نظرت إليه بحزن ، وهو يحزم أمتعته ، هو لا يبالي بها ، بل حتى لم يكلف نفسه عناء النظر إليها ، بل بدى على وجهه البرود
استجمعت قواها ، وببطء ، رفعت رأسها لتسأله :
- هل أنت عازم حقاً على الرحيل ؟
- لا أملك خياراً آخــر ، فقد حان وقت رحيلي ، لا أستطيع التأجيل
قالها وهو يغلق حقيبته ويضعها على كتفه ، ويهم بالمغادرة ، جاراً حقيبته الثانية خلفه ، متجاوزاً إياها ببرود
التفتت إليه بسرعة ، قائلةً بانكسار وقد ترقرقت عيناها بالدموع : انتظر لحظة !، لم يمضِ وقتٌ طويلٌ على قدومك ، لِم قررت المغادرة بهذه السرعة ؟ ، أنالم أصدق عيناي عندما أتيت ، لقد انتظرتك عاماً كاملاً كما تعلم !، ثم هكذا تتركني وتذهب ؟، هذا لا يجوز !
قالتها بصوت مخنوق بالعبرات ؛ لم يتحمل حزنها حبس دموعها في محجريها أكثر ، فانسابت تلك الدموع الناعمة على وجنتيها الأكثر نعومةً، حزناً على ابتعاد من تحب عنها
تنهد بعمق شديد شديد وملل ، فكما يبدو انه يسمع منها الكلام نفسه للمرة الألف :
- لقد كنتُ في ضيافتكِ لثلاثين يوماً !ولكنكِ لم تستغلي تلك الأيام الثمينة لفعل أي شيء مفيد فما الذي كنتِ تفعلينه طوال الوقت ؟، متجاهلةً وجودي !
قالها بانزعاج بعدما التفت إليها وقد قطّب حاجبيه
ارتبكت قليلاً ، وأنزلت رأسها بخجل ، أخذت تلعب بأصابعها ، دلالة على ارتباكها ، قائلة : لـــ..لقد كنتُ مشغولة ببعض الأعمال ،و مضى الوقت سريعاً فلم أنتبه ، أنا آسفة
رفعت رأسها لتنظر إليه برجاء ، مكملة كلامها : أرجوك أن تغيّر رأيك !، من أجــلي ، أجّل الرحلة ليوم واحد فقط
- لا أستطيع ، إنها أوامر الله ، آتي في وقتٍ محدد ، وأرحل في يومٍ محدداً كذلك ، أخبريني أنتِ!، هل كنتِ مطيعة ؟، أم غافلة عن بركات وجودي ؟
- كـــ....كما قلت لك ، لقد كنتُ مشغولة
- في ماذا ؟، في قيام الليل كل ليلة ؟، أم بترتيل القرآن وختمـــــهِ ؟
- حـــ..حسناً !، كنتُ أتابع المسلسلات التلفزونية ، وأنشغلتُ بحاسوبي ، وغيره من الأعمال المشابهة
تنهد بعمق قائلاً لها بهدوء : تعلمين أنه بإمكانكِ تأجيل كل هذه الأعمال لما بعد رحيلي ، فلِم لم تنتبهي لوجودي ؟ ، واستغليتِ أوقاتي في فعل الخير ، ليُضاعف لكِ الأجر وتدخلين الجنة ؟
أجابته بارتباك محاولةً إيجاد حجة لغفلتها : مابيــــدي حيلة !، فأحداث المسلسلات مشوقة ، وترغمني على متابعتها ، وكذلك الأعمال الأخرى ، فأريد مثلاً أن أكتب أفكاري الخاصة بروايتي قبل أن أنساها ، وأريد أيضاً أنــــ..
- كفى !
تمتم بصوت مرتفع مقاطعاً إياها ؛ فصمتت مستغربةً منه ، فأكمل : هكذا أنتم بني البشر !، تنسون المهم وتركضون خلف الأقل أهمية ، لقد جئتُ محملاً بأنواع الهدايا الإلهية
قبول التوبة
مضاعفة الحسنات
محو السيئات
العتق من النار
الفوز بالجنة
وفوق ذلك ؛ كنتِ في ضيافة الله في محضري ، ولكنكِ نسيتِ كل ذلك ، حتى حان رحيلي ، كان عليكِ استغلال كل لحظة في صعود الدرجات لتصلي لمقام المتقين ، ولا تسمحي للشيطان بإغوائكِ بتضييع وقتكِ في مثل تلك الأمور ، ألستُ محقاً ؟
فأنا فرصـــة ثمينة ، ولكنكِ لم تحسني تقديري
قالها بهدوء شابه بعض الحزن وهو يجز خلفه حقيبته الثانية ليذهب
أما هي فقد أطرقت برأسها خجلة من تصرفها وغفلتها في محضر ضيفها العزيز ، لم تستطع قول كلمة واحدة لتدافع بها عن نفسها أمامه ، فكل ماقاله عنها صحيح ، ولا يمكنها إنكاره ، مما جعلها تلزم الصمت بحزن منزلة رأسها .
أطل برأسه عليها بعدما فتح الباب قليلاً ، فرفعت بصرها لتنظر إليه مستغربة ، ابتسم ملأ شفتيه بهدوء ولطف ، قائلاً :
- عيد سعيد !، آمل أن تحسني التصرف عندما آتي السنة القادمة ، وأن تستغليني بشكــل أفضل ، ففي النهاية ، هذا لمصلحتكِ ، أليس كذلك ؟
ابتسمت بسعادة واستبشارٍ شديد وهزت رأسها إيجاباً : أجل ؛ سوف أحرص على استغلال أوقاتك السنة القادمة في أعمال جيدة ، ترفع من درجتي ، أعدك بهذا
- فتاة جيدة !، أهتمي بنفسكِ جيداً ، إلــى أن متلقي السنة القادمة بإذن الله ، عليّ الذهاب ، إلــى اللقاء
قالها بهدوء وهو يغادر بخطواتٍ مطمئنة ، أطلت عليه وتابعت سيره ، حتى غاب عن ناظريها
أطرقت برأسها حزينة لثوانٍ ، ثم أغلقت الباب ، متمتمة بداخلها ، مشجعةً لنفسها :
سوف أكون أفضل السنة القادمة بالتأكــيد !، لن اسمح له بالمغادرة ، من دون أن أضمن أنني رفعت درجاتي عند ربي ، أجل!؛ ســـــوف أفعل ذلك
هزت رأسها إيجاباً ، وابتسمت ملأ شفتيها وهي تمسح آثار الدموع المنسابة على خديها ، مددت يديها لتجدد نشاطها ، قائلة وهي تتجه لغرفتها ، متسائلة :
- والآن !؛ ماذا عليّ أن أرتدي للعــــــــــيد ، فلديّ أكثر من فستان ، هذا محيّر !
....... هل يعرف أحدكم من يكون هذا الضـــيف المنســـــي ؟....
.. تمـــــــــــــــــت ..
ممنوع النقــــــــــــل منــــــــــعاً باتاً ؛ غير محلل








اضافة رد مع اقتباس








...رائعه
..مميزه
...جميلة











المفضلات