الفصل الأول
- يبدو أني لن أستطيع أن اشتري حذاء جديداً هذا الشهر أيضاً !
كانت تلكم الكلمات التي خرجت من فم كلوديا بكل بئس تشرح ما تشعر به من حزن و كآبة . كانت تلك
الطالبة الجامعية جالسة لوحدها أمام أحد طاولات مطعم الجامعة ، تقوم بحساباتها الشهرية التي
كان ولازال يستقبلها دفترها الرمادي الصغير ، المسؤول عن إسعاد كلوديا أو إحزانها ، فهو الوحيد
الذي يسمح لها بصرف المال ، و هو الوحيد الذي يستقبل دموعها في وحدتها ، وقت ألمها ، بينما
تعصر نفسها أسفاً على حالها .
أخفضت رأسها لتسقط خصلات شعرها السوداء القصير فوق عينيها ، و لتنظر إلى حذاءها
القديم ، و تقول مخاطبة إياه :
- يبدو أننا سوف نبقى مع بعضنا شهراً آخر...!
قاطعها صوت ارتطام معدن بسطح الطاولة أمامها ، رفعت عينيها المتسعتان بحثاً عن مصدر
الصوت ، لتتفاجأ من رؤية سِنتين يتأرجحان على الطاولة لوقوعهما عليها .
ظلّت كلوديا تنظر إليهما حتى استقر كلٌ منهما على أحد وجهيه ، ثم جالت مطعم الجامعة
بناظريها ، باحثة عن إشارة ، غمزة عين ، رسالة ، أو حتى ابتسامة من شخص يخبرها بذلك أنه
من وضع لها السنتين ، لكنها عادت إليهما خائبة الأمل ، فلم يكن هناك من شيء دلّها عن واذع
السِنتين المجهول .
رفعت كلوديا رأسها أكثر لتنظر إلى الساعة الرقمية العملاقة فوق باب المطعم ، لترى أن الساعة
قد قاربت الثانية عشرة و النصف ، قامت بوضع دفترها الرمادي و قلم حبرها الجاف في حقيبتها
ذات اللون الكحلي ، ثم أخذت السنتين و وضعتهما في الحقيبة كذلك ، فلقد حان وقت ذهابها
إلى محاضرتها التي قد تتأخر عنها .
لحسن حظ كلوديا ، وصلت إلى قاعة محاضرات قسمها قبل مجيء المحاضر الذي يمقت أن يدخل أحد
بعده ، على أي حال كلوديا فتاة منعزلة عن الناس نوعاً ما ، إذ أنها دائماً ما تجلس بعيداً عن بقية
الطلبة ، فآخر دورٍ في أدوار الكراسي يكون مكانها ، بغض النظر عن أنه ليس لديها مكان محدد فيه .
اتجهت كلوديا نحو جهة اليسار هذه المرة ، و اختارت لنفسها أقصاه لتجلس فيه ، لكنها توقفت
قبل أن تجلس ، أخذت تنظر نحو المقعد .
كان فوق المقعد سنتين معدنيين آخرين ، فعلت ما فعلته في مطعم الجامعة سابقاً ، جالت قاعة
المحاضرة بناظريها ، بحاثةً عن إشارة ، غمزة عين ، رسالة ، أو حتى ابتسامة ، من شخص يخبرها بذلك
أنه من وضع لها السنتين ، لكنها كالمرة السابقة عادت خائبة الأمل ، لذلك أخذت السنتين على أي
حال و وضعتهما في حقيبتها و جلست فوراً ، لأن الأستاذ قد وصل .
بعد ساعتين ، كانت المحاضرة قد انتهت ، كالبقية كلوديا كانت توظب أغراضها لتخرج ، فبعدما
انتهت ، خرجت من قاعة المحاضرات ، و تتجه بعينين ذابلتين نحو ما يسمى " منزلها " .
كانت الحياة بالنسبة لكلوديا مجرد تجربة قاتلة ، ينتهي بها الإنسان إما لينعم بالنعيم ، أو يحترق
في الجحيم ، فمنذ أن كانت صغيرة ، كانت حياتها مجرد مآسي متتابعة ، بالرغم من أن حياتها استقرت
نوعاً ما الآن – بعد الكثير من التحقيقات و القضايا ، بعد الكثير من مرات الامتثال أمام المحكمة و القضاء
و إدلاء الشهادة – إلا أنها لم تفعل شيئاً فعلياً في حياتها ، فهي اكتفت بمواصلة تعليمها و الحصول
على عمل ، و رعاية من يحتاجونها في المنزل .
بعد المشي مسافة خمس دقائق ، وصلت كلوديا إلى منزلها ، مجموعة الطوب الوحيدة التي ظلت
شاهدة على كل ماضيها ، من قبل ولادتها حتى !
كان المنزل بعيداً عن وصفه منزل ، فلربما وصفه بالقصر سيكون أوضح له ، إذ أنه كان واسعاً جداً
بمساحة تبلغ عشرة آلاف متر مربع ، كان منظر المنزل فخماً جداً ، على عكس كلوديا التي يوحي منظرها
بأنها من الطبقة الفقيرة – و هي كذلك .
كان المنزل يتوسط حديقة واسعة ، فكانت البوابة تحتوي على نباتات متسلقة في أعلاها ، و خلفها
كانت الجهة الأمامية من الحديقة الخضراء ، حيث كانت بعض أشجار التفاح و الرمان ، بينما كانت هناك
أرجوحة خشبية بجانب أحد الأشجار ، و طاولة خشبية بسبعة كراسي ، بالإضافة إلى أجمات صغيرة على
جانبي الممر الرملي الذي يستمر حتى يصل باب المنزل ذا اللون الأزرق ، و بعض أزهار النرجس و الياسمين
و الفل بمحاذاة سُور المنزل من كل الجهات .
دخلت كلوديا عبر بوابة الحديقة ، كان الدخول إليها كالدخول إلى عالم مختلف جداً ، خاصة و أن منزل
كلوديا بعيد قليلاً عن العامرة بالسكان ، لأنه تمّ بناءه في منطقة هادئة جداً ، ليس فيها إلا القليل
من البيوت المتباعدة أصلاً عن بعضها البعض .
كان باب المنزل مقارباً للبوابة من حيث التصميم ، إذ كانا يحتويان على نفس نقوش الزينة تقريباً .
فتحت كلوديا الباب ليظهر لها المنزل من داخله .
كان المنزل لا يقل جمالاً عن حديقته ، لأنه تخطاها ! فلقد كان يتكون ثلاثة طوابق مصبوغة بلونٍ
أزرق فاتحاً من الخارج ، بالإضافة إلى القبو الذي لا يُرى .
كانت أرضية الطابق كرقعة الشطرنج ما بين اللونين الأبيض و البني . بجانب الباب كانت شماعة
تعليق الملابس الخشبية و صندوق المظلات . ثم إلى الأمام كانت مجموعة الأرائك الكبيرة و الصغيرة
التي تتناسب مع بعضها بلونها البيج و قماشها المخملي في جانب الصالة الأيمن ، و أمامها تلفاز بشاشة مسطحة .
في الجانب المقابل كان المطبخ الكبير ، و بجانبه الخزانة من اليسار ، و عن يمينه كانت غرفة تناول
الطعام ، ثم عند الزاوية يبعد بمسافة لا بأس بها الحمام و المغسلة .
رَمَت كلوديا ثقل جسدها على الأريكة غير أبهة إن كانت ستضرها أم لا بذلك ، و رمت حقيبتها على
الطاولة الصغيرة الزجاجية أمامها ، و بقي الثقل الأعظم ، الذي قهر الكثير ، و هو يتربص بها الآن ، نفسها .
أغمضت عينيها بهدوء ، ثم أخذت نفساً عميقاً لتزفره بكل قوة ، رتبت شتات أفكارها ، نَعَمَت بالصمت
قليلاً ، ثم فتحت عينيها ، و رفعت جسدها لتتوجه عبر الدرج الحلزوني إلى الطابق الثاني .
كان الطابق الثاني عبارة عن إحدى عشرة غرفة ، لكلٍ منها حمامها الخاص ، بالإضافة إلى الصالة
الصغيرة حيث كانت مجموعة أخرى من الأرائك هناك ذات لونٍ أزرق فاتح ، تماشت جيداً لون الأرض
الأبيض ، و الجدار الذي اصطبغ بهاذين اللونين الذين تداخلا مع بعضهما عليه .
توجهت كلوديا نحو الغرفة الثانية في اليسار ، ثم وقفت أمامها و طرقة الباب بكل لباقة ، ثم
فتحت الباب و دخلت عندما سمعت صوتاً من الداخل يخبرها بأن تتفضل .
أغلقت الباب ، و تجاوزت الممر الضيق الصغير أمام الباب لتتضح لها مساحة الغرفة الحقيقية ؛
كانت تلك الغرفة واحدة من أكبر غرفتين مساحة في المنزل ، كما تميزت بأثاثها الفخم ، و لونيها
الأحمر الداكن و الأسود ، فكان دولاب الملابس يستعمل الجدار الأيمن كله ، في حين قابلته النوافذ
ذات الستائر الحمراء و السوداء في الجدار المقابل ، و أمامها أريكة متوسطة الحجم من المخمل الأحمر
بنقوش سوداء زادتها جمالاً .
كان السرير الكبير في الجدار ما بين الستائر و الدولاب ، و كبقية الغرفة كان السرير أحمراً بوسائد
سوداء محشوة بالريش ، و بينما غطاءه من الحرير الناعم ، كان التلفاز بشاشته المسطحة معلقاً في
الجدار المقابل أمام السرير . بالإضافة إلى رفٍ طويل من الكتب على الجدار فوق السرير .
توقفت كلوديا عند نهاية الممر الصغير و ابتسمت بحنان و هو يتنظر إلى المتمددة فوق السرير .
كانت السيدة جوان – والدة كلوديا – تقرأ كتاباً على السرير ، لكنها توقفت عندما لحمت كلوديا
تنظر إليها و تبتسم .
أغلقت السيدة جوان الكتاب ، و وضعته بجانبها ، ثم أشارت لكلوديا بأن تأتي عندها . تقدمت كلوديا
نحو والدتها ، ثم قبلتها على جبهتها ، و جلس أمامها عند حافة السرير ، و قالت لها بابتسامة حنونة :
- كيف تشعرين اليوم ؟
ابتسمت لها والدتها ، ثم قالت بهدوء :
- اشعر أني أفضل اليوم !
شعرت كلوديا ببعض الذنب ، فهي تعرف أن ما قالته والدتها ليس حقيقياً ، فقالت لها بابتسامة ذابلة :
- أعدكِ أني سأطلب ساعات عمل أكثر حتى أحضر لكِ العلاج المناسب ، و سوف ...
توقفت كلوديا عندما أمسكت أمها بكفيها ، مستغربة من فعلها ، فاستغلت والدتها ذلك لتقول لها بحنان الأم :
- عزيزتي أنا امرأة كبيرة ، لقد وصلت الخمسين من عمري ! سأموت عاجلاً أم آجلاً ...
- لا تقولي ذلك أرجوكِ !
قاطعتها كلوديا ببعض القلق و الكثير من الاهتمام بعد اختفاء ابتسامتها ، لكن والدتها تابعت كلامها :
- كلودي عزيزتي ، عليكِ أن تبدأي الاهتمام بنفسكِ – ثم وضعت كفّها الأيسر على خدّ كلوديا
و استأنفت – أنتِ ما زلتِ شابة صغيرة و جميلة ! أما أنا فقد أموت عمّا قريب !
تجمعت دموع كلوديا في عينيها ، ثم قالت و الغصة تخنقها :
- أمي ارجوكِ لا تقولي ذلك !
اتسعت ابتسامة والدتها أكثر ، ثم قالت بسعادة :
- سأتوقف عن قول مثل ذلك الكلام إذا بدأتِ تأكلين !
تعجبت كلوديا من كلام السيدة جوان ، ثم نظرت لها بنظرات الانزعاج عندما استوعبت كلامها ، ثم قالت منزعجة :
- أنتِ لَم تقولي ذلك لتجعليني أبكي ثم تجعليني آكل أليس كذلك ؟!
- إن وعدتني أنكِ ستخرجين و تأكلين الآن ، فسوف أتوقف عن قول مثل ذلك الكلام !
استسلمت كلوديا لأمها ، ثم قالت مستسلمة :
- حسناً ، أنا أعدكِ .
و ضعت السيدة جوان كفيها على خدّي ابنتها ، ثم قربت رأسها منها و قبلتها على رأسها ، ثم
أبعدتها ، ثم قالت بابتسامة سعيدة :
- هذه هي كلودي خاصتي !
- لكن يجب أن تهتمي أنتِ أيضاً بنفسكِ !
تفاجأت السيدة جوان من كلام كلوديا المفاجئ ، لكنها لم تستطع غير أن توافق على كلام
ابنتها ، لتكون كل واحدة قد وعدت الأخرى بشيء لأجلها .
نزلت كلوديا من الغرفة و أغلقت باب الغرفة خلفها ، ثم بينما كانت تنزل متوجهة إلى المطبخ ، كانت
تفكر بمنظر ساذج ، إذ كانت تفكر فيما يجب أن تأكل ، فكانت تحدث نفسها و تقول :
- ماذا سآكل يا ترى ؟ يجب أن يكون بسيطاً و غير مكلفاً ! لكن يجب أن يكون مشبعاً ... أمي
ستسألني بالتأكيد عما أكلت لاحقاً !
ثم استأنفت بانزعاج :
- آه كم هو صعب اختيار الطعام المناسب ، ما الضير في عدم تناول الطعام ؟! فأنا ما زلت حبة على أي حال !
وصلت كلوديا للمطبخ أبيض اللون ، كان واسعاً بالنسبة لمطبخ ، فقد كانت تتوسطه طاولة رخامية
ملتصقة بأرضيته ، بينما كان الجدار المقابل للباب و الجدار الأيمن قد أخذهما دولاب المطبخ ليمتد على طوليهما .
لفت نظرها صحن صغير فيه شطيرة مربى الفراولة و بجانبها رسالة في ورقة صغيرة ، مَشَت نحو
الصحن و أخذت الورقة المطوية و فتحتها ، و هي ترفع نفسها لتجلس فوق الطاولة الرخامية بجانب
الشطيرة ، بينما تركت رِجلاها يتدليان بِحُرية . و بدأت بقراءة الرسالة في يدها اليسرى :
" مساء الخير كلودي ^_^
نتمنى أن تعجبكِ مفاجأتنا الصغيرة ، و لتأكليها ، مفهوم ؟ -_-
أشقاءكِ ^_^ "
ابتسمت كلوديا سعيدة باهتمام أشقاءها لها ، بينما كانت تأكل الشطيرة بيدها الأخرى . كانت
بضع ثوانٍ حتى سمعت كلوديا صوت فتح باب المنزل ، فقفزت فوراً من فوق الطاولة ، و لم
تنسى وضع الصحن في المغسلة . ثم اتجهت لترى ذلك الذي دخل البيت .
كان مراهقاً أصهباً ، يقارب جوليا في الطول ، نحيلاً يبدو عليه أنه وقور و هادئ . توقفت كلوديا
لتتكئ على عارضة الباب ، ثم قالت قبل أن تدخل آخر جزء من الشطيرة في فمها :
- أنت لَم تشارك في صنع الشطيرة ، أليس كذلك ؟
كان ذلك الفتى يخرج حذائيه و يضعهما في المكان المخصص لها ، عندما قالت له كلوديا ما
قلته ، فردَّ عليها بكل جفاء :
- من المستحيل أن أصنع شيئاً لكِ !
استاءت كلوديا من كلام شقيقها ، فاعتدلت في وقفتها ، ثم قالت له ببعض الانزعاج :
- ألا يمكنك أن تعاملني بطريقة حسنة و لو لمرة ؟
توقف الفتى عن توجهه نحو الدرج ليصعد إلى غرفته ، ثم قال لها غاضباً :
- فلتذهبي للجحيم !
ثم تابع مشيه .
- أوتعرف ماكس ؟ إن سبب غضبك مني هو سخيف جداً !
توقف المدعو ماكس من جديد ، و أستدار ليقول لكلوديا بنفس نبرته السابقة :
- غضبي منكِ لأنكِ جعلتنا نعيش في هذا القصر بهذه الحالة المزرية بعد ما كنّا فيه ، هو
سبب سخيف ! أعتقد أنكِ بدأت تفقدين عقلكِ !
[ انتهى الفضل ]



اضافة رد مع اقتباس

المفضلات