أتذكر فيما أتذكر، يوما صحوت فيه باكرا للدراسة و عمري حينها عشر سنوات. كانت الساعة الخامسة صباحا، و لم يكن لي من ونيس غير جهاز الراديو، و يعلم المقربون مني كرهي لهذا الجهاز. كانت المحطة تنقل خطابا لمعمر القذافي، كان حينها يصرخ " أمريكا دولة لقيطة، لا تاريخ لها، نحن التاريخ ،نحن الأصالة ..." تعلمت يومها معنى لقيط، فسره لي أبي بأمتعاض حين إستفاق، و أنهى كلامه قائلا، لا تهتمي له، إنه مجنون. و كان كذلك، سكرة من سكرات الجنون تلك التي تصرخ بالحقيقة فجرا. لن انتقد القائد و لا فكره و لا جرائمه و لا سياسته، فلست أخبر حيثيات ماضيه و دواعي فعله، و ما أومن به أن السلطة تغير مفهوم الخير و الشر، و تغالي في نسبية الامور، و ما أعرفه أن الكرسي قدر و إمتحان و لا يدرس الحكم في المدارس و لا يربى عليه بسطاء الناس. تذكرت هذا فحسب، لانه حقا مجنون من ظن أن التاريخ يبني المستقبل، أو أن التاريخ يمنح صكوك النجاح. نحن نعاني مرضا متفشيا و متغلغلا فينا و هو إجترار الماضي، خطاباتنا الحماسية اهترأت و بهتت. لن أجادل في من كتب التاريخ، و في حقيقته و تحريفه، لكن اجتراره و و أعادة سرده في كل مجلس وكل خطاب و على كل لسان و في كل محفل افقده قدسيته، حتى اننا مللنا منه، ما عدنا نهتم له، في قرارة أنفسنا هو بعيد منسلخ عنا بعد المستقبل الذي نرنو إليه. نحن قابعون في برك موحلة من الواقع، و عيوننا يملؤها الطين، و بريق الماضي لا يرى و رنينه لا يسمع، و لكننا نعي وزنه و حجمه و ثقله، و كلما رفعناه زدنا اندساسا في الطين، حتى أن أنفاسنا حبست. أثقل كاهلنا هذا التاريخ المجيد، قصمت ضهورنا حكايات حنبعل و عليسة، و الفراعنة و البربر، و صلاح ألدين و المعتصم ... ارحمونا من التاريخ، دعوه لأهله و دارسيه، لا تحاولوا شحذ الهمم بتذكيرنا به، فان كل أمل فينا يخبو حين نتذكر اباء لا نعرف وجوههم و أجدادا لا نعرف قبورهم. التاريخ سنبنيه نحن، حين نتخلص من عقدته، و شرف الأمة لا يصان بالخطابات...



اضافة رد مع اقتباس


المفضلات