على ذلك الكرسي الخشبي المتحرك يقبع فيها جسدها الهزيل والمجعد ، جلد ملتصق بالعظام ولا شيء أكثر ، عيون قد أحاطها السواء من كثرة السهر ، شفاه جافة ومتشققة بقيت مطبقة لمدة طويلة جداً ، تجلس هنا وحدها في هذه الظلمة بلا أنيس أو جليس ، هي بنفسها لا تعلم كم مضى من السنين وهي على هذا الحال ، تعبت من العد أو ربما أضاعت العدد الذي وصلت إليه لطوله ، كان من المفترض لها أن تموت منذ زمن ولكن لحادثة معينة حُرمت من ذلك ..
.
.
- صوفي تعالي معي سأريك ما أعددته لحفيدي بمناسبة عيد ميلاده العاشر ..
هذا ما نطقت به السيدة إيما مخاطبةً خادمتها الوفية ، لترافقها الأخرى وهي تصعد السلالم الخشبية بحيرة حتى وقفتا عند باب العلية ..
حينها انتابها القضول وهي ترى سيدتها قد أخرجت مفتاحاً من جيبها وهمت بفتح قفل الباب الذي لم ترى ما خلفه منذ مجيئها ..
حركت السيدة إيما الباب لينبثق ضوء ساطع أجبرها على أن تغمض عينها قليلاً وما إن عادت لفتحه حتى جفلت في مكانها من شدة الدهشة ..
نطقت السيدة إيما بإبتسامة وهي تتأمل ردة فعلها : تقدمي إلى هنا يا صوفي ..
بتردد وطأت بقدمها تلك الأعشاب الخضراء لتهب نسمة لطيفة داعبت خصلات شعرها الفاحم ، حتى الآن تكاد لا تصدق ما تراه عيناها ، أرض خضراء على مد البصر وزهور بأشكال وألوان متنوعة منتشرة في الأرجاء تُفقدك عقلك من شدة جمالها ، سماء زرقاء صافية تزينها قرص أصفر مضيء يبث ضوءه الدافئ في المكان وليس هذا هو المدهش ، بل توجد كائنات صغيرة تتطاير في المكان لا تعلم ماهيتها لكنها تنشر حولهم رذاذاً لماعاً يزيد من روعة المكان ..
أتاها صوت رقيق من الجهة اليسرى قريباً من أذنها : من أنت يا آنسة ؟؟
إلتفتت إلى حيث مصدر الصوت لتجد فتاة ضئيلة الحجم بأجنحة ملونة تقف على كتفها فما كان منها إلا أن صرخت بجزع وتتراجع للخلف بتلقائية لتتعثر بعدها وتسقط أرضاً ..
ضحكت حينها السيدة إيما واقتربت منها قائلاً : لا داعي للخوف يا صوفي هذه الكائنات ليست خطيرة أبداً بل لطيفة جداً ، ألا تظنين ذلك ؟؟
نطقت بصعوبة : لكن .... ماذا يكونون ... بالتحديد ؟؟
أخذت السيدة تفكر قليلاً قبل أن تجيب : يمكنك أن تسميهم بالجنيات ..
نهضت صوفي من الأرض بمساعدة من السيدة إيما ، لتقول بتساؤل : أخبريني سيدتي ما هذا المكان بالتحديد ؟؟ أنحن في علية منزلك حقاً ؟؟
- حتى أنا لا أعلم كيف أُنشئ هذا المكان بالتحديد ، لكن في هذا المكان بالتحديد قضيت الكثير من الأوقات السعيدة مع زوجي الراحل ، وبعد وفاته لم أجرؤ على الدخول إلى هنا مجدداً ، ولكن بما أن هذا آخر عيد ميلاد لجايدن يمكن أن أحضره فقد أردته أن يكون مميزاً ..
تمتمت صوفي بحزن : سيدة إيما أرجوك لا تقولي ذلك ، لن تحضري عيد ميلاد حفيدك وحسب بل حفيد حفيدك أيضاً كوني متفائلة ..
ابتسمت السيدة إيما بحزن : أنت تخدعين نفسك وحسب ، ألم تسمعي ما قاله الطبيب ؟؟ لم يتبقى على حياتي الكثير ، لذا أرجو منك أن تعتني بجايدن جيداً يا صوفي ..
امتلأ عيناها بالدموع وهي تهمس بصوت متحشرج : أعدك بأنني سأهتم به لا تقلقي ..
ابتسمت إيما بإطمئنان فيما بدأت الجنيات بالطيران حولهما ناثرين تلك الرذاذ اللماع عليهما محاولين إسعادهما ..
توجهت السيدة إيما نحو المقعد الخشبي المتحرك لتُريح فيه جسدها بعد أن أتعبها الوقوف ، بينما قررت صوفي إعداد بعض الشاي لها ..
غادرت صوفي المكان قليلاً لتعود بعدها وبيدها كأس الشاي الذي تفضله سيدتها ، حين عادت وجدتها مغمضة عينيها فظنت أنها قد غفت بينما كانت تنتظرها ، لذا أخذت تنادي بإسمها بكل لطف ولكن لم يكن هناك أي استجابة ، أسقطت الشاي الساخن على العشب وهي تحاول إيقاظها بيأس ..
جن جنونها وهي تراها ساكنة كما هي رغم أنها كانت تهزها بعنف ، جثت على ركتبيها بضعف حين أدركت أن السيدة إيما قد رحلت ، جفلت في مكانها وهي تسمع صوت أحدهم ينادي من الأسفل ، واستطاعت تمييز صاحب الصوت بسهولة تامة ، نعم إنه جايدن حفيد السيدة ..
أرادت أن تتحرك لكن قدماها كانتا ثقيلتين بشكل غريب ، لم تُرد أن يرى جايدن جدته بهذا الحال ، لكن ماذا يمكن أن تفعل وجسدها يرفض الإستجابة لها ؟؟
حين لم يجد جايدن أي رد بدأ يبحث في أرجاء المنزل وهو واثق أن جدته لا يمكنها الخروج من المنزل بسبب حالتها الصحية ، ولكن حين لم يجد أحداً قرر أن يصعد إلى العلية عله يراها رغم أنه يدرك أن إحتمالية إيجادها هناك ضئيلة بما أنه لم يسبق لأحد أن صعد إلى هناك ، لكن صوت بداخله كان يحثه على ذلك ..
حين صعد لم ينبهر بالمكان ولم يهتم بسبب وجود عالم كهذا في علية منزلهم ، مالفت إنتباهه هي جدته التي كانت تجلس بلا حراك على المقعد الخشبي وصوفي المنهارة بجوارها ..
اندفع نحوها بسرعة وقد تسابقت دموعه بالنزول ، تعثر بينما كان يركض لتسقط الحقيبة التي بظهره ويتبعثر جميع كتبه ، أمسك بقلم الرصاص وفتح أحد دفاتره وأخذ يكتب على أوراقها ويصرخ عاليا وقد بلل الدموع وجهه بالكامل : لا أريد شيئاً أريد فقط أن تعيش جدتي إلى الأبد ، لا أريد شيئاً أريد فقط أن تعيش جدتي إلى الأبد ..
( لا أريد شيئاً أريد فقط أن تعيش جدتي إلى الأبد )
تلك العبارة ملأت صفاحات كتبه ، ولم يتبقى ورقة إلا وقد نحت فيها تلك العبارة واختلطت بدموعه الساخنة ..
صرخاته المستمرة وتوسله قد وصل إلى مسامع السيدة إيما فما كان منها إلا أن استجابت له وبدأت بفتح جفونها ببطء قائلة بصوت حنون : هل عدت يا جايدن من المدرسة ؟؟ كل عام وأنت بخير يا صغيري ..
رفع رأسه بتفاجؤ وهو يراها تبتسم بدفئ بعد أن كانت جثة هامدة قبل ثوان ، ولكن سرعان ما تحولت دموعه التي ذرفها حزناً على موتها إلى دموع فرح بعودتها ..
المعجزات يمكن أن تتحقق أحياناً ، هذا ما تبادر إلى ذهن صوفي وهي ترى السيدة تحتضن حفيدها بحب ، ومضى ذلك اليوم بسعادة ..
مرت السنوات الواحدة تلو الأخرى والسيدة إيما موجودة معهم لتشاركهم أحزانهم وأفراحهم ، كبر جايدن الفتى الصغير ليغدو فتى مراهق وبعدها شاب بالغ إلى أن أصبح رجلاً كهلاً ولا زالت هي موجودة ..
اعتنت بأبنائه بعد ذلك وأبناء أبناءه ولكن مع مرور السنوات أصبحت مصدر رعب بالنسبة لهم ، فلا يمكن لبشري طبيعي أن يعيش كل هذه المدة ، حينها تم طردها من منزلهم فما كان منها إلا أن تعود إلى منزلها القديم وتقضي بقية حياتها في العلية ، ولكن حتى تلك الجنة الخضراء بدأت بالذبول والتلاشي فلم يتبقى شيء سوى الظلمة والوحدة ..
.
.
انفرجت شفاهها قليلاً لتنطق بهمس لا يكاد يُسمع : لا أستطيع أن أموت حتى لو حرمت نفسي الطعام والشراب والنوم لأنك تمنيت يا حوردان أن أبقى حية إلى الأبد ..
ثم عادت تتأمل الفراغ بضياع ..
|| تمت ||




اضافة رد مع اقتباس
لأني نشرتها من دون ما أراجع إلي كتبته







معظم كتاباتي لا تخلو من هذه الأجواء الكئيبة والمظلمة
؟؟

المفضلات