ابتسمت الفتاة لدى رؤيتها لوجه ألفريد العابس و عينيه نصف المغمضتين، كان واضح أنه في مزاج
عكر إذ أيقظه بوكسي من نومه باكراً ثم جاءه هذا الزائر غير المتوقع.
حيّته جين بنبرة مفعمة بالنشاط: صباح الخير.
مرر ألفريد يده على شعره الفاحم المبعثر و أطلق تنهيدة عابرة، و هو يحدق في وجهها ثم هتف: أنتِ؟
لم يتوقع أن زائره المزعج في هذا الوقت المبكر كان مجرد تلك الفتاة جين التي بدت مختلفة تماماً عن المرة الأولى التي رآها فيها.
فقد بدت أكثر أناقة و حيوية.
دعت جين نفسها للدخول بطريقة غير مباشرة عندما لاحظت تسمّر ألفريد بسؤالها: هل سأظل واقفة هنا؟
كمن لا حيلة له، فتح ألفريد الباب على مصراعيه و تقدمها إلى الداخل. ثم جلس مسنداً رأسه للخلف ، بينما جلست جين في الجهة المقابلة تتأمل فيما حولها.
وضعت يدها أسفل ذقنها و قالت و هي تنظر إليه: لم أتوقع أنك من النوع الكسول.
نظر إليها ألفريد من زاوية عينه و قال: عندما تأتين لزيارة أحدهم في هذا الوقت الباكر، عليكِ أن تخمني أنه كسول جداً.
أفلتت جين ضحكة و قالت بمرح: أنت ظريف حقاً.
رفع ألفريد أحد حاجبيه متعجباً، فمن المتوقع أن تصفه بالعجرفة لا بالظرافة. و عندما وقفت انتبه لباقة الورد التي كانت تحملها.
تابع بعينيه تحركها و هي تتقدم في اتجاهه و سأل: كيف استدليت على منزلي؟
ابتسمت و أجابت: من يسأل لا يضيع كما يُقال.
نظر إليها باستغراب عندما مدت له بالباقة و قالت: جئتُ لأشكرك على إنقاذي.
كان ذلك مربكاً، و لم يعرف ألفريد ما الذي أربكه، هل هو صوتها أم تصرفها؟!
ففي الواقع لم يسبق أن أهدى له أحدهم ورداً أو بالأصح لم يسمح هو لأحد أن يتجرأ ليفعل ذلك.
بعد تردد أخذ الورد على مضض و وضعه على الأريكة، و قال في حرج: ما كان من داعٍ لذلك.
يبدو أن شدة الحرج التي غلفت صوته جعلته شديد الانخفاض إذ أن جين لم تسمعه أو لعله بسبب انشغالها بملاحقة بوكسي الذي ولج إلى مجلسهما لتوه.
عندما رأى ألفريد ذلك حذرها: بوكسي ليس من النوع الذي ينسجم مع الغرباء...
لكنه بتر عبارته عندما استدارت و هي تحمل بوكسي الذي كانت تمسد على شعره الأبيض الناعم و هي تبتسم: اسمه بوكسي يا له من كلب رائع!
كان ألفريد يتساءل في أعماقه "ما الذي جعل بوكسي ينصاع هكذا؟!"
لكن جين قطعت حبل أفكاره عندما هتفت و هي تنظر إلى ذراعه: يا إلهي! أنت لم تعالج ذراعك حتى!
حاول ألفريد شد كم ردائه للأسفل ليغطي ما ظهر من جرحه الملتهب: سيندمل و يزول.
أدارت جين عينيها بعدم تصديق و قالت: لا بد أنه نتج عن احتكاك ذراعك بالأرض تلك الليلة، ليس من الجيد أن تهمله هكذا.
جلست إلى جواره و أمسكت بذراعه لتلقي نظرة على الجرح، ليبادرها ألفريد بنظرة انزعاج فهو ليس معتاد على تصرفاتٍ متطفلةٍ من هذا النوع؛ لذلك حاول سحب ذراعه بعيداً عن يدها إلا أنها شدت عليها بقبضتها و حدجته بنظرة حادة: لا تتصرف كالأطفال، لا تخف لن تؤلمك.
صرف ألفريد وجهه عنها بعد أن حدق في عينيها لوهلة و هو يشعر بلمساتها على ذراعه، حتى زفر بارتياح عندما حررتها أخيراً، لكنها قالت: يمكنني أن أعالج هذا. سأجلب العشبة و أعود.
وقفت على عجل، و هنا كان على ألفريد العابس أن يتدخل: و من قال أنني أريدك أن تعالجيه؟!
لم تمهل ألفريد وقتاً ليعترض أو يحتج إذ مضت في طريقها و هي تقول: و من قال أنني سألتك؟!
خرجت الفتاة كسحابة صيف مرت و زالت سريعاً. ألقى ألفريد بنفسه على الأريكة مندهشاً، لم يسبق أن عانده أحد و تصرف معه على هذا النحو.
******
لم يصب أحدهم اهتماماً من هذا النوع على ألفريد من قبل، لذا كانت مشاعره متضاربة بطريقة لم يستطع تفسيرها.
فرغم امتعاضه من تطفل جين إلا أن شيئاً ما في أعماقه كان يأبى عليه أن يعترض في وجهها.
شدت جين الرباط الأبيض حول ذراعه أخيراً، و هي تقول: يجب أن تحرص على تغييره يومياً أو سأهتم أنا بذلك.
كان ألفريد يلتزم الصمت كعادته في معظم الأوقات إلا أنه ما إن تتكون حوله تلك الفقاعة حتى تسارع جين بفقئها، كما هو الحال الآن عندما قطعت حبل أفكاره بسؤالها: لم تخبرني ألفريد ما الذي جاء بك إلى منزل الطبيب جورج تلك الليلة؟
راوغ ألفريد كما هو متوقع منه: كنت أوصل له بعض الأعشاب.
لفت جين خصلة من شعرها البني حول إصبعها ثم قالت متسائلة: لكنك اقتحمت منزله في غيابه؟
عقد ألفريد يديه على صدره و أجاب: أتعلمين أنهم صادقون؟
لم تفهم جين هذا التلميح فأومأت له في تساؤل و قد رفعت أحد حاجبيها، فأوضح لها: أولئك الذين قالوا أن الفتيات ثرثارات.
و عوضاً عن أن تغضب جين أو ترد عليه الصاع صاعين، ضحكت بشدة حتى جعل ضحكها ألفريد يبتسم.
***
حتى و إن لم يعترف ألفريد بحقيقة أنه بدأ يحب قضاء الوقت معها، و ينتظر أن تأتي لتضمد جرحه لا يمكن أن تنكر مشاعره خلاف ذلك؛
ففي اليوم الذي لم تأتِ بعد انتهاء مهمتها اليومية بدا عليه الانزعاج بدون سبب حتى أنه تجاهل محاولات بوكسي في لفت انتباهه و اللعب معه.
و قرر أخيراً أن يتوقف عن التفكير و يشغل نفسه بشيء آخر، لذا ذهب إلى العجوز روجر الذي كان في طريقه للخروج لشراء بعض الخضار التي تلزمه لإعداد طعام الغداء. رافقه ألفريد و بوكسي إلى سوق البلدة و بينما كان روجر يقوم باختيار الخضار شديدة النضج جداً، و التي من شدة نضجها توشك أن تفسد، تأمل فيه ألفريد و قال باستغراب متعجباً من هذا العجوز: ما نفع شراؤك لهذه الخضار؟ لِم لا تختر الأقل نضجاً حتى لا تكون أسرع في التعفن؟
تجاهل روجر كلام ألفريد في البداية، و لكن بعد بضع دقائق أجاب: سيأتي غيري ليختارها...
حمل حبة من الطماطم التي انتقاها و نظر إليها متابعاً: أما هذه شديدة النضج التي قضت أياماً أكثر من غيرها و تقدم بها العمر ستُنبذ و لن ينظر إليها أحد.
"غرابة أطوار روجر تجعل منه فيلسوفا حكيماً أحياناً، أتساءل إذا ما قابله أرسطو فما الذي سيقوله؟" كان هذا ما تمتم به ألفريد لنفسه و هو يسير إلى أحد المتاجر التي ركض في اتجاهها بوكسي.
و عندما وصل أخيراً إلى بوكسي الذي دخل إلى المتجر حمله بين ذراعيه موبخاً،
ثم اعتذر لصاحبة المحل تلك المرأة البدينة شقراء الشعر التي بدت غير مسرورة.
و قبل أن يخرج لفت سوار ذو أحجار ناعمة ملونة بألوان الطيف انتباه ألفريد، و ارتسمت فجأة صورة جين أمامه و هذا السوار حول معصمها. مشى عدة خطوات و أمسك بالسوار و هو يتحسس ملمسه، بغض النظر عما إذا كان سيمتلك الجرأة ليهديه لها فقد دفع للمرأة ثمنه و أخذه ثم خرج.
*********
عاد الجميع إلى منزل روجر الذي بدا في إعداد وجبة الغداء و كان مشغولاً في مطبخه، بينما اتكأ ألفريد على أحد الجدران هناك واضعاً يديه خلف رأسه، لتعود عجلة التفكير في جين للدوران في عقله و تعبث بمزاجه مجدداً.
كان روجر يراقب تصرفاته و هو يغسل الخضار، ثم و هو يقشرها و بينما كان يقطع الجزر رأى كيف زجر ألفريد بوكسي الذي كان يحاول جره للعب معه: بوكسي، دعني الآن لا أريد أن ألعب.
أخذ روجر الوعاء بما فيه من خضار مقطعة و اقترب من فرن الطهو و قال لألفريد و هو يضع الخضار في قدر الحساء الذي كان يغلي: من لم يأتِ إليك اذهب إليه.
حول ألفريد ناظريه عن بوكسي فجأة و التفت لروجر الذي لم يكن ينظر في اتجاهه: هل قلتَ شيئاً؟
- أخالك سمعت ما قلتُه.
وقف ألفريد بالقرب من روجر الذي كان يتذوق الحساء بعد تحريكه و قال له: ما الذي تعنيه؟
استطاع ألفريد أن يرى مقدمة أسنان روجر الذي بذل جهداً ليخفي ابتسامته؛ و هذا يعتبر حدثا عظيماً فليس من السهل أن يبتسم هذا العجوز أو يضحك.
ثم أوجز روجر: طبيبتك الشابة، أرى أن تذهب إليها لتتأكد من أنك...أعني ذراعك بخير.
*******
في تلك الليلة لم ينم ألفريد؛ كان يتأمل في السقف تارة و تارة في السوار الذي يمسكه، تتأرجح أفكاره بين رغباته و ما قاله روجر و بين نفسه كألفريد عديم المبالاة. لماذا تنتابه هذه المشاعر؟ كيف استطاعت إحراز تغيير فيه بهذه السرعة؟!
لم يتوقع أبدأ أن يرى جين في مساء اليوم التالي عندما كان عائداً إلى منزله برفقة بوكسي. كانت تقف أمام باب المنزل عندما لمحته فأسرعت في اتجاهه قائلة: أنت لم تكن في المنزل إذن، طرقت الباب عدة مرات؛ ظننتُ أنك كنت نائماً.
هز ألفريد كتفيه و قال باستخفاف: و من ذا الذي ينام في مثل هذا الوقت المبكر؟
انحنت جين لمستوى بوكسي لتحييه على طريقتها بينما كان ألفريد ينظر إليها و يتأمل هيئتها،
تصفيفة شعرها بذيل الحصان تلك مع فستانها الملون سيضفي السوار عليها لمسة جميلة بلا ريب.
أخرجته من معمعة أفكاره عندما وقفت و قالت: آه صحيح لقد جئتُ لأطلب منك خدمة.
رفع حاجبه متسائلاً و قال: إذن ادخلي لنتحدث.
- لا أنا على عجلة من أمري.
- إذن ما هو طلبك؟
ترددت جين و بدا أنها تشعر بالحرج إذ تحول خداها إلى اللون القرمزي فجأة و قالت بعد همهمة: العجوز روجر ينحت على الخشب صحيح؟
أومأ ألفريد بدون أن يقول شيئاً فاستدركت جين: لدي أحد الأصدقاء الذي يهمني أمره كثيراً و هو يعشق الخيول...
شيء ما في أعماق ألفريد تهشم أو اعتصر لكنه تظاهر بعدم الاكتراث، و أجابها بنبرة تخلو من أي تعبير: تريدين مني أن أطلب منه أن ينحت لصديقك فرساً؟
هزت جين رأسها بخجل، ثم أضافت: أردت أن أهديه شيئاً مميزاً يوحي له بمدى اهتمامي به. لأنه من يجعل حياتي أجمل...
لم يشأ ألفريد أن تسترسل جين في الحديث الذي بدا له سقيماً، فقطع حديثها ببرود: حسناً سأخبره.
ابتهجت الفتاة و شع البريق في وجهها: شكراً لك ألفريد.
أومأ لها و حث بوكسي على الدخول عندما استدركت جين و نادته: هيه ألفريد كيف صار ذراعك؟
لم يلتفت ألفريد خلفه متظاهراً بأنه لم يسمع، ففي اللحظة التي ظن أنه سيدخل عالماً جديداً أكثر إشراقاً،
يختلف عن عالمه الكئيب الخالي من الألوان، وجد نفسه يُركل ليزج به في سجنه، و كأنه دون الناس جميعاً عليه أن يصبح عديم المشاعر.
أوصد الباب و أخرج السوار من جيبه ليقطع الحبل الذي يجمع تلك الحبات،
فانفرط و تناثرت حباته على الأرض محدثة صوتاً رناناً يشبه في حدته، حدة الوجع الذي تلقف ألفريد تلك الليلة.
تمت




اضافة رد مع اقتباس

... لي عودة في أقرب فرصة ..
. .
.. 









المفضلات