.
.
في صباح اليوم التالي أستيقظ ايلك في وقتٍ باكرٍ جدًا واطمأن وهو يشاهد اندرو يغط في نوم عميق في سريره
استحم ثم توجه مباشرة حيث إسطبلات الخيول وراح يعتني بكلوريا ويطعمها , قال بابتسامة واسعة بينما ينظف فرسه بتفاني
- اسمعيني جيدًا كلوريا , إن ايدين يتوقع منا الفوز في النهائي , ولذلك علينا الفوز مهما كلفنا ذلك , اتفقنا !
صهلت الخيل فاتسعت ابتسامة ايلك ليقهقه قائلًا بحماس
- ما رأيك أن نخرج لنتدرب قليلًا , بطريقة ما أشعر بأن الشعور السيئ الذي يراودني منذ الأمس سيتلاشى لو امتطيتك عزيزتي
وبالفعل قام مباشرة بإخراج كلوريا من الإسطبل متوجهًا نحو المضمار , رُغم أن الجو باردٌ جدًا هذا اليوم لكن لحسن الحظ لا يبدو أنها ستثلج
امتطاها ثم راح يُسابق الريح ويقفز من سياج لآخر , يشعر بالهواء البارد يلفح وجهه , أعطاه ذلك شعورًا غريبًا راح يضحك على أثره
- أشعر بأن شعري سيتجمد بينما هو يطير في الهواء
لطالما كان ايلك محبًا للطبيعة بشكل غير مفهوم , فحتى التقلبات الجوية التي قد يكرهها البشر لخطورتها كان ايلك يتعايش معها بشكل لطالما حَيَّر ايدين , كما إنه كان قادرًا على التصادق مع الحيوانات بشكلٍ لا تفسير له , فمثلًا في يوم من الأيام العادية عاد ايلك إلى المنزل مليءٌ بالخدوش التي أرعبت ايدين وحين سأله عن سببها قال بأنها خدوش بسيطة سَبَّبها الكلب المتشرد الشرس الذي يحوم في منطقتهم مُنذ أسبوع , عنفه ايدين لاقترابه منه وحذره من فعل ذلك مجددًا , وبعد مرور يومان على ذلك صُدم ايدين برؤيته ايلك يرافق ذلك الكلب في طريق عودته من المدرسة وحين رأى ايلك بأن ايدين أكتشف أمره أعترف بأن ذلك الكلب الشرس الذي لطالما آذى أطفال المناطق القريبة من حيهم قد أصبح صديقًا له منذ ذلك اليوم بل إنه يُنفذ أوامره ويحبه بشكل مثير للدهشة
صحيح بأن ايلك كان وحيدًا في طفولته , إلا أنه كان صديقًا لكل شيء لا يشبهه .. عدا البشر
أمضى كثيرًا من الوقت في التدريب حتى تأخر الوقت ولم يبقى شيءٌ على بدأ الدوام المدرسي , فأعاد الخيل للإسطبل ثم اخرج هاتفه الذي راح يهتز في جيبه , ونظر للرقم بتعجب قبل أن يجيب
- مرحبًا هاكون
- أوه ايلك , أين أنت ؟
- في المدرسة بالتأكيد
- توقعتُ ذلك , اسمع أُريد منك أن تأتي إلى صف الفن
- صف الفن ! , الآن ! , لماذا !
- هناك شيءٌ مثير للاهتمام يجب أن تراه
- حسنًا سآتي حالًا
أغلق الهاتف وسار في طريقه لصف الفن , ما الشيء الذي يُريد منه هاكون أن يراه , بدا على صوته وكأنه يكتم ضحكته , ازداد فضوله مما دفعه للركض بسرعة فأعصابه تَلِفَت , دخل الصف وهو يحدق بهاكون الذي يقف وسط مجموعه لوحات رسمٍ ملأت الغرفة وينظر إليه بابتسامه واسعة , قال ايلك وهو يلتقط أنفاسه
- ما هو الشيء الذي دفعتني لأركض كي أراه بحق الله
ضحك هاكون وقال وهو يقف أمام أحدى اللوحات
- تعال إلى هنا
تقدم ايلك نحوه ووقف بجانبه , نظر للوحة التي ينظر إليها فتجمد في مكانه قبل أن يصيح بغضب
- أي نوعٍ من الرسوم هذه
لم يكد ايلك ينهي جملته حتى غرق هاكون بالضحك فقد كان يتوقع ردة الفعل هذه , كانت تلك اللوحة عبارة عن رسمه لرجل بشعر ذهبي يستلقي على أحد الكراسي التي في الحديقة , من خلال النظر لثيابه وطريقة نومه أدرك ايلك فورًا أنها رسمه لوضعيته حين نام في الحديقة في أول يومٍ له في هذه المدرسة
- من الأحمق الغبي الذي رسمها
أجابه هاكون ضاحكًا
- إنها لأحدى الفتيات من الصفوف (B) فوجئت حين رأيتها وتوقعتُ أن تُصدم كما صُدمت الآن , لكن أنظر جيدًا أليست مبهره ؟ , إنها تشبهك تمامًا رغم أن عينيك مخفيه أسفل ساعدك , لكن التفاصيل حقًا مذهله
سار بخطى غاضبه نحو الباب وهو يقول غاضبًا
- لا تسخر مني يا أحمق , أنا نادم على أنفاسي التي قطعتها وأنا اركض إلى هنا
أوقفه هاكون قائلًا وهو يضحك
- انتظر لحظه , لم ترى اللوحة الأخرى بعد
- هل تمزح , سأدهسها أسفل حذائي لو رأيتها , اذهب إلى الجحيم أنت وتلك الرسوم
قال ذلك ثم صفق بالباب خلفه وهو يسمع انفجار ضحكة هاكون
وبعد نصف ساعة كان النخبة جميعهم في الصف الخاص حيث بدأ الدرس الأول لهذا اليوم
كان ايلك يرمق المعلم بحده فمن الواضح أن مزاجه انقلب رأسًا على عقب , ما هذا اليوم الفظيع!! , ألا يوجد وقت يتنفسون فيه!! , فور خروج المعلم يدخل الآخر , جحيمًا , كل هذا بسبب تفويت الدروس , هاهي تتراكم عليهم
لكنهم بطريقة ما متفهمين للوضع عدا ايلك الذي يكاد الجميع يقسم أنه سينفجر بعد قليل وهم يحدقون به قلقين , واندرو الذي كان يتثاءب بين الحين والآخر
أخيرًا حان وقت الغداء , خرج الجميع إلى الكفيتيريا عدا ايلك الذي كان يدور بكرسيه بمزاج عكر , واندرو الذي كان يضع رأسه على الطاولة بنعاس
امسك ايلك بجهاز التحكم عن بعد وقام بتشغيل الشاشة أمامه وراح يقلب القنوات بحدة بينما جهاز التحكم يكاد يتحطم في يده !!
كان قد استقر على قناة تعرض أخبار الطقس لهذا اليوم وتُحذر من عاصفة هوجاء على وشك الهبوب
- تبًا ألا يوجد برامج تستحق النظر إليها !
- اصمت أُريد أن أنام
قال اندرو ذلك وهو يغطي رأسه بمعطفه فرمقه ايلك بحده
- اذهب ونم في سريرك
وقف الآخر ليقول بعينين لامعتين
- أنت محق , سوف اذهب لأنام في الصالة , أيقظني حين يبدأ الدرس
رمقه ايلك بحدة حتى خرج فنقل عينيه إلى التلفاز بتذمر , عقد حاجبيه وهو يسمع ما تقوله تلك المذيعة
- حادث سقوط الطائرة المتوجهة من ادنبره إلى كندا في الرابعة يتصدر الأخبار هذا اليوم , يوجد عدد كبير من حالات الوفاة ولا يوجد خبر حتى الآن عن وجود
شخص على قيد الحياة ...
وقف ايلك بصدمه وهو يحاول أن ينفي ما خطر في ذهنه , أدخل يده في جيبه وأخرج هاتفه ليضغط عدة أرقام بيد مرتجفة , بحث عن السماعة متوترًا وقد كانت أمامه على الطاولة ولم ينتبه إليها فورًا ! وضعها على أذنه وهو يحاول إيقاف ارتعاش شفتيه
يرن ويرن ويرن لكن لا أحد يجيب , لا مستحيل مستحيل , هو لم يخبره أين ستكون وجهته والكثير من الطائرات تُقلع في نفس الوقت لأوجه مُختلفة , ذلك صحيح إنها مُجرد أوهام لا يمكن أن يكون ايدين على متن تلك الطائرة , لا يمكنك أن تجعل الأوهام تسطير عليك ايلك
أعاد الاتصال مجددًا وصدره بدأ يعلى ويهبط من تنفسه مع مرور كل ثانيه , تذكر ذلك الشعور السيئ الذي ينتابه منذ الأمس , قبض على شفتيه وركض خارجًا من الغرفة متخطيًا اندرو الذي كان يستلقي على الأريكة في الصالة , لكنه وقف حين لمح ايلك وركض ليمسك به من كتفه ويسأله وهو ينظر إلى وجهه بقلق
- ايلك , ما الأمر إلى أين أنت ذاهب ؟
دفعه ايلك عنه وهو يصرخ
- ابتعد عني
لكن الآخر تشبث به أكثر وهو يصيح مُقطبًا
- لن أتركك حتى تخبرني أين ستذهب
جذبه ايلك من ياقة قميصه بعنف وصرخ في وجهه
- إلى اسكوتلندا هل ارتحت ؟ والآن ابتعد قبل أن أقتلك بيدي
تعجب اندرو وبسرعة أمسك ايلك قبل أن يدخل إلى المصعد ليقول مُقطبًا
- انتظر , ما الذي تقوله ايلك , لماذا ستذهب إلى اسكوتلندا ؟
نفض يد اندرو عنه بعنف وركب المصعد وهو يعاود الاتصال على ايدين
- لماذا ايدين قد يذهب لكندا ! غير معقول أنا واثق بأنه لم يكن على متن تلك الطائرة , مستحيل أليس كذلك , إنه ايدين , لا يمكن أن يموت ويتركني لا يمكن
أغمض عينيه ليقول وهو يشد بيده التي ترتجف على هاتفه
- لكن لماذا لا ترد ايدين
خرج لحرم المدرسة بدون قبعة مما جعله مُلفت للأنظار , الصرخات علت في المكان لكنه لم يكترث لهذا كله وركض مسرعًا حيث سيارته .. المكان الهادئ القريب , ركبها وهو يعاود الاتصال مجددًا ومجددًا ومجددًا ولا رد , ضرب بيده المقود صارخًا
- لماذا لا ترد لماذا
نظر لهاتفه مقطبًا , أخذ نفسًا عميقًا , وكتب رقمًا لم يكن ليفكر يومًا أن يتصل به وخوفه هو ما كان يمنعه , لكن ايدين .. ايدين
ضغط على زر الاتصال وهو يسمعه يرن ويرن وضربات قلبه تتسارع مع كل رنه , تنفسه صار أسرع والعرق بدأ يتصبب من جبينه , أخيرًا أجاب الطرف الآخر والذي قال بصوته الهادئ الذي لطالما غرس الرعب في قلب ايلك
- مرحبًا
وضع يده قرب قلبه وازدرق ريقه , نطق بصوتٍ منخفض بالكاد استطاع أخراجه
- أنـ , أنا ايلك
ثم حل الصمت , إنها المرة الأولى التي يتحدث بها مع السيد اندرسون بالهاتف , بالأحرى المرة الأولى التي يحدثه فيها في حياته كلها
ابتلع ريقه وتابع بصوتٍ مرتجف
- ايدين .. أن ايدين .. لا يرد على اتصالاتي .. أن ايدين .. لم يكن على متن تلك الطائرة أليس كذلك !
- ما الذي سمعته ؟
بدأ ايلك يرتجف وهو يحاول أن يرتب كلماته التي عجز عن أخراجها
- سمعتُ أن الطائرة التي ستتوجه لكندا تعرضت لحادث , كانت في الرابعة وايدين اخبرني أن موعد رحلته في الرابعة , لكني لا ادري , ايدين لم يمت صحيح
- إن هذا ما تتمناه فقط
اتسعت عينا ايلك وببطء نطق
- ما الذي تقصده ! هل .. هل حقـًا .. هل حقًا مـ .. ات ايدين ؟
- وغدًا سيكون موعد تشييع جنازته
هاهي الحياة تكشف لي عن أنيابها .. وها أنا أمد يدي .. ولا أجد من يتلقها




اضافة رد مع اقتباس
, رغم أني أنهيتيه بصاعقه 

لابد أنه شاكر له 


, لقد احتجت الي ساعه كامله بعد قرائتي للبارت لاكتب هذا الرد .



.. لالا إيدين لم يمت.. لست مقتنعة
ذلك الأحمق الذي سأقتله إن رأيته 





بفضلك الآن جميع المتابعين حزينون 



أو على الأقل حتى الآن !
, كوني رحومة بي رجاءًا 
المفضلات