الكسا
أستيقظت على عدة طرقات توالت على باب الصندوق، ويبدو وأنني تأخرت في الإجابة فقد وجدت حقيبة طعام معلقة على مقبض الباب، التقطها و تعجبت من استعجال جورج حتى وصلتني منه رسالة يستعلم فيها عما اذا وصلني الطعام الذي قام بإرساله، ابتسمت وأجبته بإختصار ومن ثم قضية بعض الوقت وأنا أمشط المكان ببصري، وبدا من المستحيل علي البيات فيه وهو بتلك الحالة فشرعت في تنظيف عشته المليئة بالأوراق والمخطوطات والقمامة و الثياب المهملة وكل شيء يمكن أن يزيد من مهمتي تعقيداً، ويمكن القول بأني لم أمتهن التنظيف من قبل، إلا أن طبيعة سكني في فندق تخولني الإستمتاع بخدمة تنظيف غرف عالية الجودة وبدقة تفوق المعقول وهكذا أحب أن يكون المستوى في أي مكان أعيش فيه.
فتحت النوافذ على مصرعيها فنتعش المكان بهواء الطبيعة النقي، وأخرجت أكوام من الأغراض و الثياب والأغطية التي تحتاج زيارة المغسلة في أقرب فرصة ممكنة، ولم تكن مهمة سهلة كما تصورت في مطلع الأمر، ولأول مرة أشعر بقدر الجهد الذي يقوم به طاقم التنظيف في الفندق بالعاصمة، فبحلول الوقت الذي أنتهيت فيه جزئياً كان من الصعب أن لا أشعر بالإجهاد في كل عضلة من جسدي، أتصلت صوفي وأعلمتني من أنها ستمر للإطمئنان علي بعد نهاية دوام المشفى فأثقلت كاهلها بسلسلة من الحاجيات التي أحتجت شراءها من أحد المتاجر الشاملة.
وبعد المغيب وصلت صوفي محملة بالكثير من البضائع ساعدها فيليب على إنزالها قبل أن يغادر ليترك لنا حريتنا، شكرت له فعله قلبياً ومن ثم أخذت صوفي الى الصندوق وأنا أشعر بالفخر لما قمت به في الداخل، ولم تبدى صوفي أدني امتعاض حين رأت مساحته البسيطة وما يحتويه، بل كانت مفيدة جداً وساعدتني على وضع الأغطية الجديدة والوسائد وتذكرت أيضاً احضار نبتة صغيرة اضفتها بسرور الى قلب منضدة الطعام أمام المقعد وبضع جماليات أخرى جعلت المكان أشبه بالمنزل.
جلست أولاً وسكبت لها بعضاً من العصير الذي أحضرته لي ثم أنضممت إليها فقالت:
- تبدين أكثر هدوءاً وأستقراراً وأنت بالكاد غادرت النُزل
ابتسمت فهي صادقة تماماً ثم قلت:
- حضور أمي وبراكينها التي فجرتها لربما جعلتني مشوشة إلا أنني واثقة الأن من أن هذا ما أريد صوفي، أنا حقاً أحب جورج وأريد بدأ حياة مستقلة معه
أمسكت بيدي وقالت:
- هذا جيد ستخضع أمي لرغبتك في نهاية المطاف ولكن، هل وجدتي الثوب؟
صرخت برهبة وأسرعت لإلتقاط جهاز الأيباد من حقيبتي وحمدت الرب أن ثمة شبكة في المكان وإن كانت ضعيفة! لا أدري كيف غاب أمر بهذه الأهمية عن بالي فالزفاف في أقل من شهر كما آمل.
ضحكت صوفي كثيراً وناولتني ورقة تضم قائمة بأسماء وعناوين متاجر ثياب الزفاف في المدينة، تكورت عيناي من التأثر وأسرعت بضمها إلا أنها صدتني وقالت مازحة:
- دعينا نحتفظ به ليوم زفافك، ويمكن أنني لا أظهر ما أشعر به حقيقة إلا أن قلبي موجوع ألكسا، موجوع ولا أدري كيف أريحه
ابتسمت بتأثر وأردفت وأنا أتفحص الورقة لأشتت عقلي عن البكاء:
- أتعلمين، أنت الوحيدة التي تستطيع جعلي أرفض عرض الزواج هذا بكل جدية وبلا ندم!
لكزتني وقالت بسخرية:
- أرجوك لا تجعلي أمي تسمعك وإلا لحقت بي الى أخر الكرة الأرضية، فقط تزوجي وكوني سعيدة وسأكون مرتاحة من جانبك الى الأبد
رن هاتفها فأخرجته من حقيبتها وقالت وهي تنظر الى الشاشة:
- انه فيليب أظن أنه عاد ولا أنوي التأخر على أمي وجدتي، ستحدث الكثير من المفرقعات الليلة بما أنك لن تظهري وجهك الجميل فعلى الأقل يرون وجهي.
ضحكت وأنا أردف:
- فقط دعي جدتي تتكفل بأمي وأذهبي الى العلية أو البحيرة وستمنحك صفاء الذهن
أومأت لي ثم ودعتني وقبلت خدي وخرجت من المكان، رافقتها الى رأس الهضبة وتأكدت من ولوجها الى سيارة فيليب الفاخرة ثم عدت أدراجي وأنا أتسائل عن سبب تأخر جورج كل هذا الوقت.
~~~
صوفي
ركبت في السيارة مع فيليب بأكبر قدر تحصلت عليه من السكينة وأنا في واقع الأمر منهكة من الداخل الى الدرجة التي تثاقلت معها نبضات قلبي وكأنها لشيخ لا لشابة!.. حياني فيليب بنظراته العميقة ثم قال وهو يحرك السيارة:
- هل كل شيء على مايرام معها؟!
أجبته باسمة:
- حمداً للرب إنها أفضل بكثير كما انها تهتم بنفسها جيداً
أردف:
- وماذا عن والدتك؟!
أرحت رأسي على ظهر المقعد من خلفي وقلت:
- لدي إحساس من أنها ستلين قريباً، وأود أن تتصالح مع ألكسا قبل وصول أبي حتي لا تظن أنه من تأثيره فقط!
فتمتم فيليب بوضوح:
-إذاً أبوك قادم.
أجبته بسذاجة:
- بالتأكيد من أجل زفاف ألكسا هو و الكثير من الأقارب كما أظن.. أوه سيكون النُزل صاخباً بالزوار في القريب العاجل
قال متسائلاً:
- وأي نوع من الرجال هو؟!
ابتسمت بإنشراح لمجرد تصدره هرم أفكاري وقلت بفخر وسرور:
- انه من النوع الصادق والفخور، وحسب ما سمعت عن ظروف لقائه بأمي فقد كان يعمل بواباً لدى الفندق الذي كانت أمي تعمل في طاقم ادارته، إعجابه المفضوح بها كلفه وظيفته ومصدر رزقه وأكسبه قلب أمي فتزوجا بعد ذلك بوقت قصير
وبدا في رنته الإنغماس حين أردف:
- ولمن تدينين بقسماتك هذه؟!
ضحكت وأنا أمسك بإحدى تموجات شعري البني الطويل ثم أجبت:
- كلاهما بالتساوي، فمن جانب أبي الإيطالي ورثت لون البشرة الزيتونية والشعر الداكن، ومن جانب أمي النيوزلنديه ورثت ملامح الوجه والجسد والقامة، وعلى الرغم من تنحي صفة اللون في عيني أبي العسلية إلا أن ألكسا وحدها حظت بإخضرار العينين
- وهل تفضلين أن تكون عيناك الحلوتين بغير لونها هذا!
هززت رأسي بالنفي وقلت بثقة:
- على الإطلاق، أنا جميلة كما أنا ولا ينقصني شيء لأشعر بالكمال والثقة من ناحية المظهر
وفاجأني حين أمسك بيدي ليطبع قبلة عليها وهو يقول بحب:
- بكل تأكيد صوفي قطعاً بكل تأكيد
ولم أقدر على إجابته من شدة الخفقان الذي أصاب قلبي، كيف بوسع هذا الرجل تجريدي من السيطرة بمجرد لمحة أو لمسة أو كلمة، إنه خطير جداً وعلى قدر خطورته أزداد شغفاً به ورغبة في جواره.
~~~
المفضلات