الصفحة رقم 1 من 5 123 ... الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 1 الى 20 من 96
  1. #1

    عُقدة قديمة - Old knot



    Old Knot
    plrx8G


    - لماذا يجب علي أن أكون مختلفة؟!، لمَ لا أكون عادية وحسب، مثلاً عابرة سبيل؟
    - منذ اللحظة التي ولدتِ فيها لم يكن لكِ الخيار أبداً أن تكوني عادية، علامة التفرد دائماً ملتصقة بكِ لما أنتِ عليهِ الآن، وهو مايجعلك
    قيمة عند البعض كما أن خياراتكِ ضئيلة جداً!

    ***

    أجل، كل شيءٍّ كان مقدراً...
    منذ اللحظة التي ولدتُ فيها كان عليَّ أن أجابه هذا الواقع بصلابة، وذكاء، وصبر.
    مادمت لم امتلك القدرة على تغييره، فعليَّ أن أحسن التعامل معه...
    أظنّه قد أدركَ هذا الأمر أيضاً، ذاك الشخص الذي شاركني القدرَ نفسه
    .
    .
    .



    يتبـع .................






  2. ...

  3. #2
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بضغطة زر اعتمدت الموضوع، أشعر بأنني لستُ في وعيي خخخ
    لربما أبدوا مبالغة بعض الشيء em_1f605 ولكن لعلَني أعاني من فوبيا نشر قصصي
    لدي
    الكثير
    من
    القصص !!!
    التي هيَ بحاجة إلى أن ترى النور، لكنِّي لم أهتم لأيِّ منها كما أهتم لهذه الرواية، التي غصت فيها بكل جوارحي...
    استغرقت ثلاث سنين اكتبها، صفحاتها تجاوزت الـ ثلاث مائة صفحة، ولم أنتهي منها بعد...
    وقتي ثمين، لهذا سأتباطأ قليلاً بتنزيل البارتات، قد لا يتسنى لي وقتُ كافٍ لأكتب التكملة
    ولهذا سأخصص يوماً واحداً من كلِّ أسبوع لأضع جزءاً جديداً، احتاج لتنظيم وقتي وأن أكون حازمة جداً! فوقتي يمضي وهو ثمين جداً
    شعرت اليوم بخيبة بأنني لربما لن أتمكن من إنهاءِ هذه القصة مالم يكن خلفي من يحفزني، أحتاج لدعمكم وتشجيعكم

    يوم الجمعة بإذن الله سيكون اليوم المخصص لوضع الأجزاء، أما الجزء الأول فسأضعه في الغد بإذن الله
    لا أدري لماذا ينتابني شعور بأنني سـ أتفشَّل خخخخ
    دمتم بخير e32d

  4. #3
    يا بنت حمستني جدا
    اسرعي اسرعي
    اللّهُمََّ ارفَعْ الغُمََّه عَنْ هذِه الأمّه

  5. #4
    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    أهلاً بكِ آنسة ϐеℓℓе, همم بييلي صحيح؟
    كيف حالكِ ؟ أتمنى أن تكوني بخير

    مقدمة مثيرة للفضول حقاً
    لقد أحسستُ بحماسٍ لقراءة أول فصولها
    لأعرف ماهيتها وما إلى ذلك
    ويبدو لي أنها ستكون في غاية الروعة
    فالمقدمة بحد ذاتها جميلة
    كلماتكِ بسيطة وخفيفة, وغامضة أيضاً

    اعذريني على بساطة الرد
    لكنني سأنتظر لأقرأ فصلكِ الأول ثم سأعود بردٍ أطول بالتأكيد

    أتمنى لكِ التوفيق عزيزتي
    سأكون متابعةً لكِ

    أختك: يومي 014
    في أمان الله
    اخر تعديل كان بواسطة » Yumiberry في يوم » 10-06-2015 عند الساعة » 07:29

  6. #5
    Šiļěnť Řoŝe - شكراً لكِ e106
    Yumiberry - وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    ينتهي بـ E في الكتابة ولكنه ينطق "بيل" وتعني الجميلة بالفرنسية
    أشكركِ كثيراً على حسن ظنك وأتمنى بأن يرقى الجزء الأول إلى مستوى توقعاتك e306
    ولا انتظر ردوداً طويلة أبداً جلَّ مايهمني هوَ أن تنال الرواية استحسانكم
    وأن تشعروا بها كما شعرت أنا أثناء كتابتها فهذا وحده كافٍ!

  7. #6
    الجزء: 1


    NwPlXq
    بدأ كلُّ شيء في القرن السابع عشر ميلادي، وتحديداً في بلاد سمِّيت آن تلك الحقبة ببلاد "السحرة ماغوس" أو "بلاد الظَّلمة" نظراً لما انتشر فيها من استخدامٍ للسِّحر والشعوذة ومنها الأسود الأشد خطورة.
    وُجدت وانتشرت مخلوقات شرسة بواسطة السحر أعدادها مهولة، طائشة مسعورة لا يسد جوعها سِوَى الدماء، تمَّ تجنيدها مؤخراً في – الوادي العظيم - والاستغناء عن البشر في الحرب.
    بذلك اصبحت بلاد "ماغوس" القوَّة المسيطرة بين البلدان ومن ثمَّ تمَّ تحريم تعليم السِّحر على العامة...
    جُمع جميع السحرة ليحصروا علمهم للحاكم والدولة فقط فيمَ نشروا أعداداً من المخلوقات المسحورة بين البلدان لن تهاجم أو تقتل إلا بإشارةٍ من دولة ماغوس التي كان من الواضح
    أن ارسالها لتلك المخلوقات ونشرها في العالم بأسره لم يكن سوى تهديداً للجميع من بدء أي حرب أو مخططات تؤذي الدولة. تمهيداً لحكمها للعالم.
    كلُّ شيءٍ كان يسير كما هوَ مخطط حتَّى جاء ذلك اليوم الذي وُلدت فيهِ الأميرة المسحورة "كاجال" الإبنة الثانية للحاكم "قوبرناذور" في ليلة توم مقمرة...


    .
    .
    .


    في ليلة اكتمل فيها قمري التوم، الذين كانا بدرين أرجوانيي اللون بدرجتين متفاوتتين عن بعضهما البعض، كان الحاكم "قوبرناذور" يسير
    متقدماً الحرس في طرق قلعته الضخمة بصورة عصبية بعض الشيء رغم تغليفه لملامح وجهه بالجمود، كانت الممرات ذات
    مساحة معقولة، الجدران والأرضية من أحجارٍ سوداء، تضيء الطرق مشاعل مثبَّتة في الجدران، الأرضية مغطاة بسجادٍ أزرق اللون مزيّن بنقوشٍ ذهبية أنيقة من عند الجانبين.
    أبعد الحاكم وشاحه عن صدره ليسدله على كتفيه العريضين، كان طويل القامة وعريض المنكبين، ببشرة مائلة للحمرة، شعره بني اللون مموَّج بعض الشيء يصل
    طوله إلى مستوى كتفيه، شاربيه خفيفين بعض الشيء وحاجباه عريضان، عيناه حادتا الشكل ويرسم على وجهه تعابير باردة، ما إن وقعت عيناه على إحدى الأبواب الخشبية
    والتي يقف أمامها بعض الخادمات حتّى احتدت نظراته مسرعاً من خطواته، انتبهت الخادمات له فافسحن الطريق باحترام.
    توقّف أمام الباب ليتأمله للحظات، أخذ نفساً دون أن يفتح فاهه بل كان يسلط نظراته للأمام بقوة، فتح الباب الذي أصدرَ صوتاً عالياً يفيد بدخوله فما كان للأطباء داخل الغرفة إلا أن
    فسحوا الطريق له هم الآخرون، تقدّم الحاكم مقترباً من تلك المرأة المنهكة على السرير والتي بدى على وجهها وجسمها المتعب آثار مرضٍ غريب، كانت ببشرة
    شاحبة تميل للإصفرار، شعرها ذهبي طويل تسرحه على شكل ظفيرة منسدلة على كتفها الأيمن، متوسطة الجمال بجسمٍ رشيق... فتحت عينيها الدامعتين إثر
    الإنهاك فحدّقت بالحاكم زوجها ثم همست بصوتٍ مبحوح حزين: قوبرناذور .
    جثَى على ركبته بينما امسك بيدها الذابلة فقبّلها بلطف، مسَح على شعرها بملامح صامتة ثم تركها ليقف محدقاً بالأطباء فقال: وأين الرضيعة؟!
    اومأ أحد الأطباء رأسه ثم أشار بيده ليتحدثوا في مكانٍ هادئ... فاتَّجهوا إلى غرفةٍ أخرى وتحديداً أمام سريرٍ خشبي صغير ترقد فيه المولودة ابنة الحاكم الثانية مغطَّاة بقماشٍ قطني أبيض، ابعد الطبيب القماش
    عن الرضيعة ليتفاجأ الحاكم بشدة بياضها المثير للرعب، كان بياضها ساطعاً وكأنها شعلة فضية، ذات شعرٍ حالكِ السوَاد وكثيف بعض الشيء، لم تكن نائمة أو تتصرف كأي مولودٍ حديث بل
    كانت تفتح عينيها ذات الرمشِ الكثيف على وسعها وتحدِّق بمن حولها بملامح هادئة، خديها مملتئان وعدسة عينيها شديدة السواد.
    رفع الطبيب بصره ليحدق بالحاكم قائلاً بريبة: لاشك وأن سحراً له علاقة في ذلك، رغم أنه ليس من اختصاصي ولكن أخشى بأن يكون أمرُ علاجها مستحيلاً...
    كان يقول ذلك بنبرة يائسة فيمَ كان الحاكم يحدِّق بتلك الرضيعة بشرود وجبينه يعرق توتراً هامساً في نفسه: "هل أخفق الأمر؟!"
    .
    .
    .

    الأمر لم يكن ليقف عند هذا الحد بالنسبة للحاكم الذي لم يتقبل لا هوَ ولا امرأته تلك الحقيقة المرّة... تلك الحقيقة التي كان تعريف كلِّ منهما لها يختلف عن الآخر...
    إيليقانسيا زوجة الحاكم وأم الإبنة المسحورة التي أسمتها "كاجال" فيمَ بعد، آمنت بأن أحدهم نصب سحراً لصغيرتها الأميرة بداعي الحقد والحسد وعلى هذا على صغيرتها أن تقاسي الآلام
    حتَّى يحين أجلها القريب، فيمَ كانت الحقيقة الأخرى لدى الحاكم قوبرناذور مختلفة تماماً... إذ في اليومِ الذي يليه استدعى الحاكم جميع السَّحرة ليجدوا حلّاً لحالة المولودة الغريبة، إذ قال مخاطباً إياهم
    بنبرة عصبية هامساً في تلك الغرفة الضيِّقة والتي يحرسها عدد شحيح من الحراس في الخارج: ظننت بأن ذلك السحر سيجعل وريثي للحكم هو الأقوى!!، لكن مالذي أراه؟!، إنها رضيعة أنثى!، وفوق هذا تحمل جلدة مشعة مقززة!.
    توتر السحرة الذين كانوا مشتركين في الأمر، فقال أحدهم بعد أن ضرب الحاكم الطاولة غاضباً "مالكم سكتم؟!"..: نبوءة رابيذو كانت كذبة.
    فتح رابيذو والذي كان من أحد نخبة السحرة عينيه بهدوء ليسلِّطها على الساحر الآخر... الذي التفت الحاكم إليه ليسأله بحدة: ماذا قلت ياسينيفال؟!.
    تابع الساحر سينيفال وهو يعقد حاجبيه مسلطاً نظراته على الساحر رابيذو: النبوءة كانت تنص على أن من سيرث حكمك شاب يحمل دماء العائلة المالكة!، وهذا لن يكون إلا إن كان ابنك بالدم، سيكون قوياً، ساحراً عجيباً بفضل سحر نُصب في طعام الملكة مستهدفاً الجنين... بهذا سيعتبر ولي العهد الأقوى في التاريخ كلِّه!.
    ثم تابع وهو يحرك رأسه نفياً: لا شيء من هذا تحقق.. بل ولدت أنثى، بجلدة مريبة، قصيرة الحياة وقد تفتقر لمهارة السحر أيضاً!.
    وجه نظراته للساحر رابيذو مجدداً ليكمل: الساحر رابيذو لم يخفق يوماً في نبوءةٍ ما... لهذا أرجح بأنه يكذب!، ولسببٍ ما سيطلعنا عليه بعد قليل...
    التفت الحاكم قوبرناذور ناحية الساحر رابيذوا فضاقت عيناه هامساً: رابيذو... ألديك ماتقوله؟!.
    فابتسم الساحر رابيذو ذو الأسنان المصفرَّة، ليجيب بصوتٍ حاد: السحر الذي خالط طعام الملكة مستقصداً الجنين سلاح ذو حدِّين، إن كان ذكراً نال ما سيناله من خير وفق نبوءتي.. وإن كانت أنثى ستكون نتائجه عكسية.
    بدى الجميع منصتين له فيمَ كان يحدِّق الحاكم به بشيءٍ من قلَّةِ الصبر، فتابع الأخير: من أعراضه للأنثى ضعف المقدرة على السير، وبشرتها المضيئة الغريبة بالإضافة إلى شدَّة سواد شعرها المنافي لجينات نسلها، كما أنه مع أربع سنين قادمة سيكون الوقت كافياً لموتها، ومع هذا... الوقت لا يزال مبكراً للحكم على نبوءتي بأنها مجرد كذبة أعلم بأن رقبتي ستقطع فوراً لسخافتها!.
    رفع سينيفال أحد حاجبيه بوجهٍ جامد فضح حسده، فيمَ قال الحاكم الذي ارخى حاجبيه بصورة أبدت القليل من الراحة لكلام الساحر رابيذو: اكمل.
    فازداد اتساع ابتسامة الساحر رابيذو وسط استياء الساحر سينيفال الذي أشاح وجهه، ليكمل الأول بنبرة هادئة: سنعقد حياتها بطفلٍ ذكر!.
    ضاقت عيني الحاكم وكأنه يطلب توضيحاً وسط دهشة بقية السحرة وكأنهم فهموا مايرمي إليه، فأجاب الساحر رابيذو من فوره ليشرح للحاكم: سنعقد روحها بروح شخصٍ ما!، بإعطاء جزء من دمائها الملكية له، وجزء من دماءِه لها!. بذلك ستكون حياتها مرهونةً بحياته، إن مات... ماتت هيَ، وإن ماتت هيَ لأي عارض، مات هوَ الآخر!.
    ملامح الصدمة كانت تعتلي وجه الساحر سينيفال هو الآخر والذي باتت أسنانه واضحة من فرط انفعاله وغضبه، خصوصاً عندما لاحظ أن كلامه أثار اهتمام الحاكم إذ انحنى بظهره للأمام، فقال بنبرة ملكية: وهل بالإمكان فعل هذا حقاً؟!.
    أجابه رابيذو: بالطبع!، كل ماعلينا فعله هوَ أن نجد شخصاً ملائماً لنتأكد من كونه صاحب النبوءة.
    الحاكم بحيرة وكأنه يطلب توضيحاً: ملائماً تقول؟!.
    الساحر رابيذو وهو يومئ برأسه: سليم البدن والعقل، ذكر صغير السن، و... محظوظ!.
    قال "محظوظ" بابتسامة غريبة أثارت انتباه الحاكم الذي هزَّ رأسه مستفسراً عن قصده، فما كان للساحر إلا أن يتفضَّل بالإجابة: شخصٌ لن يموت بالسهولة المتوقعة، بل سيكون الحظُّ حليفه دائماً لينجيه حتّى في أحلكِ المواقف.
    ارخى الحاكم ثقله على كرسيه الوثير، فقال: وكيف لنا أن نجد شخصاً بهذه الصفات؟!.
    ضحك الساحر رابيذو ضحكةً قصيرة وهو يتقدم بضع خطواتٍ بطيئة للأمام وسط تحديق الجميع به بارتياب، سكت قليلاً ثم رفع رأسه محدقاً بالحاكم بخبث... فقال: على سبيل المثال... يخرج من الوادي العظيم حياً!.
    عبث الحاكم بلحيته البنية وهو يرسم ابتسامة خبيثة على شفتيه وكأنه فهمَ فكرة الساحر رابيذو التي لمَّح لها، وبالفعل... بعد مضيِّ ثلاث سنين وتسعة أشهر تقريباً
    أمرَ الحاكم بجمع جميع الأطفال الذكور المتراوحة أعمارهم مابين الخامسة إلى التاسعة من أعمارهم، وفي ساحة القلعة الفسيحة يقف الأطفال الذي كان بعضهم مستنكراً والآخر خائفاً باكياً، أما أهالي الأطفال
    فتمَّ منعهم من الدخول بينما اعتقل من حاول التعدي على الحرس ومحاولة استرجاع أطفالهم، أو حتَّى قتلهم بقطع رؤوسهم أمام الملأ عضة وعبرة للجميع، في ذات الوقت
    تحدّثت الخادمات مع بعضهن البعض في ساحة القلعة إذ قالت إحداهن باستياء: سيتم رميهم في الوادي العظيم!.
    فقالت الأخرى: أحياناً لا استطيع تصديق مثل هذه القلوب المتحجرة!، الوادي العظيم هوَ موطن الوحوش المسحورة المجنَّدة للحرب، لمَ عليهم أن يفعلوا هذا بهم؟!
    أجابت الأولى بحيرة: ربما هيَ نبوءة ما بشأن الأولاد الذكور، وهم يحاولون إبادتهم بهذه الطريقة...
    تدخلت أخرى وفي عينيها دموع حارة: سمعت بأن للأمر علاقة بمرض الأميرة، هذا ظلم!، لمَ لا يتقبَّلوا مرضها وحسب؟! هذا هوَ قدرها!.
    قالت الأولى بحيرة: وما علاقة هذا بمرضها؟!، بل بالأحرى... هل الشائعة بخصوص مرضها صحيحة؟!.
    اومأت إحداهن رأسها لتجيب: أجل، كما أننا لم نستطع أن نرها منذ ولادتها، وهذا يثبت أن ثمةَ أمرٍ ما يمنعهم من إخراجها من البرج الغربي.
    ثم تابعت: ماسمعته هو أنه قد تمَّ نصب سحرٍ في طعامِ الملكة في شهور حملها الأولى مستهدفاً الأميرة في بطنها!.
    قالت أخرى مستغربة: أمتأكدة أنه يستهدف الأميرة؟!، ماذا لو كان منصوباً للملكة وأثر على الأميرة عن طريقِ الخطأ؟!
    ثم أخذن يتحدثن عن الموضوع باهتمام بينما كان أحد الأطفال والذي بدى في الثامنة من عمره يحدِّق بهن بهدوء، بدى وكأنه سمع جزء من محادثتهن إلا أنه لم يفهمها فعلاً، كان طفلاً ذو قامة
    تميل للطول بالنسبة لمن هم في مثل عمره، لم يكن هزيلاً ولا بديناً بل بدت عظام جسمه كبيرة بعض الشيء مما أعطى له حجماً متميزاً عن بقيَّةِ الأطفال، بشرته مائلة
    للبياض ذو شعرٍ أسود محلوق أي شعراتٍه المبعثرة كانت بطول مفصل الإصبع الواحد، حاجباه عريضان ونظراته حادة، التفت لأحد الأطفال الذي بدى
    أصغر منه سناً ويخاطبه قائلاً بارتباك: آري!، مالذي يحدث؟! لماذا لا يسمحون لآبائنا بالدخول؟!.
    بدت كلمة "آري" وكأنه اختصار لاسمه الحقيقي دليلٌ على أنه صديق مقرَّبٌ له... فأجابه آري وكان ذو صوتٍ طفوليٍّ مبحوح محدقاً بالخادمات: لا أدري، سمعتهن يتحدَّثن عن أميرةٍ مريضة أو ماشابه.
    حلَّ صمت بينهما فيمَ أخذ آري يتأمل الأطفال حوله والذين بدوا تائهين محتارين، حتّى وقعت عيناه على أحدهم فابتسم ملتفتاً إلى صديقه ليقول: انظر إلى ذاك الولد يابروبا، إنه يبكي!.
    قال "يبكي" بسخرية جعلت من بروبا يتصنع الشجاعة ليقول مجارياً آري: إنه مدلَّل!، مالذي يستدعي الخوف؟!، وفي الأصل إن حدث شيء لن أجعل الأمر يمرًّ بهذه السهولة.
    تقدّم بروبا ليقف أمام آري ليشرح له مستخدماً ذراعيه: إن حاولوا فعل أيَّ شيءٍ بي، سأسير من بين أقدامهم وانطلق هارباً بسرعة، وإن امسك بي أحدهم فسأعضه بقوّة حتّى ينزف دماً!.
    ثم ضحك بروبا رغم خوفه فقال: ماذا عنك يا آري؟!.
    فضحك آري مجيباً: سوف اركله هناك بالطبع!.
    وكأنه يقصد مكاناً حساساً فضحكا معاً بقوّة جذبت اهتمام بقية الأطفال ومن بينهم الخادمات اللاتي دمعت أعينهن بينما أخفى بعض الحرس وجوههم بقبعاتهم العسكرية من الأمام، لم يمضِ الكثير
    من الوقت حتّى ظهرَ الحاكم أعلى شرفةِ قلعته الضخمة محدقاً بالصغار بملامح جامدة لم تبدِ أيَّة شفقة، بجانبه ابنته الكبيرة "سيليان" والتي كانت تبلغ من العمر حينها
    ست سنوات، كانت تشبه والدتها كثيراً بالإضافة إلى برود وجمود ملامح والدها، حدَّقت بالأطفال بنظراتٍ مشمئزة ولم تلبث طويلاً حتّى دخلت القلعة متأوهةً بغرور.
    بجانب الحاكم كان يقف الساحر رابيذو الذي نصحه بجمع أولاد المدينة ورميهم في الوادي، استمرا بتأمل الأطفال لفترة تزيد عن دقيقتين، انتهى الأمر بإشارةٍ
    من الحاكم للحراس بيده أن يرسلوا الأطفال للوادي ويرموهم فيه، بينما قاموا بسحر جميع الأهالي وتخديرهم أخيراً ليعودوا لمنازلهم دون فوضى أكثر من التي أحدثوها طوال النهار.
    .
    .
    .


    [الوادي العظيم، شؤم الأميرة الصغيرة]

    "لم يكن الأمر مزحة" هذا ماهمس به آري فيمَ بينه وبين نفسه وهو يشاهد بقيَّة الأطفال يصارعون الموت أمام تلك المخلوقات المسعورة التي تم خلقها من العدم بواسطة سحرٍ محرَّم، كانت أحجامها خيالية، بعضها ذات جلودٍ دهنية والأخرى ذات فراءٍ متفاوت الألوان تتفق في كونها باهتة، لم تبدُ تلك الوحوش وكأنها تملك عقلاً
    بل تبحث عن الروائح الدخيلة وتهجم بشراسة عشوائيَّة محطِّمةً الصخور حولها حتّى لو عنى ذلك إحداث ضررٍ لجسمها الذي لا يشعر بالألم.
    كان الضجيج عالياً والرؤيا مضطربة في عيني آري، تارة يلتفت لليمين وتارة أخرى لليسار دون تفكير، أصوات صرخات الأطفال وخِوار الوحوش هو مايثير أذنيه، يشعر بيدين صغيرتين ملتفةُ بشدة حول
    ذراعه اليسرى كانت لبروبا الذي ينظر للخلف ويستمر بالصراخ فزعاً ووجهه مسودّ من هولِ ما يراه...

    قبل ذلك بعشر دقائق فقط:
    تمَّ جمع الأطفال أعلى وادٍ صخري، كان مسطحاً عريضاً لا يُرى آخره وعميق بشكلٍ يمكن رؤية قاعه الجاف، كانت الوحوش هادئة فيه ولكن ما إن قام أحد القادة في الحرس الملكي برمي
    أرنبٍ أبيضٍ فيه حتّى ثارت بشكلٍ مفاجئ متسابقة لالتهام ذلك الكائن الدخيل عليهم، كل هذا وسط حيرة الأطفال وبكاء بعضهم عدا آري الذي جلس على الجرف ليتمكن
    من رؤية الوحوش بشكلٍ أقرب مندهشاً وبروبا بجانبه يهمس قائلاً: يا إلهي...
    كانت الرياح قويِّة آنذاك وتعبث بوشاح القائد الذي كان لا يزال يتأمل الفوضى التي أحدثتها الوحوش ما إن قام برميِ الأرنب فيه.
    جذب اهتمام آري الذي تأوَّه بحيرة أمرُ القائد الذي وجّهه للحرس قائلاً بنبرة عالية: ألقوهم في الوادي!.
    فرسم ابتسامة في غير محلِّها على شفتيه وهو يفتح عينيه على وسعها محدقاً بالقائد مندهشاً وكان الأمر لبروبا الذي عقد حاجبيه محتاراً، همس الأول في نفسه "مزحة!" وهو ينظر إلى الحراس
    الذين أخذوا يركلون الأطفال واحداً تلوى الآخر في الوادي ملبين لأمره عدا واحد الذي بدى وكأنه لم يتحمَّل الأمر فصرخ موجهاً كلاماً يائساً للقائد الذي كان يسلِّط نظراته
    على الأطفال: رميهم فقط هوَ ماسيتكفَّل بقتلهم!، أليس الإمتحان الحقيقي هو عندما يجابهون تلك الوحوش؟!.
    في تلك اللحظات تقدَّم أحد الحرس من آري الجالس على الأرض، ثم رفع قدمه أمامه موجهاً إياها ناحية بطنه قاصداً دفعه إلا أن آري تدارك الوضع بإمساكه لقدم الحارس بشدة محاولاً
    دفعه للجهة المعاكسة ليحمي نفسه وسط صراخ بروبا الذي امسك بذراع آري موجهاً كلامه للحارس بارتعاب: كلا!، كلا!.
    بينما قال الحارس وجبينه يعرق محاولاً إبعاد يدي آري عنه: أيهالجرذ الصغير!، ابعد يدك عنِّي.
    تقدم القائد مقترباً من جهةِ آري، مجيباً ذلك الحارس الشاب بنظراتٍ باردة: هذا ليس مهماً...
    زكَّ الحارس الشاب على أسنانه وهو يتمتم: ماذا؟!
    بينما قام القائد بركل الحارس الذي يحاول دفع آري وبروبا بقوَّة مع ظهره كانت كفيلة لاسقاط الثلاثة معاً في الوادي وهو
    يكمل بصوتٍ عالٍ تسنى لآري المذهول أن يسمعه: المحظوظ فقط، هوَ من سيعيش.

  8. #7
    بعد رميِ جميع الأطفال مباشرة، وعلى نهاية الوادي حيث يوجد مخرج وحيد ببوابة حديدية ضخمة مغلقة بالكامل إلا من فتحة صغيرة يسمح لطفل واحد الخروج منها.
    أمام البوابة بمسافة وتحديداً على مدرجات صخرية يجلس الحاكم على كرسيٍّ ذهبي وبجانبه الساحر رابيذو منتظرين للطفل الأكثر حظّاً من بين بقيَّةِ الأطفال أن يدخل منه، أشار الحاكم بيده للساحر وكأنه يطلب منه أن يطلعه على آخر النتائج، فأجاب الساحر بنبرة محترمة: أجل ياسيدي، تمَّ رمي مئتي طفل في الوادي، مات 133 فور ارتطامهم بالأرضِ مباشرة، بينما مات 22 إثر التهام الوحوش لهم بعد عجزهم عن المشي بسبب الكسور والإصابات.
    ثم ابتسم مكملاً: تبقَّى 45 طفل على قيدِ الحياة ياسيدي!.
    همهم الحاكم مبتسماً باستغراب، ثم اكمل وهو يداعب لحيته: أكثر مما توقعت.

    وبعد ذلك بعشر دقائق في الوادي العظيم، مات اثنا عشر طفل آخر بينما أغشي على 5 منهم تمَّ التهامهم فيمَ بعد ذلك بفترة قصيرة جداً، تبقى 33 طفل
    من بينهم آري وبروبا الذين أخذا يركضان هرباً من بين الوحوش التي كانت تعترض طريقهم، كانت جثث الأطفال وأعضاء من أجسامهم تتطاير أمامهم بشكلٍ مرعب ناشرة
    الدماء في كلِّ بقعة، انقضَّ أحد الوحوش على آري الذي انبطح على الأرض لا إرادياً ليحمي نفسه فتجاوزه الوحش لينقضَّ على أحدِ
    الجثث التي تسبح في دمائها، فتح آري عينيه مندهشاً ثم نهض ليهرب وبروبا متعلق في يده كاتماً أنفاسه، التفت آري للوراء ليستنكر أن جميع الوحوش
    قد اتّجهت إلى تلك الجثة ليلتهموها متجاهلين وجود آري وبروبا، همس في نفسه وسط شحوب وجهه واصفرار لونه "لماذا... ؟!"

    أعاد آري النظر للأمام وكأنه يحاول عدم التفكير بالأمر أكثر بل الهرب وقطع أكبر مسافة ممكنة، كان في ذات الوقت يتلفت باحثاً عن مكانٍ يتمكن فيه
    من الإختباء حتّى وقعت عيناه على مالم يتوقع أن يراه مطلقاً، إنه جحر في الجدار، يبدو عميقاً ويسهل لمن هم في مثل حجمه دخولها، رسمت تعابير
    الأمل على وجهه إلا أن ذلك تلاشى بعد أن تبادر إلى مسامعه صرخة مختلفة لبروبا المتمسك به، فالتفت ناحيته ليتفاجأ بأحد
    الوحوش الصغيرة تقتلع ذراعه عن جسمه، اتسعت عيني آري رعباً وهو ينظر إلى تلك الدماء تنسكب على الأرض، بينما ظلَّ بروبا
    يصرخ بتعب صرخة مطولةً مغمضاً عينيه المليئة بالدموع: أمـــي...
    رغم فقدانه لذراعه إلا أنه حوَّط يده الأخرى حول ذراع آري الذي تدارك الوضع فامسك بيد بروبا المقطوعة ثم رماها بعيداً ليلحق بها الوحش
    فتبعته بقية الوحوش عدا البعض كادت أن تفتك بهما في اللحظة الأخيرة لولا أنه تمكن من دخول ذلك الجحر والغوص فيه بصحبة بروبا
    الذي أغشي عليه تماماً، أخذ آري يسحب بروبا ولم يلاحظ أن الدموع كانت تنهمر من عينيه بغزارة بل كان يحاول التركيز جاهداً ثم صرخ منادياً: بروبا!!.
    نظر إلى الفتحة في الجدار والتي كانت بعيدة نسبياً ومازالت أصوات بعض الأطفال الذين بقيوا على قيد الحياة تواصل إرعابه بصياحهم، باقي الوحوش
    كانت تحاول دخول الجحر فرائحة دماء بروبا تستثيرهم، أعاد آري النظر إلى بروبا ثم أخذ يضرب خدَّه بصوتٍ باكٍ مرتاب: بروبا!!، بروبا!!.
    أن أنيناً ذا صوتٍ غريب وكأن حلقه يتآكل من فرطِ الألم، ابتلع ريقه ثم أخذ يحاول إيقاظ بروبا الذي بات وكأنَّه جثَّة هامدة، وضع أذنيه بالقرب من صدره لعلَّه يستمع لنبض قلبه
    وكان ضعيفاً، اشتد خوف آري الذي قلّب نظراته في تلك الدماء التي تملأ ثيابه، فأنَّ مرتعباً وكأن لا حيلة له لانقاذه فأخذ
    يتمتم ويهمس دون شعورٍ منه: آوه لا... لا ماذا أفعل... بروبا!!.
    عضَّ على قميصه بشدة ليحاول إطفاء اللهيب والحسرة التي تشتعل في قلبه والدموع تنهال من عينيه المحمرتين، ثم شدَّ على قميص بروبا وهو
    يخفض رأسه على صدره وسط تعرّقه بخوف: أرجوك، أرجوك لا!!.
    امسك برأسه وهو ينظر إلى بروبا الذي بدأ لون وجهه يبهت شيئاً فشيئاُ، فقال بارتعاب: آوه لا لا لا!، يا إلهي لا!، بروبا!، بروبا أرجوك!..
    شهق مرتعباً عندما تبادر إلى مسامعه صوت وقع إحدى الصخور على الأرض إثر اصطدام الوحوش بالجحر بقوَّة، إنها مسألة وقت حتى تتمكن من فتحِ فتحة كبيرة
    في الجدار والدخول لالتهامهما، كانت الدماء إثر فقدان بروبا ليده كثيرة جداً وكفيلة لإثارتها لهذا الحد، لم يدرك آري أن صديقه الصغير يحتضر وماهي إلا
    لحظات حتّى يودع العالم بهذه الطريقة البشعة، نهض آري من محلِّه ثم أخذ يسحب بروبا ليتعمق في الجحر أكثر وهو يبكي بصوتٍ مسموع: تباً، تباً!!.
    ما إن غاص في الجحر أكثر حتّى جلس على الأرض منهكاً متنفساً بصعوبة وهو يقول مخاطباً بروبا ببكاء: ماذا أفعل؟!، لن نستطيع النجاة هكذا..
    زكَّ على أسنانه ليكمل بصوتٍ مسموع مرتعب ونبضات قلبه تزداد سرعة: إن لم أكن مخطئاً... بوابة الوادي العظيم هيَ المخرج الوحيد...
    ضاقت نظراته الدامعة بحزن موجهاً إياها ناحية بروبا بحسرة ليكمل: لكن لن استطيع حمله والهرب إلى هناك!
    امسك برأسه ليئنَّ محتاراً وسط ارتعاش جسده:ماذا افعل؟!... ماذا افعل؟!
    تبادر إلى ذاكرته صورة القائد الذي ألقى بهم في الجرف وآخر ماقاله من كلمات: " المحظوظ فقط، هوَ من سيعيش"، ففتح آري عينيه الدامعتين ثم سلَّطها
    على بروبها بحيرة، أو على دماء بروبا تحديداً...
    .
    .
    .


    مرَّت ساعة منذ أن تمَّ رمي الأطفال في الوادي العظيم، والحاكم لا يزال جالساً على كرسيِّه ينتظر، في حين قال الساحر رابِيذو
    بجانبه وهو يناوله كأساً مملوء بالخمر: دفعة الأطفال الثانية ستكون من قرية "بلافيا" في جنوب الدولة ياسيدي.
    ثم ابتسم مكملاً: أما فيمَ يخص أهالي الأطفال فتمَّت السيطرة عليهم جميعاً تحت سحرِ "البلادة" مؤقتاً، ولن يجرؤ أحدٌ فيمَ بعد على الاعتراض في ظلِّ انتشار الوحوش في المدينة.
    تجاهل الحاكم كلامه ليسأل: كم تبقَّى من طفلٍ حتَّى الآن؟!.
    أجاب الساحر وهو يحدِّق بالبوابة: الوحوش كانت سريعة في الالتهام وكما هوَ متوقع منها لم يبقى أثر لأي طفل، يصعب احصاء أعداد الأطفال الذين ماتو، بالتالي
    لايمكن معرفة من تبقَّى على قيدِ الحياة ولكن...
    أضاف مكملاً: ربما لم يكن الحظ حليف أحدٍ هذه المرَّة...
    نهض الحاكم من محلِّه ثم استدار مغادراً وسط إحاطة الحرس له باحترام، في حين كان يقول: المرَّة القادمة ستكون غداً، ابدأ بجمعِ الأطفال هذه الليلة.
    ما إن أراد الساحر رابِيذو أن يجيبه بـ "حاظر سيدي"، حتَّى تبادر إلى مسامعهم صوت صياحٍ عالٍ لمجموعة من الوحوش بدت وكأنها تقترب من البوابة على عجل، التفتوا
    فوراً للمكان فتفاجؤوا بالبوابة الحديدية تندفع محطَّمَة للأمام تسببت في مقتل وإصابة العديد من الحرس وسط دهشة الحاكم الذي أخذ ينظر
    إلى تلك الفوضى المفاجئة، فقال: مالذي يحدث؟!.
    تبادر إلى مسامع الجميع صرخة لصوتٍ طفولي مبحوح: من هنا!!.
    التفتوا إلى الطفل الذي كان آري وهو يرمي قطعة من قماش قميصه مبللة بالدماء ناحية الحاكم تحديداً وهو يتابع منفعلاً مخاطباً الوحوش بغضب: انقضّوا على هذا الوغد!!.
    لامست قطعة القماش وجه الحاكم الذي كان يحدِّق بآري الغاضب منصدماً، سقطت قطعة القماش على الأرض بينما طبعت الدماء على وجهه في اللحظة
    التي هجمت فيها الوحوش على الحاكم بسرعة خيالية بغيَّة قتله والساحر رابيذو يتمتم ببضعة كلماتٍ غريبة، نالت إحدى الوحوش من عين الحاكم
    إلا أن قواها خارت في الوقت نفسه وغطَّت في نومٍ عميق أثارت دهشة الجميع بما فيهم آري الذي كان قد فقد عينه هوَ الآخر وشقَّ فكُّه، كان يتنفس بصعوبة ملتفتاً
    ناحية الساحر هامساً بصوتٍ شبه مسموع: تدخَّل في اللحظة الأخيرة.
    انهار على الأرض فهرع مجموعة من الحرس لمساعدته على الجلوس، من بينهم كان - الحارس الشاب من على الجرف - ارخى رأس آري على ذراعه وهو يناديه بحزم: ياصبي.. تماسَك!.
    ثم تأوه مندهشاً عندما وجد أن آري كان يبتسم رغم الدماء التي تغطي وجهه، وهنا فتح آري عينيه المتعبة والمنهكة
    ليسلطها بسخرية على الحاكم قوبرناذور والذي كان يجثوا على ركبتيه ويداوي عينه المصابة، فقال: على الأقل، لم يصبح مافعلته بالمجان.
    تأوه الحاكم الذي كان يعرق من فرط الألم وهو يحدِّق بآري الذي كان يرمقه بحقد وسط ابتسامته الساخرة وفمه وفكه المملوئين
    بالدماء مكملاً: لن أكون الوحيد الذي خسرَ عينه هنا..
    اكمل آري وهو يرفع ذراعه المخدرة ليلحظوا أخيراً بأنه فقد يده من معصمها، آشار بها على رقبته طابعاً القليل من دمائها عليها مكملاً: المرَّة القادمة... هذه..
    ازداد تنفسه صعوبة فيمَ ضاقت عيناه بتعب: ستكون التاليـَ...
    لم يتسنى لآري أن يكمل وعيده بل تفاجؤوا به يفقد وعْيه منهكاً بتعب، فناداه الحارس الشاب منفعلاً: ياصبي! تمالك نفسك!.
    تقدَّم الساحر رابيذو مقترباً من آري ليحدق به بهدوء.. فهمس في نفسه "هل كان محظوظاً... أو ذكياً؟!"، التفت لقطعة القماش المرمية على
    الأرض ثم تابع الهمس في نفسه: "مزَّق قميصه لقطع ثم بللها بدمائِه عاقداً إياها على حجر ليسهل رميها لمسافات بعيدة"، أعاد النظر إلى آري الغائب عن الوعي مكملاً: "عرَف بأن الدماء تثير الوحوش بشكلٍ خاص فأخذ يرمي بها ليبعدها عنه ريثما يستطيع الوصول إلى هنا"، رفع أحد حاجبيه وكأنه تنبَّه إلى شيء وهو أن آري يرتدي قميصه بالفعل وأن جروح جسده حديثة دلالة على أنه استعان بثياب ودماءِ شخصٍ آخر...
    عرق رابيذوا بتوتر مبتسماً بارتياب لحظة اكتشافه لهذه النقطة: "ليس طفلاً عادياً!... إنه يخيفني..."
    نهضَ الحاكم من محلِّه وهو يرسم ابتسامة أخرى مشابهة للساحر وكأنه توصَّل لنفس النتيجة التي توصل إليها الآخر، ثم قال آمراً الحرس دون أن يبالي بعينه: احضروا الطفل للقلعة حالاً!.
    ثم نظر إلى الساحر رابِيذو مكملاً: أما أنت، فتعرف مايجب عليكَ فعله.
    اومأ الساحر رأسه مجيباً باحترام: أكيد سيدي!
    .
    .
    .

    تمَّ ربط حياة آري بالأميرة المسحورة "كاجال" كما هوَ مخطّط بأن قاموا بأخذ عيِّنة من دماءه وعيِّنة من دمائها وجعل الإثنين يشربانِ منها بعد أن تمَّ قراءة
    بعض التعاويذ السحرية عليها. تم التوصية بالاعتناء بآري والإهتمام به أشدَّ اهتمام كونه سيصبح مسؤولاً عن بلاد ماغوس لاحقاً كما تجري الخطَّة، إلا أن الأمر
    لم يسر كما هوَ متوقَّع، بعد ثلاثة أيام من رميه في الوادي العظيم أفاق آري أخيراً من غيبوبته ولكن بحالة غير طبيعية وقوَّة غير معقولة، هاجم جميع من وقف
    في طريقه وتسبّب بزهقِ سبعة أرواح خمسة منها لحرس واثنتين لخادمتين كانتا تحاولان تهدئته، لم يستطع أحد أن يقحم نفسه في الأمر بل انتشروا مفسحين له
    الطريق إلى خارج القلعة وهذا ماحصل، هرب في ذلك اليوم واختفى من بعدها لأكثر من خمسة عشرَ سنة كل ماهوَ معلومٌ عنه حينها أنه على قيدِ الحياة مادامت الأميرة كاجال حيَّة.

    وعلى العموم الأمور لم تكن طبيعية أيضاً حتّى عند الحاكم قوبرناذور، فبعد هروب طفل النبوءة "آري" كان عليه بالإضافة لنشر حرَّاسه والبحث عنه في كلِّ بقعة... أن أبقى على
    ابنته الأميرة "كاجال" حبيسة في البرجِ الغربي حرصاً عليها من أيِّ مكروه قد يصيبها فيؤذي بالتالي طفل النبوءة "آري" كان هذا أحدَ الأسباب...
    الرئيسي هوَ خوفاً من محاولة آري لخطفها إبقاءاً على حياته وأن لا يكون ألعوبة بيدِ أحد.. منهم الحاكم قوبرناذور الذي كان سبباً في قلب حياته رأساً على عقب.
    بذلك انتشرت شائعة في البلاط الملكي وبين الخدم والحرَّاس عن السبب الرئيسي لحبس الأميرة "كاجال" في البرجِ الغربي طوال حياتها منها أنها
    عنيفة، شرسة، ذات دمٍ بارد وغير سويَّة تعاني خلَلاً ما في عقلها استدعاهم إلى هذا الفعل الشنيع دون الحديث بشأنها أو التطرِّق لذكرها حتَّى...
    في ذات الوقت وتحديداً عندما أتمَّت الأميرة "كاجال" عامها السادس عشر، كانت في أعلى برج القلعة الغربي...بدت بعيدة كل البعد عن ماقيل عنها من شائعات بخصوص
    صحتها العقلية أو حتَّى عداوتها. . .



  9. #8
    انتهى الجزء الأول
    واعذروني على الإطالة عليكم خخخ
    لكن هذا الجزء عبارة عن مقدمة كاملة للقصة
    أحببت أن أنتهي منه وأن أشرع في البداية الرئيسية الأسبوع القادم بإذن الله

    شكراً لمن قرأ ولا تحرموني آرائكم e032

  10. #9
    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    مرحباً آنسة بيلْ, أعتذر لكوني أخطئت بقراءة اسمك المرة السابقة < يا لي من حمقاء
    cross-eyed


    حقيقةً, وعندما قرأتُ أول جزءٍ أرفقته لنا
    توقعتُ, بل أيقنت أن روايتك ستكون رائعة , بكُل ما تعنيه الكلمة
    لكن ما لم أتوقعه أيضاً أن تكون من النوع الذي أُفضله
    والذي -حقيقةً- أردتُ قراءته هذه الأيام
    لقد ذُهلتُ حقاً
    embarrassed


    أُحب هذا الجو المهيب من القصص
    عائلة ملكية, جشع ونفوذ , قتل ورُعب , لا رحمة
    لا أعلم هل أعدتِ كتابتها من جديد أم أنكِ تقومين بإعادة إنتاج وتعديل فحسب ؟
    ومن هنا لديّ سؤال, هل هي بالطول الذي ذكرته بالبداية حقاً ؟
    إن كانت كذلك, فإياكِ تركنا فجأةً دون إكمالها < صيغة تهديد دقيقة
    ogre


    فكرة القصة مُدهشة واندمجتُ مع الأحداث بسرعة
    كُنت أشعر بحماس مع كُل كلمة أقرأها
    knockedout

    وتصورت المشهد بشكلٍ انسيابي سهل, هذا دليلٌ على كون كتابتك مُتقنة يا عزيزتي
    لقد لفتِ انتباهي وجعلتِ الصورة واضحة فتيَّسر لي رسمها في مخيلتي
    بل رسَم نفسي داخل أجواء قصتك
    لذلك أُهنئكِ على هذا
    cheeky


    بداية مأساوية فعلاً, وأشفقتُ كثيراً على بروبا
    صحيحٌ أنني منذ البداية أحسستُ بأن آري سيكون الناجي الوحيد
    لكنني حزنتُ حقاً عندما وصلتُ للجزء الذي كاد فيه بروبا أن يموت
    لم يُذكر حقيقة إن كان قد مات أو لا, رُغم أنه كان على وشك أن يموت
    لا أعلم لما هناك برعم فضول صغير ينمو بداخلي حالياً تجاه ما حصل بالضبط بين آري وبروبا داخل تلك الفتحة
    لكن الواضح على كُل حال أنه لقيَ حتفه
    sleeping


    لسنا نعرفُ الكثير عن الأميرة من جِهة أخرى
    ولكنَ ما عاشته ليس بالأمر السهل إطلاقاً , كلاهما, كاجال وآري قد واجها طفولةً صعبة للغاية
    إنني أتحرق شوقاً للحظة التي يجتمعان فيها
    وما الذي سيحدث بعد ذلك اللقاء من أحداث
    والآن ما الذي سيجعلني أنتظر حتى الأسبوع المُقبل يا ترى ؟
    dead

    ما باليدِ حيلة ..

    وفقتِ عزيزتي
    سأنتظر الفصل القادم بفارغ الصبر
    أختكِ: يومي
    014


    في أمان الله
    اخر تعديل كان بواسطة » Yumiberry في يوم » 11-06-2015 عند الساعة » 14:58

  11. #10
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة Yumiberry مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    مرحباً آنسة بيلْ, أعتذر لكوني أخطئت بقراءة اسمك المرة السابقة < يا لي من حمقاء
    cross-eyed



    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    لا لستِ كذلك أبداً فهذا من الأخطاء الشائعة خخخخ


    حقيقةً, وعندما قرأتُ أول جزءٍ أرفقته لنا
    توقعتُ, بل أيقنت أن روايتك ستكون رائعة , بكُل ما تعنيه الكلمة
    لكن ما لم أتوقعه أيضاً أن تكون من النوع الذي أُفضله
    والذي -حقيقةً- أردتُ قراءته هذه الأيام
    لقد ذُهلتُ حقاً
    embarrassed


    مازلتُ أشكركِ على حسن ظنِّك، فكلامك كالبسلم يسعدني ويحفزني
    أحب هذا النوع من القصص أنا الأخرى كثيراً ولا أكف عن العودة إليه بجموح
    عندما أحاول التغيير والكتابة عن زمن أكثرَ حضارة.


    أُحب هذا الجو المهيب من القصص
    عائلة ملكية, جشع ونفوذ , قتل ورُعب , لا رحمة
    لا أعلم هل أعدتِ كتابتها من جديد أم أنكِ تقومين بإعادة إنتاج وتعديل فحسب ؟
    ومن هنا لديّ سؤال, هل هي بالطول الذي ذكرته بالبداية حقاً ؟
    إن كانت كذلك, فإياكِ تركنا فجأةً دون إكمالها < صيغة تهديد دقيقة
    ogre


    كلا لم أقم بكتابتها من جديد، ولم أقم بإعادة إنتاج سوى الترتيب البسيط الذي أضفته
    إذ أنني قمت بإعادة إنتاجه وتعديله مرات عديدة قبل أكثر من سنة خخخخ
    وهيَ فعلاً صفحاتها في برنامج الوورد تفوق الـ 300 صفحة ومع هذا لم أنتهي منها بعد بل
    لربما أنني سأضيف 300 صفحة أخرى em_1f605
    ولهذا لن ألوم أحد إن توقف عن القراءة في منتصف الطريق هههههه
    بإذن الله لا أنوي تركها أبداً فأنا كما ذكرت في بداية الموضوع وقتي مهم وأخشى
    أن يأتي الوقت الذي لن أتمكن فيه من الكتابة أبداً بتراكم الأعمال والمسؤوليات e406
    ولهذا علي بأن استغل وقتي جيِّداً واقتنص لحظات فراغي للكتابة.

    فكرة القصة مُدهشة واندمجتُ مع الأحداث بسرعة
    كُنت أشعر بحماس مع كُل كلمة أقرأها
    knockedout

    وتصورت المشهد بشكلٍ انسيابي سهل, هذا دليلٌ على كون كتابتك مُتقنة يا عزيزتي
    لقد لفتِ انتباهي وجعلتِ الصورة واضحة فتيَّسر لي رسمها في مخيلتي
    بل رسَم نفسي داخل أجواء قصتك
    لذلك أُهنئكِ على هذا
    cheeky


    أسعدكِ الله، فهذا فعلاً ما أتمناه فبعد أن قرأت الجزء الأول بعد طرحي إياه لا أدري لماذا
    شعرت بأن لا أحد قد يفهم ماكتبته!
    لكن كلامكِ أراحني كثيراً وأكرر كالبسلم فشكراً لكِ عزيزتي

    بداية مأساوية فعلاً, وأشفقتُ كثيراً على بروبا
    صحيحٌ أنني منذ البداية أحسستُ بأن آري سيكون الناجي الوحيد
    لكنني حزنتُ حقاً عندما وصلتُ للجزء الذي كاد فيه بروبا أن يموت
    لم يُذكر حقيقة إن كان قد مات أو لا, رُغم أنه كان على وشك أن يموت
    لا أعلم لما هناك برعم فضول صغير ينمو بداخلي حالياً تجاه ما حصل بالضبط بين آري وبروبا داخل تلك الفتحة
    لكن الواضح على كُل حال أنه لقيَ حتفه
    sleeping


    أجل بروبا قد لقيَ حتفه رغم أنني لم أصرح بهذا فعلاً، ولكن من مجرى الأحداث يتضح أن الوحيد
    الذي خرج من الوادي هوَ آري فقط، أما فيمَ جرى بينهما فربما سيتضح ذلك في أجزاء أخرى خخخ

    لسنا نعرفُ الكثير عن الأميرة من جِهة أخرى
    ولكنَ ما عاشته ليس بالأمر السهل إطلاقاً , كلاهما, كاجال وآري قد واجها طفولةً صعبة للغاية
    إنني أتحرق شوقاً للحظة التي يجتمعان فيها
    وما الذي سيحدث بعد ذلك اللقاء من أحداث
    والآن ما الذي سيجعلني أنتظر حتى الأسبوع المُقبل يا ترى ؟
    dead

    ما باليدِ حيلة ..

    وفقتِ عزيزتي
    سأنتظر الفصل القادم بفارغ الصبر
    أختكِ: يومي
    014


    في أمان الله
    حياكِ الله في أيِّ وقت
    e304
    شكراً لقرائتك وتعليقك أسعدتني أسعدكِ الله em_1f495

  12. #11
    أعتذر إلى كوني سانشغل للخمسة أيام القادمة. . .
    ويوم الجمعة بالذات سيكون مملوءاً بالأعمال، ولهذا ساضطر إلى إرفاقِ الجزء الثاني الآن
    والمعذرة على عدمِ الإلتزام e418

  13. #12

    الجزء: 2

    . . . في ذات الوقت وتحديداً عندما أتمَّت الأميرة "كاجال" عامها السادس عشر، كانت في أعلى برج القلعة الغربي...بدت بعيدة كل البعد عن ماقيل عنها من شائعات بخصوص صحتها العقلية أو حتَّى عداوتها، بل كانت هادئة بالكامل والإبتسامة اللا مبالية لا تغادر شفتيها، لم يبدُ وكأنها طلبت يوماً الخروج من البرج الغربي بل بدت وكأنها تتعمد الاستمتاع بالمكوث فيه، بدت فتاة يغلفها الغموض، صوتها شديد الثقة والهدوء، في نظراتها سخرية للواقع وللجميع بما فيهم أهلها، بشرتها ساطعة فعلاً كشعلةٍ بيضاء، شعرها حالك السواد كثيف وناعم يصل إلى نهاية خصرها النحيل، كانت جميلة ولكن بشكلٍ يثير الريبة وكأنها جنِّية وليست بشراً...


    تبادر إلى مسامعها صوت الحارس الذي قال بعد أن طرق باب غرفتها ومن ثم أدخل صحناً مستطيلاً من فتحةٍ أسفل الباب به بعض الطعام: تفضَّلي حصَّتكِ من الطعام، سمو الأميرة.
    ابتسمت وهي ترخي جفنيها فيمَ رفعت حاجبيها بهدوء ممسكةً بكتابٍ كبير قديم، فقالت: شكراً لك.
    أعادت الكتاب لمكتبتها المملوءة بالكتب المتراكمة بغير ترتيب نظراً لكون مساحة الغرفة غير كافية، ثم اقتربت من طعامها وهنا اتضح أنها تعاني عرجاً خفيفاً جعل من خطواتها ثقيلة وصعبة بعض الشيء، ومع هذا كانت تصلب ظهرها بالكامل وتنظر لهدفها بكبرياء، ما إن تناولت الصحن حتّى نادت الحارس: رابوكي...
    تأوه الحارس رابوكي، ثم التفت ناحية الباب قبل أن يغادر رافعاً كلا حاجبيه باستغراب، فقال: نعم سمو الأميرة.
    قطعت قطعة من رغيف الخبز الطري، ثم قالت وهي تغمسها في صحن الجبن السائل بجانبه: هل لكَ أن تخبر الطاهي أن يقدِّمَ لي حساء الخضار في المرَّة القادمة؟!.
    ابتسم مجيباً من فوره: حاضر سمو الأميرة.
    فأتاه صوتها مجدداً: وأيضاً رابوكي...
    رابوكي: نعم سمو الأميرة؟!
    كاجال: مرآة من فضلك، القديمة تحطّمت يومَ أمس..
    ضحك ضحكة خافتة ثم قال: لا بأس سمو الأميرة..
    كان يجيبها بذلك... بينما كانت تقوم بدهس قطعة الخبز باصبع يدها على الأرض، متأملةً منظرها وهي تتفتت بلا تعابير.
    .
    .
    .

    بعد ذلك بفترة وتحديداً في طرق القلعة الواسعة حيث تسير فيها الأميرة سيليان وبرفقتها مجموعة من الخدم، إنها على وشك أن تبلغ عامها التاسع عشر، شبهها بوالدتها قد ازداد كطول القامة والهيئة، ولون شعرها الذهبي المموَّج وكثافته الملفتة، بدت جذابة متوسطة الجمال، ملامح وجهها حادة وجامدة بعض الشيء تماماً كوالدها إلا أنها تقطب حاجبيها بغرور وتكبرٍ بالغ، ترتدي فستاناً أصفر اللون ممتلئ ومزين بالشرائط، وتهفًّ نفسها بمهفَّة بيضاء مخاطبةً الخادمات بأسلوبٍ حاد: أخبروا الطاهي أن يجعل من الكعكة كبيرة جداً ومميزة، ويزيِّنها بالشرائط والورود الحمراء التي اخترتها، لا أريد أيَّة أخطاءٍ مفهوم؟!.
    أجابتها الخادمات: أمركِ سمو الأميرة.
    ثم تابعت بنفس النبرة: الأمر ذاته للطاولات والكراسي، الورد المجفف الذي اخترته والشرائط والمناديل الورقية وحتى السجاد!، لن أغفر لأي خطأ فحفل ميلادي في الغد كما هوَ معلوم!.
    أجبنها مجدداً: حاضر سمو الأميرة.
    توقفت الأميرة سيليان عن السير فجأة وهي ترسم ملامح الاستغراب على وجهها بعد أن لمحت الحارس رابوكي يتَّجه إلى البوابة المؤدية لسلالم تقود للبرج الغربي حيث تقطن غرفةِ كاجال، مالفَتها بالضبط هوَ أن رابوكي كان يحمل صندوقاً أحمر اللون مزين بنقوشٍ ذهبية بحجمٍ متوسط، عقدت حاجبيها بعد ذلك وهي تقضم اصبعها الإبهام هامسةً في نفسها: "صندوق؟!... ماذا يوجد فيه؟!"... بدأت بعض الأفكار السلبية تتقافز في مخيلتها، فما كان منها إلا أن تصرخ بحدة للخدم قائلة: إلى متى ستتبعنني هكذا؟!، انصرفن حالاً!!.
    أثار صراخها المفاجئ ارتعاب الخادمات فانطلقن مبتعدات وهن يجبنها: المعذرة سمو الأميرة!.

    بعد ذلك بدقائق في البرج الغربي، طرَق الحارس رابوكي باب غرفةَ الأميرة كاجال حاملاً معه الصندوق الأحمر والذي يعتبر وعاءاً للمرآة التي طلبتها، أدخلها لها من فتحةِ الباب الصغيرة في الأسفل ثم تناولتها وهي تعيد صحن الطعام خالياً إليه دون أن تقول شيئاً.
    فتحت الصندوق فتفاجأت بشكلِ المرآة التي كانت بيضاوية الشكل وإيطارها من زجاج مزيَّن بلآلئ لامعة، ابتسمت معجبة بهدوء ثمَّ قامت بتمشيط شعرها بأصابع يدها النحيلة، بينما قال الحارس بعد فترة من الصمت وهو لا يزال جاثياً على ركبته وينظر لصحن الطعام الذي استلمه منها بشرودٍ خلف الباب: سمو الأميرة، منذ فترة وأنا أودُّ أن اسألكِ...
    همهمت كاجال له وكأنها تطلب منه أن يسأل بينما كانت تتأمل ملامح وجهها بلا تعابير معينة، فقال الآخر بعد أن عرق وجهه متوتراً: لا استطيع أن أصدق... أعني الشائعات بخصوص عداوتك مع أحد.
    انزلت المرآة وهي تنظر إلى الباب باستغراب، في حين تابع: من خلال حراستي لكِ، كنتِ دائماً هادئة، لم تطلبي الخروج من هنا قط، وطبيعية بالكامل!
    رفع رأسه محتاراً ليكمل متسائلاً: لماذا تمَّ حبسكِ هنا بالضبط؟!.
    ضحكت ضحكة خافتة ساخرة بعض الشيء وهي تتوجه إلى نافذة غرفتها، طلَّت من خلالها وهي تجيبه بنبرة مدعية: مالا أعلمه لا أعلمه... عشت هنا طوال حياتي، كيف لي أن أعلم بما تخبِّئه العائلة المالكة؟!.
    لاحظَ أنها قالت "العائلة المالكة" وكأنها تنفي أنها جزءٌ منها مما أثار ضيقه إلا أن ضحكتها لتتابع أثارت اهتمامه حيث قالت: رابوكي... ربما أكون هنا واقفة الآن، لكن قد لا أكون حيَّة في الأصل!.
    كانت تقول ذلك وهي تنظر لانعكاس وجهها في المرآة كهيكل عظمي مخيف وكأن لا جلد لها أو شعر، مسحت على زجاج المرآة براحة يدها ثم أضاءت بضوءٍ ليلكي غريب فوجّهتها للمدينة وهي تبتسم بغموض وصوت الحارس رابوكي يصلها قائلاً بجدية: كاجا... أقصد سمو الأميرة، يوماً ما... سأقوم بإخراجكِ من هنا حتماً!.
    وصلها صوت تأوِّه الحارس مرتعباً بعد أن سمعت صراخاً ما لامرأة قالت له بحدة: ماذا تفعل عندك؟!، اخرج من البرجِ حالاً!.
    التفتت كاجال إلى حيث الباب بهدوء بينما كان صوت الحارس يصلها قائلاً بارتباك: أ..أمرك سمو الأميرة.
    أصوات خطواته مغادراً اختلط مع صوت المفاتيح التي كانت تحاول الأميرة "سيليان" بها فتح الباب وهذا ماحصل، فتحت الباب وهي تسلِّطُ نظراتٍ حادة على كاجال التي ابتسمت ببرود رافعة كلا حاجبيها قائلة: من النادر أن تزورني الأخت الكبرى هنا...
    جلست على سريرها الخشبي وهي تتأمل مرآتها التي اختفى ذلك الاشعاع الغريب منها، بينما اكملت بهدوءها المعتاد: تصرفي وكأنكِ في غرفتك.
    لم تقل سيليان شيئاً بل أخذت تبحث بعينيها عن الصندوق الأحمر الذي جلبه رابوكي لها، وما إن وقعت عيناها عليه مفتوحاً على الأرض وخالياً، حتَّى قالت مخاطبةً كاجال وهي تكتِّف يديها: ماذا أحضر لكِ ذلك الحارس قبل قليل؟!.
    رفعت كاجال نظراتها إلى حيث أختها سيليان التي كانت تنظر إليها بأعصابٍ مشدودة، فابتسمت كاجال بهدوء مجيبة: وأنا التي ظننت بأن زيارتكِ لي أمرٌ غريب...
    ثم وجِّهت نظرها للمرآة مجدداً وهي تكمل: اطمئنِّي، طلبتُ هذه المرآة لا أكثر...
    لم تشعر سيليان وكأن كاجال كانت تكذب، بل صدَّقتها فوراً وهي تقول بنبرة تصنعت فيها الراحة: حسناً هذا بالفعل مطمئن!، خشيتُ أن تقوم تلك المرأة بارسال ثوبٍ شفقةُ بكِ لأجل حفلةِ الغد، إنها تتصرَّف بغرابة تقتلني هذه الأيام.
    كان من الواضح أنها تقصد الملكة السيدة "إيليقانسيا" والدتهما مما أثار استغراب كاجال بينما تابعت سيليان بنبرة أكثر سخرية: حفلُ ميلادي سيكون في الغد وسيتشرف بحضوره النبلاء من الدول المجاورة، وأصحاب الطبقات الراقية الذين لن يحصلَ لكِ في حياتكِ أبداً أن تلتقِ بأحدٍ منهم...
    ثم ضحكت بنبرة حقد دفينة: يجب أن تنعتي حظَّكِ التافِه الذي جعلكِ جزءاً من العائلة المالكة!، لو كنتُ مكانكِ لفضَّلت الانتحار وقتل نفسي هاهنا دون ندم.
    لم تبدِ كاجال أيَّ تفاعل سوى تحديقها بأختها بهدوء، التي كانت تكمل: أعني ألستُ محقَّة؟!، مالذي سيجعلكِ ترغبين في الحياة وأنتِ لم تعتبِ هذه الغرفة في حياتكِ قط، بالإضافة إلى شكلكِ المقزز المثير للخوف والهلع...
    حوَّطت خصرها بيديها ثم اقتربت من كاجال لتتابع مميلةً ظهرها للأمام: إظهاركِ للناس والعامة سيجلب لنا الخرافات والأقاويل والشائعات من الشعب – البسيط – القروي مما يمس سمعة العائلة المالكة...
    تابعت وهي تميل رأسها بابتسامة ماكرة: وتحديداً أبي الحاكم قوبرناذور ناهيكِ عن الشائعات المهولة التي حدثت بسببكِ حتَّى الآن!.
    قصدت بكلمة "بسيط" أنهم أناس جهلة يصدِّقون الخرافات والشائعات ويعملون بها مما قد يضرُّ حكم العائلة "آوبرلين" وهذا وارد جداً، استدارت سيليان ولم تكتفِ بما قالته بل أضافت وهي تتجه للباب قاصدةً مغادرة الغرفة: والآن عليَّ بأن انصرف وأشرف على تجهيزات حفلي الكبيـر.
    قالت "الكبير" بنبرة مغايرة تحاول بها إغاضة كاجال، إلا أنها توقفت عند الباب وعلى وجهها ملامح مرتابة عندما تبادر إلى مسامعها كلام كاجال التي كانت تنظر إلى مرآتها المضاءة بلونٍ ليلكيٍّ غريب: انصحكِ بأن تكوني حذرة أيضاً...
    حرَّكت سيليان بؤبؤي عينيها ناحية كاجال التي انعكس الضوء الليلكي على وجهها الساطع محدقةً بالمرآة: حدسي يخبرني أن شيئاً لا يحمد سيحدث في الغد... ربما سيكون من الأفضلِ أن تطلعي الحاكم قوبرناذور عن ذلك عاجلاً...
    كانت تقول ذلك وهي تنظر إلى مجموعة من الناس صورهم منعكسة في مرآتها يحملون أسلحة ومتفجرات في عربات، ويدخلونها خلسة للقلعة بتعاون بعض الحرس الخونة، بينما تتغير الصورة في المرآة إلى مجموعة من الناس ينقضًّون على الحرس ويأخذون ثيابهم بحذر.... التفتت سيليان إلى حيث أختها بنظراتٍ خائفة لم تستطع أن تخفيها وهي تحدِّق بكاجال التي كانت في مظهرٍ مخيف بالفعل خصوصاً بانعكاس ذلك الضوء من المرآة على ملامح وجهها الباسمة أظهرتها وكأنها جنيَّة داهية، فغادرت الأخيرة بخطواتٍ مسرعة دون أن تنبس ببنت بشفة بعد أن قامت بإغلاق الباب بالمفتاح.
    .
    .
    .


    حدس "كاجال" لم يخب، بل حدث ماتوقّعته أن يحدث بالضبط، نظراً لانشغال الحاكم قوبرناذور بحفل ميلاد ابنته، استغلت بعض الدول هذه الفرصة لإحداث انقلاب، وعلى رأسها الدولة المجاورة لبلاد ماغوس "ناتواليان" التي ارسلت جنودها خلسة للقلعة طوال الثلاث أيام الماضية بتعاون من بعض الحرس والقادة والسحرة أيضاً من بلاد "ماغوس" نفسها، أدخلوا المتفجرات ووزَّعوها في مقرِّ الحفل تحديداً الذي سيعجُّ بالحرس كمظهر من مظاهر البذخ، بالإضافة إلى الحاكم قوبرناذور وهو الهدف الأهم، أما بالنسبة لدولة "شيندوريا" فقد وزَّعت حرسها وجنودها في المدينة على شكل مدنيِّين بانتظار الفرصة المناسبة للهجوم، أما دولة "إنجوستيزيا" فقد حضر حاكمها السيد "سيريو" شخصياً بصحبة ابنه الشاب "روي" وفارس مقنع وبعض الحاشية كضيوف شرف لهدفٍ غير معلوم...
    في منتصف الظهيرة وبعد أن اجتمعت أهم الشخصيات المستهدفة، رفَع الحاكم قوبرناذور كأسه مخاطباً ابنته سيليان بابتسامة وزوجته " إيليقانسيا" بجانبه: عيد ميلادٍ سعيد يابنتي...
    فابتسمت بخجل مصطنع وهي تجيبه: شكراً لك يا أبي...
    ثم نظرت إلى ابن الحاكم سيريو الأمير "روي" الوسيم بنظرة حيوية فما كان منه إلا أن يبارك لها هوَ الآخر بلهجة رسمية محترمة: عيد ميلادٍ سعيد سمو الأميرة سيليان، تبدين أجمل في كلِّ مرَّة أراكِ فيها.
    أرادت أن تضحك باستحياء إلا أن صوت والدها وهو يشهق منصدماً جعلها تلتفت ناحيته باستغراب لتتفاجأ بسهمٍ حاد اخترق صدره فوقع على الأرض مغشياً عليه، تلا ذلك دوي انفجارات مدافع في أنحاء القلعة وساحة المدينة التي بدأت شيندوريا حركتها بالهجوم فيها هيَ الأخرى، كان الأمر مفاجئاً للجميع خصوصاً زوجة الحاكم " إيليقانسيا" وسيليان التي تشنجَّت ملامحها وهي تحدِّق بأبيها بغير تصديق، كانت تتذكر في ذات الوقت كلمات كاجال لها بالأمس عندما قالت: "انصحكِ بأن كوني حذرة أيضاً، حدسي يخبرني أن شيئاً لا يحمد سيحدث في الغد... " وصورة كاجال تتبادر إلى ذاكرتها عندما كان الضوء الليلكي من المرآة ينعكس على وجهها مبتسمة بصورة غامضة مريبة: "ربما سيكون من الأفضلِ أن تطلعي الحاكم قوبرناذور عن ذلك عاجلاً"
    انهارت على الأرض بجانب أمها وهي تمسك بأبيها مناديةً إياه بارتعاب: أبي...
    بينما صرخت " إيليقانسيا" بصوتها الضخم بعض الشيء والدموع تتجمع في عينيها: عزيزي!، عزيزي لا!.
    في ذات الوقت التفت "روي" ووجهه يعرق محتاراً لأبيه الحاكم "سيريو" الذي كان قصيراً بديناً وذا شاربين أنيقين مناسبة لشخصٍ فطِن، فأشار الحاكم سيريو بدوره للفارس المقنع بجانبه مستخدماً حاجبيه فاومأ رأسه الآخر لينسحب من بين الإزدحام بهدوء، غادر الحاكم سيريو بعد ذلك بصحبة ابنه روي القلعة بسرعة متجاهلين تلك الفوضى التي حدَثت بشكلٍ مفاجئ.

    يتبع...........

  14. #13
    في نفس الوقت وفي البرج الغربي تحديداً حيث كان بإمكان كاجال أن تستمع لأصوات الإنفجار وصراخ الناس وعزم الجنود بوضوح، كانت تقف أمام نافذتها وتحدق بالأدخنة والحطام هامسةً لنفسها بصوتٍ شبه مسموع: إنها ثورة...
    اتسعت عينيها باستغراب عندما تبادر إلى مسامعها صوت الباب وهو يفتح يتبعه صوتٌ لشخصٍ مألوف يناديها مرتعباً: سمو الأميرة، لنهرب من هنا حال...
    ثم التزم الصمت متفاجئاً وهو يتأملها لأول مرَّة بعد أن ولج إلى الغرفة مستعجلاً، لم يكن ذلك الشخص سوى الحارس رابوكي الذي يبدو بأنه وجد تلك الفوضى خارج القلعة فرصة لاخراج كاجال من هذا السجن الذي حبست فيه طوال حياتها، حملق فيها وفي شدَّة بياضها الساطع تحديداً بريبة جعلته يتوقع السبب الذي منع العائلة المالكة من الاعتراف بها وإظهارها للعامة، آنذاك كانت كاجال تحدِّق به بهدوء دون أن تنبس ببنت شفة بينما ابتلع ريقه محملقاً فيها بذهول دون أن ينتبه لتراجعه خطوة من الفزع، همس دون وعيٍ منه: أنتِ...
    فيمَ كانت كاجال تنظر إليه على ذاتِ الصورة، استنكرت أنه لم يطل النظر بل اغمض عينيه محركاً رأسه بنفي وكأنه يحاول أن لا يفكّر بشيء سوى انقاذها، اقترب مسرعاً منها ثم قام بتغطيتها بعباءة زيتية اللون على رأسها، ثم سحبها للخروج من معصم يدها لولا أن خانتها قدمها فوقعت أرضاً أثارت ارتعاب الأخير فقال: سمو الأميرة!، اعذري لي وقاحتي...
    قال الكلمة الأخيرة وهو يجثو على ركبته للاستسماح منها، إلا أنها ابتسمت باستخفاف له فقالت بنبرتها الهادئة المعتادة: لا داعي للفزع لهذه الدرجة يا رابوكي، يصعب السير على هذه الأقدام لا أكثر.
    لم يبدُ وكأنه ركّز جيِّداً بما قالته، بل أخذ يحدَّق بها مطولاً دون أن يشعر متعجباً، المسافة بين وجهيهما لا تكاد تذكر... كان سطوع بشرتها مثير للغرابة فعلاً وكأنها جنِّية وليست بشراً، بإمكانه ملاحظة جمال وجهها وحدَّته بالإضافة إلى شدَّة سواد بؤبؤ عينيها المخيفتين ورمشها الأسود الكثيف، للحظة انتبه لنفسه ثم قام بحملها بين ذراعيه وهي تنظر إليه مستغربة فيمَ قال: اعذريني سمو الأميرة، حتَّى أخرجكِ من هنا تحمَّلي.
    وبالفعل انطلق بسرعة وهو يحملها بين ذراعيه إلى خارج البرج، نزل من على السلالم بسرعة جعلت من كاجال تغمض عينيها دون أن تشعر، فتحتها بعد ذلك ببطء وهي تتأمل السلالم المؤدية للأسفل هامسةً في نفسها بقلق غريب: "أنا... أخرج من تلك الغرفة؟!"، وصل للباب الذي يفصل بين السلالم وممرات القصر، دفعه بقدمه فخرجَ منه أخيراً ليسلك أحد المنعطفات إلا أنه تفاجأ بالفارس المقنَّع يسرع من الجهةِ الأخرى ناحيته فهمس مرتاباً في نفسه وهو يواصل السير للأمام: "لم أرى هذا الشخص من قبل!، من تراه يكون؟!" تقاطعا الإثنان معاً كلُّ منهما اتجه للطريق المعاكس إلا أن المقنع حرَّك بصره لينظر إلى مايحمله رابوكي بين ذراعيه وتسنَّى له أن يرى كاجال نظراً لبياضها الملفت، توقف عن السير فوراً ثم صرخ مخاطباً رابوكي الذي توقَّف مباشرة بارتعاد: توقف مكانك!.
    ابتلع رابوكي ريقه فالتفت ناحية الفارس الذي أخذ يقترب منهما بهدوء: مالأمر؟!.
    قال الفارس وهو يسحب سيفه من غمده: اتركِ الفتاة...
    تأوَّه رابوكي مندهشاً في حين ابعدت كاجال جزء من الغطاء عن وجهها ليتسنى لها النظر إلى ذلك الفارس المجهول، كان طويل القامة ويرتدي درعاً حديدياً، يغطي كامل وجهه بقناع عدا عينيه الزرقاوين، وشاحه أبيض اللون يصل طوله إلى منتصف قدميه.
    أجابه رابوكي وهو يتراجع متصنعاً القوة: وإن رفضت؟!.
    أجاب الآخر بهدوء مثير للريبة: أنت لستَ مخيراً...
    خفق قلب رابوكي الذي تملكه الارتعاب والخوف، فاستدار مسرعاً قاصداً الهرب بينما نادته كاجال التي شعرت بخطورة الموقف: رابوكي انزلني!!.
    إلا أن نداءها له كان متأخراً، فهاهو السيف اخترق كتفه ورابوكي يفتح فاهه على وسعه من هولِ الألم، خارت قوَّاه على الفور فوقع أرضاً وكاجال بين ذراعيه... زحفت للخلف قليلاً ثم ربتت يديها على ظهر رابوكي وهي تناديه مندهشة: رابوكي!
    وصلها صوت الفارس الذي توقف على مقربةٍ منها قائلاً: لم اقتله، سيكون بخير طالما يتلقَّى العناية الملائمة، أما أنتِ...
    تابع بنبرة أكثر هدوءاً فيمَ كانت دماء رابوكي تسيل: فعليكِ المجيء معي...
    وجهت نظراتها الحادة ناحيته بهدوء دون أن تنبس ببنت بشفة، فرفع رأسه قليلاً كردة فعل طبيعية فضحت ارتيابه من هيئتها المخيفة ومع هذا لم يزح نظراته عنها، فارتخى حاجبي كاجال ببرود وهي تقول: لا أهتم إلى أين أذهب ومن سيقوم بأخذي، لكن... طالما ستعتنون بإصابة رابوكي جيِّداً، فسأكون متعاونة.
    ظلَّ هادئاً وهو يحدِّق بها دون أن ينطق بشيء وكذلك فعلت هيَ حتَّى ادخل سيفه في غمده وهو يجيب: سارسل شخصاً لأخذه عندما نصل للعربة.
    اقترب منها وهي تهمس بصوتٍ ثابت: يستحسنُ بك أن تفعل هذا حقاً.. إن لم تفعل...
    سكتت بحيرة عندما حمَلها بين ذراعيه وكأنه يعلم بشأن صعوبة سيرها، بالطبع هذا لم يغب عنها بل أدركت بأن أخذه لها ومعرفته بحالتها، أو حتَّى عدم تفاجؤه ببياضها الغريب... خلفه سرُّ ما.
    .
    .
    .

    كان الفارس على وعدِه، ما إن وصَلا للعربة - بفرسٍ خاص لحرس القلعة – التي كانت تنتظر عند حدود المدينة، حتَّى أمر أحد الرجال بالاعتناء بأمرٍ رابوكي محدِّداً مكانه وإصابته بالضبط، انزل كاجال من على الفرس ثم أمرها أن تصعد على متن العربة التي كانت ذات لونٍ فحمي داكن، فتَح قائد العربة الباب لها ولم تستنكر بأن في العربة رجلين، الأول كان الحاكم سيريو، والثاني ابنه الشاب روي الذي كان يبدوا في الثالثة والعشرين من عمره، كان أبيض البشرة بشعرٍ ذهبيٍّ مموَّج وأنفٍ عريض بعض الشيء زاد من وسامته، ابتسم الحاكم سيريو من فوره بينما ارتعب الآخر مندهشاً من شكلها الغريب، فقال الأول مرحباً: أهلاً بسمو الأميرة كاجال، أرجوا بأن "ووبريس" لم يكن عنيفاً معكِ.
    كان من الواضح بأنه يقصد ذلك الفارس المقنع، فهمست كاجال في نفسها "اسمه ووبريس إذن.." إلا أنها سرعان ما ابتسمت راخيةً جفني عينيها ببرود أثارت دهشة الإثنين: كلا على الإطلاق، لقد كان أميناً بما يكفي..
    امسكت بالكرسي لتساعد نفسها على الدخول قائلة: اسمحا لي...
    ثم جلست على الكرسي المقابل للحاكم سيريو وابنه ملتزمةً الهدوء أثارت بذلك حيرة الحاكم كثيراً، ولم يخفي هذا بل قال ووجهه يعرق مستغرباً بقلق: رغم أنني أعرف بشأن حبسكِ طيلة الـ 16 سنة من حياتك، وأدرك بأن حياةً كهذه لا تطاق وفرصة الخروج من هناك ليست سيِّئة أبداً إلا أنني...
    تابع مبتسماً بحيرة وهو يرفع أحد حاجبيه: لم أتوقع أن تكوني بهذا الهدوء واللا مبالاة، ألا ينبغي بكِ الخوف ولو قليلاً؟!.
    ابتسمت مجيبة وهي تضم مرآتها التي جلبتها معها لهذا المكان: لا تفهمني خطأ أيهالحاكم سيريو، بالطبع أنا خائفة، هذا ماسيشعر به الأشخاص الطبيعيون صحيح؟!.
    بدت وكأنها لا تعني ماتقول، برودها كان جلياً على تعابير وجهها الهادئ، كان مما استغربه الحاكم سيريو واستنكره أيضاً معرفتها لاسمه، بينما ظلَّ ابنه روي يحدِّق بها مندهشاً ومرتاباً ويغوص في كرسيه بغية خلق مسافة بينه وبينها... كانت تكمل وهي تسلِّط نظراتها على والده: لكن اظهار ذلك لن يفيدني لا أكثر، كما أنني على اتفاق مع ذلك المقنع بأن أتعاون معكم على أن يسعف رفيقاً لي.
    همهم دون اقتناع، ثم قال ليربكها: حقاً؟... لكن لم أتوقع أن تكوني عالمة باسمي أو بمن أكون!
    كانت تحدق به بهدوء وهو يتأمل نظراتها باحثاً عن أي ردة فعل ولو بسيطة، بينما كان يكمل مبتسماً متصنعاً الجهل: ظننت بأن مايدور في الخارج مغيَّباً عنك بالكامل طوال مكوثكِ في البرج!.
    رسمت ابتسامة مستخفة للحظات وكأنها فكرت بشيءٍ مضحك، فاحتدت نظراتها بشكلٍ بطيء لتقول بابتسامة خبيثة: هل يخيفك؟!
    شعر بالإضطراب والحذر وهو يمسك بغمد سيفه بملامح عصبية وكان هذا لروي أيضاً الذي حدَّق بها بحدة موجهاً خنجره بسرعة عجيبة عند عنقها كتهديد، حرَّكت بؤبؤي عينيها لتحدق بالخنجر لبعض الوقت، فهمست في نفسها وتلك الابتسامة الساخرة لاتزال على شفتيها :"تهديد بالقتل؟!.. بعد أن تمَّ أخذي بالقوة إلى هنا!" سلَّطت نظراتها المستخفة ناحية الشاب روي الذي فزع أكثر وهو يحدق بعينيها ذات البؤبؤ القاتم السواد، فهمست في نفسها بسخرية: "أتتوقع منِّي أن أصدق ذلك؟!" وبدت عينيها كأنها تنطقان بهذا وهي تحدق به... فتسنى له فهم ماتفكر به إلا أنه لم يحرك ساكناً بل ابتلع ريقه وهو يقطب حاجبيه متصنعاً القوة رغم ارتجاف يده.
    أراد الحاكم سيريو في تلك اللحظات أن ينطق وسط ارتيابه بحذر إلا أنه صمت مندهشاً عندما أطلقت كاجال ضحكة قصيرة بعفوية اربكتهما، فأضافت بعد ذلك بملامح أكثر ارتياحاً: إنك كثير الشك والخوف أيهالحاكم... اطمئن!، استفسرت من الفارس المقنع عن بعض الأمور قبل أن أصل إلى هنا، ومنها عرفت من ينتظرني في العربة.
    شعر بأنها صادقة فارتاح قليلاً، بينما تابعت مبتسمة وهي تحدق بعينيه مباشرة غير آبهةً بالخنجر قرب عنقها: بالإضافة... ربما كنتُ حتَّى هذا اليوم حبيسة البرج الغربي في القلعة، إلا أنني ملمَّة بالحقائق والأحداث خارجها أيضاً، لديَّ حارس يحدثني عن كلِّ شيء لهذا...
    قالت – حارس يحدثني- وهي تشدُّ على مرآتها السحرية وكأنها تقصدها بذلك إلا أن كلا الإثنين لم يفهما ماترمي إليه على ذلك النحو، فيمَ اكملت: لا تقلق نفسك بالأمور الصغيرة سيدي.
    ابعد روي خنجره عنها أخيراً بينما التزم الحاكم سيريو الهدوء وهو يرخي جسده المشدود للخلف، إلا أن كاجال باغتته بسؤال: بل الأهم من ذلك وماهوَ غريب فعلاً، أن تعرف حضرتك بحقيقة أمري، ظننت أن مايخص حقيقة الإبنة الثانية للحاكم قوبرناذور سرٌ لا يعرفه أحد.
    ابتسم رغم تعرق جبينه إثر ماتعرض له من توتر قبلَ لحظات، فأجاب مباشرة: هذا صحيح، يمكنكِ القول بأن لي مصادري الخاصة، هذا غير مهم... أنا أبحث عن شخصٍ ما.
    ضاقت عينيها باهتمام بينما تابع: وأنتِ الوسيلة التي ستأتي به إلي.
    كان كلامه واضحاً ومبهماً في ذاتِ الوقت، إذ ربما لديها فكرة عن هويَّةِ الشخص الذي يبحث عنه، إلا أنها لا تدري عن السبب الذي يدعوه إلى ذلك... لم يبدُ وكأنه يريد شرح الأمر أكثر حتَّى لو قامت بسؤاله هيَ، فالتزمت الصمت ومجموعة من الأسئلة تتقافز في عقلها باحثةً عن جواب. . .

    أخذوها بعد ذلك إلى بلاد "إنجوستيزيا"، عاشت هناك حياةً مختلفة بالكامل عمَّا كانت عليه في السابق، خُصِّصت لها مكتبة فيها أنواع مختلفة من الكتب التي تتحدث عن السحر بشكلٍ خاص تم تسريبها من مكتبة السحرة من بلاد "ماغوس" بعد الثورة، كانت ممنوعة بالفعل من مغادرة القصر ولكن كان لها أن تتمشى فيه بأكمله وفي حدائقه مما جعل الأمر أكثر من كافِ بالنسبة لكاجال التي أبدت ارتياحها، غرفتها كانت أكبر حجماً بتصميمٍ أنيق وذات شرفة مطلَّة على حدائق القصر، طعامها مختلف بل أصبحت تشارك الحاكم سيريو وابنه المائدة في كلِّ مرَّة بأمرٍ من الحاكم سيريو نفسه الذي أمرها بأن تعتبره كـ والدها.

    في الجانب الآخر قُتلت السيدة " إيليقانسيا" والدة كاجال، بينما اختفى الحاكم قوبرناذور دون أن يتأكدو من مقتله، الأمر نفسه للأميرة "سيليان" التي لم يُعرف ماحلَّ بها، تمَّت السيطرة على قلعة بلاد ماغوس من قِبل " ناتواليان" و"شيندوريا" اللاتي احتلتا وصف "الدولتين العظمى"، تحالفتا معاً لفترة زمنيَّة حتّى يتفقان على مصير بلاد ماغوس وتقسيم أراضيها بين حكمهما، أما بقيَّة السحرة فتمَّ شنقهم في ساحة بلاد ماغوس باستثناء ثلاثة كان من بينهم الساحر "رابيذو" إذ لم يوجد لهم أثر.

    مرَّ منذ ذلك الوقت ستَّة أشهر أعلنت فيها الدولتين العظمى الحرب والقتال على أراضي بلاد ماغوس إذ يبدو وكأنهما لم ترضيا بالعدل والقسيمة، نتيجة لهذا القرار تضرّرت بوابة الوادي العظيم، خرجت جميع المخلوقات ذات الأعداد المهولة منها وانتشرت في بلاد ماغوس إلى مابعد ذلك من دول فانسحبت الجيوش عائدةً إلى بلدانها على الفور، دفع الكثير ثمن حياتهم لهذا الأمر وهاجر الناس إلى مناطق آمنة تاركين بلاد ماغوس للوحوش لتتكاثر فيه، خمس سنوات مرَّت منذ ذلك اليوم أتمَّت فيها كاجال عامها الواحد والعشرون، بداية القصَّة.


  15. #14
    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    مرحباً آنسة بيلْ.
    كيف حالك؟ أتمنى أن تكوني بأفضل حال

    لقد دُهشت عندما وجدت الفصل الأول مُرفقاً وقرأته مباشرةً
    وها أنا ذا أتيت لأرفق ردي
    014

    كبداية, مُذهلة حقاً
    008
    فصل يتحدث عن بداية تحرّك الأميرة كاجال وكيف ستبدأ حكايتها
    هذا جميل فقد استطعتِ لفت الانتباه مُنذ البداية
    إذ أنني لم أشعر بأي ملل أثناء القراءة
    classic
    شخصية كاجال مميزة, لقد أعجبتني كثيراً. هادئة, ذكية ويُمكنها تمالك أعصابها
    020
    حسناً لم يحصل الشيء الكثير معها لحد الآن لكنني تصورت شخصيتها بشكلٍ جيد, ستكون رائعةً بلا شك
    لاحظت أنها لم تهتز حتى لما سيحصل لعائلتها, أو ما حصل بالفعل
    لابد أنها تعلم بالتأكيد
    أوه حسناً, لقد حُبست بسجنٍ طوال عمرها, ولا أعتقد أن أحدهم كان يزورها
    أهي بشعة وشريرة لهذا الحد ؟ أعتقد أن الشرير الحقيقي واضحٌ هنا
    tired .. تباً لهم

    أكاد أموت حماساً لأعرف شخصية آري أكثر
    041
    لابد أنه سيظهر في الفصل القادم
    همم شعرتُ بالحُزن تجاه ذلك الحارس الذي كان طيباً للغاية مع الأميرة
    لماذا لم يأتي معها؟ أو هل أتى فعلاً ؟
    جيدٌ أنها استطاعت الهرب من ذلك المكان الوحشي
    يستحق الملك ما حصل له
    لكن الملكة أيضاً
    hurt !
    وأتمنى أن تكون أختها ميتة! حقاً لم تعجبني هذه الفتاة
    أُمقت شخصيتها وبشدة
    tired !

    أعتقد أن الذي أنقذ كاجال يود البحث عن آري ؟
    لكن كيف له أن يعلم بأمره؟ إنه مجرد شك فحسب

    لديّ سؤال
    هل تستطيع الأميرة كاجال استخدام السحر ؟
    paranoid
    كُل ما أعرفه أنها تستطيع توقع ما سيجري مُسبقاً بواسطة المرآة, صحيح ؟
    أتمنى ظهور آري في الفصل القادم
    zlick

    نأتي لوصفك
    إنه رائع, حقاً رائع
    glasses
    لقد انسجمت بالقراءة كثيراً, وتصورت الأحداث بسهولة
    مفرداتك واستخدامك للصور البيانية مُتقن -ماشاء الله-! من غير الممكن لي أن أجد شيئاً بكتابتك
    لأنتقدكِ عليه
    embarrassed
    وُفقتِ عزيزتي , وأتمنى أن تستطيعي إكمال هذه الرواية
    > على الأقل أود معرفة النهاية
    020

    بالمناسبة
    سواءً أكانت حوالي 300 أو 600 صفحة
    فهذا لا يُهم شرَط ألا تُصبح الأحداث مملة أو أن تكون قد طالت بشكلٍ لا داعيَ له
    029
    أنا أحب الروايات الطويلة كثيراً
    وروايتك من نوعي المفضل لذلك سأستمتع بقراءتها حتى النهاية
    ما يشدني لقراءة روايتك هو أمران
    القصة وكتابتك الجميلة
    031
    أتمنى لكِ النجاح الدائم, وسأنتظر الفصل القادم على أحر من الجمر

    أختكِ: يومي
    014
    في أمان الله

  16. #15
    سيريو يبحث عن آري، لكن لمَ؟. القصة غامضة ومثيرة ورائعة، جذبتني من أول سطر. قد لا أعلق في كل جزء ينزل، لكن سأستمر في متابعتها. شكرا لمشاركتها معنا!
    اخر تعديل كان بواسطة » omnimar في يوم » 22-06-2015 عند الساعة » 22:48

  17. #16
    Yumiberry
    Road Camelot

    ردودكن أسعدتني حقاً !! e106
    ليس لدي متسع من الوقت لهذا سأكتفي بهذا القدر والجزء الثالث سينزل هذا اليوم إن شاءالله

  18. #17
    الجزء: 3
    سارت كاجال بين أشجار ورد الروز الأحمر في الحديقة التابعة لقصر الحاكم سيريو حاملةً كراساً صغيراً وفحماً للرسم، كانت قد وجدت لها هواية جديدة لم تكن تبرع فيها على الإطلاق بل كان رسمها أشبه برسم الأطفال مادون السادسة من أعمارهم، بدت أكثر طولاً وجمالاً عمَّا كانت عليه، بدلاً من تلك الثياب العادية فهاهي الآن ترتدي فستاناً أبيض اللون ومزيَّن بنقوشٍ ذهبية خفيفة من عندِ الأطراف، أكمامه طويلة ووسيعة عند نهايتها وتظهر جزء يسير من كتفيها، كان مزموماً من عند خاصرتها نوعاً ما، أما شعرها الحالك السواد فكان نصفه مرفوعاً بشريطة صفراء زادتها جمالاً، ملامح وجهها ازدادت حدَّة وشفتيها مطليَّة بمرطب شفاة وردي.
    ورغم جمالها المبهر إلا أنه لم يكن يُرى عند أحد أو هكذا ظنَّت، فهاهيَ صادت نظراتٍ لمجموعة من الحرس الذين كانوا يسترقون النظر إليها بين اللحظة والأخرى بريبة، وما إن نظرت إليهم بعفوية حتَّى انزلوا رؤوسهم مباشرة فيمَ انصرف البعض مفزوعين... لقد اعتادت هذه النظرات بالفعل، خلال هذه الخمس سنين أدركت كم هيَ مرعبة للآخرين، وكم هي مختلفة جداً، لربما هيَ ليست إنسانة بعد الآن... نظراتهم كانت تنطق بذلك ومافي قلوبهم أعظم وأمرّ، اشاحت كاجال ببصرها معاودة الرسم من جديد بنظراتٍ لا مبالية.


    في ذات الوقت كان يقف الحاكم سيريو في شرفةِ غرفته الفسيحة وبجانبه ابنه روي الذي كان قد ازداد عرض جسمه وبدا أكثر تعقلاً ورزانة، إنه الآن في الثامنة والعشرين من عمره، بلحية وشاربين خفيفين، أما شعره فقد ازداد طوله قليلاً ليصل لمستوى كتفيه، قال بضحك وهو ينظر إلى كاجال: إنها لا تستسلم، بل ترسم الأزهار مجدداً مع رداءةِ مهارتها!.
    أما الحاكم سيريو والذي بدأ الشيب يخالط شعره البني في حين تكفَّلت بعض التجاعيد بالعبث بوجهه، فقد ظلَّ ينظر إليها مبتسماً ابتسامة غير مريحة على شفتيه، ثم قال وهو على نفس الوضعية: كن حذراً ألَّا تتعلق بها ياروي.
    عرق روي بتوتر وهو يرفع كلا حاجبيه للأعلى قائلاً: أتعلق بها؟!، أنا؟!.
    أضاف والده وهو يتأملها بنظراتٍ زادت حدَّة ودهاء: لقد وجدنا ذلك الشخص أخيراً، إنها مسألة وقتٍ وحسب حتَّى يأتي ذلك اليوم المنتظر.
    ثم حوَّل نظراته لابنه روي الذي رسم ملامح الجدية على وجهه، فتابع الأول: تعرف ماقد ينتظرها إن لم يلبِّي ذلك الشخص مطالبنا ياروي.
    التزم روي الصمت والهدوء، بينما أعاد النظر إلى كاجال التي التفتت للخلف بعد أن اقترب منها الفارس "ووبريس" ممسكاً بقناعه بين ذراعه اليمنى، في ذلك الوقت كانت تقول كاجال مخاطبةً الفارس بنبرتها الهادئة المعتادة: ماذا أرى؟... من النادر أن تنزع القناع عنك!
    وكان رجلاً يبدو في الثلاثين من عمره، أبيض البشرة بشعرٍ ذهبي فاتح طويل يصل إلى مابعد كتفيه بمسافة تقدر بأربعة أصابع، عيناه حادتان زرقاوتا اللون وحاجباه عريضان بعض الشيء، أنفه طويل وعريض نوعاً ما ذو ملامح حادة وجامدة، قال متقدماً كاجال ليغادر: ليس بالضرورة أن يكون هنالك أمرٌ ما خلف ذلك.
    ثم توقف محدقاً بها بطرف عينيه بنبرة حادة: ومن الأفضل أن لا تتحدَّثي معي بهذه الودِّية.
    أشاحت وجهها عنه لتكمل الرسم متجاهلةً ماقاله وابتسامة استخفاف ارتسمت على شفتيها، بينما تابع وهو يعقد حاجبيه بحدة: أنا هنا للحراسةِ فقط.
    لم يبدُ وكأنها استمعت لما قاله مسبقاً بل بعد فترة بسيطة من الصمت قالت بصوتٍ عالٍ ليسمعها: لاحظت تشديدكم للحراسة علي مؤخراً، هل هناك شيءٌ ما سيحدث قريباً؟!.
    جلس على الأرض بينما رفع قدمه اليمنى مسنداً يده عليها ليجيب بهدوء: ليس هنالك شيء.
    كان من الواضح أنه يكذب رغم أنه قالها بصورة باردة وسريعة، لم يكن صعباً على كاجال أن تدرك هذا بل واصلت تصنعها للا مبالاتها عن طريق اكمالها لرسم تلك الورود التي بدت في صورة سيئة جداً، في ذات الوقت كان ووبريس يحدِّق بها بهدوء وبنظراتٍ ذات معنىً غريب، إذ ظلَّ يحدق بها لفترةٍ من الوقت ليعقد حاجبيه بعد ذلك باستياء شعرت بها كاجال وعندما التفتت ناحيته رافعةً حاجبيها باستغراب سرعان ما أشاح بنظره بعيداً مطبقاً على شفتيه بصمت.
    .
    .
    .

    على وقت الظهيرة في ذاتِ اليوم، استدعى الحاكم "سيريو" كاجال في مكتبة قصره، وهاهيَ كاجال تسير بعرج في طرق القصر الفسيحة والتي كان سجادها أحمر اللون مزين بنقوشٍ ذهبية، أمامها بمسافة بسيطة تتقدمها خادمة عجوز واحدة كانت قد تبرعت في أن تكون المسؤولة عن كاجال في حال احتاجت إلى أي خدمة، بالطبع دفع لها مقابل هذه المهمة فلا خادمة كانت لتقبل بمرافقة جنيَّة طوال اليوم، إذ أن الشائعات لم تنتهي بانتهاء ماغوس بل لحقت كاجال حتَّى وهي معززة كأميرة في قصر إنجوستيزيا... بل قيل أنها فتاة ملعونة، أو جنيَّة معاقبة من عالمِ الجن ارسلت إلى عالم البشر، وأن باستطاعتها قتل أي شخصٍ يزعجها بمجرد أن ترمش بعينيها، تحدثوا عن مدى بطشها وقسوة قلبها الذي لا يمتلك أحاسيساً أو مشاعر...
    كانت كاجال تسير محدقة بالأمام مباشرة بصمت وسط افساح الخادمات الطريق لها، لم يكن يخفى عليها ارتعاش أجاسدهن وأيديهن في حظورها.. بل إن كثير منهن تخطئ في تصرفاتها بوجود كاجال بالقرب، حوَّلت كاجال بصرها إلى تلك الخادمة العجوز التي كانت تتقدمها وتتلمس الأرض بعصيها الخشبية، أجل... كانت عمياء! "ومن تراها ستوافق على مرافقتي وهي مبصرة وبكامل قواها العقلية؟!" هذا ما خاطبت به كاجال نفسها بهدوء عندما توقفت أمام بوابة المكتبة الذهبية، فتح الحرس البوابة مباشرة فدخلت هيَ فيمَ تراجعت الخادمة للخلف معلنةً بذلك إنتهاء مهمتها.

    حوَّلت كاجال بصرها أرجاء تلك المكتبة الفسيحة والمملوءة بأنواع مختلفة من الكتب، سقفها عالٍ يتوسطه ثريا من ذهب كبيرة ومتلألئة، أظهر أن القصر عصري ويختلف نمطه عن قلعة ماغوس الحجرية.
    ثم ألقت نظراتها مباشرة إلى حيث يجلس الحاكم سيريو على كرسيٍ وثير وأمامه مكتبه فيمَ يقف الفارس ووبريس خلفه بمسافة بسيطة ووابنه روي على إحدى الكراسي المقابلة للمكتب، وأخيراً خادم واحد للضيافة.
    ابتسم الحاكم سيريو بتكلف ثم قال وهو يشير لها أن تجلس: تفضلي عزيزتي كاجال.
    وما إن قال لها ذلك حتَّى تابعت السير بعرج وهي تصلب ظهرها بكبرياء كما هوَ معتاد منها، ثم قالت وهي تجلس على الكرسي مبتسمة ابتسامة خالية من الروح: استدعيتني أيهالحاكم؟!.
    أجابها الحاكم ووبريس وسط صمت البقية: أجل فعلت.
    كان الفارس ووبريس وروي هادئان وبالطبع روي كان الملفت الوحيد هنا نظراً لحيويته المعتادة والتي ألفتها منه خلال السنين الخمس الماضية، ينظر للفراغ بشرود ويرسم تعابيراً جادة ومستاءة، كانت كاجال قد مرَّرَت بؤبؤي عينيها عليه لفترة من الوقت شعرت من بعد ذلك بأن الحاكم سيريو سيقول شيئاً ربما لن يكون جيِّداً جداً أو ... على الإطلاق!، فحولت بصرها للحاكم دون أن تبدِ أيَّة تعابير معينة منتظرةً منه أن يتحدث وهذا مافعله إذ قال بعد أن شبك يديه ببعض: عزيزتي كاجال، أخبرتكِ من قبل أن هدفي من احضاركِ معي للقصر هوَ العثور على شخصٍ ما، صحيح؟!.
    ابتسمت له بنظراتٍ خالية من الروح وهي تومئ برأسها، فشرد في عينيها المظلمتين للحظات، ثم اغمض عينيه ليتابع محاولاً اخفاء ارتباكه: الحقيقة...
    ثم أشار بيده مراراً لينتهي بقبض يده مكملاً: ...بأنني وجدت ذلك الشخص فعلاً!
    رفعت كلا حاجبيها بهدوء، بينما فتح الحاكم عينيه ليكمل: ولكنه عنيد بعض الشيء، ولا أظن بأنه سيأتي إلينا بهدوء وطواعية لهذا...
    اغمض عينيه مجدداً بابتسامة وهو يشبك يديه ببعض: سنعمل على عملِ تمثيلية وأريد أن أطلعكِ عليها كي لا تخافي وتعاونينا على انجازها.
    التزمت كاجال الصمت وهي تحدِّق بعينيه مباشرة ما أثار خيفته، وجه ووبريس نظراته لها بنوعٍ من الحذر فيمَ رمقها روي بضيق، وهنا قالت أخيراً مجاريةُ إياه: فهمت... تريد منِّي أن أكون طعماً له؟!.
    فانزل روي رأسه قليلاً بصمت بينما اومأ الحاكم سيريو رأسه بضحك قائلاً: إنكِ فطنة كما هوَ متوقَّع منكِ دائماً!، ارسلتُ برقية لذلك الشخص بأنني سأقوم بإلقائِكِ من أعلى قمّة في جبال "سودوس".
    ثم رفع اصبعه السبابة مستدركاً مايشير إليه: بالطبع هذا كلَّه ليس سوى تمثيلية ولن أجرؤ على أن الحق الأذى بكِ...
    ابتسم متصنعاً الحنية باسطاً يده على صدره موضع قلبه: فأنتِ في مقام ابنتي وأقلقُ عليكِ كروي تماماً!.
    لفتتها كلمة "قلق" التي قالها وهو ماجعلها تستلزم الهدوء بملامح جامدة لبعضٍ من الوقت أثارت بذلك جوَّاً متوتراً للثلاث الذين كانوا ينتظرون رداً منهاً بأعصابٍ مشدودة، ابتسم الحاكم سيريو بتوتر ليضحك بعد ذلك محاولاً تغيير ذلك الجو المزعج إلا أنه سكت مباشرة بتلهف عندما ابتسمت أخيراً ابتسامة دافئة ممتنَّة: هذا أكيد، شكراً لك أيهالحاكم.
    ثمَّ تعجَّل بتحريك اصبعه السبابة مجدداً بنفي وهو يضحك: اخبرتكِ مراراً أن تستبدلي الحاكم بـ "أبي" أولم أفعل!؟
    فاغمضت عينيها ضاحكة بلطف: اعذرني يا أبي.
    فزكَّ روي على أسنانه باستياء وسط عدم ملاحظة الجميع، بل إن الحاكم تابع متلهفاً: إذن سنتوجه إلى هناكَ في الغد، أريدكِ أن تكوني مستعدة ومتهيئة نفسياً... هذا كلُّ مافي الأمر.
    أسلوبه في ختم جملته تلك جعلتها تنهض من محلِّها وهي تقول مبتسمة: فهمت، سأكون مستعدة إذن... اسمح لي بالخروج، فما زلتُ أحاول تطوير مهارتي بالرسم.
    ضحك الحاكم سيريو ضحكة مصطنعة ليتبع ضحكته بقوله: لكِ مستقبلٌ واعد دون شك!، بامكانكِ الانصراف إن شئتِ.
    وبابتسامة رفعت ثوبها من كلا الجهتين وهي تميل برأسها قليلاً تحيةً له، ثم استدارت مغادرة لتَتَّجِه إلى غرفتها مباشرة... وعندما أٌغلِقَ الباب خلفها غاص الحاكم سيريو في كرسيه الوثير وهو يزفر ارتياحاً، فهمس بملامح خبيثة وجبينه يعرق توتراً: لا أفهم لماذا أشعر بأن أعصابي مشدودة كثيراً كلَّما تحدثت معها...
    وضع أصابع يده البدينة على عينه اليسرى الحادة متابعاً بتعب: عينيها قاتمة السواد.. كما لو أنها خالية من الروح.. مجرَّد النظر إليها يشعرني بأنني أغوص في متاهة لا مخرج منها..
    تابع بصوتٍ أكثر خفوتاً: يستحيل عليَّ فهم ماتفكر فيه، أو ما تشعر به...
    تابع بعد أن ضحك ضحكة قصيرة بتعب: لا أصدق بأنني استطعت أن أجاريها طوال الخمس سنين الماضية!، الأمر أشبه بالحلم في كلِّ مرة... كابوسٌ مزعج.
    اكمل بنبرة صوت أخف في ظلِّ هدوء المكان الذي غلب عليه أشعة الشمس الحمراء والتي توشك على الغروب: لا عجب أنني أتوق للاسترخاء في كلِّ مرَّة أخوض معها بالكلام...
    همس الخادم مميلاً ظهره للحاكم سيريو: أتريد منِّي أن أحضر لك شيئاً دافئاً؟!.
    فأجابه بالرفض مستعيناً بأصابع يده دون أن ينبس ببنت بشفة، بينما التفت روي لأبيه مستطرقاً بضيق موضوعاً مختلفاً تماماً: تناديكَ بـ "أبي"؟!، أليس هذا كثيراً نوعاً ما؟!
    التفت الحاكم سيريو ناحية روي فصرخ بانفعال مفاجئ: دائماً تركِّز على توافه الأمور!!، نحن نقترب من هدفنا أكثر وأنت تشطح عنه بأفكاركَ الطفولية، متى ستكبر يا روي؟!!.
    قال آخر كلمة بحدَّة أثارت عصبية روي الذي قال وهو يتجه للباب مغادراً: استأذنك الخروج.
    زكَّ الحاكم سيريو على أسنانه بعصبية عندما أغلق روي الباب بقوة فهمس: هذا الولد!.
    زفر متمالكاً أعصابه وهو يشبك يديه ببعض مجدداً، صمت لفترة، ثم خاطب الفارس محدقاً بالأمام معيداً استطراد نقطة الموضوع الأساسية: ستكون تمثيلية، قد يستسلم وهذا ما استبعده!، إن بدأ بفعلِ أيِّ شيء... اقتلها، ذلك الشخص سيشكِّل خطراً عظيماً علينا.
    أجابه الفارس ووبريس بهدوء: حاضر سيدي.
    صورته وهو يقول "حاضر سيدي" قد انعكست على مرآة كاجال السحرية التي كانت قد رأت مادار بينهما من حديث من بعدِ خروجها، بدت ملامحها آنذاك هادئة بشكلٍ أكثر من المعتاد، ضغطت على مرآتها بأصابعها دون أن تنبس ببنت بشفة، ثم تركتها على طاولتها لتغادر الغرفة بخطواتٍ صعبة بعض الشيء، توجَّهت بعد ذلك إلى مكتبتها الخاصة والتي طرق روي بابها بعد فترةٍ من الوقت ليلقِ نظرة على كاجال التي لم يبدُ وكأنها انتبهت فلم تعطِه الإذن بالدخول... إلا أنه دخل منادياً إياها بقلق: كاجال؟!.
    شهقت كاجال بنبرة خافتة متفاجئةً من دخوله، كانت تعطيه ظهرها في تلك اللحظات التي كان يقترب فيها منها وهو يقول بصوتٍ خافت: ذهبت إلى غرفتكِ ولم أجدك.. فخمنت أنني سأجدكِ هن...
    سكت عندما لاحظ أنها اسرعت بفعلِ شيءٍ ما في وجهها خيِّل له بأنها تمسح دموعها، لم تستدر بل قالت بصوتٍ ذا نبرة طبيعية فاتحةً كتاباً كان على الطاولةِ أمامها بارتباك وكأنها تفاجأت من قدومه للمكتبة: روي أهوَ أنت؟! هل تريد شيئاً؟!.
    شعر بالتوتر وهو ينظر إليها من الخلف إذ لم يخفى عليه ارتباكها رغم أن نغمة صوتها كانت عادية، تلك الفتاة المضيئة والتي ينعكس عليها أشعة الشمس الحمراء الموشكة على الغروب قد بدت على غير العادة لم تستدر ناحيته لتستقبله بابتسامتها اللا مبالية كما في كلِّ مرَّة...
    فاطرق رأسه هامساً في نفسه بحيرة وجبينه يعرق: "هل يعقل بأنها...؟!"، ثمَّ تذكَّر حديثاً كان قد جرى بينه وبين أبيه فيمَ مضى، قبل خمسِ سنين من الآن، عندما كان يقف أمام مكتب والده الذي قال ببروده وابتسامته المعتادة: "إنها مسألة وقتٍ وحسب حتَّى نجده، حتَّى ذلك الحين هيَ تمثيلية سنعيشها فلا تتعلّق بها ياروي، هيَ سلاحٌ ذو حدَّين، إما تتسبب بانتصارنا، أو هلاكنا جميعاً...".
    كان روي آنذاك يحدِّقُ بوالده راسماً ملامح جادة وحازمة على وجهه، في حين اكمل والده وهو ينظر إليه بطرف عينيه مبتسماً بخبث: "لكن لا تقلق، ما إن اشعر بتهديد فسأتصرَّف جيِّداً، بقتلِ تلك الفتاة..."

    ارخى روي رأسه بضيق بينما شعرت كاجال بهدوءِه فحرَّكت بؤبؤي عينيها الحادة ناحيته بحيرة وشكَّ محاولةً في ذاتِ الوقت اخفاء ذلك السيف الذي كانت تمسكه بإحدى يديها بينما تشغل الأخرى بالكتاب، فيمَ يطرق روي رأسه بشرود همس في نفسه بضيق: "أعترف... كنتُ عازماً على قتلك فيمَ مضى، ولكن الآن..." وهنا رفَع روي رأسه ناحيتها مقاطعاً حبل أفكاره ليقول وهو يعرق محتاراً: كاجال... هل يعقل أنَّكِ؟!.
    شدَّت من قبضتها على السيف وهي تلتفت بوجهها ناحيته متصنِّعةً الاستغراب والبراءة على وجهها، لتقول: أنِّي ماذا ياروي؟!.
    حدَّق بها مطوَّلاً بوجهٍ شاحب حزين وهو يفكر: "موتكِ هوَ آخر ما أتمنَّاه!" تعابير وجهه لم تخفى على كاجال التي عرقت بحيرة لتهمس باستغراب صادق: روي؟!.
    رسم ابتسامة كسيرة معاكسة لما يشعر بِه، فحرَّك يده علامة النفي مقترباً منها ليقول: كلا، لا شيء.
    شعرت بالارتباك عندما أخذ يسير مقترباً منها، ولأجل أن تخفي ذلك السيف استدارت مقابلةً روي بجسمها كاملاً تاركةً السيف ليقع خلفها على سجاد المكتبة في الوقت الذي تصنَّعت فيه ترنحها وضعفها على السير لتوقع ببعض الكتب على الأرض مخفيةً بذلك صوت ارتطام السيف فيها، إلا أنها تفاجأت بروي يهرع ليلتقطها من بين ذراعيها وهو يقول مرتعداً بخوف: انتبهي!!.
    قلقه أثار ارتباكها ولم تستطع أن تنهض بمفردها بل حدَّقت به مندهشة، بات وجهه شبه ملاصق لوجهها... فرسمت ضحكة في غيرِ محلِّها وهي تحدِّق به فاتحةً عينيها على وسعها باستغراب قائلة: هاها!!، تعثرت وحسب...
    ثم تلاشت ابتسامتها وهي تنظر إليه بدهشة نظراً لكونه لم يزح عينيه الحزينة عنها، بل يطبق على شفتيه محدقاً بها بنظراتٍ تحمل ألماً عميقاً وكلاماً كثيراً لم تفهمه... تملَّكتها الحيرة وهي ترد له النظرات المتسائلة حتَّى قطع ذلك الجو الغريب بمساعدته لها على النهوض فيم كانت لا تزال تلاحقه بنظراتها عاقدةً حاجبيها بحيرة فرسم ابتسامة هادئة على شفتيه أخيراً ليقول بنبرة خافتة: كوني حذرة... العثرات قد تودي بحياتِكِ أيضاً!.
    اغمضت عينيها مبتسمة بارتباك، فقالت: صحيح، سأكون حذرة.
    ثم استدار بجسمه مغادراً المكتبة بينما لاحقته بنظراتها الفاحصة والحائرة حتَّى اغلق الباب خلفه، وهنا امسكت بياقة قميصها ثم شدَّت من قبضتها عليها بشرود وهي تهمس في نفسها بقلق: "لم يرني صحيح؟!...لا السيف" ثم وجَّهت نظرها على الكتاب في الطاولة خلفها وهي تكمل همسها بعد أن لامست وجهها بأصابع يدها الدقيقة: " ولا مافعلتُه حينها".
    اطرقت رأسها وهي تعيد النظر إلى الباب محتارة: "ولكن تلك النظرات على وجهه... مالذي كان يفكر فيه؟!".


    يتبع.........
    اخر تعديل كان بواسطة » ϐеℓℓе❣ في يوم » 27-06-2015 عند الساعة » 00:55

  19. #18

    .
    .
    .


    اشرقت شمسُ صباح اليومِ التالي، السماء شديدة الزرقة تغطيها بعض السحب المحمَّلةِ بماءِ المطر، الجوُّ كان بارداً بعض الشيء والرياح هادئة، صعَد الحاكم سيريو عربته بصحبةِ الفارس ووبريس وخلفهم عشرات الحرس ممتطين لأحصنتهم المتباينة في ألوانها.
    أخذ الحاكم يضرب أرضية العربة بقدمه بصورة متتالية أظهرت فقدانه لصبره منتظراً كاجال التي يبدو بأنها تأخرت قليلاً فقرَّرَ روي أن يذهب هوَ لمناداتها، وما إن أراد طرق باب غرفتها حتَّى فتحته قاصدة الخروج، تفاجأت من كونه ينتظرها بينما تفاجأ هوَ الآخر لسببٍ ما، إذ شعر لوهلة بأنها لن تود الذهاب، أو أنه لن يجدها في الغرفة على سبيل المثال... عقد حاجبيه محدقاً بها لبعض الوقت ما دعاها إلى أن تميل رأسها باستغراب، فانتبه لنفسه ليبتسم مرتبكاً رغم قلقه فقال: أوه...تأخرتِ قليلاً، فأتيت لمناداتك.
    رسمت ابتسامة على شفتيها المطليَّة بأحمر شفاة أحمر اللون، مجيبة بنوعٍ من المزاح: استميحك عذراً سمو الأمير، هلا ذهبنا للعربة؟
    ثم تقدَّمته بخطواتها العرجاء راسمةً ملامح ثابتة وطبيعية بالكامل على وجهها، ثيابها هذه المرَّة كانت مختلفة عن المعتاد، إذ ترتدي فستاناً بلونِ العنب الأحمر، ضيِّق من عند خاصرتها ثم ينتفخ حتَّى أخمصِ قدميها، أكمامه ممتلئة عند الأكتاف ثم تضوق حتَّى معصميْ يديها، ترتدي قبعة بورود عند أحد الجانبين ذات لونٍ مشمشي أما شعرها فكان ناعماً كالمعتاد تجدله من منتصفه حتَّى نهايته التي تصل إلى مابعد خاصرتها بقليل مربوطة بشريطة خضراء.
    ظلَّ روي ينظر إليها وهي تغادر محتاراً، اغلق باب غرفتها من بعد ذلك ثم اسرع من خطواته بعض الشيء ليلحق بها إلى العربة، استمر بسيره خلفها وهو يحدِّق بها صامتاً والأفكار تعصف في عقله من كلِّ جهة، كان في ذات الوقت يسترجع ذكرياتٍ من الماضي عندما كان في التاسعةِ عشرَ من عمره ووالده يخاطبه بصحبةِ الفارس ووبريس قائلاً: "إنها لم تغادر غرفتها في القلعة في حياتها قط، ولا من جديد حول إخراجها من هناك... الأرجح بأن الحاكم قوبرناذور يعرف مدَى خطورة ذلك الشخص".
    وذكرى أخرى له يسأل والده مستغرباً: "كنت اتسائل منذ فترة، ماذا عن والدتها، وأختها الأميرة سيليان؟!".
    أجاب والده وهو يتصفَّح كتاباً: "بأمرٍ من قوبرناذور لم تقم زوجته بزيارة ابنتها أبداً، أظنه يحاول أن يمنع تعلُّقها بها بأيِّ شكل، وعلى أيَّة حال هيَ لا تريد التصديق بأن لديها ابنة مشوهة! فربما كان الأمر سهلاً... أمَّا عن مايخصُّ اختها سيليان، وصلني أنها تسيء التعامل معها، بالطبع لست مهتماً لمعرفة السبب فلم ابحث فيه..."
    ضاقت عيني روي وهو ينظر إلى كاجال التي كانت تسير متقدِّمةً إياه وتعرِج عرجاً خفيفاً بعض الشيء، فعادت به الذكرى إليها بالأمس وهي تخاطب أبيه ضاحكة: "اعذرني يا أبي!" وعندما مسحت دموعها كما كان يتوقَّع في مكتبتها، همس مخاطباً نفسه بضيق: "إنها تعلم!" دون أن يشعر اسرع من خطواته هامساً في نفسه محتاراً: "إذن... لماذا لا تبدو خائفة؟!" ثم امسك بمعصم يدها وهي تلتفتُ ناحيته باستغراب، بينما كان يتذكّر ما أجابت والده به في العربة قبل خمسِ سنواتٍ من الآن بابتسامة هادئة: " بالطبع أنا خائفة!... لكن اظهار ذلك لن يفيدني لا أكثر".
    فقال بعد أن أرخى حاجبيه مرتبكاً: كاجال، لا يجب أن تذهبي، أنا...
    وقبل أن يكمل فاجأه تدخًّل الفارس ووبريس الذي تقدَّم مقترباً من كاجال فاحنى رأسه لها باحترام، ثم امسك بأصابع يدها برسمية وهو يقول: من هنا آنسة كاجال.
    تقدّم بضع خطوات ثم توقف من بعدها ملتفتاً لروي الذي كان قد افلتها بضيق فقال: سيدي الأمير، كما قال جلالته يبدو بأنك منهك، طلبَ منِّي أن انقل أمره لك بالبقاء في القصر والانتظار حتّى عودتنا.
    تأوَّه روي مندهشاً، ثم قال: أبي قال هذا؟!.
    ثم اكمل وهو يبسط راحة يده على صدره منفعلاً: كلا أنا...
    فقاطعته كاجال التي التفتت ناحية روي بابتسامة راخيةً حاجبيها بقلق: من الأفضل أن تلزم القصرَ للراحةِ ياروي، لم تكن على سجيَّتِك مؤخراً.
    ارتخى حاجبي روي بقلق فقال: كاجال، الأمر ليس وكأنني متعب، أنا...
    قاطعته كاجال مجدداً وبنبرة غريبة: سأكون بخير.
    أثار ماقالته انتباهه بينما حوَّلت بصرها ناحية ووبريس فاكملت: يجب أن تثق بمهارة الفارس ووبريس في استخدام السيف.
    ثم خاطبته محدقةً في عينيه مباشرة: ستكون هناكَ لحمايتي، صحيح؟!.
    أخذ ووبريس يحدِّق ببؤبؤي عينيها السوداوين بجمود، فأجاب بعد ذلك بصورة عادية: صحيح.
    ازداد توتر روي الذي لزم الصمت وملامح الغضب مرسومة على وجهه رامقاً ووبريس بحدة، فيمَ توجّهت كاجال بصحبة الفارس بعد ذلك إلى خارج القصر، والذي ما إن خرجا حتَّى تأملا السماء باستغراب، فكأنما الجو الصحو قبل دقائق لم يكن إلا وهماً إذ تبدَّل ليكون ضبابياً معتماً الرؤية بشكلٍ ملفت، ذهبا إلى حيث العربة والتي ما إن صعدت كاجال على متنها حتَّى قال الحاكم سيريو والذي كان ينتظرها داخلها سلفاً: هل وافق بهذه السهولة؟!.
    جلست مقابلة له وهي تجيبه بشبح ابتسامة مغمضةً عينيها: أوامرك مطلقة حاكم سيريو.
    ثم قال: أرجوا بأن لا يغضب كثيراً، ماكنتُ لـ أأمره أن يلزم القصر لولم تطلعيني عن تغير تصرفاته وتعبهِ مؤخراً...
    ثم عادت بهما الذكرى إلى مساء يومِ أمس، عندما كانت كاجال تقف أمام الحاكم سيريو قائلةً بهدوء: "الأمر يتعلَّقُ بالسيد روي، ألاحظ أنه أصبحَ شاحب الوجه في الأيام الماضية ولا يتصرَّفُ على سجيَّتِه على الإطلاق... هل لك ياسيدي أن..."
    ثم احتدت نظراتها، لتتابع على نفس الوتيرة: "أن تطلب منه ملازمة القصر في الغد... وعدم المجيءِ معنا؟!"
    ثم قال الحاكم سيريو وهو ينظر إلى الخارج من خلال نافذةِ العربة: كان سيفكِّر في طريقةٍ ما لاقناعي لو أخبرته بملازمة القصر في وقتٍ مبكِّر، اخباره في اللحظة الأخيرة كان الخيار الأفضل كما يبدو.
    ثم همس في نفسه شارداً وهو يوجه بؤبؤي عينيه إلى كاجال بحدَّة: "لا شكَّ بأن ذلك المغفل قد تعلق بها!، على الأقل من الجيِّد أنه لم يقم بافساد ماخططنا له حتى هذه اللحظة" كان هذا فيمَ اغمضت كاجال عينيها مبتسمة لتجيب: أجل، شكراً لكَ.
    ثم حوَّلت بصرها إلى النافذة بجانبها، هامسةً لنفسها بهدوء: "سامحني روي، مجيئك سيعرقلني لا أكثر!"

    مرَّت العربة في ذلك الجو الضبابي بعد ذلك بامرأةٍ عجوز ترتدي فستاناً تقليدياً كحلي اللون، أنفها طويل والتجاعيد تملأ وجهها الأشهب، تخفي شعرها الفضِّي بقبعةٍ بيضاء وشريطة ذات لونٍ أصفر تعقدها أسفل لحيتها، ظهرها شديد الميلان وتستعين بعصيٍّ خشبية للسير، ما إن مرَّت العربة منها حتَّى وجّهت بصرها لمن فيها وخصوصاً كاجال دون أن تبدِ أيَّ فعل، كان الأمر للأخيرة التي حرَّكت بؤبؤي عينيها السوداوين ناحيتها بهدوء، تجاوزتها العربة إلى حيث تقع جبال سودوس بعد ذلك. . .
    اخر تعديل كان بواسطة » ϐеℓℓе❣ في يوم » 27-06-2015 عند الساعة » 01:11

  20. #19
    الإنترنت كان فضيعاً في حينا!
    لا أصدق أنني استطعت وضع هذا الجزء وتعديلهما في وقتٍ لاحق!!
    اكتشفت بعد ارفاقي إياهم بعض الأخطاء الإملائية وتفاجأت كثيراً لأنني قرأتها مائة مرَّة قبل أن أنسخها هنا e40d
    على العموم الجزء الرابع سيكون يوم الجمعة القادم بإذن الله
    واعذروني إن لم يكن هذا الجزء طويلاً جداً... ولكن القادم يعتبر بداية لحدث مهم، وينبغي أن يكون بداية خاصة به!
    شكراً لمن قرأ ولا تحرموني ردودكم E032

  21. #20
    رواية رائعة بل تعدت حدود الروعة ..

    سلمت يداك ..

    متابعة لروايتك [مع أني قد لا اكتب ردا آخر لكسليem_1f62c] لا أستطيع الصبر للجمعة لمعرفة ما سيحدث ..

    أعتذر لردي المقصر في حقك ..[الكسل و مايفعل ]

الصفحة رقم 1 من 5 123 ... الأخيرةالأخيرة

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter