ولجت الى الممر منهكة متعبة و كادت أن تصرخ حين مرت بجوار احدى المقصورات المنفرجة بإهمال لتقع عينيها على ما لايمكن وصفه بين ثنائي من المسافرين، وحين اسرعت بخطواتها تنبهت بفزع الى صدور ذات الأصوات الغير لائقة التى ايقظتها من نومها سابقاً من عدد من المقصورات في المكان بتفاوتها، واتضح لها ما كان يدور من حولها بالتمام حين ولج رجل اربعيني سمين من الناحية الأخرى للممر وهو يمسك بمعصم شابة جميلة ترتدى ما يستر جسدها بالكاد ويجرها وهي مخمورة مستسلمة من خلفه نحو احدى المقصورات .
انعقدت ساقيها المرتعشتين عن الحراك لبضع دقائق تكرر فيها ذات المشهد بين عددٍ من المسافرين الذي أخذوا يجترون الفتيات الشابات واحدة تلوى الأخرى الى باقي المقصورات في المكان دون مبالاة لوقوفها شاهدة، وصافحت أذنيها المشتعلتين من شدة الحرارة التى شبت في جسدها المتسمر كله صراخ وصيحات وعنف رهيب لم تدرى من أي المقصورات كان، فستدارت من فورها بالقدر الذي تحصلت عليه من القوة وخرجت تركض من الممر ناحية الشرفات وهي تنتفض على نحو شديد وملحوظ هرباً الى مواطن الإزدحام علها تجد الأمان فيها..
ولسوء حظها أجتذب اندفاعها بالخروج على ذلك النحو مجموعة من الشباب المتواجدين قريباً من المكان، الذين سرعان ما بادروها بضحكاتهم الهيستيرية و تعلقاتهم القذرة تحليلاً لأسباب اندفاعها من الداخل بأبشع الأوصاف، فعادوت الهرب ركضاً فوق ممر الشرفة على غير هدى، ولربما لحقها أحدهم إلا أنها لم تتنبه لما كان يدور من حولها من شدة الهلع سوى حين سحبتها يد قوية من كتفها وأوقعتها أرضاً فتأوهت بصخب متوجع، وحين فتحت عينيها كانت ذات اليد تهم بضربها مجدداً لولا تدخل موظف ما، حيث قام بدفع الرجل المخمور بعيداً عنها مما جعله يصتدم مترنحاً بحافة الشرفة وهو يكاد أن يقع من عليها، فستغل الأخر تجمهر المتواجدين لتثبيت الرجل وإمساكه عن الوقوع، و انتشل "فيرا" من عضدها قبل أن يسحبها بعيداً عن الضوضاء عبر أبواب تلوى أبواب متداخلة مخصصة للعاملين حتى انتهى بها الى ممر صغير مظلم، فاحت منه رائحة المنظفات وهنالك تمتم لها بصوت خافت مرتعش من الغضب:
- مالذي تفعله شابة غافلة مثلك في هذا المكان وبهذا الوقت من الليل!، كان الرجل سيلتهمك أمام المتفرجين ولن يكترث لإيقافه احد.. اللعنة سيكلفني تدخلي هذا وظيفتي دون شك!
ولأنها كانت تذرف دموع الرهبة والوجع لم تتمكن من رؤية ملامحه على الإطلاق، بينما أكمل الموظف المقهور بجدية مقلقه:
- هنالك صحفي يعمل بيننا على ظهر السفينة، لقد مرت عليه العديد من الحوادث المشابهه وهو عارف بها، اطلبي منه مساعدتك على الفور حتى لا يتكرر معك ما حدث قبل قليل!، إنه يتواجد الأن في صالة الفئة ج، ألحقي عليه قبل أن يرحل منها فلن أتمكن من مساعدتك بعد الأن
وحين استدار رغبة في الرحيل امسكت بعضده وقالت بصوت واهن وهي تدرك جيداً أنه ليس الوقت المناسب للسؤال عما جرى بل للهرب:
- قدماي .. لا أقوى على السير، ماذا لو لحق بي ذلك الرجلُ
أجابها بجواب مبهم آخر وقال بجدية بالغة:
- عليك بالوصول وإلا كان كل هذا هباءاً، الصالة خلف ذاك الباب مباشرة، اذهبي اليه هيا..
أومأت له بالإيجاب واستدارت من فورها تقصد الباب الذي أشار اليه قبل أن تتذكر سؤاله عن اسمه، إلا أنه كان قد رحل حين التفتت ناحيته مجدداً، عندها أكملت طريقها نحو الصالة بإضطراب وتفاجأت من وجود الشاب الذي خلصها من ورطة الأمس يجلس أمامها على احدى الطاولات مع احد الموظفين ..
وبتلقائية اختارت انه الصحفي الذي قصده الموظف الشهم في حديثه كونه قد سبق له تقديم يد المساعدة لها من قبل، فهرعت تقصده على نحو مفاجئ جعله يقف لها من مكانه ليغادره الموظف الأخر فزِعاً تارِكاً لهما المجال للكلام ..
سرعان ما حاولت أن تقص عليه ما جرى لها قبل لحظات وهي تشد على كفه التى قبضة عليها لحظة الوصول اليه ليعينها على الوقوف غير أنها لم تتمالك نفسها من شدة البكاء، عندها أخذ الشاب المذهول في محاولة تهدأتها حتى استجابت وحكت له ما جرى لها قبل قليل بصوت متقطع ونظرات فزعة تتنقل بينه وبين مدخل الصالة فأجابها أخيراً بجدية وحذر:
- ترى هل تم حجزك للمقصورة عن طريق طرف ثالث، كوكالة للتوظيف على سبيل المثال؟!
أومأت بالإيجاب وهي لا تعرف مالذي يعنيه بسؤاله، فأظهر امتعاضاَ واضحاً وهو يردف:
- مسألة الإبقاء على حجزك الحالي كما هو خطيرة بالفعل، هذا يعنى أن علي التدخل لمساعدتك هنا وربما تضطرين الى مشاركتي في مكان اقامتي ريثما يتوفر مكان شاغر في فئة أكثر آمان.. ولكني أتوقع بعض الخدمات منك في المقابل، هل أتفقنǿ!
المفضلات