وصلت "الإمبراطورة" الى ميناء دوفر التى تبعد عن العاصمة البريطانية لندن ما يقارب الساعة بالقطار و الساعتين بالسيارة أو احدى وسائل المواصلات العمومية الأخرى، خلال سرعة إبحار هادئة و خط سير مر على محاذاة تالين المدينة الأستونية ومن ثم ستوكهولم و كوبنهاجن السويديتين الى بيرغن النرويجية عبر بحر البالطين، ومن مضيق سكاجيراك الذي يرتبط ببحر الشمال نحو روتردام بهولندا وأخيراً الى دوفر، ولأن أغلب المواني السابقة لم تكن مؤهلة لإستضافة السفينة ذات المساحة الأسطورية مباشرة، جعل الربان يبقيها واقفة دون حراك قبالة المواني المذكورة فتقوم قوارب صغيرة وذكية بحمل المسافرين الراغبين في زيارة المدينة الى اليابسة ثم تعمل على اعادتهم مجدداً آخر النهار أو حسب مدة التوقف التى لا تمتد لأكثر من يومين في المعتاد .. ولم يسبق “لفيرǔ الخروج في احدى تلك الزيارات على الإطلاق، إذ أنها لا تحمل التصريح الملائم كما أن الزيارة تعني استخدام أموال حقيقة لتسير أمورها ريثما تعود الى ظهر السفينة، وهذا مالا تملكه جيوب محفظتها الفارغة عدا عن بضع فئات نقدية حقيرة لن تجلب لها شطيرة كافية تغنيها من الجوع.
استيقظت مبكراً صباح اليوم التالي وهي تشعر بأن الحيوية قد عادت اليها بعد جرعة الرجاء والأمل البارحة، وبدون تأخير حفاظاً على الإتفاق الذي اختل اتزانه خلال الأيام القليلة السابقة، قضت وقتاً طويلاً في الإستحمام والإعتناء بشعرها وجسدها، كما انهت تسريح شعرها و ارتداء ثيابها تماماً على الوقت قبل وصول خدمة تنظيف الغرف الذين في العادة ما يبدأون بمساحة المعيشة الفسيحة أولاً ثم الحمام وأخيراً حجرة النوم ..
تركتهم "فيرا" يعملون بإرتياح بعيداً عن فرض أعين المراقبة وأنضمت الى غرفة المعيشة حيث كان "نوا" لا يزال منكباً على شاشته و أوراقه في إحدى زوايها حيث المكتب، وبدون إطالة تفكير اختارت أن تبادر بتحيته عوضاً عن الإنتظار ليفعلها من باب اللباقة أولاً وقالت:
- صباح الخير "نوح"
اخرجته تحيتها من أجواء العمل وخاصة اختيارها للنطق العربي من اسمه، فبادلها التحية بشيء من الشرود والشدوه:
- صباح الخير ..
وأتجهت الى المطبخ التحضيري بقصد سكب كوب من عصير البرتقال كعادتها الصباحية، فلم تجده وقالت متمتمة مع ذاتها:
- ترى هل أنهيته بالفعل؟!
شهقت بفزع حين أجابها وهو يقف مستنداً الى الجدار المجاور:
- اذا كنت تقصدين العصير فقد تخلصت منه، كان من المفترض أن تقومي بذلك بعد تاريخ فتحه بثلاثة أيام
رمقته ساخرة، فهاهو يظهر لها جانب من شخصيته التى توحى على الترف:
- هذا لا يعنى أن تصدق كل ما يقال، الرائحة و المذاق هما المعيار لا التواريخ التجارية الجشعة
- عقلية الإقتصاد هذه لن تفيدك حين تصابين بتسمم غذائي يا آنسة.
قالها هزاءاً وهو يحك مؤخرة رأسه تحت الربطة التى تلم شعره الطويل بأكلمه على الدوام، التغير الجوهري في تعاملاته مؤخراً والتي ربما تكون متعلقة بكونها اُصيبت بالوكعة الصحية ليس إلا، بيد أن اريحيته جعلتها لا تجد حرجاً في طلبه رغم ما بدر منها من تجاوز ليلة الأمس:
- إذاً هل تمانع اعداد كوب من القهوة لي ككوب الأمس، أعني بدلاً من العصير المسكوب؟!
وظل يرمقها لوهلة عجباً من تبسطها وتخليها عن مسافة وصياغة الرسمية والحذر بينها وبينه وهو يتم استدارته من حولها ليصل الى مكينة القهوة، فتراجعت بضع خطوات للإستمتاع بمراقبته، بينما شرع في عمله بصمت وانكباب مما جعل لصوت رنين الباب صداً أكثر ازعاجاً مما هو عليه في الواقع بالنسبة لكليهما، قفزت "فيرا" من مكانها مباشرة للإستطلاع حتى يكمل "نوح" عمله بالتركيز اللائق وهي تعتقد اعتقاداً تاماً أنهم من ضمن موظفي خدمة التنظيف، ولم يخطر ببالها رؤية "ادموند" الذي بحث عنها وقدم لرؤيتها بعد هروبها و اختفاءها المريب بالأمس ..
- وجدتك أخيراً..
قالها بنبرة حليمة هادئة جعلتها تخرج من الكبينة بتلقائية حتى يُطبق الباب خلفها فلا يصل صوته الى "نوح"،.. انهما بالكاد يتحدثان بأريحية وانسجام ولن تجعل ظهور "ادموند" يعرقل صفوة الأجواء بهذه البساطة، هذا ما كانت تفكر فيه وهي تقف صامتة أمام الضيف الذي يبدو عليه أثر الشوق فاضحاً، ومع ذلك بقيت عاجزة عن صده بقساوة في ظل تلك التحديقة المحبة الصادقة التى شملها بها منذ أولى لحظات تعارفهما العابر، تحدثت أخيراً متلطفة بإشفاق:
- ما كان يجب عليك الخروج للبحث عني "ادموند"، فأنا قادرة على الإهتمام بشؤوني، كما أن رفـ
وكانت على وشك الإتيان بذكر "نوح" الذي لم يعبر حديثها مع المجموعة من قبل كونها كانت في حالة الإنصات أغلب الوقت، إلا أنه خرج إليهما بنفسه حاملاً الكوب ذو الرائحة الزكية، استدار كُل من "ادموند" و"فيرا" لمطالعته بينما اكتست ملامحه المتراخيه قبل دقائق جموداً تعرفه و تكرهه، اقترب منها على نحو طبيعي وناولها الكوب ثم استداراً مواجهاً "ادموند" الشاحب وهو يقول:
- مذاقها أشهى وهي حارة، هل كل شيء على مايرام هاهنا
وشكرته قلبياً على عدم التصرف بأسلوب يزيد من تعقيد المشهد، ثم أجابته وهي تطبق بكلتا يديها على الكوب:
- أجل، انه احد اصدقائي الذين تعارفت عليهم على متن الرحلة سلفاً، سبق وذكرته لك من قبل
أطلق تأوهاً خفيفاً وهو يقول:
- هذا صحيح، لا بد وأنك "ادموند" إذاً، ان "فيرا" مأخوذة بصحبتك وطيب خصالك، وبدوري أشكرك على ابقاء صحبتها أنت والبقية خلال انشغالي بعيداً عنها.. كانت تشعر بالضجر الشديد قبل مقابلتكم
ومد يده مصفحاً إياه دون أن يظهر أدنى تردد أو اضطراب مع كونه قد تفوه بكذبة عريضة قلبت معدة شريكته والشاهدة على كذبته، وجعلتها تزهد في تذوق الكوب الذي بين يديها، صافحه "ادموند" على مضض ووجهه يزداد شحوباً من رؤية المجهول يعود الى جانبها بذلك القدر من التقارب وإن لم يتلمسا فعلياً، ولم يتأخر في طرح اعتذاراته لينسحب بشكل لبق بعيداً عن مشاهدتهما على تلك الحالة.
عاد كليهما الى الجناح فقال "نوح" وهو يهم بإخراج احدى حقائبه الجرارة صغيرة الحجم من احدى وحدات التخزين المخفية في الجدار:
- عما قليل يسمح للركاب بالنزول الى ميناء دوفر، علي القيام ببضعة أمور على اليابسة لذا سأغادر ريثما يُسمح بالنزول، هل ينقصك شيء محدد أحضره لكِ معي من هناك؟
كان وقع مفاجأته الصادمة غير ساراً البته فلم تتوقع أن يغادر جانبها على الإطلاق، أو حتى تُكمل دورة رحلتها لسبعة أشهر على الأقل!، الى أنها احتفظت بإمتعاضها وقالت ببشاشة مصتنعة بإمتياز:
- ليس حقاً، ولكن لم تقل لي متى ستعود!
أجاب وهو يتردد ما بين الخزانة الخارجية التى كانت عبارة عن رفوف وأدراج اضافية مبنية في نصف جدار يفصل المكتب من وراءها عن مساحة طاولة الطعام، وبين حقيبته المفتوحة فوقها ليضع بضعة قمصان على نحو بالغ الترتيب:
- دوفر هي احدى المحطات الرئيسية في خط سير "الإمبراطورة" قبل أن ننتقل الى بضعة مواني في مدن أفريقيا ومن ثم الى القارات الأمريكية، لذلك سيكون هنالك عملية إعادة تموين وتفريغ عريضة بطوابق التخزين السفلية ، كما أنها المحطة الأخيرة لكثير من المسافرين وفي الوقت ذاته سيكون هنالك مزيد من المسافرين الجدد الذين هم على وشك الإنضمام إلينا.. وعليه فإن مدة التوقف المقررة هي خمسة أيام.
فهمست بصوت منخفض حلو، رغم ما تعلق بنبراته من كآبة:
- وهل تنوى قضاء كامل المدة على اليابسة؟!
أومأ لها بالإيجاب على مهله وهو يستطلع خلسة ما حل بآماراتها من حزن وقنوط من بين ذهابه وإيابه، مما جعله ينصرف عما في يده بتلقائية متقدماً إليها وعينيه تحدقان في عينيها وكأنها تريد أن تستنطقها عن حقيقة أمرها، فلما رأته يوشك على قرأتها بكل وضوح نظرت إليه وقد باحت أجفانها بمقصد فؤادها دون خجل، بينما قالت بهدوء سحري:
- لترافقك السلامة وعسى أن توفق في مساعيك دون عرقله
وشعر بحاجة ملحة لا منطق وراءها للمس وجهها ووجنتيها والقبض على كل تلك الأحاسيس التى هي مكتوبة على وجهها بكل وضوح، تماماً كإعجابها المفضوح به سابقاً أمام طاولة تسجيل الدخول للمسافرين والذي أدركه ببساطة متناهية!، أيعقل أنها غير مدركة لما يظهر عليها من عواطف الحب والغرام تجاهه؟، لقد أهابته مقدرتها الصافية على عكس ما تحس به في نظراتها البريئة ولغة جسدها الغير متكلفة، ولا تزال تهيبه حتى اللحظة، ومن شدة صراحة آماراتها الملفته سواً على صعيد البراءة والشفافية أم الخِلقة الخلابة، وجد صعوبة بالغة في التحكم بما تلحقه تلك الصفات فيه من آثر بليغ، بيد أنه لم يكن بالضرورة مأسوراً بذات المشاعر التى تنضح في عينيها كما أسرت رجال الأمن وموظفي الإستقبال ومن ثم ثُلة من الشباب الأثرياء الذين يمنعهم "ادموند" المتيم عن خلق أدنى فرصة تخولهم الإنفراد بها بعيداً عن عينيه الطامعتين، ولذلك ظل بدوره يحاول من خلال تصرفاته الصارمة و غير المصطنعه معها أن علاقتهما يجب أن تبقى مجردة لاوجود فيها لنوايا ثانوية مستترة ..
وعليه تشبث بجموده في اللحظة الأخيرة وقال باسماً وهو يشعر بإجلال سري أمام قوتها الدفينة و أثرها على تصرفاته اللاواعية:
- شكراً لك، وبدوري أتمنى أن تكبحي أي رغبات استطلاعية تحضك على زيارة أي من الأقسام الأبعد في السفينة ريثما أعود، وسأحادثك يومياً لأتأكد من عودتك الى الكبينة قبل غروب الشمس، لا ينبغى أن تخاطري بالتأخر مهما راودتك الرغبة في ذلك!
فقالت تتكلف الإبتسامة وهي في حقيقة الأمر تود البكاء وفي الحال:
- أخشى أنه ليس لدي وسيلة تسمح بذلك فهاتفي المتواضع اتلفته سلفاً اذا كنت تذكر!
قال برسمية هدفها مساعدتها على نحو خاص على التحكم في انفعالاتها الغضة، وهو يشير الى طاولة القهوة الزجاجية ذات الحواف البيضاء المتوسطة طقم المقاعد الرمادية :
- وضعته هناك، وهو مجهز ومفعل، كل ما عليك هو إبقاءه معك دائماً والحرص على شحن بطاريته خلال ساعات الليل، كما أنها شريحة من نوع خاص وسأقدر إذا ابقيت استخدامها محصوراً بيننا فقط
أجابته بلكنة قاطعه وهي تعتقد بعفوية أنه يخشى تحمل فواتير باهظة إذا ما اسرفت في استعماله دون كياسة، وقد كانت متفاجئة ومسرورة من بادرته واهتمامه على نحو خاص مما حصر تفكيرها على هذا الحد:
- بالطبع، لا تقلق ليس لدي أي نية في استخدامه خارج هذا النطاق، شكراً على اهتمامك
وراقبها وهي تسرع لإلقاطته وتفحصه بسرور طافح وكأنه كنز لقمان بين يديها رغم محاولتها المكشوفة أيضاً في كتم ذلك السرور المتراقص على وجنتيها، فبتسم وعاود الإهتمام بشؤونه بعد أن تأكد من حصولها على ما سيبقيه مطمئناً من ناحيتها الى درجة ما ريثما يعود مع موعد الإبحار الجديد..
ودعها بلباقة ورصانة وداعاً مقتضباً تزامناً مع خروج الموظفين من الغرفة، وأسرعت بدورها الى الشرفة التى قل ما خرجت إليها خلال خط الرحلة السابقة لطبيعة الجو الذي غلب عليه البرودة اللاذعة في ذلك القسم من العالم وقد صادف الإبحار فيه أشهر الشتاء، ثم خرجت تجوبها من جميع الجهات متلحفة بشال صوفي ليقي جسدها حديث العهد بالتعافى من لفحات الهواء القارص علها تُفلح في لمح أثر له وهو يترجل الى الميناء بقامته الممشوقه ووسامته المثيرة للغبطة والجدل، وسرعان ما صدقت حدسها السلبي الذي أنبأها بأن لن يكون ذلك ممكناً منذ البداية، فقد اتضح أن الشرفة تطل بالكلية على الإتجاه المعاكس للميناء أي على البحر، ويالها من خيبة! ..
.................................
نهاية الجزء الخامس
قراءة ممتعة للجميع




اضافة رد مع اقتباس




وقد وجدت فصل للثرثرة
لكنني لا أخفيك أن الفصول بحاجة لمزيد من الحركة، لأنك غطيت التغيرات وأخشى أن تقعي في مشكلة الإسهاب إن أكملت على هذا المنوال يا عزيزتي ولأنني أحبك سأنبهك خشية الوقوع في الخطأ
إذ تبدو لي شخصيته أقرب للجاسوسية لا الصحافة ولا أدري لم؟! لكنني أفكر بدراما كالعادة وأظنها ستتورط في قضية أمن دولة 






- فتفرغت للتعديل بالبيت بعيداً عن الجامعة ومع ذلك اعتذر مقدماً اذا اهملت خطأ املائي أو علامة ترقيم ..


بمجرد اني اشوف اسم الرواية قلبي يقول دمبق دمبق دمبق 




بديت اميل لنوا 



المفضلات