تابع..
و بعد وقت قصير، قاطع شروده أحد خدم الضيافة حين قال مقربا نحوه طبقا يحوي بضع كؤوس للعصير: سيدي، هل ترغب بالقليل؟
التفت إليه مستغربا، ثم تذكر بأن أحداً من الحضور لا يعلم بكونه خادما، فـ مد يده إلى أحد الكؤوس آخذا إياه، ثم التفت بناظريه حيث كانت تقف روزماري ليجدها تنظر إليه بعينين لامعتين و تتجه مقتربة نحوه..
شعر بنبض قلبه يتلاحق تباعاً مع كل خطوة تخطوها باتجاهه.. و التفت بلا شعور يمنة و يسرى بارتباك، ثم أعاد ناظريه إليها ليجد ابتسامة عذبة مرتسمة على شفتيها الزهريتين تزيدها جاذبية، فابتسم بدوره و هم بالاقتراب منها هو الآخر ليمنعه عن ذلك شخص سبقه إليها..
شخص حين رأته منحته ابتسامة مغايرة لما كانت تظهرها..
رآه ميشيل و هو يمسك بيدها برقة و من ثم يقبل راحتها.. و رآه عندما حادثها بأمر ما لتومئ برأسها إيجابا لتذهب من بعدها برفقته إلى وسط القاعة حيث يحتشد بعض الحضور أزواجاً.. و من ثم ابتدأ عزف سيمفونية جميلة أجبرتهم على الرقص..
فتوقف في مكانه ناظرا إليهم، و إلى ما يحيط به..
تلك الجدران الذهبية، و الستائر الحريرية.. الأرضية كذلك و المزهريات الخزفية..
أخذ يتأمل الحشود.. تصرفاتهم و ما يرتدون.. و ما يتفاخرون به كذلك..
أولئك العازفين على آلات الكمان، الكونتر باص، و التشيلو.. و آلات أخرى هي الفلوت و الأكورديون..
أسرّ ميشيل في نفسه "كم هو جميل هذا العالم البراق، لكن.. لا أظن بأني سأتأقلم معه.. لا، بل هو غير مناسب لي.."
ثم بدأ بالتراجع بضع خطوات مبتعداً عن جو الصخب و الحشود الراقصة ليرتطم بعد مدة قصيرة بشيء ما خلفه، فالتفت من فوره ليجده سور من الجص أبيض عتيق اللون يحيط بشرفة نصف دائرية واسعة.. و كانت مطلة على الحديقة الخلفية المشبعة باللون الأخضر لأشجار عامرة تصمد تجاه برد الشتاء..
أخذ يتأملها بعينيه السارحتين.. أشجار مصفوفة بجوار بعضها و مقلمة لتمنح شكلا ساحراً لمتاهة متوسطة الصعوبة، يتوسطها تمثال يجسد فتاة بجناحين أحدهما مكسور، منحوتة على قاعدة دائرية كبيرة تبدو كحوض مليء بمياه راكدة تطفوا فوقها بعض أزهار الزنبق المائي..
استمر لبعض الوقت يتأملها بصمت، فـ أتاه صوت ناعم يقول: هل تسمح لي بهذه الرقصة، أيها السيد النبيل؟
التفت نحوها دَهِشاً ليجدها روزماري، ثم أومأ لها برأسه إيجاباً بعد أن حدق بها بعينيه المتلألئتين لوقت قصير.. و حينها، ضحكت برقة قائلة: من المفترض أن تقوم أنت بدعوتي للرقص، ليس أن توافق بتعابير وجهك تلك.
شعر بالارتباك قليلا، و قال بتلعثم: أوه صحيح..
ثم قام بثني ذراعه اليسرى خلف ظهره و اليمنى جعلها مفرودة بثنية طفيفة نحوها، منحنياً بجسده للأمام قليلاً، و قائلا بنبرة صوت ثابتة و أسلوب مهذب: هل تسمحين لي بهذه الرقصة، آنستي الجميلة؟
وضعت يدها اليسرى بيده اليمنى و أجابته بالإيجاب المصحوب بابتسامة متوردة، ثم ضمت يدها اليمنى بيده اليسرى بعد أن قام برفعها إلى مستوى نظرها، و بدآ الرقص الكلاسيكي على أنغام سيمفونية الفالس الثاني لـ ديمتري شوستاكوفيتش..
يرقصان بحركات دورانية و استدارات رشيقة في تلك الشرفة الواسعة بعيداً عن الجميع، و لا يزال الفتى غير متقن للرقص بعد، لكنه كان يحاول مجاراتها بكل طاقته و نجح في تقليص عدد المرات التي وطئ بها قدمها إلى الصفر..
و خلال ذلك، كانت هي تنظر إلى عينيه اللتين حجبهما ذاك القناع جزئياً، ثم ضحكت بخفة و قالت له بسعادة: حمداً لله، تبدو معنوياتك مرتفعة..
أومأ لها بالإيجاب حين أصدر صوتا طفيفا يدل على صحة ذلك، فأردفت: يبدو بأن طولك قد ازداد قليلا خلال الشهر المنصرم، و أنا التي ظننت أنك بليد النمو..
احمرت وجنتيه ليقول لها بغيظ طفولي: انتظري قليلا، و سأصبح طويلا كـ السيد غيلبيرت..
ابتسمت قائلة بمرح: أجل، أجل..
ثم أردفت بملامح ترتقب إجابة سريعة: إذا، ما رأيك؟
- في ماذا؟
- في ما تراه هنا.
صمت قليلاً يفكر بالإجابة مشيحا بمقلتيه بعيداً للأعلى، ثم قال بعد أن أخفض ناظريه بحياء: جمـ..
و قبل أن يتم رده، استوقفهما السيد غيلبيرت حين وضع يده على كتف ميشيل و قال له بنبرة منخفضة: هل تسمح لي بسرقة هذه الرقصة منك، أيها الشاب المحترم؟
نظر إليه كليهما لوهلة، ثم ابتعدا عن بعضهما مترين تقريباً.. فضحك ذلك الرجل الأشقر بوتيرة عالية، و قال بعد أن أمسك بيد ميشيل مصافحاً إياه: أخشى بأن وقتك هنا قد انتهى سندريلا..
.
- سندريلا..؟!
.
قالها الفتى متسائلا مستغربا، بينما كانت روزماري تحاول إمساك نفسها عن الضحك كي لا تتلف قناع الرزانة اللبق الذي ترتديه أمام ضيوف حفل الـ ديبوتانت الموقرين..
فقام السيد غيلبيرت بضرب عضد الفتى بطريقة أصدرت صوتا عالياً بعض الشيء لكنها لم تكن ضربة مؤلمة، ثم قال له بصوت منخفض بينما هو يشير إلى باب القاعة العريض: ويليام بانتظارك بجوار القاعة، اذهب إليه.
ميشيل: حسنا..
قالها، ثم استمر بالنظر إلى روزماري وكأنه ينوي قول شيء ما لها، فأخبره السيد غيلبيرت بالإسراع بالخروج من هنا قبل أن يبدأ الاحتفال بيوم ميلاد روزماري، حيث سيقوم الجميع بإزالة الأقنعة عن أعينهم، فما كان منه إلا أن انصاع لهذا الأمر و توجه بخطوات متزنة إلى حيث ينتظره كبير الخدم ويليام، متخذاً مساراً محاذياً للجدار بعيداً عن اكتظاظ الحشود..
و بعد تأكد السيد غيلبيرت من خروجه أخيراً، استدار نحو روزماري قائلا بنبرة هادئة: صعب للغاية، هذا الأمر..
أخفضت ناظريها و رأسها قليلاً، و اكتسى الحزن عينيها فبدأتا تلمعان ألماً، ثم قالت بصوت خافت: أجل..
بعد فترة من الزمن في مكان آخر..
يقف أمام ذلك البناء الصغير حاملا حقيبته الظهرية خلفه و مرتديا لباسه العادي..
لم تزعجه معاملة السيدة أوفيليا له حين أمرته فور عودته بالنوم في المستودع مجددا.. هو لم يكن يرتقب معاملة أخرى، لكنه كان يأمل أن تعود الأمور إلى سابق عهدها..
أطلق تنهيدة عميقة ثم توجه إلى الداخل و قام بإشعال المصابيح فاحترق أحدها على الفور ليزيد أجواء المستودع خفوتا..
لم يبالي بذلك، بل ما يشغله هو برودة المكان، فأسرع نحو المدفأة لتشغيلها و من ثم جمع أكواما من القش إلى مكان قريب منها ليرتمي عليها بجسده المرهق..
فقد كان اليوم حافلا بالعديد من الأشياء التي نبهته إلى أمر كان قد غفل عنه.. و هو الفارق بينه و بين العالم الذي تنتمي الفتاة روزماري إليه..
أبعد تلك الفكرة من رأسه مؤقتا و استسلم للنوم و سط الدفء الذي بدأ ينتشر في المستودع تاركا الأضواء الباهتة التي تكاسل عن إطفائها مشتعلة..
و في اليوم التالي، سمحت المدبرة الجديدة، و بعد إلحاح من جورج، لـ ميشيل بالدخول إلى الفيلا ليساعد في عملية التوضيب استعدادا للعودة إلى المنزل الرئيسي لعائلة إدوارديز.. فـ حاول الفتى انتهاز هذه الفرصة لمقابلة روزماري، ليخبرها بما أراد قوله البارحة في الحفل، لكنه لم يتمكن من ذلك..
و حين حل المساء، و بدأ الجميع استعداداتهم للنوم، اتخذ ميشيل وضعية القرفصاء في المستودع على كومة القش القريبة من المدفأة، موجها أنظاره تارة نحو حافظة كمان ستراديفاريوس، و تارة أخرى نحو النافذة و كأنه ينتظر قدومها..
و حين ضُرب زجاجها مرتين متتاليتين، نهض لأخذ نظرة خاطفة من خلالها، ليمتلئ قلبه بالسعادة و يهرع لفتح الباب لها..
توجهت إلى الداخل قائلة: هل كنت تنتظرني؟
فأجابها سعيدا بوجنتين محمرتين: أجل..
- حقا..! و ما الذي جعلك متأكدا من مجيئي إلى هنا؟
أشاح بناظريه جهة اليسار قائلا بهدوء: لم أكن واثقا، بل كنت أتمنى قدومك.
ابتسمت، و قامت بخلع معطفها البني الطويل لتبقى بفستان نومها الحريري قائلة: حسنا إذا..
ثم أمسكت بيده اليسرى و أردفت بنبرة هادئة بينما كانت مقلتاها تحدقان بعينيه: فلنكمل ما كنا نفعله أثناء الـ ديبوتانت.
احمرت وجنتيه و أومأ بالإيجاب قائلا: حسنا.
ثم استأنفا الرقصة التي قاطعهم السيد غيلبيرت أثناءها بصمت..
و بعد وقت قصير، تغيرت وتيرة الرقص فجأة لتصبح أكثر سرعة، فبدى الأمر و كأن روزماري تجر ميشيل المضطرب خلفها هنا و هناك.. و تستدير ملقية بظهرها إليه ثم تعتدل في وقفتها و تأخذ مسارات دائرية حوله..
و حين لم تجد منه تجاوبا لما تفعل، أدركت عدم معرفته للخطوات، فـ قالت له بينما هي مستمرة بالدوران: ألم يعلمك خالي أداء هذه الرقصة؟
أجابها بالنفي، فتوقفت و هي تنظر إلى عينيه اللتين كان يشيحهما بعيدا عنها، فتراءت لها ذكرى مزعجة من الأمسية الماضية.. حين انحنى لها أحد الشبان من الضيوف بعد أن قام بنزع قناعه عن عينيه، ممسكا بيدها اليمنى و منخفضا بجسده على الأرض راكعا على ركبة واحدة، و كان بفعلته تلك يعلن اختيارها كـ عروس له..
و بما أن والدها كان يقف بجوارها، التفتت إليه بنظراتها المرتبكة المترددة، ليومئ برأسه أن امنحيه ردا لائقا..
فأعادت ناظريها نحوه، و أخبرته برغبتها بمهلة للتفكير بالأمر.. لينهض موافقا على شرطها، و من ثم دعاها لمرافقته في الرقصة الختامية للحفل..
عادت إلى الواقع نافضة ذلك الأمر الذي أنهك تفكيرها طوال اليوم، و اقتربت من ميشيل لتلتصق به محيطة بذراعيها خلف عنقه..
سألها باستغراب و تلعثم: ما الذي تفعلينه..؟!
لتجيبه بنبرة منخفضة هادئة: فلنؤدي رقصة أخرى..
و حين بدأت بالتحرك معه، قال لها بوجهه المحمر بشدة: أنت تتصرفين بغرابة اليوم.
- حقا.. أعتقد أنها مخيلتك.
و أثناء ذلك خارج المستودع، كانت كاترين تقف مذهولة مما تراه من النافذة..
فهي قررت اليوم المجيء إلى ميشيل للتخفيف عنه، و لم تكن لديها أدنى فكرة عما كان يجري هنا.. فشعرت بانقباض في صدرها حين رأت ما رأته، و تلاعبت بها العديد من الأفكار لتهرع إلى الفيلا متوجهة نحو غرفة المدبرة الجديدة و هي محملة بغيرة شديدة و كيد عظيم.. ثم بدأت بطرق الباب بقليل من الشدة منادية بصوت منخفض: سيدة أوفيليا.. سيدة أوفيليا..
لتجيبها أوفيليا بانزعاج: من هناك..؟!
- إنها أنا، كاترين سيدتي.
نهضت مدبرة المنزل من سريرها و ارتدت معطف نومها الأخضر الطويل، ثم توجهت نحو الباب و فتحته لتجد العاملة اليافعة تقف و أمارات الارتباك تتجلى بكامل جسدها..
قالت لها أوفيليا ببعض الحدة بعد أن نظرت إلى الساعة: ما الأمر الذي دعاك لإزعاجي في هذا الوقت المتأخر؟
فـ بلعت كاترين ريقها ثم استجمعت كامل شجاعتها و قالت بنبرة عالية مغمضة عينيها بشدة: إنه.. إنها الآنسة روزماري..
أثناء ذلك في المستودع..
كانت تتمايل بجسدها يمينا و يسارا ببطء انسيابي، بينما هو لا يزال غير متمكنا من مجاراتها، و كاد أن يسقط عليها لكنها تراجعت للخلف عدة خطوات محاولة منع ذلك، فنجحت.. ثم قالت له بعد أن ضحكت بخفة: يا إلهي، أنت مرتبك جداً.
أخذت تحدق إليه للحظات معدودة و هي لا تزال تحيط ذراعيها حول رقبته، ثم فاجأَته بأن أسقطت نفسها على مساحة من القش خلفها ساحبة جسده معها..
كان ما فعلته غريباً جداً و دون مقدمات، و هذا ما جعل ميشيل عاجزا عن التفكير لوهلة..
حاول النهوض لكنها كانت تطبق عليه بإحكام، و كأن عقلها قد غاب لتسيطر عليها رغباتها الجامحة.. و كذلك الفتى الذي يصغرها ببضعة أشهر، و الذي شعر و كأنه سيفقد السيطرة على مشاعر غريبة اعترته و لم يفهمها، لكنه موقن بأنه لا يجب أن ينجرف خلفها..
لم يعلم إلى أين يتوجه بعينيه، فأخذ يقلب ناظريه بين شفتيها الزهريتين، عنقها النحيل حنطي اللون، و عظام الترقوة التي كانت ظاهرة بوضوح بسبب انزلاق فستان نومها الحريري كهرماني اللون للجهة اليسرى..
شعر بنبض غريب في قلبه، نبض يزداد قوة و كأنه يوشك على الانفجار.. و شعر بحرقة في حلقه فبلع ريقه بينما كانت عيناه لا تزالان تتراقصان في جميع الاتجاهات..
.
- ما الذي يدور في ذهنك الآن؟
.
سألته بصوت خافت مثير، ثم قالت له حين أشاح بناظريه بعيداً عنها: لا تبعد عينيك عني.
أعاد ناظريه إليها ليرى عينيها الخضراوتين تنظران إليه بطريقة غريبة لم يألفها، و شعر بأنهما كانتا تجذبانه نحوها، فبلع ريقه ثانية و بدأ بالاقتراب منها مخفضا برأسه نحوها حيث كان هو يعلوها..
و في اللحظة التي أغلقت بها عينيها مستعدة لما هو آتٍ، فُتح باب المستودع بركلة قوية جعلتهما ينتفضان و يتوقفان عما كانا على وشك فعله، و انقطعت تلك اللحظة الهائمة التي جمعتهما حين سمعا صوتاً ينادي بغضبٍ عارم:
.
" روزمااريــــــــــــــــــــــي.."
.
فـ تجمد جسديهما ذعراً فور تعرفهما على صاحب تلك الصرخة المدوية..
إنه السيد سولومون إدوارديز، والدها و رب عمله.
.
.
نهاية الفصل الحادي عشر..~
كان فصلا طويلا، أوليس كذلك؟ 
لا أسئلة لهذا الفصل، أترك لكم التعقيب..
انتظروا، فلدي إضافة في الرد القادم..
المفضلات