وتركتها لألج الي الردهة فصادفتني السيدة لينا وباركت لي أولاً قبل أن تدعوني لسفرة العشاء، أجبتها بأن لا رغبة لي وأتجهت الى العلية لأبدل ثياب العمل الزرقاء، ثم جلست على طرف السرير وأنا أشعر بدوار شديد، يبدو أن الأنباء لا تزال قوية التأثير على عقلي بعد كلٍ..
ازدادت حدة الدوار فنثنيت من جلوسي ووضعت رأسي على السرير بمشاعر مختلطة، مالذي يجري لي الأن؟.. هل أنا حقاً سعيدة من أجل ألكسا وهل أستمر في دعمي لقرارها الكبير بترك حياة المدينة وصخبها الذي هي مولعة به من أجل حياة زوجية مستقرة هي النقيض التام لكل ما عشته من قبل ومع شاب بسيط طيب كجورج!، أنا بالتأكيد أتمنى لها حياة مستقرة كالتي ترغب البدأ فيها قريباً جداً فلم التناقض الأن ومالعيب في تعجيل حدوث ما تمنيته لها على أية حال؟.
العيش سوية تحت سقف النُزل جعلني أدرك من أن حياتنا مع بعضنا في السنوات الأخيرة كانت بالكاد تسمى حياة، وما علمته عنها وعن مؤهلاتها وجوانبها المشرقة القوية يجعلني أشعر بالخجل من شدة جهلي عنها فيما مضي وصدقاً لا أريد لأوقاتنا سوية أن تنتهي أبداً..
توالت قرعات خافته على الباب فقلت وأنا امسح دموعي سريعاً:
- الباب مفتوح ألكسا
ولجت جدتي ولم أشعر بهويتها حتى جلست عند رأسي المضجع وأخذت تمسح على شعري بحنان، حركت عيناي الدافئة بإتجاهها وخانتني دموع الإستياء، تأوهت وعانقت رأسي ثم سمحت لي بإراحته على حجرها وقالت:
- علمت بإستيائك حين أعربت لي لينا عن عدم رغبتك في تناول الطعام..
قلت بخجل:
- أشعر بالسوء لعدم تجاوبي مع ألكسا بحماس أكبر لأن الأنباء فاقت طاقتي
أجابتني برحمة:
- لم يفت الأوان بعد يا صوفي، لا يجب أن تكسري سعادة ألكسا بوجهك المستاء، فهي تعكس ما يعكسه وجهك من مشاعر، ولقد رأيتها تفعل ذلك طوال الوقت حين تكونا سوية يا عزيزتي
أجبت بإهتمام وأنا أعتدل في الجلوس أمامها:
-ماذا تقصدين؟
قالت وهي تصلح شعري المشعث:
- أقصد أن ألكسا متعلقة بك على نحو عظيم بحيث تضحك من ضحكك و تخبو من استيائك وهدوئك، ولعل التساؤل الذي يصلكما دائماً من أفواه الغرباء عن اذا ما كنتما توأمين هو خير دليل على صحة ادعائي، أنت مخطئة حين تظنين من أنها مستقلة بأسلوبها و طريقتها عنك، والإختلاف بينكما لربما يبدو عظيماً في الوهلة الأولى إلا أنه بالكاد يلاحظ بعد قضاء بعض من الوقت معكما..
راق لي حديثها فرنوت إليه منصته و أكملت هي:
- إنها غير مخطأه برغبتها في الإرتباط بجورج على هذا النحو، بل ان اندفاعهما واستعجالهما هو الدال على صحة هذه العلاقة وهذا ما دفعني لمباركة قرارهما.
قلت بحيرة وقلق:
- كل ما أخشاه هو أن لا تكون مدركة لما هي مقدمة عليه، وأكره أن تدمر كل شيء بيديها لحظة أن تستيقظ على الحقيقة
أجابتني بحديث لامس حيرتي بجواب يكلله المنطق:
- وإن فرضنا أنها معمية بمشاعر الحب والإنجذاب فلماذا نفترض أنه حتماً أمر سيء!، جورج شاب طيب وهو بالتأكيد لا ينوى التلاعب بها وإلا لما أقدم على طلب الزواج بهذه الطريقة الملحة، وإن قُدر لها الإستيقاظ من عمى الحب فستجد أنها زوجة لرجل مهذب يحبها ووسط بيت عامر بالدفء والمودة.. لا أظنها جاهلة لتنبذ كل هذا وراء ظهرها فصدقاً هذا ما تتمناه الواحدة من أجل حياتها العاطفية هل أنا محقة؟!
أومأت و ابتسامة صادقة تجتاحني تزامناً مع نسمة البرودة التي لامست صدري برقة وعذوبة، إننا في بعض الأحيان نحب تعقيد ماهو منطقي وواضح لخلق نوع من الإثارة الضارة في حياتنا..
رغبة جورج و ألكسا في الإرتباط هي رغبة فطرية سليمة ولا يصح وضع العراقيل لهما في غير حاجة سواءً بداخلي أو على أرض الواقع.. وإذا ما نظرت بشفافية داخل حيرتي لوجدتها ضدي عوضاً عن كونها ضد ألكسا وقرارها المفاجئ، فشجاعتها ووضوح رغباتها تجعلني أدرك كم أنا عاجزة عن مصارحة ذاتي برغباتي خشية أن أقترف ذنباً في نظر عقلي الممتلئ بآمال وتطلعات منهم حولي ..
إنني أعيش لإسعاد من حولي عن طريق التجسد في نموذج محدد يسهل على الكل معاشرته، وأظنني تأقلت مع ذلك وربيت نفسي على الرضا به الى الدرجة التي طمست هويتي الحقيقة ومن تكون صوفي العذراء بلا قيود أو مثاليات.. كنت أعتقد بأني لا أصدر أحكام مسبقة ومع ذلك أنا أول من يصدر الأحكام اللاذعة حيال ذاتي وتصرفاتي بحيث لم يعد يوجد في شخصيتي مساحة للعفوية، فكل فعل أو قول يحسب بدقة ومع الأخذ بعين الإعتبار كافة الإحتمالات الممكنة فيما يمكن أن تكون العوائد علي..
تركتني جدتي أصارح فؤادي بعد قبلة طبعتها على رأسي ونزلت بعدها تتفقد أحوال ألكسا، فقضيت بعض الوقت بيني وبين نفسي، وبتلقائية تامة وجدت أني أضع الهاتف على أذني في انتظار سماع صوته، ولم يخيب رجائي فهاهو يجب ليبث الروح في عروقي:
- أخبريني من أنك أشتقتِ إلي
المفضلات