم يكن هناك من شيء دلّها عن واذع
    السِنتين المجهول .
    رفعت كلوديا رأسها أكثر لتنظر إلى الساعة الرقمية العملاقة فوق باب المطعم ، لترى أن الساعة
    قد قاربت الثانية عشرة و النصف ، قامت بوضع دفترها الرمادي و قلم حبرها الجاف في حقيبتها
    ذات اللون الكحلي ، ثم أخذت السنتين و وضعتهما في الحقيبة كذلك ، فلقد حان وقت ذهابها
    إلى محاضرتها التي قد تتأخر عنها .
    لحسن حظ كلوديا ، وصلت إلى قاعة محاضرات قسمها قبل مجيء المحاضر الذي يمقت أن يدخل أحد
    بعده ، على أي حال كلوديا فتاة منعزلة عن الناس نوعاً ما ، إذ أنها دائماً ما تجلس بعيداً عن بقية
    الطلبة ، فآخر دورٍ في أدوار الكراسي يكون مكانها ، بغض النظر عن أنه ليس لديها مكان محدد فيه .
    اتجهت كلوديا نحو جهة اليسار هذه المرة ، و اختارت لنفسها أقصاه لتجلس فيه ، لكنها توقفت
    قبل أن تجلس ، أخذت تنظر نحو المقعد .
    كان فوق المقعد سنتين معدنيين آخرين ، فعلت ما فعلته في مطعم الجامعة سابقاً ، جالت قاعة
    المحاضرة بناظريها ، بحاثةً عن إشارة ، غمزة عين ، رسالة ، أو حتى ابتسامة ، من شخص يخبرها بذلك
    أنه من وضع لها السنتين ، لكنها كالمرة السابقة عادت خائبة الأمل ، لذلك أخذت السنتين على أي
    حال و وضعتهما في حقيبتها و جلست فوراً ، لأن الأستاذ قد وصل .
    بعد ساعتين ، كانت المحاضرة قد انتهت ، كالبقية كلوديا كانت توظب أغراضها لتخرج ، فبعدما
    انتهت ، خرجت من قاعة المحاضرات ، و تتجه بعينين ذابلتين نحو ما يسمى " منزلها " .
    كانت الحياة بالنسبة لكلوديا مجرد تجربة قاتلة ، ينتهي بها الإنسان إما لينعم بالنعيم ، أو يحترق
    في الجحيم ، فمنذ أن كانت صغيرة ، كانت حياتها مجرد مآسي متتابعة ، بالرغم من أن حياتها استقرت
    نوعاً ما الآن – بعد الكثير من التحقيقات و القضايا ، بعد الكثير من مرات الامتثال أمام المحكمة و القضاء
    و إدلاء الشهادة – إلا أنها لم تفعل شيئاً فعلياً في حياتها ، فهي اكتفت بمواصلة تعليمها و الحصول
    على عمل ، و رعاية من يحتاجونها في المنزل .
    بعد المشي مسافة خمس دقائق ، وصلت كلوديا إلى منزلها ، مجموعة الطوب الوحيدة التي ظلت
    شاهدة على كل ماضيها ، من قبل ولادتها حتى !
    كان المنزل بعيداً عن وصفه منزل ، فلربما وصفه بالقصر سيكون أوضح له ، إذ أنه كان واسعاً جداً
    بمساحة تبلغ عشرة آلاف متر مربع ، كان منظر المنزل فخماً جداً ، على عكس كلوديا التي يوحي منظرها
    بأنها من الطبقة الفقيرة – و هي كذلك .
    كان المنزل يتوسط حديقة واسعة ، فكانت البوابة تحتوي على نباتات متسلقة في أعلاها ، و خلفها
    كانت الجهة الأمامية من الحديقة الخضراء ، حيث كانت بعض أشجار التفاح و الرمان ، بينما كانت هناك
    أرجوحة خشبية بجانب أحد الأشجار ، و طاولة خشبية بسبعة كراسي ، بالإضافة إلى أجمات صغيرة على
    جانبي الممر الرملي الذي يستمر حتى يصل باب المنزل ذا اللون الأزرق ، و بعض أزهار النرجس و الياسمين
    و الفل بمحاذاة سُور المنزل من كل الجهات .
    دخلت كلوديا عبر بوابة الحديقة ، كان الدخول إليها كالدخول إلى عالم مختلف جداً ، خاصة و أن منزل
    كلوديا بعيد قليلاً عن العامرة بالسكان ، لأنه تمّ بناءه في منطقة هادئة جداً ، ليس فيها إلا القليل
    من البيوت المتباعدة أصلاً عن بعضها البعض .
    كان باب المنزل مقارباً للبوابة من حيث التصميم ، إذ كانا يحتويان على نفس نقوش الزينة تقريباً .
    فتحت كلوديا الباب ليظهر لها المنزل من داخله .
    كان المنزل لا يقل جمالاً عن حديقته ، لأنه تخطاها ! فلقد كان يتكون ثلاثة طوابق مصبوغة بلونٍ
    أزرق فاتحاً من الخارج ، بالإضافة إلى القبو الذي لا يُرى .
    كانت أرضية الطابق كرقعة الشطرنج ما بين اللونين الأبيض و البني . بجانب الباب كانت شماعة
    تعليق الملابس الخشبية و صندوق المظلات . ثم إلى الأمام كانت مجموعة الأرائك الكبيرة و الصغيرة
    التي تتناسب مع بعضها بلونها البيج و قماشها المخملي في جانب الصالة الأيمن ، و أمامها تلفاز بشاشة مسطحة .
    في الجانب المقابل كان المطبخ الكبير ، و بجانبه الخزانة من اليسار ، و عن يمينه كانت غرفة تناول
    الطعام ، ثم عند الزاوية يبعد بمسافة لا بأس بها الحمام و المغسلة .
    رَمَت كلوديا ثقل جسدها على الأريكة غير أبهة إن كانت ستضرها أم لا بذلك ، و رمت حقيبتها على
    الطاولة الصغيرة الزجاجية أمامها ، و بقي الثقل الأعظم ، الذي قهر الكثير ، و هو يتربص بها الآن ، نفسها .
    أغمضت عينيها بهدوء ، ثم أخذت نفساً عميقاً لتزفره بكل قوة ، رتبت شتات أفكارها ، نَعَمَت بالصمت
    قليلاً ، ثم فتحت عينيها ، و رفعت جسدها لتتوجه عبر الدرج الحلزوني إلى الطابق الثاني .
    كان الطابق الثاني عبارة عن إحدى عشرة غرفة ، لكلٍ منها حمامها الخاص ، بالإضافة إلى الصالة
    الصغيرة حيث كانت مجموعة أخرى من الأرائك هناك ذات لونٍ أزرق فاتح ، تماشت جيداً لون الأرض
    الأبيض ، و الجدار الذي اصطبغ بهاذين اللونين الذين تداخلا مع بعضهما عليه .
    توجهت كلوديا نحو الغرفة الثانية في اليسار ، ثم وقفت أمامها و طرقة الباب بكل لباقة ، ثم
    فتحت الباب و دخلت عندما سمعت صوتاً من الداخل يخبرها بأن تتفضل .
    أغلقت الباب ، و تجاوزت الممر الضيق الصغير أمام الباب لتتضح لها مساحة الغرفة الحقيقية ؛
    كانت تلك الغرفة واحدة من أكبر غرفتين مساحة في المنزل ، كما تميزت بأثاثها الفخم ، و لونيها
    الأحمر الداكن و الأسود ، فكان دولاب الملابس يستعمل الجدار الأيمن كله ، في حين قابلته النوافذ
    ذات الستائر الحمراء و السوداء في الجدار المقابل ، و أمامها أريكة متوسطة الحجم من المخمل الأحمر
    بنقوش سوداء زادتها جمالاً .
    كان السرير الكبير في الجدار ما بين الستائر و الدولاب ، و كبقية الغرفة كان السرير أحمراً بوسائد
    سوداء محشوة بالريش ، و بينما غطاءه من الحرير الناعم ، كان التلفاز بشاشته المسطحة معلقاً في
    الجدار المقابل أمام السرير . بالإضافة إلى رفٍ طويل من الكتب على الجدار فوق السرير .
    توقفت كلوديا عند نهاية الممر الصغير و ابتسمت بحنان و هو يتنظر إلى المتمددة فوق السرير .
    كانت السيدة جوان – والدة كلوديا – تقرأ كتاباً على السرير ، لكنها توقفت عندما لحمت كلوديا
    تنظر إليها و تبتسم .
    أغلقت السيدة جوان الكتاب ، و وضعته بجانبها ، ثم أشارت لكلوديا بأن تأتي عندها . تقدمت كلوديا
    نحو والدتها ، ثم قبلتها على جبهتها ، و جلس أمامها عند حافة السرير ، و قالت لها بابتسامة حنونة :
    - كيف تشعرين اليوم ؟
    ابتسمت لها والدتها ، ثم قالت بهدوء :
    - اشعر أني أفضل اليوم !
    شعرت كلوديا ببعض الذنب ، فهي تعرف أن ما قالته والدتها ليس حقيقياً ، فقالت لها بابتسامة ذابلة :
    - أعدكِ أني سأطلب ساعات عمل أكثر حتى أحضر لكِ العلاج المناسب ، و سوف ...
    توقفت كلوديا عندما أمسكت أمها بكفيها ، مستغربة من فعلها ، فاستغلت والدتها ذلك لتقول لها بحنان الأم :
    - عزيزتي أنا امرأة كبيرة ، لقد وصلت الخمسين من عمري ! سأموت عاجلاً أم آجلاً ...
    - لا تقولي ذلك أرجوكِ !
    قاطعتها كلوديا ببعض القلق و الكثير من الاهتمام بعد اختفاء ابتسامتها ، لكن والدتها تابعت كلامها :
    - كلودي عزيزتي ، عليكِ أن تبدأي الاهتمام بنفسكِ – ثم وضعت كفّها الأيسر على خدّ كلوديا
    و استأنفت – أنتِ ما زلتِ شابة صغيرة و جميلة ! أما أنا فقد أموت عمّا قريب !
    تجمعت دموع كلوديا في عينيها ، ثم قالت و الغصة تخنقها :
    - أمي ارجوكِ لا تقولي ذلك !
    اتسعت ابتسامة والدتها أكثر ، ثم قالت بسعادة :
    - سأتوقف عن قول مثل ذلك الكلام إذا بدأتِ تأكلين !
    تعجبت كلوديا من كلام السيدة جوان ، ثم نظرت لها بنظرات الانزعاج عندما استوعبت كلامها ، ثم قالت منزعجة :
    - أنتِ لَم تقولي ذلك لتجعليني أبكي ثم تجعليني آكل أليس كذلك ؟!
    - إن وعدتني أنكِ ستخرجين و تأكلين الآن ، فسوف أتوقف عن قول مثل ذلك الكلام !
    استسلمت كلوديا لأمها ، ثم قالت مستسلمة :
    - حسناً ، أنا أعدكِ .
    و ضعت السيدة جوان كفيها على خدّي ابنتها ، ثم قربت رأسها منها و قبلتها على رأسها ، ثم
    أبعدتها ، ثم قالت بابتسامة سعيدة :
    - هذه هي كلودي خاصتي !
    - لكن يجب أن تهتمي أنتِ أيضاً بنفسكِ !
    تفاجأت السيدة جوان من كلام كلوديا المفاجئ ، لكنها لم تستطع غير أن توافق على كلام
    ابنتها ، لتكون كل واحدة قد وعدت الأخرى بشيء لأجلها .
    نزلت كلوديا من الغرفة و أغلقت باب الغرفة خلفها ، ثم بينما كانت تنزل متوجهة إلى المطبخ ، كانت
    تفكر بمنظر ساذج ، إذ كانت تفكر فيما يجب أن تأكل ، فكانت تحدث نفسها و تقول :
    - ماذا سآكل يا ترى ؟ يجب أن يكون بسيطاً و غير مكلفاً ! لكن يجب أن يكون مشبعاً ... أمي
    ستسألني بالتأكيد عما أكلت لاحقاً !
    ثم استأنفت بانزعاج :
    - آه كم هو صعب اختيار الطعام المناسب ، ما الضير في عدم تناول الطعام ؟! فأنا ما زلت حبة على أي حال !
    وصلت كلوديا للمطبخ أبيض اللون ، كان واسعاً بالنسبة لمطبخ ، فقد كانت تتوسطه طاولة رخامية
    ملتصقة بأرضيته ، بينما كان الجدار المقابل للباب و الجدار الأيمن قد أخذهما دولاب المطبخ ليمتد على طوليهما .
    لفت نظرها صحن صغير فيه شطيرة مربى الفراولة و بجانبها رسالة في ورقة صغيرة ، مَشَت نحو
    الصحن و أخذت الورقة المطوية و فتحتها ، و هي ترفع نفسها لتجلس فوق الطاولة الرخامية بجانب
    الشطيرة ، بينما تركت رِجلاها يتدليان بِحُرية . و بدأت بقراءة الرسالة في يدها اليسرى :
    " مساء الخير كلودي ^_^
    نتمنى أن تعجبكِ مفاجأتنا الصغيرة ، و لتأكليها ، مفهوم ؟ -_-
    أشقاءكِ ^_^ "
    ابتسمت كلوديا سعيدة باهتمام أشقاءها لها ، بينما كانت تأكل الشطيرة بيدها الأخرى . كانت
    بضع ثوانٍ حتى سمعت كلوديا صوت فتح باب المنزل ، فقفزت فوراً من فوق الطاولة ، و لم
    تنسى وضع الصحن في المغسلة . ثم اتجهت لترى ذلك الذي دخل البيت .
    كان مراهقاً أصهباً ، يقارب جوليا في الطول ، نحيلاً يبدو عليه أنه وقور و هادئ . توقفت كلوديا
    لتتكئ على عارضة الباب ، ثم قالت قبل أن تدخل آخر جزء من الشطيرة في فمها :
    - أنت لَم تشارك في صنع الشطيرة ، أليس كذلك ؟
    كان ذلك الفتى يخرج حذائيه و يضعهما في المكان المخصص لها ، عندما قالت له كلوديا ما
    قلته ، فردَّ عليها بكل جفاء :
    - من المستحيل أن أصنع شيئاً لكِ !
    استاءت كلوديا من كلام شقيقها ، فاعتدلت في وقفتها ، ثم قالت له ببعض الانزعاج :
    - ألا يمكنك أن تعاملني بطريقة حسنة و لو لمرة ؟
    توقف الفتى عن توجهه نحو الدرج ليصعد إلى غرفته ، ثم قال لها غاضباً :
    - فلتذهبي للجحيم !
    ثم تابع مشيه .
    - أوتعرف ماكس ؟ إن سبب غضبك مني هو سخيف جداً !
    توقف المدعو ماكس من جديد ، و أستدار ليقول لكلوديا بنفس نبرته السابقة :
    - غضبي منكِ لأنكِ جعلتنا نعيش في هذا القصر بهذه الحالة المزرية بعد ما كنّا فيه ، هو
    سبب سخيف ! أعتقد أنكِ بدأت تفقدين عقلكِ !

    [ انتهى الفضل ]


  2. ...

  3. #2
    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    مثل ما رأيتم في الأعلى هو الفصل الأول
    من رواية وضعت فيها كل مشاعري الدفينة .
    اتقبل اقتراحاتكم و انتقاداتكم البناءة .
    " سِنت ، السِنتَين ، سِنتات "
    هي العملة المعدنية الأقل قيمة من الدولار
    و التي تتبعه .
    في أمان الله تعالى و رعايته

  4. #3
    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    مثل ما رأيتم في الأعلى هو الفصل الأول
    من رواية وضعت فيها كل مشاعري الدفينة .
    اتقبل اقتراحاتكم و انتقاداتكم البناءة .
    " سِنت ، السِنتَين ، سِنتات "
    هي العملة المعدنية الأقل قيمة من الدولار
    و التي تتبعه .
    في أمان الله تعالى و رعايته

  5. #4
    الفصل الثاني
    على عكس ما يعتقد ماكس ، كلوديا هي تعتقد أصلاً أنها السبب – رغم أنها
    أحياناً تضع اللوم على غيرها – لكن ذلك لا يعني أن يقوم بجرح مشاعرها و عدم
    المبالاة بها ! فهي أولاً شقيقته الكبرى و آخراً هو شقيقها الأصغر ، ما زال يجمعهما نفس الدم !
    عَرَفت كلوديا أن النقاش مع ماكس لن يأتي بفائدة ، فتركته ليكمل طريقه إلى
    غرفته ، و لم تكن إلا بضع ثوانٍ حتى يُفتح الباب و يدخل منه شاب وسيم ، هو
    مراهق في الواقع ، شقيق كلوديا الآخر !
    لحقته فتاتان تبدو عليهما البراءة ، لَم تكن الدنيا قد حولتهما بعدُ لوحوشٍ تسعى
    لمصالحها و تفرقهما عن بعضهما ، خاصة و أنهما توأم متطابق ! كانتا فتاتان
    جميلتان بشوشتان ، لدى كُلٍ منهما ابتسامة بريئة جذابة لا تشوبها شائبة .
    ابتسمت كلوديا فور رؤيتها لبقية أشقاءها يدخلون للبيت ، كانوا يعاملونها أفضل
    مما كان يعاملها ماكس ، فالتوأمتان هرعتا إلى كلوديا لمعانقتها فور رؤيتهما
    لها ، الأمر الذي جعل كلوديا تنخفض لتضمهما إليها حنان ، حنان الأم ! أجل حنان
    الأم ، فقد كانت كلوديا كالأم بالنسبة لأشقائها ، خاصة بالنسبة للتوأمتين بعد مرض أمهم .
    وقفت كلوديا بعد معانقة مليئة بالعاطفة و الحنان ، ثم نظرت إلى الفتى الواقف هناك
    على مقربة منهن ، و ابتسامة عريضة تجتاح وجهها ، ثم قالت له بنبرة تخللتها بعض السعادة :
    - لقد جئتم مبكراً !
    - حسناً نحن لا ننوي أن نعاقب هذه المرة أيضاً !
    أجابها ذلك الفتى ببعض المزاح ، فقالت محاولةً إثارة غضبه :
    - جاكي !
    - اسمي جاك و ليس جاكي !
    قال " جاكي " بانزعاج من كلام شقيقته ؛ فهو يكره مناداته بذلك الاسم خاصة لإغضابه
    فقط ، ضحكت كلوديا بخفة على تعابير وجه شقيقها ، ثم أخبرته أنها ذاهبة إلى
    عملها ؛ لذلك أوصته بالانتباه إلى أمها و شقيقتاها ، ثم أخذت حقيبتها و خرجت متوجهة لكسب رزقها .
    " كانت لحظات جميلة ، عناق ، ابتسامات ، ضحك " كانت كلوديا تتكلم في نفسها و على
    شفتيها شبح ابتسامة ، لكنها سرعان ما تلاشت ؛ فكلما تحاول كلوديا أن تسعد والدتها
    و أشقاءها ترى ماكس يقف عقبة في طريقها و يعيدها لحالة البؤس النفسي الذي كاد استطاعت أن تتخطاه .
    توقفت كلوديا أمام فندق كان يتباهى بطوله الذي بلغ مئة و ثلاثين طابقاً من الغرف
    و الأجنحة الفاخرة و المترفة ، كلها مليئة بكل ما قد يتمناه المرء و يطلبه من أثاث و
    طعام و خدمات . بالطبع ما كان فندق ليوصف هكذا غير فندق " الجوهرة السوداء "
    أحد الفنادق الفخمة التي تقع ضمن إمبراطورية غيبسون العملاقة .
    رَفعت كلوديا ناظريها نحو لافتته التي تحميل اسمه ، كانت كافية لتغطية كل مصارفها
    إن تم بيعها ، لكن ما زالت كلوديا تحمل تميمة نحس خفية – كما تعتقد .
    كان الباب الخلفي للفندق مدخل العمال . توجهت كلوديا نحو غرفة تبديل الملابس
    للعاملات ، نحو خزانتها التي كانت واحد من مئة خزانة في كل منها ملابس العمل و
    الأحذية و رفٍ في أعلاها لوضع بعض الأغراض .
    كانت خزانة كلوديا رقم 66 ، لذلك مَشَت نحوها لتأخذ ملابسها و حذائيها ثم ذهبت إلى
    ركن تبديل الملابس في نهاية الغرفة الكبيرة .
    بعدما وضعت حقيبتها في الرف العلوي داخل الخزانة منذ وصولها ، و بعد عودتها من
    ركن تبديل الملابس ، علّقت بنطالها الجينز الأسود و قميصها الأبيض القطني في مكان
    ملابس العمل التي كانت عبارة عن فستان يصل إلى ما تحت الركبتين حوله شريط أبيض
    عريض عن الخصر ، كان جيداً بالنسبة لعالمة نظافة في الفندق !
    كانت تقف أمام المرآة على باب خزانتها المغلقة ، تنظر لمظهرها النهائي قبل بدء العمل
    بينما تمقت كل جزء فيها ، كل شيء جميل فيها ، من شعرها الداكن كقلبها الذي لوثته
    الحياة بملاعبتها ، و عينيها الزرقاوان اللتان تبكيان حزناً بدل الدموع التي تمنعها ، إلى
    بشرتها البيضاء الصافية ، و حتى أنفها المنحوت كقوامها الممشوق كانت تكرهه ، كانت
    تكره أنها جميلة بتلك الهيئة ، كانت تمقت نفسها كلما تراها في المرآة .
    كانت كلوديا و على عكس أكثر العاملات ، تترك شعرها دون ربطه كذيل حصان ؛ لأن شعرها
    قصير تلامس أطرافه رقبتها ، فكانت تتركه حراً دائماً . قد تكون تلك الحربة التي لازالت
    تبحث عنها في نفسها في ما أنساها أن تأخذ بطاقة أسمها الصغيرة .
    أعادت فتح الخزانة لتأخذ البطاقة من الرف العلوي ، لكن ... لحظة ! ما هذا ؟! كانا سنتين ! آخرين !!
    هذه المرة كانت كلوديا مصدومة فعلاً ، فمن هذا الذي يضع لها هذه الفئات الصغيرة من
    المال بسرية ، حتى وصل إلى خزانتها في العمل ؟
    لم تأخذ كلوديا وقتاً طويلاً في التفكير في هوية هذا المجهول ، فهي ليس لديها الوقت
    لتتأخر عن عملها و تخسره في النهاية ، لذلك وضعت المال الذي وجدته في حقيبتها ثم
    أعادتها للأعلى و أقفلت باب خزانتها بالرقم السري ، و توجهت لتبدأ عملها .
    كان عمل كلوديا بسيطاً في كيفيته ، لكن صعباً أدائه ، فتنظيف غرف النزلاء لم يكن يوماً
    عملاً سهلاً ، و لن يكون بالتأكيد . و رغم أن لكل غرفة خزانة بأدوات التنظيف خاصة بها ، إلا
    أن التنظيف يبقى متعباً ، خاصة إذا كان نزيل الغرفة عائلة ذات أطفال ، أو شخصاً حَجَز لفترة طويلة .
    كانت الساعة قد قاربت السادسة عندما كانت كلوديا تعيد ترتيب خزانة أدوات التنظيف
    لآخر غرفة نظفتها ذلك اليوم .
    كانت تلك الغرفة هادئة عندما دَخَل شابان أحدهما كان أشقراً يضحك بخفة ، بينما الآخر
    كان صامتاً. بينما كان الأشقر يغلق الباب ، كان الآخر ذا الشعر الأسود يتجه نحو أقصى
    الغرفة بينما كان يخرج مسدساً ! كان يخرج مسدساً أخفاه في بنطاله من الخلف و نظرات جامدة تعتليه !
    كان واضحاً أنه شاب غريب ، لكنه لم يمتنع عن تصويب المسدس نحو رأسها فور رؤيتها .
    عندما انتهت من ترتيب الخزانة هناك استدارت ، فشهقت بقوة ، اتسعت عينيها ، تسارعت
    نبضات قلبها ، بدأت بالتعرق و الارتجاف ، رفعت ذراعيها عالياً خوفاً من رؤية ذلك المسدس موجهاً نحو رأسها .

    [ انتهى الفصل ]

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter