الحمد لله جاعل الحرم آمنا ، وسلام على نبيه فارس الذكر والقنا ، صاحب اللواء والحوض شفيعنا ، وبعد
[CENTER]
البداية
يقف الشيخ على حجر أصم ، فتلين ذرات الجلمود تحت قدميه الشريفتين
غزا الشيب لحيته المهيبة ، وما لان عوده ، وبقى الهزبر فى الثقلين
بجواره ابنه ، يتفحصه بنظرات الحنو ، يذكر الأمس ، كاد النصل أن يهتك جبينه ، وكان غوث الله لعبده عيدا كبيرا ، يتنهد ، يتأمل ، صحراء جرداء صفراء وخلاء ، لا خضر ولا ماء ، بالأمس يترك أهله وديعة ، وخليله لنجواه كان سميعا ، الآن يبنى بيتا لا كأى بيت ، بيتا هو هو البيت ، مقصد السائل ، وقويم المائل
لم يسئل لما فى اللامكان ، لم يفكر وهل يعبد الخالق على البسيطة سوى قليل إنسان
أطاع ولم يتهاون قليلا ، فاتخذه الرحمن بكرمه عليه خليلا، سقطت من عينيه عبرة امتنان واستسلام ، لترقد طاهرة تحت البيت الحرام .
( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )
الغربة
يهرول كهلا نحيلا تجاوز العقد الرابع بالطرقات ، قاصدا البيت ، مشدوها ، ترى المعانة والألم مرسومة على الوجه الصبيح ، هو ذا التاجر الغنى العربى الفصيح ، الصادق الصديق ، أبا العفيفة السيدة
يصل الحرم فيطير لبه ، وتتملكه الأوجاع ، رأى صاحبه ومعلمه ، ورفيقه ومفهمه ، يُضرب بصحن الحرم الأبىّ
أيُضرب الرسول العربى ؟ أيضرب الأمين التقى ؟ أيضرب السيد البهىّ ؟ أيضرب محمد الحبيب وأين ؟ ببيت حبيبه !!! يحيط البيت الأوثان ، يطوف البيت العريان ، غريب يا بيت التوحيد أنت فى المكان .
يلقى الصديق جسده فداء ، تتسابق الأيادى لتنال بفعلها شر الجزاء ، غابت ملامحه ، وهوى طريح الارض تائه , ينظر لصاحبه ، فسقطت دمعة تعرف مكانها ، موطنها ومستقرها ، بجوار دمعة الخليل ، وصاح ، " أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله "
( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ )
الفتح
من بعيد ، على ناقته القصواء ، مطأطأ الرأس ، يرى البيت بعد بضع سنين غربة ، كم إشتاق اللقاء ، كم تقلب وجهه فى السماء ، لأجل البيت القبلة ، هو الآن بعد الطردة ، يدخله فاتحا منتصرا ، عالىّ الهامة ككل حالة ، سيدا أبدا ، يمر بالمكان الذى عُذب به صحبه ، بالمكان الذى إستهزىء فيه بدعواه أهله وقومه ، هنا كان يرقد بلال ، وهنا قتلت أم عمار ، وهنا حذفه بالحجر عمه ، وهنا وصمه بالجنون أبو جهل ، هنا وهنا وهنا ، فقد عاد كما ربه وعده . تواضع وتحمل ، وتألم وصبر، فارتفع وعلى ، فوطأ السماء بنعله ، محمد سيد الناس .. من مثله ؟
تسقط من عينه الشريفه ، دمعة عفيفة ، لتغسل رمال الشرك بالحرم ، وتمحو آثار حقبة من الزمن ، فاليوم يوم المرحمة ، واليوم يُطهر البيت من الوثن ، أتممت الرسالة ، وحفظت الأمانة لتبلغ السماء يا صاحب الجاه والمكانة .
( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً )
العودة
حول أستار البيت العتيق ، يتجمع أحرار العقول والهوى ، أصحاب الرأى والنُهى ، فى يوم طال به السفر ، وصال وجال بمقاديره القدر ، يبايعون الامام المهدى المنتظر .
يقف الشاب الفتى ، فى أزهى عنفوان الخير الجلىَ ، دوامات الحيرة تتقاذفه ، وأعاصير الخوف تتلقفه
هل هو حقا المنشود ، صاحب الرايات السود ، يتيه ، لا يحس إلا بروحه الطاهرة وحيدة فى كنف البيت
تستقبله إبتسامة جده الأكبر ، ورسول الله الأعظم ( صلى الله عليه وسلم ) ، يعانقه ، يبكى كما لم يبكى قبل ،
يقرأ الأمل فى عينه ، ويستشف الوعد بعلمه ، يرى فيهما التحفيز المتين ، " ابن بنتى ، فلسطين .. فلسطين "
تسقط دمعة أبية ، ترقد جوار الدمعات الزكية ، تخالط عبرات جده وجده ، فيصيح الأسد خارج العرين ، ليذبح صوته ذاك الزمان الحزين ، وتعود العزة لصواحب الدين
( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ )
النهاية
زمان ليس كأى زمان ، لا شرف لا عز لا دين لا إحسان ،
فى جنبات البيت يتجمع الرعاع والاوشاب ، يعربدون ، يتمايلون ويحطمون الحرمات بإعجاب
دفنت القدسية وانتزعت من الارض الايات القرآنية
هو محض شر خالص ، سواد قاتم بهيم ، ليل دامس سرمدى سقيم
يرفع ذو السويقتين المعول بيد سوداء كقلب العبد الآبق
يدك جدار البيت الآمن ، تتعالى الصيحات والهذيانات ، لعمرك هى نزعات السكرات
يستحيل الحرم أنقاض ، هُرست الحجارة هرسا ، ثم كُنست معالم القدسية من الارض كنسا
جلس ذو السويقتين يستريح ، فسقط ماء العرق من جبهته اللئيمة ، ليرقد بجوار العبرات الكريمة
فانتفضت الارض وكان لصاحب البيت أمر ، فنفخ الموكل الأولى ، يومها لا كر ولا فر
(يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ )









اضافة رد مع اقتباس
~




المفضلات