البارت (8)
||التقاء الظلام والنور ||
.
.
كان يقف فوق رأس النائم على ذلك السرير الأبيض , يتفحصه بعينيه الباردتين بداية من خصلات شعره الذهبي المتناثرة فوق الوسادة , مرورًا ببشرته التي شابتها بضع خدوش بدأت تتماثل للشفاء والضماد الأبيض الذي يلف رقبته وجزءً من رأسه لينتهي عند قدمه المجبرة والتي ولسبب ما كان يمددها فوق الغطاء على عكس قدمه السليمه
تحرك بهدوء ناقلًا عينيه لباقة الورد البيضاء وتركها فوق الطاولة التي قرب السرير , بينما راح اندرو يرتب الأشياء التي جلبها معه متمتًا بانزعاج
- تبًا أخبرته ألا ينام لكنه دائمًا يفعل ما يريد ولا يكترث لتحذيراتي
على صوتِ اندرو أفاق ايلك , وضع يده على عينيه وتمتم منزعجًا
- اندرو , لقد تأخرت , هل جلبتَ ما طلبتُه منك ؟
أجفل وقد قاد له أنفه رائحة شخصٍ لم يكن يُفترض وجوده هنا أبدًا , أبعد يده مسرعًا عن عينيه والتفت يساره محدقًا بعينيه المتسعتين نحو كيفين
- ما خطب تلك العينين , جئت لاطمأن عليك , الديك اعتراض ؟!
قالها رافعًا أحد حاجبيه بشماتة فالتفت ايلك ناحية اندرو مطلقًا نحوه نظرة نارية مليئة بالوعيد
- صدقني لم أُخبره , ذلك المارد عَرَفَ بنفسه , لقد فاجأني حين سألني في أي مستشفى تقيم
تنهد حين همس له اندرو بذلك , ثم نقل عينيه لكيفين وقال مقطبًا
- كيفين لا تخبر أحدًا عن إصابتي , أو حتى عن كوني هنا في لندن
ابتسم كيفين متسليًا وقال بنبرة يغلفها الدهاء
- لماذا !
عقد ايلك حاجبيه بحذر , فاسترسل كيفين دون أن يكلف نفسه عناء إخفاء ابتسامته المتسلية
- هل لديكَ سببٌ يجعلك تبقي أمر إصابتك سرًا!
لم يجب ايلك إنما ظل يحدق فيه مقطبًا بضيق , فدنى منه كيفين وانحنى مسندًا يده على السرير ليهمس في أذنه
- هل تخشى أن يكتشف أحدهم حقيقة كونك الشخص الذي أنقذ حياة المئات من الأرواح في ذلك الفندق ؟!
ابتسم كيفين مستمتعًا وقد بانت الصدمة على وجه ايلك , وقف باستقامة وقال واضعًا يديه في جيوب معطفه
- في المرة المقبلة سوف آتي لزيارتك حاملًا معي هدية سلامتك !
خرج تركًا أثر ما همس به بين ملامح ايلك , التفت محدقًا بالصحيفة التي كان يقرئها قبل أن ينام
كان هناك خبر يتصدر الصفحة الأولى من الصحيفة * يهدد انفجارًا مُفتعلًا في فندق ذا كامبرلاند المئات من الأرواح , وبطلٌ في ريعان شبابه مجهول الهوية ينتشلهم من موتٍ محتم *
استغل اندرو فرصة انشغال ايلك ومد يده خلسة نحو هاتفه , تفقد قائمة الأسماء بداخله وكما في المرة السابقة لم يكن هناك أي رقم مُسجل , ألقى نظرة على سجل المكالمات , وابتسم وهو يشاهد رقمه آخر المكالمات الصادرة
هل يعقل أن ايلك يحفظ أرقام الجميع عن ظهر غيب , بلا لابد بأنها الحقيقة , وإلا فكيف يفسر تعرفه على المتصل حين أتصل به هاكون اليوم !!
- ما الذي تظن نفسك تفعله !
أجفل قبل أن يرفع بصره ببطء لتخترقه نظرة ايلك الساخطة
- ماذا , أنا فقط استغربتُ كون قائمة الأسماء لديك فارغة , أنت لا تحفظ رقمي في هاتفك ورغم ذلك اتصلت علي اليوم
انتشل ايلك الهاتف من يد اندرو وقال منزعجًا
- أنا لا أحب أن يعبث أحدٌ بأشيائي الخاصة فلا تضع يدك على هاتفي
غمغم اندرو منزعجًا وهو يتفقد هاتفه , بينما غاص ايلك في عمق أفكاره , رفع عينيه متأملًا باندرو وقد بدا متعمقًا في التفكير , مرت على عينيه نظره جادة سرعان ما أزاحها وهو يبتسم قائلًا بلطف
- اندرو هل لك أن تجلب لي العصير الذي راق لي تلك المرة ؟
عقد اندرو حاجبيه وقال
- ذلك المحل بعيدٌ جدًا عن هنا
- أرجوك اندرو إنني أرغب في شربه اليوم
استسلم اندرو أمام عيني ايلك البريئتين وقال مُشيرًا للحاسب اللوحي
- لقد قمتُ بتجهيز الدروس لك بداخله , أدرس ما فاتك من الدروس ريثما أعود
- سأفعل ذلك
فور أن خرج أندرو نهض ايلك مسرعًا ليخرج بعد أن غير ملابسه , ركب سيارة أُجرة لتقوده نحو سكن المدرسه , وقبل أن ينزل من السيارة حرص على تغطية شعره وملامح وجهه
الشمس قد غربت تمامًا , إنه الوقت المثالي لمجيئه ففي مثل هذا الوقت يكون السكن فارغًا تقريبًا من الطلاب
كان يُسرع في خطواته إلى أن وصل لغرفته , استحم على عجل وبدل ملابسه بسرعة وقد حرص على ارتداء كنزه صوفية متصلة بقبعة من الخلف كي يغطي شعره , فتح الخزانة التي كانت قرب سريره والتقط السكين التي كانت بداخلها ثم خرج من الغرفة قاصدًا هدفه والعزيمة تلتمع في عينيه
بقاءه صامتًا لن يزيد الأمر إلا خطورة , إن كان هناك من يُهدد حياته في هذا السلام الذي هيئه له ايدين فإما أن يخرسه إلى الأبد وإما أن يتخلص منه
. . .
كان يجلس مع زوجته في تلك الصالة الواسعة محدقًا بفنجان القهوة في يده والكثير من الأمور تُشغل باله , رفع رأسه متأملًا بطفلته الصغيرة وهي تلعب بدميتها ببراءة لا مثيل لها
هو حتى الآن لم يُصدق كيف أنها كادت تضيع من يديه في ذلك الحادث المُريع وبغمضة عين , كان يشعر بالانزعاج الشديد لكونه لم يقدر على حماية أهم شخصان في حياته , مجرد تفكيره بأنه من الممكن أن يفتح عينيه يومًا على عالم لا يحتويهم يجعله يجن أيّما جنون
استأذن من زوجته وترك الصالة متوجهًا نحو السلم الذي فرش بسجاد باللون الأحمر القاني وراح يصعد الدرجات قاصدًا مكتبه , دخل وهو ينزع نظارته عن عينيه ويعرك جبينه مرهقًا , كانت الغرفة مظلمة إلا من نور القمر الذي تسلل من النافذة المفتوحة , مرت نسمة باردة داعبت تلك الستائر الحريرية فراحت تتمايل على أثرها
تحرك بخطى أثقلها الهم وجلس على كرسيه الجلدي مسندًا رأسه إلى الخلف ومغمضًا عينيه بإرهاق
لكنه فتح عينيه باتساعها وهو يشعر بسكين حادة على رقبته ثم بصوتٍ هامسٍ يأتيه من الخلف ناطقًا بتهديد
- إن تحركتَ فسأقتلك , وإن تحدثتَ بصوتٍ مرتفع سأقتلك , وإن لم تُجب على أسئلتي بوضوح أيضًا سأقتلك
- مـ من أنت ! وكيف دخلتَ إلى هنا !
قال تلك الكلمات متوترًا والعرق بدأ يتصبب من جبينه
- ليس مسموح لك بإلقاء الأسئلة هنا
ابتلع ريقه بصعوبة وقال
- ما الذي تريده ؟
احتدت عيناه وقد وصل لمبتغاه
- أنت رأيتني بوضوح في يوم الحادث
فجأة وبشكل غريب اختفت علامات التوتر من وجهه ونطق متعجبًا وهو يحاول النظر خلفه
- ايلك ؟!
شد ايلك بالسكين على عنقه وقال بحده
- قلتُ لك لا تتحرك , هل تحدثتَ معه ؟
- من تقصد ؟
عض على شفتيه وقال وعينيه تلمع بحقد
- لا تتحامق , اقصد أبي , هل اتصلتَ به ؟
تنهد مغمضًا لعينيه وقال بهدوء
- لقد توقفتُ عن التواصل معه منذ زمن
ضاقت عينيه وقال مشككًا
- هل حقًا ما تقوله ؟
- ايلك ابعد يدك عن عنقي , من المُعيب عليك أن تفعل ذلك مع شخصٍ في مقام أبيك
ابتسم ايلك بسخرية
- تقول هذا وأنت في وضعٍ لا تُحسد عليه
- أنا أدرك جيدًا انك لا يمكن أن تقدم على قتلي
قال ذلك بلطف فاختفت الابتسامة من وجه ايلك وأرخى السكين عن عنقه ثم تجاوزه ليجلس على الكرسي الجلدي الذي يقابل المكتب
ابتسم الرجل بلطف لكنه قطب وهو يلاحظ قدم ايلك وقال بقلق
- قدمك ما الذي حدث لها ؟ ورأسك أيضًا !
كان ايلك ينكس رأسه مُتلحفًا بالصمت , رفع عينيه بعد برهة ونظر إليه بجديه
- فليكن في علمك أني لن أُبقي على حياة ابنتك لو سمعتُ شيئًا يدل على أنك أخبرت أبي عن وجودي هنا
قهقه بخفة وأجاب
- تقول ذلك وأنت الذي أنقذها
احتدت عيناه وصر على أسنانه قائلًا
- أنا لم آتي لأعبث هنا , إن أكثر ما يُهمني الآن هو حريتي , لن أتوانى عن إبعاد أي شخصٍ يعبث بحياتي حتى لو اضطررت لقتله بأبشع الطرق , إياك والظن أن ذلك ليس سهلًا علي , رأيتَ كيف وضَعتُ السكين قبل قليلٍ على عنقك , رغم كل الحراسة التي كانت تحف المنزل بأكمله , لن يصعب علي مد سكين على طفله !
صمت الآخر محدقًا به بهدوء ثم تنهد قائلًا
- أنت لن تفعل ذلك أبدًا
- عمي كارلوس
صاح بها وعينيه تحتد بغضب محتدم , فقال كارلوس بجديه
- توقف عن قول تلك الجُمل ايلك , أنت لستَ مضطرًا لتهديدي فلم أكن لأتصل على والدك أبدًا دون أن افهم سبب وجودك هنا
تأمل ايلك وجهه متفحصًا صدقه , ثم ابتسم ليقول بوقاحه
- هل يعقل أن تغدر بصديقك ولا تخبره عن ابنه الذي هرب في غيابه !
أجابه كارلوس مبتسمًا
- إن كان صديقي فذلك لا يعني أن أؤيد كل ما يؤيده , قد تختلف آراؤنا ومبادئنا ولستُ شخصًا يغير مبادئه لأجل صديقٍ أو أخ
لمس ايلك الصدق في قول عمه فتنهد مشيحًا بوجهه عنه والتزم الصمت , بينما ابتسم كارلوس وقال بنبرة دافئة
- مُنذ متى وأنت هنا يا بني , هل تجد مأوى لك وهل تتغذى جيدًا ؟
رؤية ايلك لعمه أعادت له شريط ذكريات حياته في السابق , فابتسم بصدقٍ حين سأله عمه عن حياته هنا وهو يتذكر أصدقائه وذكرياته التي صنعها معهم
حين ينظر لهم من منصة حياته السابقة هو يراهم يلمعون كالنجوم التي يصعب الوصول إليها , بيضاء وجوهم تشع نورًا من صفاء قلوبهم وطيبة أرواحهم
لاحظ كارلوس ابتسامه ايلك الشارد , فابتسم بحنان وقال
- يبدو لي بأنه لا حاجة لقلقي , إن كانت حياتك هنا تعجبك فأنا لن أتدخل , لكن تذكر دائمًا بأني أعتبرك ابني فلو واجهتك مشكلة أو احتجت إلى مساعده فلا تتردد في المجيء إلي , زوجتي ستكون سعيدة برؤيتك فهي دائمًا تنتظر اتصالك بها , إن إنقاذك لعائلتي أمرٌ لا يمكن أن أنساه لك لذا لا تتردد في المجيء إلى هنا متى ما ضاقت بك الحياة
كان ايلك ينصت لعمه محدقًا ببرود للفراغ , وما إن أنهى حديثه حتى وقف والتقط عكازه التي كان قد أسندها للجدار ثم تقدم نحو النافذة وقال معطيًا ظهره لعمه
- تذكر ما قُلتُه لك جيدًا , أنا لن أتركك وشأنك لو أنك أخبرتَ جين بأمري
قفز ايلك من النافذة واختفى في لمح البصر , فوقف كارلوس مرعوبًا ليطل من النافذة باحثًا عنه
راح يلتفت يمينًا وشمالًا ويبحث عنه بين الحراس المنتشرين في المكان , وأخيرًا لمحه بعيدًا في الشارع يسير مستندًا على عكازه , تنهد مرتاحًا وهو يشعر بضربات قلبه تهدأ
- تبًا لقد قلتُ لك أنني لن أخبره , لا ترعبني هكذا
عندما عاد ايلك وجد اندرو قد قلب المستشفى رأسًا على عَقِب بحثًا عنه , ولو لم يكن مصابًا لأبرحه اندرو ضربًا لأنه وكما يقول جعله يشيب رعبًا !
- ماذا تعتقد نفسك , سوبر مان , أو الرجل الذي لا يُقهر , بماذا تفكر وأنت تهرب من المستشفى وكأنك بطلٌ في دراما هل أنت مجنون , هل يعمل ذلك العقل الصَدِئ في رأسك !
وهكذا راح اندرو يوبخ ايلك حتى شعر بالملل ونام ليتركه يتحدث مع نفسه




اضافة رد مع اقتباس







:








اتريدينني أقتلك؟


المفضلات