عزيزتي ...
أشعر بالغرابة لكتابة رسالة من بعد محادثاتنا السريعة والساخرة على برامج المحادثات، أجدني اعتدت سرعة الإرسال وسرعة الرد، حتى أن كتابة رسالة على الطراز القديم أصبح يضنيني يا صديقتي، لكنني أشتاقك ولا أجد وسيلة غير هذه للتواصل معك حيث أنا! لا! هذا لا يعد انتصارًا لك! إذ لن أوافقك على نظريتك اللائمة فنحن من أساء الاستخدام، لكنني أقر بأن الوقت المُتوفر بغيابها طويل جدًا! على كلٍ لا أشعر بسوء لانقطاعي المفاجئ عن العالم، فحين ينتهي أمر فجأة تسعى النفس لأن تجد البديل، والبديل في حالتي كان حياتي.
أعلم أنني كنت متشائمة من الأمر كله، وأنني رأيت فيما مضى أني قضيت على حياتي بقبولي عقد عمل خادمة، ولكن كانت حاجتي ماسة للطريق الجديد، فأنت تعلمين أن كل الطرق القديمة كانت ترديني بؤسًا وتزيدني حسرة بعد أن تعثرت أموري جميعها، فظللت أتخبط حتى انفتح طريق جديد أمامي. ما كنت لأرفض وما كنت لأتوقف عن التذمر؛ الأمر أن الأنين أصبح ديدني من كثرة ما أننت آنذاك! اكتشفت هذا مؤخرًا واكتشفت كذلك أن وظيفتي ليست بذاك السوء، وأدركت كذلك ضعف نظر الطرف الثالث! أجل! فالطرف الثالث حاكم مختل! إذ أنه لا يرى التفاصيل الصغيرة والمؤلمة التي تغير طريقة تعاطينا مع الأمور، غير أنني حين أصبحت أحد الأطراف المتفاعلة أدركت أن هواجسي الدرامية كانت هراء، فلم تكن الخدمة نهاية لحياتي كما ظننت بل كانت بداية لها! لربما لو كنت أعمل لدى عائلة كبيرة مليئة بالأبناء المقززين لكنت فكرت بطريقة مختلفة الآن، لكنني أخدم سيدة عجوز مات زوجها قريبًا وليس لها أولاد.
إنها سيدة رائعة حقًا، رغم أنها كانت مزعجة في البداية، خاصة حين عينت نفسها والدتي وأصبحت تعلق على شخصيتي وتصرفاتي، كان هذا بغيض حقًا، تعرفين أنني لست على وفاق مع توجيهات أمي أو التوجيهات عمومًا، لكن موضع الخادمة من السيد جعلني أعيد حساباتي! إذ لن أخفيك مدى حاجتي للمال الذي أجنيه منها. على كل لم تك تريد خادمة لكي تحمل عنها أعباء تدبير المنزل، بل كانت تبحث عن رفيق، ورغم انزعاجي من رفقتها في الأشهر الأولى، إلا أنني اعتدت الأمر بعد فترة. أما الآن فإنني نادمة يا صديقتي وأشعر بآلام حادة في مفاصل كياني؛ إذ رجوت لو أنني قدمت هذا التنازل لوالدتي، لو أنني لمرة فكرت أن أعيد حساباتي، لو أنني أدركت حاجتي إليها كما أدركت الحاجة للمال ... آه وآه .. أعرف أن لا فائدة من الخوض في الماضي فهو للتعلم فقط، ولكن بعض الدروس قاسية يا صديقة، فثمنها عمر، وخطيئة وحاجة لجبر روح! وجبيرة الروح يا صديقتي موقف، ولا عودة لها لأصنع أوقات وأثبت مواقف كما تعلمين.
لست أبكي! لا تقلقي!
كما أخبرتك الأشهر الأولى كانت الأسوأ فبالإضافة إلى تعليقات السيدة ماكبث المزعجة، اضطررت لـ احتمال أهل القرية كذلك. إنهم هادئون لكنهم ليسوا ودودين البتة وأظن أنك خمنت كراهة هذا الخليط، ولك أن تتخيلي ما عايشته من اضطهاد وأمور أخرى، حمدًا لله أننا نتغير أو أن الأمور من تفعل؟! لا أدري، لكنني مؤخرًا أتساءل كثيرًا عما إذا كانت الأمور ثابتة كما كانت وأنا من تعلم كيف يواجهها أو أنني الثابتة والحياة تسير؟! بالطبع لي نظرية أخرى فأكاد أجزم أننا نتحرك سويًا، حتى إذا ما توافقت وجهتينا استطعت الحكم من المنظار السليم والتحرك واستطاعت الفرار بأسرار وعلوم علي أن أكتشفها في مواجهات أخرى، أو حتى بتفكير ثان أو ثالث، إنه قانون الدوران! كل ما في الأمر أن المسار مستور ..
أعتقد أن عليك أن تحضري فنجان القهوة قبل أن يصيبك دوار الفلسفة. لا تقلقي لن أطيل عليك هذه المرة فلا أحمل في جعبتي الكثير وما زالت الكلمات لا تواتيني والشرح المفصل يضنيني، ولكن استعدي لصفحات طويلة في المرة المقبلة.
انتظر ردك، وحتى ذلك الوقت كوني بخير.
مني
كاثرين




اضافة رد مع اقتباس



لازم نسقي الحماس 



المفضلات