روى مُسْلِمٌ في صَحيحهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
" إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ " ، وفي رواية " فَهُوَ أَهْلَكَهُمْ " .
وَلا يخْفى على دارسِ الشِّعْرِ وَمُطالِعِهِ ، أنّهُ – الشعر - وليدُ موْقِفٍ ما ، هيَّجَ القريحة ، واسْتَثار النَفْس ، فَذابت مَع الحروفِ ، واسْتُخْلِقَ الباعِثُ شِعراً .
وإذا نظرْتَ لأقوال الشعراء ، ترى بِها قول الله " ألم ترَ أنّهم في كلِّ وادٍ يهيمون " ، وانظُرْ ترى أنّ أحمد شوقي القائل في الخمر :
رَمَضانُ وَلّى هَاتِها يا سَاقي ... مُشْتاقة تَسْعى إلى مُشْتاقِ
والقائل أيْضاً :
حَفَّ كَأسَها الحَبَبُ ... فَهْيَ فِضَّةٌ ذَهَبُ
هو نَفْسهُ شوقي القائل :
لَزِمْتُ بابَ أميرِ الانْبياءِ وَمَنْ ... يُمْسِكْ بِمِفْتاحِ بابِ اللهِ يَغْتَنِمِ
وَترى شاعر النيل "حافظ ابراهيم " يقول :
فما أنتِ يا مصرُ دارَ الأديبِ ... ولا أنتِ بالبَلَدِ الطَّيِّبِ
وَكَم ذا بِمِصرَ مِنَ المُضحِكاتِ ... كَما قالَ فيها أَبو الطَيِّبِ
أُمورٌ تَمُرُّ وَعَيشٌ يُمِرُّ ... وَنَحنُ مِنَ اللَهوِ في مَلعَبِ
وَشَعبٌ يَفِرُّ مِنَ الصالِحاتِ ... فِرارَ السَليمِ مِنَ الأَجرَبِ
هو عَينهُ القائل بلسان مصر :
وقف الخــلق ينظرون جميعــــًا ... كيف أبني قواعدَ المَجْد وحدي
وَما كان قولهُ الأول إلا نتاجَ قِصّة ، جَعلتهُ يُعَمِّمُ وما قصد التعميم ،ولكنّها الحالة التي تَمَلّكتهُ حينها .
وفي قول أبي الطيب المتنبي ، حين هجى كافور الاخشيدي حاكم مصر يومِها ، فَهجى المصريين أجْمع ،
إنّى نزلتُ بكذَّابينَ ، ضيْفُهُمُو... عنِ القِرى و عنِ التِرحالِ مَحدودُ
جودُ الرِجالِ مِنَ الأَيدي وَجودُهُمُ... مِنَ اللِسانِ فَلا كانوا وَلا الجودُ
ما يَقبِضُ المَوتُ نَفسًا مِن نُفوسِهِمُ ... إِلّا وَفي يَدِهِ مِن نَتنِها عودُ
أَكُلَّما اغتالَ عَبدُ السوءِ سَيِّدَهُ ... أَو خانَهُ فَلَهُ في مِصرَ تَمهيدُ
ولا تَعْذِلْ الرجل ، فالمبالغة حال الشعر ، والمتنبي مشهور بها ، فكان إذا أحب ومدح ، جعل ممدوحه خير من وطأ الأديم ، وإذا بغض وكره ، جعل الشيطان مَلاكاً بجوار من يَذَم ، وهو أيضا ًما قصد التعميم هنا ، وإنّما ساقته الحالة النفسية لقول ما قال . رَحِمَ اللهُ أبا الطيب ، كَمْ كان قوي البيان ، سَليط اللسان .
وهذي زِفراتٌ مُسْتَنْفرة ، أتت بها الأفكار المُبعثرة ، في زمنٍ تلّونَ تلوّن الغول ، وفي أرض قلْ فيها ما شئْتَ أن تقول .
ما زالَ يَكْبِدُ جَنْبي بَاعِثٌ غَضِبُ ... في مِصْرَ لا رَحِمٌ يُرْعى ولا نَسَبُ
مُرْ للّيالي شِدَاءً مِنْ كَلومَتِنا ... إنَّ الشِداءَ بِلَيْلٍ سَائِغٌ عَذِبُ
يا نِعْمَ ما رُثِيَتْ في الدَّهْرِ مِنْ أمَمٍ ... يا بِئْسَ ما نَظَمَ الراثونَ واجْتَلَبوا
هذا زمانٌ طَوى عَهْداً لأوَّلِنا ... فى كُلِّ شَمْسٍ تَرى كَظْماءَ تَلْتَهِبُ
قَدْ فَرَّقونا - عَلَيْهِمْ لَعْنَة ٌ - شِيَعاً ... حَمَيَّة َ الكُفْرِ بِئْسَ الرايُ والشِعَبُ
يا مَنْ مَضى بِمَليحِ المَجْدِ يَذْبَحهُ ... فوقَ الكرامةِ والأحْلامُ تَنْسَكِبُ
باللهِ رِفْقاً فَقَدْ غَذّى مَناكِبَهُ ... قَوْمٌ كِرامٌ مِنَ الأعْمَارِ واحْتَسَبوا
جِئْنا خِلافَ رِجالٍ دِيْنُهُمْ خُلُقٌ ... كالهِرِّ يَحْبو إزاءَ الأسْدِ يَنْتَسِبُ
ما أوْرَثونا سوى عِزٍّ وَمَفْخَرةٍ ... فَما رَضينا سوى ذُلٍّ ولا سَبَبُ !
دُرٌّ تَوَهَّجَ في عَتْماءِ قافِرَةٍ ... أهْدى الخَليقَة َ نُوراً فَضْلُهُ عَجَبُ
جاءَ الشَّقِيُّ مِنَ الصِّبْيانِ يُطْفِئُهُ ... والناسُ تَشْهَدُهُ تَرْثي وَتَنْتَحِبُ
لُمّوا العُلا مِنْ جِفونٍ في قَرَارَتِها ... عَيْنُ التَخاذُلِ والإسْفافُ والعَطَبُ
لَيْسَ الرجولة ُ أنْ تَبْكي عَظيمَ وَرى ... بَلْ أنْ تَسِيرَ على آثارِ ما وَهَبوا
إنّى أخَذْنا مِنَ الأعْرابِ تَسْمِيَة ً ... ما دونَ ذلِكَ فاعْلَمْ أنّنا لَعِبُ
قَوْمٌ كَريهٌ على الأيّامِ مَطْلَعُهُمْ ... كأنّهمْ مَرَضٌ في الخَلْقِ أو جَرَبُ
إذا نَزَلْنا بِأرْضٍ أظْلَمَتْ كَمَدَاً ... تُقَلُّبُ الكَفَّ غَيْظَاً ها أتى عَرَبُ !
وَكَانِ دَهْرٌ فَنى للعُرْبِ إنْ لُمِحوا ... لَتُبْصِرَ القَوْمَ والأحْجارَ تَنْتَصِبُ
وَعِزًّة ً رُفِعَتْ كابْنِ البَتولِ سَمَا ... كَانَتْ لِسابِقِنا تَاجاً بِهِ غَلَبُوا
نَعَمْ بِدِينٍ بِنَى أجْدَادُنا هَرَماً ... مِنَ الحَضارةِ لا بالحُلْمِ يُكْتَسَبُ
إنّي كَرِهْتُ مِنَ الأشْعَارِ وَصْفَتُهُمْ ... أهاؤمُ عَرَبٌ أمْ ذاكُمُ كَذِبُ ؟!
هذا سؤالٌ غريبٌ كَيْفَ تُنْكِرُهُ ... كَيْفَ الرجالُ هُمُ جاءوا بِمَنْ نُسِبوا ؟!
إذا تَكَلَّمَ في مِصْرٍ أخو خَطَلٍ ... حَازَ المَسامِعَ وانْساقَتْ لَهُ النُخَبُ !!
شَعْبٌ يُعَظِّمُ مَخْبولاً وَيَرْفَعَهُ ... لَوْلا هَواهُ لَما قالوا وَما كَتبوا !!
وَيَسْجُدُ الدَّهْرَ لا جالتْ بِخاطِرِهِ ... دَعْوى نُهُوضٍ ولا ضاقَتْ بِهِ الحُقَبُ !!
وَيَسْتَلِذُّ هوانَاً دونَهُ رَقصوا ... يا للّرِجالِ خَسيسُ القَوْمِ مُنْتَخَبُ
واللهِ ما هَلَكوا فاللهُ حَافِظُها ... لكنْ هُنا رَقَدوا للهَوْنِ واحْتَجَبوا
حِيْنَ الدُنا شجبوا والقَلْبُ في لَعِبٍ ... حِيْنَ البُنا رَكَنوا والكَفُّ مُخْتَضَبُ
لا جَادَ دَمْعٌ عَلَيْهِمْ رأْفَة ً بِهِمُ ... رَوْحاً ولا مَسَحَتْ لأوائَها الخُطَبُ
عُرى المهَابةِ ذَابتْ في ضَمائِرِهِمْ ... وَمِنْ عَجيبٍ هُمُ بالخِزْي قَدْ طَرِبُوا
على مَدَائِنِهم لَوْحٌ يُعَرِّفُهُمْ ... إذا دَلَفْتَ بِها فالعَارُ مُجْتَذَبُ
وكُلُّ نازِلِها رَهْنٌ لِهَلْكَتِهِ ... واللهُ مِنْ كَثَبٍ يَهْدي وَيَنْتَخِبُ
وَلي بِها شَجَنٌ طاغٍ يُضَعْضِعُني ... وَلي بِها كَمَدٌ في الرَوْحِ مُغْتَصِبُ
يُهَدْهِدُ النَفْسَ حِيناً مِنْ مَكائِدِهِ ... فإذْ بِهِ الفرحُ في أثْوابهِ النُّحُبُ
في مِصْرَ تُدْفَنُ آمالٌ إذا زَهَرَتْ ... حَتّي كأنَّ ربيبَ الأيْكِ مُكْتئِبُ
لا أنْسُ يُبْلِغُ أوْ لَهْوٌ يغَيِّبُنا ... وفي المَصائِبِ موْصولٌ فَمَا يِغِبُ
تَاهَتْ وَقَدْ عَمِيَتْ واسْتَنْجَدتْ وَرَجَتْ ... نَامَتْ وَما قَضَيَتْ فالمَعْدَنُ الذَّهَبُ
يا بَاعِثاً عُمَراً حِصْناً لمَنْ سَلِموا ... أهَلْ لنا عُمَرٌ أمْ هَلْ لَنا هَرَبُ
بسام عمر
26/7/2016
TO Be Continued




اضافة رد مع اقتباس
المفضلات