ألقى المُدرب نظرةً على ألبوم الصور الخاص بالآنسة الصّغيرة ، وقبل أن تتحدّث صاحِبةُ الصّور لِتُشجّع الرّجل الجالس أمامها ، رَمى ما بيدهِ بإشمئزاز ثمّ أسرع بتدارُكِ نفسه وإسكاتِ من أمامه مادّاً يده في وجههاً صائِحاً بعصبيّة :
" بحق الخالق لا تتحدّثي ! أعرف مالذي ستقولينه "
" وماذا كُنتُ سأقول ؟ "
سألت بفضول وهي تتقدّمُ إلى الأمامِ مائِلةً بإتّساع عينيها البُنّيتين ، فأجابَ هو مُقلّداً صوتها بطريقةٍ مُضحكة :
" لقد تَعِبتُ بتصوير هذه الصّور الرائعة ، لقد انتقيتُ المواقف الحسّاسة بعناية حيث لم يُفكّر بها أحدٌ من قبل "
" في الحقيقة ليست هذه العبارة بالضبط ، فصوري ليست مُجرّد رائعة بل هي نادرة "
" لا يُهمّني ما ستصِفينه ! أبعدي هذه القمامة عن وجهي ! "
احمرّ خدّها بلا تصديقٍ وقالت بشيء من العصبية :
" لِم لا تتقبّلها ؟! لقد تعبتُ جداً في البحث عن هذه الصّور ، لا أحد من الأشخاص الذين يعملون في هذا الأستوديو سيجلبون هذه النّوعية ! "
" بالضبط ! لن يُفكّرشخصٌ بتشريح سحليّة بطريقة فنيّة ليلتقط لجُثّتها المُقطّعة صورة ! ولن يُفكر آخرٌ بِدخول المشرحة في المشفى لتصوير الجُثث المُجمّدة المُرعبة ! ولن يُفكر شخصٌ بتصوير قطّة ميتة في قاطعة الطّريق وأحشاؤها مُبعثرة على خطوطِ المُشاة ، كذلك صورة الصرصور الذي داسوا عليه ليجعلوا أعضائه مُتشابكة مع بعضها البعض !! لم كُلّ صورِك تتمحور حول الموت ؟!! "
ساد الصّمت بينهما ، لقد كانت تنظرُ إليه بجدّية وبصمت ، ظن للحظة أنها ستفهم أخيراً ، لكن كل ما فعلته هو التّلفظ بهذه العبارة ببلاهة :
" لكن خالي .. هذه الصورة نادرة "
" أخرجي !!! "
تذمرت وهي تمشي مبتعدة عن استيديو خالها ، إنه المحل الوحيد الذي ستدفع مئات الدولارات من أجل العمل فيه ، وخالها لا يتقبّل الصور الفوتوغرافية التي تجلبها ، فيكون مصير الجهد المُرهق ليل نهار أن يُعلّق فقط .. بالتأكيد حتّى صور المُتدربين تُعلّق على الجدار ، لكن الفرق هنا أنّ صورها مُلتصقه بجدارِ غرفتها خلف سريرها وليس حائِط المَحلّ !
لقد كانت تشعر بالضجر لهذا الحظ العاثر ، لقد رأت أحد العاملين لديه يحمل آلة تصويره الخاصة ليصوّر حفل زفاف أحد الأقارب ، لو كانت مكانه لاستثمرت هذه الفرصة الذهبية لتصوير جنازة ! .. مشيت بجانب النهر بخطواتٍ واسعة ، هذا العالمُ المُمِل الذي تعيشُ فيه لا يُناسب ميولها ، كانت تشتم حظها أنها وُلدت في هذه المدينة ، وقبل أن تُدرك ذاتها تعثّرت ورأت نفسها تُقذف من الاشيء في النهر !
ما الّـذي يجري ؟! لماذا هي مغمورةٌ في قاعِ المياه العذبة ؟!! فتحت فمها لتصرخ مذعورة فهرب الأوكسجين كفقاعاتٍ ظريفة لتختفي في السّطح ، استجمعت شتات نفسها قبل أن تغرق ببؤس وسبحت للضّفة في ثوانٍ معدودة ، من الجيد أن هذه الحادثة الغريبة لم تنتهي بها كجثّة هامدة تطفوا ، سيتم وضع صورها كعمل فوتوغرافي ، يالسخرية .. لقد كانت تصوّر الموتى قبل قليل !
انتهبت لما ترتديه عندما نظرت إلى نفسها وهي تلهث ، كاميرتُها العزيزة كانت تتدلّى من عُنقها ، وبالطبع تحوّلت لخردة معدينة بعد أن سبحت معها برشاقة في الماء ، ازرقّ وجهها .. أمسكت شعرها الأشعث وصرخت صرخةً أخافت الطيورَ حولها فهربوا !
" مُستقبلي المِهني ، كاميرتي العزيزة !!! "
جلست على الأريكة وبجانبها عُلبة المناديل الوَرَقية تُخرج منها خمسَ وُريقاتٍ بين كلّ ثانيتين .. كان خالُها ينظُر إليها بأسى ، أي حظّ سيء هذا الذي تمتلكُهُ ابنةُ أُخته ؟ أرادَ ان يواسيها لكن منظر عيونها الواسعة التي تُشبه دُبّ الباندا من كُحل أخافه !
" هل حادثتِ والدك ؟ لربما يقبل أن يشتري لك آلة تصويرٍ أخرى "
" لن يفعل ، لقد هددني قبل شهر والآن ما دُمتُ قد أتلفتُ هذه لن يشتري لي أخرى ! "
قالت هذه العبارة وهي تزحفُ لأخذ علبة مناديلَ ورقية جديدة ، تنهّد الأخيرُ بيأس ، لن تترُكه لو قال لها أن هذا عقابٌ إلهي على استعمال الكاميرا بشكلٍ خاطئ ، قد تقتله قبل أن تشنُق نفسها !
جلست أمامه مُجدداً وهي تفتحُ العلبة الجديدة ، وأخرجت أضعافَ ماكانت تستعمله في تلك السّابقة :
" لقد انتهيت .. لن أستطيع التصوير مجدداً "
بقدر ماكان سعيداً لأنه لن يرى أعمالها البَشِعة لبعض الوقت على الأقل ، بقدر ماكان يشعر أنها لا تستحقّ هذه الحادثة ، أو لربما أصبح القدرُ قاسياً عليها قليلاً ، الحياةُ تُأدّب بشكل غريب وغير مفهومٍ حقّاً ..
تنهّد للمرة الثالثة ، نهضَ قائِلاً بنبرةٍ لا تَخلو من التحذير :
" حسناً سأقومُ بمساعدتك ، لكن عليكِ أن تَكفّي عن النحيب بالإضافة أنه لا يجب عليكِ أخبارُ أحدٍ عن ما سأُعطيكِ إياه "
" هل ستَهَبُني ألةَ تصويرٍ أُخرى ؟! "
قالتها وهي تنظر إليه بعيونٍ متسعة من الفضول ، ابتعد مُشيحاً وجهه عنها ، لقد أصبحت مخيفة أكثر وهي تفتح أعينها مُحملقة به هكذا !
ثُمّ عرفت أن ظنّها كان في محلّه ، فها هو ذى يقدّم لها كاميرا سوداء اللون ، لولا أنها آلة تصوير خاصة بمقاطع الفيديو ، تلك التي تكون مقترنة بها صفيحة معدنية من أجل مشاهدة الفيديو المُصوّر بشكل أفضل ، وليست تلك المتخصصة لإلتقاط الصّور بعدساتٍ مُستقلّة !
" خالي لا أستطيع التصوير بهذا النوع من الآلات "
" لا تُريدينها ؟!! "
قالها بتوحّش فتشبّثت بها مُجيبةً بسرعة :
" بلى أريدها ! "
حملت أغراضها قبل أن يضيف المعني شيئاً ويحرمها من هذا الحل المؤقت ، وعندما فتحت بابَ المحل سمعته يصرخ من خلفها :
" لا تنسي ، لا تُخبري أحداً "
" لن أفعل لن أفعل ! "
لو كانت تلك الكاميرا عاديّة لصمتت بالفعل وأغلقت فاهَها ، لكن بعد الإستخدام الأول أدركت أن ما بيدها شيءٌ لم تُفكّر بوجوده إطلاقاً .. أول مرة عبثت بها كانت بداخل حديقة منزِلها ، لقد تسائلت لماذا هذه الآلة التي بين يديها لا تملك إشارة ولو صغيرة للشركة التي صُنعت فيها ؟ لونها أالأسود قد طغى على تفاصيلها اللامعة ، لكن ليس هناك أي طبعة من أجل حقوق الشّركة ، هزّت كتفيها بلا اهتتمام وفتحت الصّفيحة لتُخرج صوت موسيقى قصير يعلن عن فتح هذا المُنتج الإلكتروني .. لكن بدل أن ترى التفاصيل الطبيعية كالضّبط والملفات ، خرج سؤالٌ غريب في منتصف الشّاشة السوداء يقول :
( في أي قارةٍ أنت ؟ )
ضحكت ببلاهه ، لِمَ الكاميرا مهتمّة بالقارة التي تعيش فيها ؟ ظهرت خياراتٌ بعد ذلك أسفل السؤال بداخل مستطيلاتٍ سوداء مُحددة بالخطوط البيضاء العريضة ، بعد ان اختارت خرج سؤالٌ آخر من العدم :
( في أي مدينة تَسكُن ؟ )
حسناً .. لن تتفاجئ لو ظهر سؤال بعد ذلك يقول هل أنت ذكر أم أنثى ، ماقصّة آلة التصوير هذه !
أمرُها غريب .. أجابت بعد أن اختارت مدينتها ، وعندها أخيراً ظهرت صورةٌ للعشب الذي كانت تجلس عليه ، تنفّست بسعادة ووجهت الكاميرا للأمام لتظهر صورةُ الشّجرة المُقابلة لها ، كادت أن تلتقط الصورة لولا أنها شاهدت أحد الخِياراتِ التي لن تَكفيها وصف كلمة ـ غريبة جداً ـ على الجانب الأيسر من الشّاشة .. ( اختر مدينة ) ، ماذا يعني هذا الآن ؟!
كان الفضولُ يدور حولها كطفلٍ صغيرٍ لحوح ، شعرت بأن الأمر يتحول لشيء مثير ومرعب في آنٍ واحد ، لقد استيقظ الخوف للحظة وأمسك بنقها محذراً بشكل همجي ، لكنها ركلته بعيداً ولم تصدق هذه الهواجس المُوسوسة ولحقت خلف استلذاذها ضاغطة على هذا الخيار ، فانتبهت لما يسبقه من الخيارات ( اختر قارّة ) هل يجب عليها تغيير القارة أولاً ؟ فالمدن التي تظهر في الائحة الحالية كلها مُدن مجاورة لبلدتها .. غيرت مسارها لتختار ( أوروبا ) ففوراً تغيرت قائمة المدن فيها ( الدينمارك .. المملكة المتحدة .. النمسا .... أندورا ؟! )
لطالما أرادت زيارة تلك المدينة الجبلية البعيدة ، ما ان اختارت المدينة حتى تغيرت التصنيفات جميعها ، لقد ظهرت خياراتٌ أكثر دقة ، كالقرى .. وبعدها الشوارع ، الأزقّة .. لقد كانت عناوين متداخلة في بعضها البعض ، بقدر ماكانت محتارة بقدر ما أصابها الملل ليصفعها بقوة على بغته :
" تباً لينتهي كل هذا الجنون بسرعة ! "
قالتها بحدة بعد أن أصبحت تختار عشوائياً ، انتهت الخيارات ، وظهرت شاشة الكاميرا أخيراً ، لكنها لم تكن تظهر عُشباً أخضر ، بل طوب شوارِعَ رصاصيّ رطب يدل على سقوط الأمطار ، بقيت جالسة مكانها بجمود ، رفعت رأسها لتتأكد انها ليست حمقاء ، أجل .. الجو الصّيفي الحار نفسه ، الشمس الساطعة ، إنها جالسة على عشب حديقة منزلها ومن المواضح انه ليس طوبًا رطِبًا !
رفعت الكاميرا لتنظُرَ إلى محيطها ، رأت من الداخل هؤلاء الأجانب الذين يمشونَ في حال سبيلهم متداخلين ببعضهم البعض .. يتحدثونَ بِلُغةٍ لا تفهمها ، كان المشهد واقعياً بحتاً .. هذا ليس شريطَ فيديو بالتأكيد ، أرادت أن تُثبت رأيها ، لو أنه كان شريطاً مُسجلاً من قبل لتحركت العدسة في إتجاهاتِ إرادة المُصور السابق ، لكنها الآن تتحرك بإرادتها هي ! وكأنها موجودة في ذلك الزّقاق ، وكأنها هي التي تُصور فعلياً !
رفعت الكاميرا للسماء ، خرجت صورة غيومٍ سوداء قاتِمة ، وضوءُ شمسٍ باهت مسجونٌ خلف الرّعد المُهيب .. تنفّست بسرعة ، نهضت من مكانها ثم قفزت فكرة جنونية لعقلها الباطن ، لو كانت هذه الكاميرا بالفعل تريها مدينة أندورا ، إذن لم لا تلحق بأحد المارّة ؟
كانت آلة التصوير تُخرج أصواتاً كثيرة ، الرعد ، المطر المُرتد على الطوب الصخري ، أصوات أبواق السيارات ، المارة الذين بتحدثون بلا انقطاع .. توقفت في مكانها ، لو كان كل شيء حقيقاً ، يعني أنها ستكون متطفلة على حياة الأشخاص ، ويعني أن هناك حدّ لإتّباعهم ، فالشارع العام مثلاً قد يكونُ في وسط نهر المدينة التي تعيشُ فيها !
لم تمتلك الجرئة الكافية بعد للحاق خلف هؤلاء الغرباء .. بقيت تنظر للكاميرا وهي موجهه للشارع المزدحم ، تراقصت نبضاتُ قلباها .. ضحكت ثم أغلقتها ..
" أنا مجنونة بالتأكيد "
أجل .. ما يحصل الآن ليس واقِعاً ، هي لم تقم بإتلاف آلة تصويرها الخاصة ، ولم تذهب لخالها من أجل المساعدة .. والأخير لم يقم بإعطائها كاميرة مسحورة كهذه ، أليس كذلك ؟ نظرت للفراغ .. أوليس هذا صحيحاً ؟ حدّقت في ما بيدها .. أنتِ لستِ حقيقيّة صحيح ؟! ...
وضعتها على المِنضدة بجانب سريرها واستلقت هي راغبة بأن تنام كما كانت تزعم ، لكن من المستحيل أن يطالها النعاس مع كمية الصدمات النفسية التي حدثت اليوم .. فتحت الكاميرا بعد ان التقطتها بإصرار ، بدأت بالعميلة الخارقة ذاتها ، إنها المرة الخامسة الآن .. حسناً ستعاهد نفسها بعد قليل على أن هذه المرة ستكون الأخيرة بالفعل في التأكد من الظاهرة العلميّة الخارجة عن المألوف ، اكتشفت في المرة الثالثة في وقت الغروب أنها تستطيع إعادة المشاهد عبر ضغطة الزرّ على اليمين ، وليس ذلك فحسب بل هي تستطيع تسريع الأحداث عن طريق تقديم الإلتقاطات !
أوليس هذا يعني أنه بإمكانها الإطّلاع على الماضي والحاضر والمُستقبل ؟! نكشت شعرها بجنون ، من أين لخالها آلة التصوير هذه ؟
كانت وُجهتها هذه المرة للقارة القطبية الجنوبية ، بالضبط لسلسة الجبال ، وبالتحديد ذلك المُسمى ( كيركباتريك ) بدأت تتتجول في منزلها وخطواتها تُسمع بوضوع على السّجادة المفروشة ، أغلقت الآلة وتنفست الصعداء ، ابتسمت بجنون مع نفسها وهي تقيسُ وزن الكاميرا في كفّها الأيسر ، ستتقبل هذه الآلة حالياً .. يا ترى مالذي ستفعله بعد ذلك ؟
فكرت وهي تعود أدراجها ، لو كان هناك شخص آخر في مكانها مالذي سيفعله ؟
{ white dream مِن أجلِكِ عزيزتي
عُذراً لكمية الأخطاء المَهولة ، لم أقم بتدقيقها وأنا لستُ نادمة على ذلك !
> النهاية مُتخلّفة أعلم ذلك .. لم أُرد وضع الكثير فيها على أية حال ، يمكنكم تخمين ما سيحدث بعدها !
ملاحظة : أنا أخلي مسؤوليتي من أي تخريفات كُتبت بقصد أو من دون قصد ! > لا تسألوا عن معنى هذه العبارة !
توقفت عن الكتابة لعدة أشهر لعدم شعوري بالإستمتاع ، لذا أعتقد أن هذه التجربة كانت تستحق المحاولة !





اضافة رد مع اقتباس





..
.. والأكثر من هذا أحببت هذه الفتاة المجنونة والرائعة . 
..



. 









وبالنظر لشخصية الفتاة


..
> كف 








أصلاً أنا ما أشجع أحد لا تتبلي عليّ ! 
المفضلات