- "ماذا سنفعل الآن يا عمر؟" ...
نظر الرجل إلى عينيها البنيتين المتشحتين بالقلق، تذكر عندما أخبرها برغبته في السفر حتى يدرس في الأزهر، قال لها أن ساعتان فقط ستفصلان بين منزله ومنزل العائلة حيث ستبقى هي، أكد لها أنه عندما سينهي دراسته سيكون قد أمن لهما معيشتهما، والآن ماذا ؟ أشاح بنظره عنها ليحدق في يده الممسكة بثلاث عملات نقدية. ثلاث قروش.. أهذا حقاً كل ما تبقى لهما بعد كل تلك الآمال والأحلام؟
لقد كان رجلاً يؤمن بأن بعد العسر يسراً، وأن الله لا ينسى عباده أبداً، "سيكون كل شيء بخير" هكذا كان إيمانه وثقته في ربه يطمأنانه.
تنهد بعمق قبل أن ينظر حوله، حيث امتدت العمائر حوله ذات اليمين وذات الشمال، تفصل بينها طرقات واسعة امتلأت بالناس والسيارات والدخان والبخور، و شاهد فيما حوله مقاهي عامرة و متاجر متباينة ما بين متاجر الخطاطين ومتاجر التحف والمجوهرات، ومن بعيد لمح أرضاً خاليةً سمحت له برؤية بعض من مياه نيل زرقاء تلمع تحت أشعة شمس الغروب.
وقبل ان ينظر نحوها مرة أخرى، لاحظ أرغفة الخبز المعروضة للبيع في متجر بقربهما، وتذكر أنهما لم يتناولا شيئاً منذ خروجهما من منزل عائلته هذا الصباح، لتعود كلمات أخوه الأكبر الساكن هناك ترن في أذنه مرة أخرى "خذ زوجتك يا عمر، فنحن لم نعد نستطيع أن نرعاها بعد اليوم"
تنهد مرة أخرى قبل أن يقول لها "انتظريني هنا" ويتجه نحو المخبز.
ما إن دخل حتى انبعثت رائحة الخميرة والقرفة العميقتين واكتنفه دفء المكان، اشترى بضع أرغفة خبز ثم خرج والعبوس يرسم تفاصيل وجهه، وعينيه تنظران بحزن نحو زوجته الواقفة حيث تركها، لقد كانت متعبة، ورغم أنها حاولت اخفاء ذلك بابتسامة عندما لاحظت خروجه من المخبز إلا أنه كان متأكداً من ذلك، لم تكن رحلة الحافلة من المنوات إلى القاهرة مرهقة، ولكنه كان يعلم ما كان يتعبها؛ كيف لنا أن نعيش الآن؟ ماذا سنأكل؟ وإذا استطعنا تناول العشاء اليوم فماذا عن الغد؟
ذهب إليها وأعطاها كيس الخبز قائلاً "سندبر أمورنا بهذا إلى أن يحلها ربنا، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، لا تقلقي، سـوف .... "
جاء صوت من خلفه ليقاطعه قائلاً "عمر؟ أهذا أنت؟"
نظر المعنْي خلفه ليرى جاره وصديقه يتجه نحوه وعلى وجهه ابتسامة وحاجبيه مقوسين في اندهاش "يا رجل! لماذا لم تأتي؟ أنسيت تجارب الآداء؟"
أجاب عمر على أسئلته بنظرة تعجب وتعابير وجه تدل على الحيرة، ليشرح صديقه أكثر "تجارب الأداء لقــُرَاءِ القرآن! لقد أخبرتك عنها منذ أن ظهر ذلك الإعلان في الجريدة! لماذا لا تذهب؟ قد تلحق بهم قبل أن ينتهوا إذا ذهبت الآن"
اختفت تعابير الحيرة لتــُستَبدَل بخيبة أمل "آآه، أي تجارب تتحدث أنت عنها؟ انسى الأمر"
عبس الصديق قائلاً "هيا.. ما الذي ستخسره؟"
نظر عمر نحو زوجته متردداً لتطرق رأسها هامسةً "إنه محق، لن تخسر شيئاً إذا جربت"
تردد للحظة قبل أن يأخذ نفساً عميقاً، توكل على الله ثم وافق على الذهاب مع صديقه بعد أن أوصل زوجته إلى منزله.
ذهب إلى حيث كانوا يستمعون لقــُرَاءِ القرآن، دخل ليجدهم على وشك الانتهاء، ترجاهم أن يستمعوا له فوافقوا.
وقف أمامهم بثقة متشحة بقليل من القلق..
استعاد عندها ذكرى صورته وهو في الخامسة عشر من عمره، حين وقف خائفاً ومتوتراً وهو يرتل القرآن أمام شيخ بلدته عندما علم والده بحسن صوته وأخذه للشيخ حتى يعلمه. "لقد نسيت القرآن يا أبي، أنا لا أتذكر أي شيء" هذا ما قال لوالده قبل أن يبدأ قرائته بلحظات، ولكن والده شجعه حتى يثق في نفسه.
عاد لواقعه فتلاشت الصورة من مخيلته.
بدأ تلاوته للآيات ملحناً كلماتها المنسابة من بين شفتيه بصوتٍ شجي عميق لتتشارك وجوه الحكام ملامح الإستحسان والسرور. ما إن انتهى حتى وجهوا عبارات الثناء له معبرين عن فرحتهم بإختيارهم له حتى يكون هو قارئ الملك في ليبيا.
أخذ بضع دقائق حتى يستوعب ما كانوا يتكلمون عنه معتقداً أنه أساء سماعهم "قارئ مَن ؟ لقد ظننت أنها مسابقة من أجل قراءة القرآن في مسجد أو تدريسه في مدرسة"
بدا عليهم التعجب "مدرسة؟ لا، لا، أنت ستكون قارئ للملك، لقد أعجبنا صوتك كثيراً، ولهذا قررنا أنك ستكون مناسب لهذا"
لم يصدق عُمَر نفسه، وما إن شكرهم، وتأكد من موعد لقائه بهم مرة أخرى، ثم ودع صديقه ممنوناً، حتى تركهم وابتسامة واسعة تشق طريقها في وجهه، ذهب إلى زوجته وأخبرها بما حدث، لتمتزج مشاعر فرحتها وحمدها لله بحزنها على فراق زوجها.
سافر بعدها حتى يعيش في ليبيا إحدى عشر عاماً من قراءة للقرآن ووحدة وبـُـعـْد عن زوجته وأبنائه، ليعود إلى مصر فيتعين مدرساً في معاهد للقراءات، ثم يخرج في بعثة للسعودية مع عائلته لسنوات عديدة قبل أن يعود فيستقر في بلدته المنوات.
₪₪₪₪₪₪₪
كان دوماً يحب زيارة القاهرة، وخاصة منزله الذي يملكه هناك،
حيث بناه على تلك الأرض الخاوية التي سمحت له برؤية مياه النيل في ذلك اليوم،
كان يقف أمامه متذكراً حزنه وقلة حيلته وخوفه من المجهول، رائحة المخبز والبخور الممتزجة بالدخان،
ويتذكر تلك القروش الثلاثة التي أمسكها في يده ذلك اليوم
غير متأكداً مما إذا كان سيعيش ليكسب غيرها
فيبتسم، ويحمد ربه، ثم يدخل المنزل.
₪₪₪₪₪₪₪
"النجاح من عند الله، هو ليس صنيع الورث أو الخداع، النجاح الحقيقي يأتي عندما تحترم نفسك والآخرين،
عندما لا تفتعل المشاكل، عندما لا تظلم أحداً أبداً، إذا ظـُـلمتَ فلا بأس
ولكن لا تظلم أحداً في معاملاتك مع جميع مَن تقابلهم، من جارك حتى بائع الطعام في الشارع"
– عمر، بطل هذه القصة"
* للأمانة: أحداث القصة حقيقية إلا أنني اختصرت بضع سنوات
حتى أستطيع كتابتها في قصة قصيرة متماسكة الأجزاء – رغم أنني لست متأكدة من أنني استطاعت فعل ذلك–
كما أن المحادثات أغلبها من خيالي ولكن فحواها حقيقي
* أشعر أنني فشلت في كتابة هذه القصة، ربما لأنني كتبتها على عجل؛
كي أتجنب حدوث ما حدث معي عند كتابتي لقصة "قبل أن أموت أريد تحقيق أحلامي"
~> أنتم حقاً لا تريدون معرفة ما حدث لي يومها
كما أنني اضطررت لسماع شريط سجله بطلنا عمر لمدة ساعتين
حتى أحاول أن أجعل هذه القصة واقعية بقدر الإمكان
* أشعر أيضاً أن هذه الملاحظات ليس لها أهمية حقيقةًولكنني سأكمها على أي حال
* لمن تسائل: كيف له أن يشتري "أرغفة من الخبز" بثلاث قروش فقط؟
لقد وقعت أحداث هذه القصة في السنوات بين 1941و 1961
أعلم، أعلم، الفرق شاسعولكن الاختصار لم يكن لهذه الدرجة مؤثر
، حسناً ربما قليلاً
ولكنه خدم الفكرة العامة وهذا هو المهم
أيامها كان يمكنك العيش لمدة عشر أيام بـ ثمانين قرشاً فقط !
* لتحميل ملف الورد [هنا]
₪₪₪₪₪₪₪
أتمنى أن تكون قد أعجبتكم القصة..
اشعروا بحرية كتابة أي تعليقات وانتقادات تخطر على بالكم
أتمنى لكم جميعاً التوفيق والنجاح!~
في أمان الرحمن~





"


–
؛



؟
، حسناً ربما قليلاً 
..
!~
~
اضافة رد مع اقتباس
..

!






!
!
<< اصمتي قبل ان تخرج المصائب 
!
؟




المفضلات