الصفحة رقم 5 من 6 البدايةالبداية ... 3456 الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 81 الى 100 من 103
  1. #81
    أتمنى لكِ التوفيق ، يا عطرَ الفجرِ.


    عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما ، فقال : ( يا غلام ، إني أُعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سأَلت فاسأَل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .
    attachment

    شكرًا ƛ Լ Ɩ Ƈ Є
    ..


  2. ...

  3. #82
    - 9 -


    الفقد حُزنٌ يوسمُ به الجبينَ






    - أوس -

    الشمسُ مُختبئةً خلف السحاب الثقالَ , البياضَ يُغطيَ ظاهر الأرضَ وقمم الجبال , تحرّكت أجسادهمَ البائسهَ نحو الحدود مغادرين أرضَ الحروبَ , لم يلتفتَ منهمَ أحدٌ إليّ حينما أستنجدّتُ بهمَ وطلبتُ يدّ العونَ , غلّفتَ الأنانيةَ والقُبحَ قلوبهمَ حينما إرتحلت أقدامهمَ بعيداً قائلينَ ..: دعَ السبّاع تأكُلها كما فعلتَ بـ الآخرونَ , الصغيرةَ لنَ تُشفىَ في ظلّ هذه الحربَ الثائرهَ .
    سعيتُ بينهمَ كـ الطائر الجريحَ , علّ الرحمةَ تنبضَ وتستفيقَ من سُباتهاَ , يعطفونَ أعناقهمَ منعاً للإستماعَ إليّ , صرخَ بيَ أحدهمَ قائلاً ..: ما أًصابَ الصغيرهَ جزاءً وردعاً لـ أفعال والدكَ الدنيئةِ مع القرويينَ .

    تشبثتَ الخُطىَ بـ الثلجَ أسفلها بعدَ أن ولّوا مُدبرين , مآ ذنبُنا العظيمَ بما فعله أبيَ ! , قرّبتَ حنينَ إلى صدريَ أُريد لـ أضلاعنا أن تلتحمَ سويّا , نحيا و نموتَ معاً , صعدَ النبضَ إلى حُنجرتيَ مُصطدماً بـ اللهاةَ الحزينه , تندُب المصابَ قبل أن يقعَ , مسحتُ جبينها الساخنَ المُتلألئ بـ حبّاتَ العرقَ الصغيرهَ , تُبصرَ السماءَ المُظلمةَ البعيدهَ كـ بُعدَ حُلمها اليتيمَ , أحكمَ اليأسُ حلقاته اللآمُتناهيهَ , تنحدرُ المنيّة بينَ حناياها نحو الغروب , عُدّت أنفاسها عداً , لن تتوارىَ خلف الغيابَ قبل الأجل , تسعى جاهدةً لـ إلتقامَ الهواء لـ تُسعفَ به رئتيها الصغيرتينَ , شهيقها لايكتملَ مُختنقاً بـ ضعفها , عصفَتَ المآسيَ تِباعاً تردُفَ بعضُها بعضاً فيَ جوفي , إحتضنتُ جسدها الهزيل لـ أقبّلَ جبينها وخدّيها ويدّيها الصغيرتينَ ..: أُحبُّكَ بقدَرْ أوجاعيَ لآ أفراحيَ فـ بربِّك أنَ الأوجاعَ أعمقَ وأكثرَ .
    توقفتَ صغيرتيَ عن الحركهَ شاخصةً ببصرها , هبطتُ إلى الأسفلَ , وضعتُ يديَ على صدرها أجُسّ النبضَ فيه , لا شئَ
    ذرفتُ دمعاً لاينتهيَ حينماَ أطلقتَ زُمرّدهَ أنينها المُحتبسَ إعلاناً لـ وفاتَها .
    تقلّصتَ الشرايينَ تبعتها الأوردةَ والأحشاءَ , لاترحليَ , وخَالقَك لـ فقدُكَ موتٌ ليَ لا حيآه , لاترحليَ مآزُلتَ ظمآنَ حُبَّك ! , أقسمتُ بـ أن أُكونَ لكِ عِوضاً عنَ والديّ , نُرممَ أحلامنا المكسورة معاً , صرختُ بها ..: أُختاهَ لاترحلي !
    حرّكتُ كتفيها بـ جنون , دفعتُ أحرفي خارجاً ..: لاترحليَ , أُقسمَ لكِ بـ أنني سـ أصحبُكِ إلى أُميَ لـ تُخبريها بـ عشقكِ المُباحَ لها , لاتغيبيَ قبل أن تُهديها العقدَ وَ تُقبّلي ذاكَ الجبين , لن أُفسد ملابسها مرّةً أُخرى ولن أصنع لكِ بها قميصاً كما ترغبين , سـ أشتري لكِ الأقلام والدفاتر لتدرُسي أَحرُف الهجاء وتتعلّمي كتابةَ أحرف إسمها .
    أمسكتُ فكيّها لـ أَحثُها على النطق , صرختُ بها , حنين ! , أجيبيني ولاتبقيَ صامته , بربِّكَ , لا تُذيقيني مرارةَ فقدك كما فعلوا ,
    ما أفعلُ بـ الليل حينما يُسدل ستائره وتخنُقني الذكرى , ماذا عن صباحيَ السقيمَ من دونك ! , ماذا عن يديكِ الصغيرتين حينما ترفعينهما عالياً مُتمتمةً بـ الدُعاء عليّ كما كُنتِ تفعلين , ماذا عنَ ثغركَ قليلُ الإبتسامِ والرضا ! , ماذا عن الحنينَ إن كُنتي الحنينَ ذاتهَ .
    مرّرتُ يدي على شعرها ومن ثمُّ وجهها الساكن , أحفظُ ملامحها جيداً قبل أن تُغادرني و تُوآرى تحت الثرى و إلى الأبد , أغثني يالله بـ الصبر .


    - زمرده -

    أقفُ بـ القُربَ منهَ , مُشتتٌ ذهنيَ بـ أبعادٍ مُتفرقهَ , شعرتُ بـ إنقباضٍ يغزو أوردتي حينما رأيتُ عينيّ أوسَ تعزُفَ لحنَ الرحيلَ , أحتضنتُ الصغيرةَ فجرَ بقوّه كي لاتقعَ منيَ بعدما أرتختَ أطرافُ حنينَ ومالَ رأسُها نحو اليمينَ مُستسلمةً للموتَ , فارقتَ روحها الجسدَ المُسجىَ بـ أحضانْ أوس , الصغيرةُ الباكيه رحلتَ دون وداعَ ولا سابقَ إنذارَ , جفّتَ القناةُ الدمعيهَ فيَ مُقلتيّ حينما رأيتَ منَ إستوطنَ عرشَيَ مُنهاراً يبكيَ ! , يكفكفَ دموعهَ بـ باطنَ كّفهَ كـ طفلٍ صغيرَ فقدَ والدتهَ , تائهاً بـ أحزانهَ !
    وضعَ رأسهَ على صدَرها لـ يُفجّر ما علقَ بـ قلبهَ منَ ألمَ , بعثَ صرخاتَ فقدها بـ محاكاةَ جسدها الساكنَ ..: لستُ أقوىَ الحنينَ إن فارقتَ عينيّ رؤيتكَ , فمآ ظّنُكِ بيَ إن وضعتُكَ تحتَ التُرابَ بيدي .
    أرتجفتَ يديّ بشدّهَ من كلماتهَ , جلستُ على الأرضَ منعاً للإنهيارَ , عيناهَ تضّخَ الهمَ ممتزجاً بـ دمعهَ المُترادفَ أيهما يجرحُ خدّه أولاً ! , ليتنيَ مِتُّ قبل هذا ولمَ أرهَ , ربآه أفرغَ عليه صبراً يرممَ شتاتَ روحهَ , وضعَ حنينَ على اللحافَ لـ يُمددها على الأرضَ البارده , جلسَ بجوارها لـ يغطيَها عدا وجهها ذو الملامحَ الهادئهَ , خبأ رأسهَ بينَ يديهَ فيَ محاولةً لتصديقَ ماحدثَ , أٌقتربتُ لـ أتأكدَ منَ وعيهَ , ترددتُ كثيراً قبل أن أضعَ يديَ على كتفهَ , تلوتُ آيآتَ السكينهَ لـ تُهدئ ثورةَ رحيلها المُعتصمةَ بـ أعماقه , رفعَ رأسهَ لـ تقعَ عينيّ بـ عينيهَ البُندقيّهَ وقدَ إحمّرت محاجرهَ وأنفه , أطرقَ رأسهَ نحو اليسارَ لـ يُداريَ دموعه , إرتجفتَ شفتيه حينما تحدّثَ ..: صغيرتيَ , لمَ ترتدّيَ الأبيَض يوماً ولنَ ترتديَ بياضَ الكفنَ كـ غيرها .

    رغبتُ بـ مواساته فـ أنقلبتُ على عقبيَ أبكيَ , بدا الليلَ كئيباً حزيناً يُقاسمَ ظُلمتهَ أزيزَ صدرهَ , نظرتُ إلى أوسَ الشاردَ بذهنهَ نحو حنينَ ,
    سـ أُبدي الفؤادَ حُزناً عليهَ , ليتَ الأحرُفَ تُسعفَ موقفيَ وتفيق منَ سُباتَ الأوتارَ , بقيَ على حالهَ مُدةً من الزمنَ ويديه تُعانقَ ركبتيهَ , تحدّثَ وهو كظيم ..: الموتُ راحةٌ من كُلَ شر .
    بُعثتَ الآهاتَ طائفةً فيَ مساءنا , تترنّمُ بـ مقطوعةَ العزاءَ , لا تواسينا بلَ تزيدَ الأوجاع فينا , تحرّكَ أوس من مكانهَ نافثاً الهواءَ لـ يُدفءَ يديهَ , أزاحَ طبقةَ الثلجَ الرقيقه لاحَ لهَ وجه الأرضَ الشاحبَ من بردَ الشتاءَ , أخذَ يحفرُ بـ أًصابعهَ المُرتجفهَ , مضتَ الدقائقَ الطويله دونَ جدوىَ من محاولتهَ , وقفَ على قدميّه بعدما تأملَ حنينَ لـ بُرههَ , مسحَ وجههَ بقميصهَ , ذهبَ غيرَ بعيدَ ثم عادَ حاملاً بيدهَ شئٌ صُلبَ أشبهُ بـ الفأسَ , أزال الطبقةَ السميكهَ من الأرضَ ثم واصلَ الحفر بيديهَ , مضىَ الليلَ بـ أكملهَ وهو يحفُر بيديهَ يرثيَ رحيلها بدموعه , يوجهَ بصرهَ إلى حنينَ بينَ الحينَ والآخر , منتظَراً إستيقاظها من سُباتها الأبدّيَ فـ يرتدّ طرفه مُنكسراً حينما يوقنُ بـ أنها جسدٌ بلا روحَ .
    توراتَ الظُلماتَ وصدّحَ الطيّرُ بصوتهَ الشجيّ , خرجَ أوس منَ الحُفرةَ العميقه , عانقتَ الأتربهَ جسدهَ وملابسهَ , وضعَ حنينَ في حجرهَ لـ يُمهد اللحافَ كـ كفنَ , مددّ جسدها النحيلَ عليه , همّ بـ وضعَ الطرفَ الأول عليها , ضرب يسار صدرهَ بـ وهنَ , لايقوىَ القلبُ علىَ فعلَ ذلكَ , أنَ يُكفّن صغيرته بيديهَ , تحدّث وهو يحملُها مجدداً بينَ ذراعيهَ ..: ياربِّ , علّمنيَ ألآ أضيقَ وأحزنَ , علّمنيَ أنَ لآ أجزعَ وأسخطَ من القضاء , ياربِّ علّمنيَ أن الأرواحَ تتلاقىَ بعدَ الغيابَ و ...
    لمَ يُكمل حديثهَ مختنقاً بـ خائنةَ الأحرُفَ , قبّل جبينها قبل أن يُمددّها مُجدداً , أنهىَ تكفينها جيداً , نزل إلى القبر لـ يضعَ حنينَ بـ الفجوةَ الضيّقهَ .
    أنتظرُ الإغماءةَ تُداهمنيَ منَ هولَ الموقفَ , شلّتَ الحواسَ عنَ الإحساسَ بـ أي شئَ , رُحماكَ ربيَ بـ أوسَ .
    خرجَ من القبرَ , هلّ التُرابَ شيئاً فـ شيئاً حتىَ إرتفعَ عن مستوى الأرض , وضعَ حجراً متوسطَ الحجم دلالةً على وجود قبرَ , رفعَ يديهَ ..: ربَّاه , أرحمهما كما رميانا صِغارا .
    يدعوا لوالديهَ بـ الرحمه ! , بـ الأمسَ القريبَ يقُسمَ بـ أن ذنبهما شقاءٌ لايُغتفر واليومَ بـ رحيلَ حنين يدعوا لهما !
    تحدّثَ لـ يُبرر تصرّفه ..: رفعتُ يدّيَ أشتكيَ إلى الله فعل والديّ بِنا , أن يرتشفوا من الكأس ذاته الذيَ سقيانا منه , تراجعتُ مُنكسراً خشيةَ يومَ التنادْ , آمنتُ بـ أنني ضعيفٌ أمام الأمرُ الإلهي ( وبالوالدينَ إحسانا )
    حملَ فجرَ التيَ تعثرتَ بـ خطواتها اللغير مُتزنه , تتجسّد الرحمةُ به كـ شخصٍ آخرَ لا يعرفَ الحقدَ , كُل يومٍ يمضيَ وتغيبُ شمسهَ , يزيدُ النبضَ قُرباً إليهَ .



    - راويه -

    أضربتُ عن العملَ في قصرَ السيدةَ روزالينا منَذ آخر لقاءٍ بينَي وبينَ ذلكَ الشابَ , إتخذنيَ الجميعُ سخريّا كونيَ جاريةً تُباعُ وتُشترى , إعتكفتُ بينَ زوايا غُرفةَ الخدمَ أنتظرُ تمامَ اليوم السابعَ بعدَ يومينٍ من الآنَ لـ أعودَ إلى جحيمَ سايمنَ وزوجتهَ وسارا أيضاً , هذا الإعتصام لم يدمُ طويلاً إذ أن إضرابيَ عن العملَ جعل العجوزَ تستشيطُ غضباً وتُخبر السيّد عنَ تصرُّفيَ , الذي لم يتوانى الآخر عن القدومِ إلى هُنا وإشباعيَ ضرباً مُبرحاً , برزتَ الإنتفاخاتُ فيَ وجهيَ مُزرقةً تتفرعُ بها الشعيراتُ الدمويه , ضقتُ بهم ذرعاً !
    تبلّد الإحساسَ والشعور بـ أي شئَ , لمَ تعدَ الدموعَ كنفاً ألجأُ إليها حينما أضيقُ همّاً وغمّا , أتاني صوتَ البغيضةَ سيسمان ..: السيّدةَ تُريدكَ .
    أبعدتُ اللحافَ الدافئَ عن جسديَ بضجر ..: أينَ أجد العجوزَ ؟!
    حدّقتَ بيَ , وضعتَ أصبعها على شفتيها حثاً على الصمتَ , حدّثتنيَ ..: لديكَ عملٌ كثير لم تُتمهِ البارحهَ ...
    ثارَ الجنونَ برأسيَ , من تحسبُ نفسها تِلك الرئيسه , قاطعتُ العنقاء أمامي ..: لآتُصدريَ الأوامرَ إتجاهيَ , أين سيّدتكَ ؟!
    خرجتَ من الغُرفة قائلةً ..: تنتظركِ بـ الأسفل .
    تبعتها دونَ أن أُبدّل ملابسَ النومَ , سـ أعود إلى هُنا فور إنتهاء العجوز من ثرثرتها المؤذيةَ للسمعَ .

    توجهتُ حيثَ المكان المُفضل لديها بقيتُ أنتظرُها بُرهةً من الزمن , وصلني صدى خطواتها قادمةً من الأعلى كـ مدفعَ الإنذار في قريتنا , لن أصفَ سذاجةَ السيّدةَ المُتصابيه وهي ترتديَ لباسها الضيّق المُخزيَ , هبطتَ بـ القُرب منيَ ..: مالذي يُزعج جارية السيّد سايمنَ !
    لن أهتمَ بـ وصفكَ , أستدعتني إلى الجلوسِ بجانبها مُلاصقةً لكتفها العريضَ , ناولتنيَ كأساً قد أحضرته معها من الأعلى ..: كرمُ الضيافهَ .
    إستجمعتُ الهوآء الساخن من صدريَ لـ أستطرده خارجاً ..: لآ أُريد , أعيدينيَ إلى السيّد سايمنَ .
    ضحكتَ بملء فمها النتنَ ..: ليسَ قبل أن تشربيَ من هذا الكأسَ .
    لآ أعتقدُ بـ أنه شراباً مُحرماً أو شئٌ من هذا القبيلَ بل هو أسوأ من ذلكَ بـ كثير , حدّثتني ..: سـ أُعيدك إلى سيّدكَ إن قبلتيَ ضيافتيَ .
    أخذتُ الكأس من يدها رغبةً بـ الرحيلِ من هُنا , رفعتُ بصريَ إلى الشابَ الذي قدم لتوّه مُحرّكَاً سبابتهَ بـ الرفضَ , حدّثتُ روزالينا ..: أشربيَ منه أولاً .
    لمَ تترددَ بـ إرتشافهَ , إبتسمتَ ليَ ..: حانَ دوركَ .
    إزدرءتُ ريقيَ بصعوبهَ , ذآكَ الوسواسَ يقفُ بـ القُرب مني رافضاً تصرُّفيَ بينما الشيطان جالساً بـ جانبي , أغمضتُ عينيَ داعيةً الله سِراً بـ أن يُجيرنيَ من شرهمَا .
    أخبرتُها ..: لن أشربه .
    إنتزعت الكأس مني ورمت به أرضاً , صرختَ بيَ غاضبهَ ..: لما أنتي مُختلفةً عن سارا ! , رضيتَ بـ أن تشربَ منه وأنتي ترفضينَ ؟!
    ما شأنُ سارا بـ الأمر , أقتربتَ منيَ مُمسكةً بـ شعريَ ..: إيآكِ أن تتزوجيَ من السيّد سايمنَ أهذا واضحَ , سـ أسحقكمَ آجمعينَ إن رُزقَ بـ طفلٍ منكَ .
    لمَ أُقاومَ شدّها لشعريَ الممُزق بينَ يديها , هذه الخرفهَ مُصابةً بـ الجنونَ لنَ تتوانى بـ قتليَ , لمَ تدعَ فيّ عظماً إلآ وأصابتهَ , رمتَ بيَ أرضاً بعدما أفرغتَ شُحناتَ الكراهيهَ ,
    سارتَ مُبتعدة عنّيَ , تترنّحُ في مشيتها , رتبتُ شعريَ بعد الإعصار الذي ضربه , حدّثنيَ ..: أأنتِ بخيرَ ؟!
    حرّكتُ رأسي إيجاباً , تحدّث بجديه ..: لن تُعيدكَ إلى السيّد سايمنَ مالم تشربيَ منه .
    حدّقتُ بهَ عندما أعاد على مسمعيَ جُملة روزالينا الأخيره بـ صيغة سؤال ..: هل تزوّجتِ من السيّد سايمنَ !
    ذبلُتَ أطرافيَ خجلاً من سؤالهَ , مالذيَ يهذي به هذا اللعين وزوجتهَ , صرختُ به ..: لاتُكنَ وقحاً , ولما أتزوّج بـ رجلَ يكبرنيَ آلآف السنينَ !
    ظهرت الصدمةُ جليّةً على وجهه ..: غيرُ معقولَ !
    أرتجفتَ يديّ من حديثهَ , مالذيَ يخططونَ له ! , تِلك السيّده تتوعد بيَ وهذا المعتوهَ يُبديَ إستغرابهَ ! , حدّثنيَ ..: كمَ مضىَ من عُمركَ ؟!
    تظاهرتُ بـ الصممَ والبُكمَ معاً , جلسَ على المقعدَ بجانبي , حدّثني هامساً ..: روزالينا طليقةَ السيّد سايمنَ لم تُنجبَ لهَ أطفالاً بسبب عُقمها , لم يترددَ الأول بـ الإنفصال عنها والزواج من كاثرينا صديقتها المُقرّبهَ , لم تُنجبَ الأُخرىَ من السيّد سايمنَ , لذا بدا بشراءَ الجارياتَ والزواجِ منهنّ علّه يُرزقَ بـ طفلَ , ظلّت روزالينا تترصّد بـ الشرّ لهم وتدُّس مادةً تُسبب العقمَ فيَ شرابهنّ , لم تُنجبَ سِوى واحدةً منَ أصل عشرينَ جاريهَ , ولد الطفل بـ عيبٍ خُلقي أدى إلى وفاته مُباشرهَ .
    أبتعدتُ عنه قُرابةَ الذراعينَ , حدّثته ..: أخبرها بـ أنني لم ولن أتزوّج من السيّد , أطلُب منها أن تدعني وشأنيَ , أرجوكَ .
    ..: لن يُعجبها طلبيَ , أنا أعتذرَ !
    أطرقتُ رأسي إلى الأسفلَ , كيفَ لآ يُعجبها طلبهَ وهو يهيمُ فيَ حُبّها كُل ليلهَ وينثرُ الشعر عبيراً بـ طريقها , شككتُ به ..: تُحبُّك ولن تعصيَ لك أمراً .
    أسند ظهرهَ بعدما أخذ الكتابَ مُقلباً بصره بين صفحاته ..: هيَ تعلمُ بـ أنني لآ أُحبُّها صدقاً لذا هيَ تعيشَ حُلمها كما يروقَ لها .
    أيُّ ليلةٍ أعيشُ تفاصيلَ خباياها , مُحالٌ أن يقولَ الصدّقَ , رأيتُ العشقَ فيَ عينيهَ مُبحراً في عينيها حينما رآقصَها !! , قطعَ سيل أفكاريَ ..: إياكِ أن تشربيَ شيئاً تُقدّمه لكِ وحدكَ , لآ تكوني مُغفلةً كـ سارا , حذّرتُها ولم تستمعَ إليّ .
    سألته لـ أُطمئنَ الرُعبَ بـ داخليَ ..: أينَ جارياتَ السيّد سايمنَ ! , مالذي حصل لهُن!
    إبتسمَ ..: تُدركينَ طبيعةَ عملهَ الشنيعَ , يحوّل الأجسادَ إلى بقايا .
    فيَ كل أحوالي السيّدُ سايمنَ بوابةَ هلاكيَ , لآ مفرّ منَه سوى الإختفاء من الوجودَ أو الهربَ بعيداً عنهَ .
    قدمت سيسمان إلينا على عجل , تحدّثت وهي خائفه ..: السيّدة مُنهارةً في غُرفتها , تُكسّر الأشياء من حولها بلا وعيَ .
    وضعَ الكتاب فيَ حجريَ , تحدّثَ وهو يقفَ ..: سـ أعودُ إليكِ آنستيَ , لن أتأخر .
    كأن نسيمُ الربيعَ حلّ لـ يُذهب روع الشتاءَ , خفقَ قلبيَ بشدّه لـ وقعَ تِلك الكلمه , سُحقاً لمنَ وأدَ جذورَ سعادتيَ .
    اخر تعديل كان بواسطة » عطر الفجر في يوم » 22-11-2013 عند الساعة » 18:42

  4. #83
    - ؟ -

    دفعتُ باب الغُرفة إلى الخلف , قابلنيَ وجهُها العريضَ وقدَ دُفنتَ ملامحه الجميله بينَ تجاعيدَ السنينَ , أمسكتُ بيديها الدافئهَ لـ أُعيد إنتباهها إليّ ..: لاتغضبي من راويه ..
    دفعتني إلى الخلف , شاتمةً الفتاةَ بـ ألفاظٍ لاحصر لها , وضعتُ يديَ على ثغرها لـ أمنع سيل كلماتها السيئهَ ..: لم تتزوجَ من السيّد سايمنَ بعد , إهدأي أرجوكَ .
    أنفاسُها ثائرةً بلا هُدى , وضعت يدها على صدرها ..: ومايُدريكَ , لعلّ الجاريةَ تكذبَ .
    هذه المُسنّه لنَ تُصدّقنيَ وإن أفنيتُ عُمريَ في ذلكَ , حدّثتها ..: السيّد سايمنَ إشتراها من أجلَ التجارةَ بـ أعضاءها لآ أكثر , أنسيتِ !
    رسمت إبتسامةً صغيره ثم أردفت ..: معكَ حق , ماتيو
    نظرتُ إليها بـ حذر , هي لا تُناديني بـ إسمي عادةً , أكملت بخجل ..: مآ رأيُك بـ التبنّي ؟!
    مالذي تُفكّر به , مضى من عُمرها خمسونَ عاماً وتُفكّر بـ رعايةَ طفل وإن لم يكن من صُلبها , أعتذرتُ منها ..: ليسَ الآن , عن إذنك .
    توجهتُ إلى الأسفل قاصداً راويه , لديّ عملٌ مُهم يجب علي إنهاءه قبل أن تعود إلى سيّدها , أبصرتُها من بعيد , لا تزال جالسةً في مكانها مُمسكةً بـ الكتاب , تبتسمَ !
    أيُّ شعرٍ راق لـ ذائقتها , سألتُها ..: مالذي أثارَ إبتسامتكَ .
    إختفت مشاعرُ البهجةَ من شفتيها , أخذتُ الكتاب لـ أرى مآ تقرأ - و غدا ... نرجع للعرس الحزين في ضفاف الميتين الألى لم يدفنوا .. يسعون في الأرض الحيارى الضائعين و غدا نذكر جوع الفقراء و عذاب البؤساء و غدا تلمسنا الحمى فننهار كباقي الأشقياء - * غازي القصيبي
    القصيدةُ حزينه وهذه الجاريةُ تبتسمَ ! , جلستُ بـ القُربِ منها , أعطيتُها ورقةً مُلئتَ بـ مئاتَ الأحرُف , أشرتُ إلى زاويتها ثم حدّثتها ..: ضعي بصمتكِ هُنا .
    حدّقت بي دون أن تنظُر إلى الورقه , سألتني ..: لما ؟!
    يُمكنها قرأتُ ما كُتب بها , لما تسأل ! , حدّثتُها بسخريه ..: إنها إجراءاتُ السفر خارجَ الإقليمَ .
    إبتسم ثغرُها حتى بانت نواجذه , حدّثتني ..: هل سـ أعود إلى الريفَ , لن تأخُذني إلى السيّد سايمن , صحيح !
    صُدمت من قولها , لايبدو بـ أنها مُهتمّةً بما سيحدُث , إبتسمتُ لسذاجتها ..: أجلَ .
    وضعتَ إبهامُها الصغير علىَ الحبرَ ثمَ رسمتَ خطوط بصمتها على الورقهَ , تحدّثت بـ فرح ..: لم أكُن بدعائكَ ربِّي شقيّا .
    شعرتُ بـ نارٍ تكتويَ في صدريَ , أيُّ سعادةً ترتجيَ هذه الحمقاء , وضعتُ الورقة أمام وجهها , حدّثتها بـ غضب ..: إقرأي جيداً .
    نظرتَ إليّ خائفةً من غضبيَ لاسيما إن نبضَ العِرق بـ جبينيَ , حدّثتني بـ توتر ..: هل أخطأتُ مكان البصمه !
    هدأتُ من غضبيَ , لما أهتمُّ بها إن كُنت سـ أجني المال منها , حدّثتُها ..: لاتُخبري روزالينا وسايمن عن أمر هذه الورقه , إتفقنا .
    دفعتَ جذعها للأمام كي تقفَ , همستَ لي ..: كما تُريد , لن أنسى معروفك .
    حدّثتُها ..: قبل إستيقاظ سيسمان في الغد كوني جاهزةً من أجل الذهاب معي ..
    لمحتُ الإستغراب في عينيها , أكملتُ حديثيَ لـ أُنهي ذلك ..: لاتقلقيَ لستُ ذئباً بشرياً , هُناك عملٌ يجبُ أن تُتميه قبل سفرك .

    أثكل تأنيبُ الضمير كاهلي عند ساعاتَ الفجر , الفتاةُ لم تتوانى فيَ وضع بصمتها على ورقةَ البيع ثقةً بما قُلت , هي لم تُبصر ماكُتب فيها جيداً !
    زفرتُ الهواء من صدري وأنا أُغلق أزارير معطفيَ الأسود , هبطتُ إلى الأسفل على عجل قبل أن تستيقظَ روزالينا , إتجهتُ إلى البوابة الخارجيهَ , فوجئتُ بـ راويه تقف بـ القُرب منها , حدّثتُها ..: الجو بارد لما أنتي واقفةً هُنا .
    بالكادِ سمعتُ صوتها ..: لا بأس , ألن نذهبَ .
    إبتعدنا عن القصر سيراً على الأقدامَ , سيعلمَ جميعُ من في القصر بـ أمري إن إستخدمتُ السياره , لا يُضئُ لنا عُتمة الليل سوى الإناراتُ المُرتبه على جانب الطريق , القليلُ من المّاره يسلكون الدرب ذاته , صوتُ خُطاي على الثلجَ الكثيف مُريبٌ لمنَ يخشىَ الضياع , أشعُر بـ الرُعب الذي ملكَ جسدها وهي تسيرُ بجانبي , تنظر إلى الخلف وإلى اليمين والشمال مِراراً دون أن تهدأ , وصلنا إلى المشفى على خير , لم تسألني عن تواجدنا فيه مُعتقدةً بـ أنها إحدى إجراءات السفر ! , أنهتَ المُمرضه الفحوصات اللازمه , حدّثتني ..: سيتم إداع المبلغ في حسابك قبل إجراء العمليه .
    أنتظرت سماعَ إعتراض أو صُراخ منها على ذلك , شاردةً بذهنها لاتشُعر بي , حدّثتُها مُجدداً ..: راويه , لنعُد .
    سلكنا الدربَ ذاته عائدون , مُنتظراً صاعقةً تُصيبنيَ لـ عُظم مافعلتهُ بـ الفتاةِ المسكينه , أعمى الطمعُ بصيرتي حينما فكّرتُ بـ المال مُتناسياً ذاكَ الجسدَ الضعيفَ , كيف لها البقاء على قيد الحياه إن فقدت إحدى كليتيها , ماذا لو تعطلت الكلية الأُخرى عن العمل ! , في غمرة أفكاري المُتضاربه تشبّثتَ أقدامُها بـ الأرض , رفعتَ رأسها إلى السماء إستعداداً للبُكاء , ويلٌ لك يا ماتيو إن بعثتَ الدعوات عليكَ ! سألتُها لـ أُريح ضميري ..: هل قرأتِ الورقةَ بـ الأمس .
    إحتضنتَ يديها الصغيرتينَ بـ خوف ..: لا .
    أخرجتُ الورقة من جيبيَ , وضعتُ الجُملة العريضه نُصب عينيها ..: إقرأي جيداً .
    إنفجرتَ باكيه ..: أنا جاهلةً لآ أعرفُ القرآءةَ و لآ أُجيد كتابةَ أحرفَ إسميَ , سألتُك بمن رفعَ السماءَ بلا عمدَ أن لا تؤذنيَ .
    إقشعر جسديَ بـ أكمله , كيف لآ تقرأ ! من منّا لايعرفُ القرآةَ والكتابه , أيُّ عصرٍ تعيش ؟! , سألتُها ..: ماقصدُك ؟!
    ظلّت بُرهةً على حالها , تحاول إستعادة أنفاسها المُنهكه ..: لم أدخل المدرسة مُطلقاً , لا أعرف شكلَ الصفّ الذي تتحدّث عنه فتيات القريّه , إنه حُلمٌ وسيظلُّ حُلم .
    إنكسر طرفي خجلاً من تصرُّفي , إحتدّ صوتها مُندفعةً بـ الكلام , تبثُّ شكواها ..: تِلك اللين هيَ سببُ مصائبيَ , ألحّت عليّ بـ القدومِ إلى المدينه والحصول على وظيفةً مُناسبه , لم أترددَ في ذلك رغبةً بـ إعالةَ أُسرتيَ ومُساعدة أوس في تحمّل أعباء المنزل , لم أعلم بـ أنها عنكبوتٌ تُجيد نسجَ الخيوط ببراعه ...
    صوتٌ حزينْ إخترق بـ نبرته آفآق الفضاء , بثَّت الحكايا الأليمه عن ياسمينة الهوى , الحرب , الظُلم , الطُغيان , الدمّار , عمتها السيئه و بيعها في سوق الرقيق , تعامل سايمن بوحشيه و قتلهُ للفتيات , مقبرة العظام البشريّه , لا نهاية لـ أوجاع الصغيره , حروفها شجنٌ سكنت أعماقي .

    عدنا عندما عانق العقربُ الصغير الساعة العاشره , ما إن أدرتُ مقبض الباب لـ أدخل حتى أتاني صوتها الغاضب ..: أينَ كُنت ؟!
    لستُ في مزاجٍ جيد يسمحُ ليَ بـ مُراعاة مشاعرها الخرفه لتهدأ , شعرتُ بـ الصدمه حينما رأيتُ سايمنَ يقفُ بـ القُربِ منها لدى رؤيته لـ راويه , كشّر عن أنيابه الحاده , حدّثها بغضب ..: سُحقاً لك , لن تُفلتِ من عقابي وإنه لشديد , بحثتُ عنكِ في كُل مكان خشيةَ أن تهربيَ .
    حدّثتني روزالينا ناقمةً وهي تُشير إلى راويه , مُحتبسةً دموعها ..: لم يُخطئ حدسي , خرجتَ مع تلك الفتاةِ إذاً , سايمن أنتقم لي منها أرجووك
    إرتفعتَ أصواتهم بـ الوعيد , إرتعدت فرائصُ الأُنثى بجانبي , أشعرُ بـ الجنون الذي داهم تفكيرها وهي ترى سايمن الغاضب , صرخ بها ..: تعالي إلى هُنا .
    تراجعت خلفي , أغلقت ثغرها بـ كفّها , أقترب ناحيتي مُزمجراً ..: سـ أُلحقكِ بـ رفيقتيكَ .
    أحاطتني بذراعيها مُمسكةً بي بقوّه , دفنت وجهها بظهري مُنهارةً من قوله ..: وددتِ لو كُنت تُراباً ولم تري هذا اليوم .
    وضعتُ يديّ أمامه منعاً لـ إقترابه أكثر , حدّثني والدم يغلي في رأسه ..: روزالينا أبعدي طفلكَ عن وجهي .
    نطقتَ تِلك العجوز ..: ماتيو , دع سايمن ينهي الخلاف مع جاريته .
    تراجعتُ إلى الخلف حينما همّ سايمن بـ إنتزاع راويه منّي , حدّثته ..: إياك أن تقترب أكثر , أُقسم لك بـ أن أضعكَ بـ السجنَ مشلول الأطراف .
    لم يردعه ذلك بل زاده إصراراً على الإمساكِ بها , أمسك كتفيّ لـ يجرّني إليه , تعاركنا بـ الأيدي وتراشُق الكلمات , دفعتُ راويه إلى الخلف , صرختُ بها ..: أُهربي من المنزل ولا تنظُري إلى الخلف , أستغيثي بمن في الشارع .
    أصابْ الرُعب مفاصلها , بقيت في مكانها تنظُر إلى سايمن بخوف , ركلتُ سايمنَ بـ أقصى قوّة لدي , مال جذعه إلى اليمين ليُداري ألم الضربه , أمسكتُ بمعصم راويه مُطلقاً لساقيّ فرصة الهرب , لحقَ الضخمُ بنا مُترنحاً في مشيته , أسرعتُ بها إلى السيّاره , دفعتُها إلى الداخل على عجل قبل أن يصلنا سايمن أو أن تستدعي روزالينا الحرس , أغلقتُ زُجاج وأبواب السيّاره , بدا سايمن بطرق زُجاج النافذه بقوّه أخذت راويه بـ لطم خدّيها مِراراً ..: ربآهُ , أقبضَ روحيَ قبل أنْ يقتلني .
    أدرتُ مُحرّك السياره مُبتعدين عن القصر ..: لن يصلَ إليك , كوني مُطمئنه .


    - جياد -

    الفُقراء , الضُعفاء , المُشرّدون , أسماء تندرجَ تحت مُسمى البؤساء , لقبٌ يُليقُ بنا وواجبٌ علينا أن نعتزُّ به , أهداهُ لنا الوطنَ والوالدين والحاكمَ والطُغاةَ !
    حاصر الجيشَ القريةَ من كُل الجهات , يصطادونَ المُشتبهينَ بهم , إن كُنت ظالماً أو مظلوماً سيكون السجنُ دارك .
    مُختبئٌ خلف الشجرةِ منذُ الأمسَ , بحثاً عن طريق الهرب واللحاق بركبَ المُهاجرين , عندما أخبرنيَ أحد سُكان القريّه بـ أنه رأى أُسرتي تُغادر المنزل ولم تُصب بـ أذىً حينها , سجدتُ لله شُكراً وإمتناناً له بـ أن جبر كسري و أبدل حُزني فرحاً .

    جواد , لا يُمكن تصنيفهُ من البشرَ , يُفكر ثمُّ يُدبّر فـ يفشل ! , جازماً على إيقاعيَ بـ واديَ الهلاكَ وإن كان ذا حُلماً , سئمتَ سماعُ صوته المُزعج , حدّثته ..: لو كان في التشائم خيرٌ لـ تشائمتُ منكَ حتى تغرُب عن وجهي .
    حدّثني بيأسَ ..: معكَ حقَ .
    أبتسمتُ لـ قناعتهَ , لم تدم بسمتي طويلاً حينما صرخَ بي أحدهم من الخلف ..: جاسوسَ !
    وقفتُ مُتصلباً من شدة الفزع , رفعتُ يدي عالياً مُستسلماً له , أمسك الشُرطي بقميص جواد من الخلف ..: قف على قدميكَ أنت الآخر .
    الغريبُ في الأمر , جواد لايشعُر بـ الخوف ! , أدركتُ بـ أن الخوف غادر مع يده المقطوعه , تحدّث ..: لما تتجسّس على أفراد الجيشَ ؟!
    من فضلك أبعد فوهةَ بُندقيتكَ , أُقسم لك بـ أنني لن أهرُب مآدُمت عفريتاً سيُلاحقني مدى الحياه , ألتزمتُ الصمت بينما تحدّث جواد ..: هذا الفتى تابعٌ لعصابة الزعيم ليثَ .
    إتسعتَ عينيّ صدمةً بما يقول , هذا المعتوه لايعرفُ فضلاً ولا يُجازي الإحسان إحساناً , ليتَ المدافع سحقتَ جسده في ذلك اليوم , جرّني الشُرطي إليه بعدما أوسعني ضرباً , إرتفع صوته مُنادياً للجنود ..: عثرتُ على أتباع الزعيم ليثَ .
    قدم إلينا ثلاثةً من الجنود , يُسارعون للقبض علينا ونيل وسام البواسل , لن أصف بشاعةَ تصرُّفهم وتعاملهُم معنا كما لو كنّا وحوشٌ لا نشعُر بسيل ضرباتهم القاسيه !
    وطأت أقدامي أرض السجن أخيراً , لم أكُن خائفاً بقدر الندم الذي لازمني هذه اللحظه , أُمنيةً خبأتُها مُسبقاً وهاهي تتحقق قبل الموتَ .

    قام القائدَ بـ إستجوابيَ أربعُ ساعاتٍ مُتتاليه , التُهمةَ من نصيبي و الرسالةُ أكبرُ دليلٍ على إدانتي , أُصدر حُكمَ الإعدامَ بعد خمسة أشهر .


    - سارا -

    ظننتُ بـ أن السفر خارجاً سـ يُعيد لي السعادةَ المفقوده , زُرت العديد من الدول علّ الفرحَ يعرفُ طريقه إليّ مرّةً أُخرى , الحُرقةَ تزدادُ سعيراً في صدري , سعى زوجي جاهداً على مُساعدتي في تخطّي المحنه , دونَ جدوى !
    ضاقَت بي السُبل لآ مفر من بثّ الشكوى إلى أُمي , إتصلتُ بها في ساعةٍ مُتأخرةٍ من الليل , فور سماعي لصوتها بكيت ..: أُمآه , أنا بحاجةٍ إليك ..
    لم تدعَ لي مجالٌ لـ أُتم حديثيَ , وبّختني قائله ..: أهذه أنتي سارا , لا مرحباً بكَ , أينَ كُنتي طوال هذه المُدّه , ماحلّ بصغاركَ في ريفَ الياسمينَ ؟! بـ الطبع لاتعلمين !
    إنقبض قلبيَ بشدّه , أكملت حديثها باكيةً مُنهاره ..: أُفٍ لكِ من إمرأةً ظالمه , القريةَ خاويةً على عروشها , بحثَ أخيكِ عنهم في كُل مكان دون أثر , الملاجئ اكتظت من النازحين ولم تُدرج أسمائهمَ معهم , غضبي عليكِ ياسارا إلى يوم يُبعثون , غضبي عليك ..
    حسبُكِ أُمَّاه , زُدتِ الهمّ أحزاناً عظيمه , أنا إمرأةً سيئه لآ تستحق العيشْ والبقاء تحتَ سماءهم , عطفُكَ يالله بـ روحي .







    نهاية البارت

    * توقعاتكُم لـ أحداث البارتَ العاشر والأخير ؟!
    < إجاباتكمَ مُهمه جداً .

  5. #84
    حجز!
    خشيتُ أن يسبقني أحدٌ في الردِّ.



    عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما ، فقال : ( يا غلام ، إني أُعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سأَلت فاسأَل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

  6. #85
    حجز 2

    أن تركت أكثر ما تحب لفترة طويلة، ستجد صعوبة بمواجهته عند عودتك.
    ستحتاج لدفعه تسبب التصادم !

  7. #86
    أخيرًا نزل البارتُ !
    آسفة هذهً المرة لن أنتقد" مع أنَّ الإنتقاد من طبعي".
    لكن الأخطاء معادة !" أستغفرُ الله لقد كذبت"، والآن إلى تعليقاتي:
    (صرخَ بيَ أحدهمَ قائلاً ..: ما أًصابَ الصغيرهَ جزاءً وردعاً لـ أفعال والدكَ الدنيئةِ مع القرويينَ ).
    " ذلك الحاقدُ الشامت كم أكرههُ".
    (ما أفعلُ بـ الليل حينما يُسدل ستائره وتخنُقني الذكرى , ماذا عن صباحيَ السقيمَ من دونك ! , ماذا عن يديكِ الصغيرتين حينما ترفعينهما عالياً مُتمتمةً بـ الدُعاء عليّ كما كُنتِ تفعلين , ماذا عنَ ثغركَ قليلُ الإبتسامِ والرضا ! , ماذا عن عنَ الحنينَ إن كُنتي الحنينَ ذاتهَ ...إلخ) .
    " كم أحزنني هذا المقطع".
    ( لن أصفَ سذاجةَ السيّدةَ المُتصابيه وهي ترتديَ لباسها الضيّق المُخزيَ ) .
    " هههههه أشفقُ على تلك العجوزِ تُخادِعُ نفسها بأنَّها في ريعانِ شبابها".
    (القصيدةُ حزينه وهذه الجاريةُ تبتسمَ ! ).
    " اي والله لقد كنتُ أيضًا متعجبةٌ مِثلُك يا ماتيو ، لكنني تذكرتُ بأنَّها لاتعرفُ القراءة"
    ( : لن يصلَ إليك , كوني مُطمئنه ).
    "أتمنى ذلك".
    (جواد , لا يُمكن تصنيفهُ من البشرَ ، يُفكر ثمُّ يُدبّر فـ يفشل ! ).
    " هههههههه يستحقُ ما حصل لهُ ذلك الماكر!".
    (جواد ..: هذا الفتى تابعٌ لعصابة الزعيم ليثَ).
    " بدأتُ بكرهه لنذالته، ليتك تركته يا جياد ولم تساعده".
    (أُصدر حُكمَ الإعدامَ بعد خمسة أشهر ).
    " يا لهم من حثالة ، ألم تشفع لجيادِ مساعدته لجواد ؟ كم أكرههم".
    (حسبُكِ أُمَّاه , زُدتِ الهمّ أحزاناً عظيمه , أنا إمرأةً سيئه لآ تستحق العيشْ والبقاء تحتَ سماءهم , عطفُكَ يالله بـ روحي ).
    "الآن اكتشفتِ ذلك ".
    ( توقعاتكُم لـ أحداث البارتَ العاشر والأخير ؟!)
    " أتوقع بأنَّ سارة تعود إلى أبناءها نادمة لما فعلته، وأنَّ الحرب تنتهي ، وأنَّ المجرمين سينالون جزاءهم ، وأنَّ راوية تعودُ إلى أحضانِ أُسرتها بواسطة ماتيو ،وأنّهم ُ سيعيشون بسعادة وهناء، أما والدهم فمتأكدة بأنَّه سيدركُ خطأه ، ويعود، وجياد ليس له نصيبٌ من توقعاتي ، وأنا أخافُ تنفيذ الإعدام بحقه ".
    تعليقي على البارتِ بأكمله:
    لكل بداية محرقة نهاية مشرقة ، يبدو بأنني أطلتُ في ردِّي.





    عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما ، فقال : ( يا غلام ، إني أُعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سأَلت فاسأَل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .
    اخر تعديل كان بواسطة » ريحانةُ العربِ في يوم » 23-11-2013 عند الساعة » 07:17

  8. #87
    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    كيفكِ ؟
    بخير كما اتمنى

    لقد كان هذا بارت جميل يسوده حزن
    بالفعل لم اتوقع موت حنين لقد وصفت موقف بشكل رائع



    اعتذر على تأخري
    و بأنتظار الجزء الاخير على نار

  9. #88

    السلام عـليكم ورحمة الله
    اهـلين عطــــــــر
    كيفك حبيبتي؟!

    آسفه لاني تأخرت بالرد em_1f610

    بارت حزين اكتر شي محزن موت حنين ووصفك للحاله بدقه والله كتير تأثرت بموت حنين !

    راويه م بعرف ازا اللي بيصير الها من ايدها او لا؟ليش وافقت وراحت مع عمتهاا ؟!

    انتي هون ماتيو طلع غير كنت مفكره انه م بيقدر يحكي لا للعجوز تبعته بس لما حكئ لراويه عن الورقه ولما انقذهاا من سايمن شكله منيح >م بعرف شو راح يصير لراويه ؟

    بصراحه جياد وجواد بيستاهلو اللي بيصير فيهم خاصه جياد


    توقعي

    الحرب تنتهي ويرجع اوس وفجر وزمرده مع بضهم وما بيصير فيهم مكروه ويبدأو من جديد

    جياد ينفذو بحقه الاعدام ويموت
    راويه وماتيو بيصير الهم شي اعتقد انها م راح ترجع للقريه

    ساره بتندم وترجع لاطفالهاا بس اوس م بيرضى يعيش معهاا ويرجع اخته فجر وبس

    شكرا كتير ع البارت الرائعe418
    بانتظآر النهايه بس بدون حزن e418





    9c4da3678a60fb9c5f4306c2a8469242

  10. #89
    السلامُ عليكمُ ورحمةُ الله وبركاته .
    أعتذر عن تأخيري , لأن النت عندي سئ جداً جداً ><


    " أتوقع بأنَّ سارة تعود إلى أبناءها نادمة لما فعلته، وأنَّ الحرب تنتهي ، وأنَّ المجرمين سينالون جزاءهم ، وأنَّ راوية تعودُ إلى أحضانِ أُسرتها بواسطة ماتيو ،وأنّهم ُ سيعيشون بسعادة وهناء، أما والدهم فمتأكدة بأنَّه سيدركُ خطأه ، ويعود، وجياد ليس له نصيبٌ من توقعاتي ، وأنا أخافُ تنفيذ الإعدام بحقه ".
    تعليقي على البارتِ بأكمله:
    لكل بداية محرقة نهاية مشرقة ، يبدو بأنني أطلتُ في ردِّي.

    هلابكَ أليس , أخباركَ , إن شاء الله بـ أفضل حال .
    مُمتنّه لكِ مُتابعتك , أسعدني تواجدكَ

    التوقعات : أصبتِ في أحدها ^.<

    طُبتِ بخير يا غاليه


    ستذهب راويه بمساعه ماتيو إلى قرية الياسمين و قد تلتقي بسارا عند حطام المتبقي من منزلهم و سيشتركان بالقلق و لا أعرف كيف و لكن ربما قد يحدث مايجمهم مع اوس و زمره و فجر
    راويه ستعود إلى حيث تنتمي اما سارا فسيحدث لهما مافعلت بأبناءها فقد تبدي ندمها و تبين بأنها تريد ان تبقى معهم فيخبرها اوس بما حدث لحنين و يرفض بقاءها معهم او ان يسامحها لإجل فهذا ماكانت تتمناه حنين ا تعود والدتها
    جياد ربما سينفذ من حكم اعدام بساعدة جواد أو ان يعدم
    هلابكَ آشيز منوّره بطلتك , أخباركَ إن شاء الله بـ أفضل حال ؟!
    مُمتنّه لتواجدك ومتابعتك

    التوقعاتْ ..: أصبتِ أحدها e415

    لاحرمتْ تواجدكَ



    الحرب تنتهي ويرجع اوس وفجر وزمرده مع بضهم وما بيصير فيهم مكروه ويبدأو من جديد

    جياد ينفذو بحقه الاعدام ويموت
    راويه وماتيو بيصير الهم شي اعتقد انها م راح ترجع للقريه

    ساره بتندم وترجع لاطفالهاا بس اوس م بيرضى يعيش معهاا ويرجع اخته فجر وبس

    شكرا كتير ع البارت الرائع
    بانتظآر النهايه بس بدون حزن

    هلابك نوستا , أخبارك , إن شاء الله بخير وبـ أفضل حال ^^ e418
    سعيده بتواجدكَ وبمتابعتكَ لي .

    التوقعاتْ ..: أصبتِ أحدها e415
    توقعاتكم الصائبه مُشتركه ^.^

    النهايه إن شاء الله مُرضيه حاولتْ قد ما أقدر إنها ماتكون حزينه e402

    لاحُرمت تواجدكَ ياعسسسل

  11. #90
    البارت الأخير إن شاء الله بكره أو بعده

    طُبتم بخير

    (

  12. #91

  13. #92
    و أنا كذلك.


    قضية بلا هوية .. كهوية بلا قضية
    ••الــــعـــــراق••

  14. #93
    - 10 -

    - غُرباء -

    و بكينا.. يوم غنّى الآخرون , و لجأنا للسماء , يوم أزرى بالسماء الآخرون , و لأنّا ضعفاء , و لأنّا غرباء , نحن نبكي و نصلي
    يوم يلهو و يغنّي الآخرون .. و حملنا.. جرحنا الدامي حملنا , و إلى أفق وراء الغيب يدعونا.. رحلنا , شرذماتٍ.. من يتامى , و طوينا في ضياعٍ قاتم..عاماً فعاما
    و بقينا غرباء و بكينا يوم غنى الآخرون
    !
    * سميح القاسم


    ii

    - راويه -


    قرأت و عبرات الأنين بمهجتي .. و دفنت سرا في غياهب صبوتي .. فأنا التي شحب الوجود بوجهها .. شربت كؤوس الصبر علقمَ غربتي
    و رجوت أن جاد الزمان بوصلنا .. لجعلت سكناك الفؤاد و مقلتي .

    * فواغي صقر القاسمي


    ليلةٍ مُريعه لم أحسبُها أن تنقضي لـ هول مافيها من ألم , مُحتضنةً يديّ أبكَي الخوف والقلق , تصرخُ الأوجاعُ فيّ بـ أنينَ قاتل , تتبعثرُ أحرفُي فُرادى كـ علقمٌ لايُستساغ ,
    أضربَ بيدي يسَآرْ صدري حيثُ القلبَ يتألمَ فـ تتصادمُ جُزيئاتُ الهواء في حلقومي فزعةً من الحال الذي وصلتُ إليه , أنفاسي ثائرةً بلا توقف أو رحمةً بي , نظرتُ إلى المرآة الجانبيه , ظهرت لي أنوارُ السيارةِ القادمةَ إلينا من الخلف بسُرعة البرقَ , وضعتُ يدي على صدري أُهدئ ثورةَ الإعتصامْ , تتهاتف الأفكار اللعينةَ في رأسي بـ أن أفتح باب السيارة وأرمي بنفسي أرضاً سعياً للموت والراحةُ من كُل أذى سيُلاحقني , تتصاعدُ الإحتجاجاتُ إلى عقلي بـ أن عذابْ الآخرة أعظمْ , حدّثني ماتيو مُطمئناً لي بـ أن الأمور سُتصبحُ أفضل , لاشئ مما قاله ربت على قلبي لـ يُهدي الجنون الذي وصل إليه , أصاب الرُعب مفاصلي آجمعين عندما إصطدمت سيارته بسيارة ماتيو من الخلف مما جعل الأخيرة تنحرفُ عن المسار , ظلّت عظامي ترتجف بـ وهن مُنتظرةً العقاب ! , لن يدعني سايمن أنجوا بسلام سـ يمحو تقاسيم وجهي بـ ساطوره , صرخاتُ ماتيو تعبثُ بـ أذنيّ دون أن أعي شيئاً مما يقول , جرّني إليه ليحثُني على النزول والهرب معه قبل أن يحدث للسيارة إنفجارٌ أو ماشابهه , وطأت أقدامي الحافية الأرضُ البارده , جفلتُ من برودتها , قفزتُ مراراً من شدة الألم والخوف معاً لاطمةً الخدين المُخضبةُ بالدمع ..: الويلُ لي , الويلُ لي .
    شعرتُ بـ الإغماءةِ تسري بجسدي مجرى الدم , هبط من سيارته على عجل حاملاً بيده شيئاً صُلباً سـ يُمزقني به , الخوف تآكل بداخلي كمرضٍ ينهشُ أمعاءي , جثوتُ على رُكبتيّ لـ أُفرغ فحوى معدتي الفارغه فـ أشتدّ بي الألم أكثرُ من سابقه , وقف ماتيو أمامي ليُهدئ غضب سايمن المُتّقد قبل أن يصل لي , صُراخٌ من الطرفين شديد جعل المارين يقفون ويرون مالخطب ! , عراكٌ بـ الأيدي , لعناتٌ تُبعث من شِفاههم النافثة للبُخار الأبيض , سقط السلاح الذي كان يحمله سايمن من يده مُنشغلاً بتسديد اللكمات إلى ماتيو , رأيتُ فيه الشيطانُ مُتلبساً يُطلقُ ضحكاته نصراً بعدما أعاث بـ الأرضِ فساداً , رأيتُ فيه الظُلم والتجبُّر , رأيتُ سواد أيامي مُعلقةً على أكتافه مُتباهياً بـ السُلطه , رأيتُه واقفاً على الجُثث المُترامية على أرض الغُرفه مُمسكاً بعُنق الفتاة البيضاء , رأيتُ فيه عمتي لين , سببُ الشقاءِ لي لابُوركتْ أيامُها أبدا , انقضضتُ على سايمن الضخم بجنونٍ تملّكني بعدما نفد الصبرُ مني وفرّ هارباً من ضيقْ الدُنيا , فقدتُ العقل والحكمة من رداءةَ مصيري , ضربتهُ بـ السلاح الذي أراد قتلي به , أنزلتُ به غضبي مِراراً على رأسه حتى تفجّر الدمُ منه ينبوعاً لاينضب , لطّخ فورانه وجهي وشعري وملابسي , مُصدرةً أنفاسهُ خريراً قوياً ثم فارقت روحه الجسد , صرخاتُ الواقفين تتعاركُ ضجيجاً مع صوت قدوم سياراتُ الشُرطه , إبتعد ماتيو عني قليلاً واضعاً يده المُلطخة بـ الدم على رأسه بعد أن جسَّ النبض على صدر سايمن , تحدّث برجفةَ الغريق ..: إنتهى كُل شئ .



    - زمُرّده -

    عيناك موطننا القديمُ .. وإن غدونا كالضياعِ بلا وطن .. فيها عشقت العمر .. أحزاناً وأفراحاً.. ضياعاً أو سكنْ..عيناك في شعري خلودٌ ..يعبرُ الآفاقَ
    .. يعصفُ بالزمنْ عيناك عندي بالزمانِ .. وقد غدوتُ .. بلا زمنْ
    .
    * فاروق جويده


    يسيرُ بخطى مُترنّحةٍ ضئيله , يتخبّطُ بـ أوجاعه اللا مُتناهيه , حاملاً الصغيرة فجر على ذراعه الأيسر بينما يضعُ المتاع البسيط على كتفهِ الأيمن , مضت سبعُ ليالٍ على رحيلها , لم يتمكن أوس من النومِ فيهما سِوى ساعاتٍ قليله , يعيشْ تفاصيل ليلةِ دفنها الأليمه حينما يبزغُ فجرْ كُل يوم , تبقّى لدينا القليل من الطعام وسينفدُ قريباً إن لم نصل إلى نهاية الحدود خلال يومين , أقتربتُ بُخطاي ناحيته , مددتُ له ذراعيّ لـ أحمل فجر , حدّثني غاضباً ..: أبقي بعيدةً عنها , لستُ بحاجةً إلى فقدها هي الأُخرى .
    إتسعتْ عينيّ صدمةً بما يقول , ظلّت يديّ مُعلقةً بـ الهواء مُحدّقةً به لـ أعيَ كلماته , عض على شِفته السُفلى ثم أردف ..: سـ أصحبُكِ إلى ملجأ الأيتامِ في المدينه ستكونين في مأمنٍ هُناك .
    إختنقتُ بـ الدموع الساخنه , تمنيتُ الموتْ مِرآراَ في هذه اللحظه , حسبُكَ لاتنزعْ الرحمةَ من قلبك فـ سُقيا بسمتي تكمُنْ في قُربكَ , إنكسر طرفي حزيناً يواكب صرخات الجُرح , أَرغبُ بـ البُكاء عالياً والنوّاح أياماً وسنين , كرامتي فوق كُل شئ , سـ أُرغمُ قلبي في التُراب على أن أرفض قوله , هو من رغبْ بـ البُعدِ لا أنا ! , سار مُبتعداً عني بعد أن أومأتُ برأسي إيجاباً لـ رأيه , بقيتُ في مكاني أُلملمْ شتاتْ عقلي وشظايا القلب , كبتُ الأنين في صدري قبل أن ينفُذ من أقطاره ويصطرخ بـ الفضاء , أصبحت الرؤية لدّي ضباب من فرط الدموع , كيفَ أسلُك طريقَ نسيانكَ إن كانتْ خُطاي لاتعرفه !
    تسللتْ يدٌ رحيمه فوق خدّي , تمسح هتّان دمعي , رفعتُ رأسي مُبصرةً الخوف في عينيه , دثّرني بـ معطفه قائلاً ..: ستُصابين بـ البرد إن لم تتحرّكِ .
    شعرتُ بـ ضياعه يقتلع جذور الأمل من موطنه , أمسك بيدي يحثُّني على السير بجانبه , إنقبض قلبي فجأةً ثم أندفعتْ نبضاتهُ بقوّةً سريعه
    مُصطدمةً بـ الأوتار العقيمة عندما قال ..: كوني لي غريبةً فـ الأحبة يرحلونْ !
    يخشى كُل شئٍ بعد فقدها , إتخذَّ الحُزن قلبهُ داراً يبيتُ فيه , مُغلقٌ نوافذ الرضا بـ القضاء , تحدّث ساخراً من حاله ..: الشؤومُ مُتربعٌ في داخلي يرمي بـ لعنته الآخرين ..
    لمْ يُتمّ جُملته القاسية على نفسه , شدّ يدي بقوّه دون أن ينتبه , أردف مُنكسراً ..: أرجو مَغفرتك يالله .
    نظر إلى عينيّ , تحدّث بجديه ..: سـ نعودُ إلى المدينه و نصطحبْ راويه معنا لـ نهجُر الوطن بمن فيه , إن لم ترغب فـ سـ أخُذكِ وفجر إلى ملجأ الأيتامْ .
    أشرتُ إليه بقلق , أجابني وهو يُداعب أنف فجر ..: إطمئني لستُ أقوى فراقكُما , سـ أكونُ بـ القُرب .




    - أوس -

    كيف انتهت أحلامنا ؟ قد تخنق الأقدار يوماً حبنا .. وتفرق الأيام قهراً شملنا أو تعزف الأحزان لحناً من بقايا ... جرحنا , ويمر عامٌ .. ربما عامان
    أزمان تسدُ طريقنا ويظل في عينيك موطننا القديمْ نلقي عليه متاعب الأسفار .. في زمنٍ عقيمْ.. عيناك موطننا القديم وإن غدت أيامنا ليلاً يطاردُ في
    ضياءْ
    *فاروق جويده

    لم أستطع تخطّي عتبةَ الحنين , كُلما هممتُ بـ النسيان ترآءى لي طيفُها الحزين , باكيةً تُنادي أُمي ! , لجمني الذهول عندما وطأتْ أقدامي أرضُ المدينةِ الصاخبةِ بـ القذائف الطائره , لم تعُد الملامحُ الجميلة تُغري الناظرين , سمآءُها تُمطر الدمْ والنار معاً , زُمرةٌ من البشر تتراكضُ بلا هُدىً يُقوّمُ لهم الدرب , المباني الكبيرةَ مُنهارةً أرضاً تتدلى منها الأسياخ بشكلٍ مُريع , تخرجُ من براثينها أيدي المُصابين و أعناقهم , تعساً لرأي السئ ! نفرُّ من العدو لـ نقع بـ خندقه !
    خبأتْ زُمرده فجر داخل معطفها كي لاتسمعُ دوي الإنفجاراتْ وبُكاء التائهين , سرنا بـ خُطى حذره إلى منزل عمتي - لين - يخفقُ الكيانُ إلى راويه بـ قدر الشوقِ إليها , مضى زمنٌ طويل على لقاءنا الأخير , طرقتُ الباب طويلاً دون مُجيب ! , شعرتُ بـ القلق حينما رأيتُ زمّردةَ تبكي , سألتُها ..: أأنتي بخير ؟!
    حرّكت رأسها نفيّا قاطعاً , خائفه ! , إستجمعتُ أحرفُ المواساة لـ أواسي نفسي أيضاً ..: سـ نلتقي بـ راويه , لاتبكي أرجوك .
    توجهتُ إلى المنزل المجاور حينما رأيتُ سيدةً عجوز تخرُج منه , سألتُها بعد السلام ..: أين أعثرُ على الآنسةِ لين ؟!
    قطبّت مابين حاجبيها الخفيفين , أجابتني بعد بُرهه ..: هجرتْ المدينةَ منذُ زمن .
    مالذي تُريده منها ! سألتني وهي تُحدّق بـ زُمرّدةَ وفجر , أجبتُها ..: أرغبُ برؤيتها , من فضلك كيف يُمكنني الوصول إليها , أُريدُها لـ أمرٌ مهم !
    أشارتْ بيدها إلى منزلها مُرحبةً بنا ..: يُمكنكم الدخول .
    أعتذرتُ لها بـ صدق , حدّثتني ..: تعال يابُني , أحتفظُ برقمها في الداخل .
    حثتني زُمرّده على الدخول , إضطررتُ إلى مُجاراتها طمعاً بـ لقاء راويه , أعطتني السيّدة هاتفها بعد أن أدرجت الرقم المطلوب , لحظاتٌ بسيطه حتى أتاني صوتها الهادئ , مُرحبةً بي قبل أن تسمع صوتي ظنّاً منها أنني جارتها , قاطعتُ هدير كلماتها ..: عمتي .
    لاذتْ بـ الصمت لـ برُهه ثم تحدّثت بحذر ..: جياد أم أوس !
    سمعتُ زفرةُ أنفاسها المُطمئنه حينما أخبرتُها بـ أنني أوس , إحتدّ صوتُها قليلاً وهي تسألُني ..: مالذي تُريده ؟
    رُحماك ربي , ماهذه المخلوقة الغريبه ! لن يضُرّها شيئاً إن تحدّثت بهدوء , سألتُها بمضض ..: أين راويه ؟!
    وكأنني أيقضتُ إبليساً على رأسها , هاجمتني بكلماتها اللاذعه ..: راويه ! ومايُدريني عنها إن زالت على قيد الحياةِ أم لا , فارقتُها منذُ اليوم الأول لنا في المدينه , قمتُ ببيعها جاريةً إلى تاجرٍ من الإقليم , إطمئن إنه ثري , يُمكنه أن يعتني بها كما يجب بعيداً عن الفقر والجوع بريف الياسمين ......
    حديثٌ طويل لا نهاية لـ أوجاعه السقيمه , تضع اللوّم علينا بسبب ما أقترفهُ أخيها البائس , تنتقمُ ممن لاذنب لها في ماحدث ! يا عُظم همٍّ بلغ نطاق تحمُّلي , ماذنبُ راويه أن تُباع كـ الأنعام , تتداولها الأيدي كـ سلعةٍ رخيصه لا قدر لها , حسبُكِ يا روحاً عانقتْ روحي منذُ الصغر , عضضتُ شفتي السُفلى لـ أمنع الدعواتْ عليهما , لا أُريد أن أحترق بنار حنين ! , أقسمتُ فيما مضى بـ أن لا أغفر لهما وحنثتُ بيمني لـ أجلها , لكنّ راويه من يُجيرني من حُزني عليها سِوى غضبي عليهما إلى يوم يُبعثون , لن أغفر أكثر ..
    أغلقتُ الهاتف وأنا أشعُر بـ أن الأرض تتأرجحُ بي من الغمِّ والضياع , مسحتُ وجهي بيدي مُستعيذاً من كُل إنسيٍّ لعين , حدّثتُ زُمرده بعد أن رأيتُ شبح إبتسامتها قد رحل ..: لن أُعيد فجر إلى أُمي , لارحمةً في أحضانها تنتظرُنا !



    - جياد -

    يا صميمَ الحياة ! كم أنا في الدُّنيا غَريبٌ أشقى بغُرْبَة ِ نفسي .. بين قومٍ، لا يفهمونَ أناشيدَ فؤادي ، ولا معاني بؤسي , فاحتضِنِّي وضُمَّني لك- كالماضي-
    فهذا الوجودُ علَّة ُ يأسي وأمانيَّ ، يُغرق الدمعُ أحلاها ، ويُفنى يمُّ الزّمان صداها

    * أبو القاسم الشابي

    الضلوع وما خبأتُه من خفايا سكنتْ وادي اليأس المرير , ستغدوا العظامُ نخرةً باليه , رُفاتاً تتراقصُ عليه الرياح البارده , لاتُذكَرْ تفاصيل صاحبه حينما يقفُ عليه العابرون .
    عندما أصدر القائد حُكمْ الإعدام أُظلمتْ سماءيَ بعد أن كانت رماديةَ اللون بفعل الحربْ والأسى , أصطحبني الجُندي الصغير إلى زنزانة السجنْ , أخرج حلقةً مُلئت بـ عشرات المفاتيح , صوت إرتطامها ببعضَ كـ شفرةَ سكينٍ تتلذذُ بقتل صاحبها , سُحقاً للأماني السيئه ! , ماكنتُ فاعلاً بـ أُمنيةً ستظّلُّ علقماً يُجاري الهواء في صدري , دفع الباب إلى الخلف دافعاً معه فؤادي , قبل أن أرى ذلك الجمع من المُعتقلين , سارعت إلى أنفي رائحةً كريهةً نتنه تقذفُ بي إلى الأرض السابعه , المساحةُ ضيّقه وبها تتكدّسُ أجساد المُعتقلين , لم يتردد الجُندي بـ ضربي مع مؤخرة الرأس قائلاً ..: هنيئاً .
    لن يكونْ هُناك وعيدٌ و عهدٌ بسداد الدين للجندي كما كُنت أفعلُ سابقاً , لن أجرؤا على فعل ذلك مرّةً أُخرى , لُدغت من الجُحر ذاته آلآف المرّات دون أن أرتدع أو أتعظ ,
    وضعتُ طرفَ قميصي المُمزق على أنفي درءاً لحالةَ التقيؤ المُفاجئه , مضى يومان دون أن يُغمضَ لي جفنْ , من يسكنْ السجنْ يُصاب بـ الصرع والهوسِ معاً , فـ حينما يُسدلُ الليلُ ستاره , تعصفُ الرياحُ عبر الثقوبْ الضيّقه مُصدرةً لحنٌ مُخيف , تتدحرجُ عقاربُ الساعةِ تِباعاً طلباً للفجر والنومْ بسلام , فينقطعُ ذلك الطلب حينما تأتي الأصوات المُزعجة من كُل مكان , تضُّجُ أصواتُ المُعتقلين بـ الصُراخ عندما يُجرَّ أحدهم إلى ساحةِ الإعدام ! أو جلسة تعذيبٍ تنتهي بفقدان الشخص لوعيه , هؤلاء الظالمين لايعرفون وقتاً ولا زماناً يُنفّذون فيه الحُكم .

    تِلك الليالي غدتْ شبحاً يُطاردني أينما وطأتْ أقدامي أرضْ الزنزانةِ الخربه , مضى على وجوديْ هُنا شهرٌ ونصف , الفترةُ التي عشتها قبل دخولي السجنْ ومابها من أعاصيرُ مُؤلمه لاتساوي شيئاً من الأهوالِ هُنا .

    الأهوجُ جواد , لمْ يُخبر القائد بـ أنه إبن قائد القواتْ العسكريه , إلتزم الصمتْ مُصطنعاً فقدْ القُدرةِ على الكلام , الجُندي الذي أمسك بنا أقسم على سماعه لـ صوته مُعترفاً بـ حقيقتي , ألتقي به حينما نقومْ بُمهمّة الأعمال الشاقه , نتجاذبْ أطراف الحديثْ قُبيل غروب الشمسْ , لآ أُنكر بـ أن الأحلامْ المُستحيله أخذتْ نصيباً منْ تِلك الأحاديث , نُداعبْ أرواحنا قبل الرحيل , أُحكم عليه بـ السجنْ المؤبد , لمْ يُبدي إنزعاجاً أو تضجُّر من السجنْ إنما يضلُّ مُعتكفاً بـ إحدى الزوايا ينتحبُ الماضي , وبختهُ ذاتْ مرّةٍ قائلاً ..: لستْ مُضطراً للبقاءِ هُنا , أخبر القائد عن أمر والدك وسيأتيكَ الفرجُ راكضاً .
    زفر الهواء من جوفه ثم أردف حزيناً ..: دعني وشأني , علّ العقاب يمحو الخطآيا .
    الآن تحزنْ ! , هُم الظالمون لا يُدركونْ فداحةَ جُرمهم مالم يأتيهمُ العقابُ من ربِّ السمآء .
    وضعتُ الحجرْ بـ القُرب من الجدار الطويل , وقفتُ عليه لـ يتسنّى لي النظر من خلال الفتحةِ الصغيره , أشتاقُ إليهم بحجم السماءِ والأرضِ معاً , أوس وراويه والمُزعجة حنين والصغيرةِ فجر والصامتةَ زُمرّده , أفضَ عليّ يالله رحمةً تمنحُ لي رؤيتهم مُجدداً , حدّثتُ جواد ..: أشعُر بـ أن لديكَ مكيدةً تُفكّرُ بها , إسمعني يا رفيقُ السجنْ , نِلتُ منك مايكفي .
    إعتدل من وضعه بعد أن كان مُنحنياً يلتقطُ أنفاسه ..: إنتقمتُ منك ولن أفعل ذلك مُجدداً .
    ضحكتُ لغبائه ..: بـ الطبعِ يا عزيزي لن تكون هُناك مرّةً أُخرى , هذا الرأس سيُفارق الجسد قريباً , ممنْ تنتقم ؟!
    إبتسم ..: نسيتُ أمر إعدامكَ .

  15. #94

    ii


    بعد ثلاثة أشهر

    - ماتيو -

    وَدَّعتُكِ الأمس ، و عدتُ وحدي , مفكِّراً ببَوْحكِ الأخيرِ , كتبتُ عن عينيكِ ألفَ شيءٍ..كتبتُ بالضوءِ و بالعبيرِ .. كتبتُ أشياءَ بدون معنى .. جميعُها مكتوبة ٌ بنورِ
    مَنْ أنتِ . . مَنْ رماكِ في طريقي ؟ , مَنْ حرَّكَ المياهَ في جذوري ؟ و كانَ قلبي قبل أن تلوحي .. مقبرةً ميِّتَةَ الزُهورِ

    *نزار قبّاني


    أخذتُ الكتاب المُختنق تحتْ وسادتي بعد أن أنهيتُ قرآءتهُ ليلة الأمس , خرجتُ من غُرفتي دون أن أُبدّل ملابسي أو أُرتب شعري المُبعثر , فور رويةَ أُمي لي , وبختني قائله ..: مالذي تنوي فعله خارجاً بهذه الملابس المُهترئه ؟!
    أملتُ شفتيّ نحو اليسار دليلاً على الضجر , عادتْ حياتي إلى السابق , شابٌ فقير يعيلُ والدته , بعيداً عن الثراء وأصحابه , فـ عقب الحادث الأخير ووفاة المُجرم سايمن , أقسمتُ على أن أبقى بعيداً عن أولئكَ الأكابره , لم أفتقد سِوى الكُتبْ الجميله , زفرتُ الهواء من صدري حينما لاحت لي ذِكرى تِلك الليلةِ المشؤومه , جالسةً على صدره الضخم مُسددةً أكبر قدرٍ مُمكن من الضربات على رأسه بواسطة سلاحه الصُلب , تفجّرتْ الدماءُ من رأسه غامرةً بـ غزراته جسدها الصغير , إبتعدتُ عنها قائلاً ..: إنتهى كُل شئ .
    وضعتُ يدي على رأسي أُداري الفاجعة التي ستقعُ على رأسها , لحظاتٌ سريعه حتى قدمت سياراتُ الشُرطه بعد أن أبلغ بعض المّاره عن الجريمة البشعةِ في منتصف الليل !
    لم تتحرك عن جسده وهي مُنهمكةً بـ ضربه , أتى الشُرطي الغاضب مُزمجراً بها وهو يرفعها إلى الأعلى ويُسدد لكمةً على وجهها تناثرتْ على إثره الدماءُ من أنفها عندما رفضتْ الإستجابة إليه وهو يحثُّها على النهوض والإستسلام , وضع السلاسلُ في يديها المُرتجفه ثمّ زُجّت داخل السيارةِ بقوّه , شملني الإتهام أيضاً ووضعتُ بـ السجنْ جاهلاً بـ المصير الذي ينتظرها ! , مضى أسبوعٌ على بقاءي في السجنْ , أتاني الفرجُ سريعاً من النفوذ الذي تمتلكه روزالينا , أخبرتُها بعد أن أعطتني الآمان بـ رغبتي بـ الإنفصال عنها والبقاء وحيداً , بكتْ طويلاً وهي تؤكدُ لي رغبتها ببقاءها بجانبي , لا أُنكر بـ أن تقرُّبي منها لم يكنْ إلآ لـ أجل المال والحصول عليه بـ أبسط الطُرق دون عنآء العمل , لم أرغب بفضح حقيقتي وأكتفيتُ بـ قول ..: عينيّ تخجلُ من عينيكَ وقد كانتا سبباً في رحيل سايمن , أُعذريني .
    قبلتْ إعتذاري وتمَّ الإنفصال بـ أقل خسائر مُمكنه , يالي من سئ يتبعُ الهوى لا الضمير ! , رتبتُ شعري أمام المرآه قبل أن أذهب إلى زيارة راويه في السجنْ , أُصدر الحُكم ضدها بـ السجن لمدة إثني عشر شهراً بعد أن كان مؤبداً , والسببُ يعود إلى جرائم سايمن والسوق السوداء الذي يُتاجرْ به .
    أنتظرتُها في غُرفة الزياره قُرابة الـ خمسة عشر دقيقه , ظهرتْ لي مُختلفة عن السابق , وقفتُ مذهولاً وأنا أرآها حليقةُ الرأس بعد أن كان شعرُها طويلاً مُموجاً مُشبعاً بـ لون البُندق , وسمُ الجواري يُزيّن عُنقها الأبيض , حدّثتني حزينةً ..: رائحةُ دمه عالقةً بشعري فـ تخلّصتُ منه وإلى الأبد .
    تأملتُ عينيها - رأيتك ترسمين الحلم بين النار والغسق وفوق الليل أقمار وخلف الروح أحزان , ولون الحزن كالشفق , رأيتك تحملين البحر في عينيك مغتربا , رأيتك تغرقين الحزن في شفتيك صامتة - ...* معين شلبية
    إبتسمتُ لها وأنا أمسحُ رأسُها العاري من الشعر تماماً ..: صلعتُكِ فاتنه .
    ضحكتْ من بين دموعها ..: سينمو سريعاً إن أسقيتهُ بـ الماء .
    جلستُ على المقعد وأنا أدعوها إلى جانبي , أخرجتُ الدفتر والقلم لـ أضعهما في حجرها , حدّثتُها ..: لنُكمل الدرسَ .
    إبتسمتْ لي مُمتنةً وهي تأخذُ القلم وتكتُب بخطٍ ركيك بعضُ الكلمات التي علّمُتها إياها بـ الأمس , تأملتُ عينيها المُنهمكةَ بـ التدقيق على كُل حرفٍ تكتُبه , أصبحتْ عيناها أكثر جمالاً عن ذي قبل لاسيما إن كان جُل تركيزكَ فيهما , أشحتُ ببصري خشية أن تراني غارقاً بـ التأمُل .


    - زمرده -


    البَردُ شدَيدْ قارصْ تعبثُ رياحه بـ أجسادنا الضعيفه , هزُلتْ من الجوع القاسي الذي تمُّر به , أمواتٌ نسيرُ على الأرض ننتظُر لحظة نزع الروح وُمفارقة دُنيا الشقاء , مُختبئين تحتْ أنقاضْ الأخشابْ بينما الآخرون ينامونْ في الخيامِ الباليه , كثيرون وطأتْ أقدامهم أرضُ الحدود فـ أصابهمْ العجز والتشرُّد , مُنعنا من تخطّي الديار وسـ يُقصفُ من يُخالف ذلك , في كُل ساعه يرحلُ طفلٌ أو شيخٌ كبير , الظروف قاسيةً مؤلمه تفتُك بـ الصبر الضئيل , العواصفْ الثلجيه تقتلعْ رؤوس الأمل بـ النجاةَ , عند فجرِ كُل يومٍ وغروب شمسه تأتي الطائراتُ الحربيه بحثاً عن مُجرمٍ يختبئُ بيننا , لا تهدأ نفوسهم مالم يقضوا على مجموعةٍ من الرجال تعبيراً عن الضجرْ وحمايةَ الوطنْ من الإرهابيين !
    مضى على وجودنا هُنا أكثر من ثلاثةِ أشهُر نعزفُ لحنْ الغُربةِ على أرضِ الوطن , تأتينا بعضُ المساعدات بعد شقُّ الأنفسِ والنوّاحُ أياماً طلباً للقمةِ العيش أو ملابسٌ تقينا بردُ الشتاء , فـ يُبادر من وجد في قلبهِ بذرةُ خير أو رحمه , أقبلتْ إليّ فجر مُتلعثمةً بـ أحرُفها تطلُب الطعام , رفعتُها عالياً وأنا أُقبّل خدّيها , توجهتُ إلى الخارج مُنتظرةً قدوم أوس لنتشاركْ الطعامُ سويّاً , أبتسم ثغري وأنا أرآهُ قادماً يحملُ على ظهره دلواً كبيراً من الماء , رُحماك ربي بـ شغافِ قلبي , لا أعلمُ أيُّ صبرٍ يحتويني إن فقدته يوماً أو فارقتْ بِنا الخُطى لـ سُبلٍ مُختلفه , بعد أن أخبرته لين بما فعلته براويه أُصيب بـ صدمةٍ شاركتْ مصابه العظيم بفقد حنين , إنهار جريحاً لما حلّ بـ إخوته , أعادني إلى الواقع حنانُ صوته ..: إلى أين أخذكِ التفكيرْ ؟!
    رغبتُ بـ الإشارةِ إليه والتحليقُ بـ أصابعي السبابةِ والإبهام معاً تعبيراً عن حُبي له , أُحبُّه بـ كُل نبضةٍ يخفقُ بها قلبي , خجلتُ أن أعترفَ له فـ الزمنُ ضدنا , لُمتُ نفسي كثيراً حينما ظهرت تعابيرُ الخجل على وجهه حينما أطلتُ النظر إليه , إنكسر طرفي خجلاً من تصرُّفي الأهوج .


    - سارا -
    ما صافح النوم أجفاني ولا احتملت .. جوانحي ما أثار البن من شجن .. جَنت عليّ الليالي غير ظالمة - إني لأهلٌ لما ألقاه من زمني -
    * زكي مبارك


    لن أصف مرارةَ الحُزن أكثر من قول إجتاحني تسونامي الأسى مُدمراً كُل خليةً في جسمي , أفقتُ من إغماءتي في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل , دار بصري في أرجاء الغُرفةِ الدافئه بحثاً عن الأُنس والفرح الضائعين , أهلكني الضميرُ وباتْ جنوناً يعتريني في كُل ليله , زفرتُ وزفرتُ حتى إحترقتْ رئتيّ من صيحاتْ الندمْ , لم تعُد الحياةُ تُغريني كـ الماضي , بُعثتْ الرؤى تتراً في منامي , مُزعجةً كئيبه شطرتْ لي القلب أرباعٍ مُجزأه , النارُ مُشتعلةً في صدري نافثةً دُخانٌ أسود كـ سواد الليل البهيم , خرجتُ من الغرفه طمعاً بـ ماءٍ باردْ يُعيد لي توازني الذي فقدتُه منذُ معرفتي بـ دمار ريف الياسمين بمن فيه , أُمي رفضتْ مُقابلتي , غاضبةً مني أشد الغضبْ , تسعى جاهدةً على العثور عليهم برفقة أخي , وصلْ اليأسُ أقصى إيماني ببقاءهم على قيد الحياه , أبصرُت صغيرتي دُرر نائمةً بحضنْ - إيّلا - لاحْ لي طيفُ فجري الجميل , أتمّتْ عامها الأولُ بلا شك مُنذُ مُدّه !
    إبتسمتُ لهذه الذكرى وسُرعان ما تبعتها حِممُ الآهاتْ , ليتْ الدقائق تعودُ إلى الوراء لـ أُخبئكم بين أهدابي , حدّقتُ بـ إيّلا وهي تضعُ الهاتف بيدي ..: السيدةَ تُريدك .
    وضعتُ السماعةُ على أُذني لـ أستمع إلى صوتها الندّي ..: أُمآه .
    أتاني صوتها باكياً فرحاً , يُرسل الثناء والحمدُ إلى العليم , توقف دورانُ كُل شئٍ من حولي وهي تقول ..: حمداً لله , أُدرجتْ أسماءهمْ في قائمةَ النازحينْ , أخبرني أخيكِ بذلك الآن ..
    لمْ تُكمل حديثها من فرط البُكآء , إرتجفْ ثغري مُختلطاً بمشاعرٍ لاتوصف , و خالقي إن رحمته وسعتْ كُل شئ , أنهتْ أُمي المكالمه بعد أن وبختني للمرةِ الألف , لن ألومكِ أُماه أنا المُذنبةُ المُلامه , لم يصافحْ النوم عينيّ طوال الليل , أخبرتُ زوجي بـ رغبةِ للسفر حيثُ الديّار , لم يُعارض ذلك وإن علمْ بما أُفكر به لرُبما قسم لي ظهري نصفين ! لايُطيق وجودهمْ و ودّ لو بـ إمكانه محوا أثرهم وإلى الأبد .

    وطأتْ أقدامي أرضُ الوطنْ , إلتقيتُ بـ أُمي على الطريق قاصدةً الحدود , ساد الصمتْ بيننا لساعاتٍ طويله , يُتمتمْ فؤادي بترانيم الفرح والحنين إليهم , لم أرى فجرْ منذُ أن كانْ عُمرها ستةُ أشهر والآن أصبحتْ في عُمر السنةِ والنصف تقريباً , عامٌ مضى على لُقياكِ صغيرتي , لن يُخيّب أوس رجائي به وسـ ألتقيكَ على أفضلِ حال .
    ظهرتْ لنا مُخيماتْ النازحينْ مُسجاةُ على الثلجِ الأبيضْ , الدُخانْ ينبعثْ من كُل مكان , الأطفالُ يلعبونْ بـ الثلج بينما النساء ينشُرن الغسيل , إنقبضْ قلبي فجأةً وأنا أرى ثيابهم الرّثةِ لاتقيهم بأسُ الشتاء , إحتضنتُ دُرر بين يدّي خشيةَ أن تكونْ يوماً في ذاتْ المصير , حدّثتني أُمي غاضبةً وهي ترى اللآجئين ..: سـ أصحبهم معي إلى منزلي , أنتي لستِ أهلاً لـ تربيتهم ولن تكوني , أُمٌ سيئه ! كيف تقذفين بـ أبناءكَ في جهنّم الحربْ بينما تنعمُين بـ جنّةِ زوجكِ , لا باركَ الله بكِ وبـ كمال النحسْ ...
    توقفتْ عن الحديثِ لبُرهه وهي تمسحُ دمعاتها بطرف معطفها , أردفتْ ..: ليتني متُ ولم أرى هذا , ياحسرةً على الصِغار .
    حسُبكِ أُماه , لاتعلمينْ كمْ قاسمني الحُزن أيامٍ وليالٍ طويله , شعرتُ بـ ضيقْ الكون أكمله يُطبقُ بـ جباله الراسيه وأشجاره العملاقة والنجوم والكواكب السيّارةِ على صدري .
    توقفتْ السيارةُ أخيراً عند نقيضَ الأخشابْ , أرشدنا إليها أحدهم عندما سألناه إن كان يعلمُ بمكان أوس أم لا , هبطتْ أقدامي فـ لفحني الهواءُ البارد تراعدتْ له فرائصي آجمع , خرجتْ الفتاةُ البيضاء النحيله , ينسدلُ شعرُها على أكتافها دون قُبعةً تحميها من البرد , بادرتْها أُمي بـ السؤال ..: أين أوس ؟!
    إتسعتْ عينيّ الفتاةِ عجباً لـ سؤالِ أُمي , تراجعتْ إلى الخلف بُخطى صغيره مُحتضنةً يديها , حرّكتْ رأسها نفيّاً , كأنني أعرفُها , سألتُها ..: أأنتي زُمّرده ؟!
    حدّقتْ بي بُرهةً تُعيد لذاكرتها من أنا ؟!


    - أوس -

    نفثتُ الهواء الساخنْ على يديّ علّ الدفء يعرفُ طريقه إليهما , أقفُ منذُ الصباح مُنتظراً دوري في الحصول على الماء وها أنا أعودُ به و الشمسُ الباردةَ بـ أشعتها تميلُ نحو المغيب , أخذَ الوهن نصيبه منّي بلا نُقصان , جُلّ ما أحتاجهُ هو النوم بـ القُرب من النارِ المُشتعله , صُدمت بـ السيدةِ التي تقف بـ إنتظاري في الداخل , سرتْ رعشةً في جسدي أكمله , أصابتْ نياط قلبي بـ سهامٍ لن تُشفى على مرِّ السنين , إقتربتْ مني رغبةً بـ مُعانقتي , تراجعتُ خطوتين إلى الخلف واضعاً يدي حاجزاً بيني وبينها , حدّثتُها وأنا أرى الرضيعةُ في أحضانْ السيدةِ العجوز التي وقفتْ حينما رأتني أتراجعُ إلى الخلف , سألتُها ..: مالذي أتى بكِ إلى هُنا , هل إنفصلتِ عن زوجكَ !
    أسدلتْ يديها المُعلقةَ بـ الهواء إلى جنبيّها , حدّثتني ..: أتيتُ لـ أطمئنْ وأطلُب الرضا , لستُ مُهتمةً به بقدر إهتمامي بكم و ـ....
    قاطعتُها وأنا أكبحُ غضبي ..: الآن ! استيقظ الضميرُ بداخلكِ , عجباً له كيف عادْ للحياةِ بعد أن كانْ ميتاً .
    بترتُ أحرُفي حينما رأيتُ رجفةُ شفتيها , إحترقتُ بما يكفي لـ حرق غابةً بـ أكملها , لن أصفح عنها وإن رأيتْ الدمع نهراً جارياً على خدّها الندّي , لن أنسى ما مضى ولن أغفر , إكتويتُ أياماً لاتُعدُّ ولا تحصى بـ سببها , تعلّقتْ فجر بقدمي طلباً لأن أرفعها كما أفعلُ دائماً , تأملتُ عينيّ أُمي الغارقةَ بـ الدمع تُكفكف ما إنزلق منها بـ يدها
    حدّثتُها بغيض ..: علّ الدمعُ يغسل عُظم خطيئتكَ !
    إلتفتتْ إلى السيّدةِ حزينةً ثم نظرتْ إليّ بـ رجاء ..: بُنيَّ , أتيتُ لفتحْ صفحةً جديدةً معكم , سـ أنفصلُ عن زوجي وآخذُ معي إبنتي دُرر ونهجر الوطن سويّاً ونعيشُ معاً بعيداً عن الماضي .
    عضضتُ لساني قبل أن أتفوّه جارحاً مُنتقماً منها , خشيةَ أن تخسف بي الأرضُ ناقمةً لـ قُبح فعلي , بربِّكِ أُماه أُنظري إلى الأُختين شتانْ مابينهما , من يُصدّق بـ أنهما من رحمٍ واحدْ , نظرتُ إلى فجرْ رثّةَ الملابس بـ وجهٍ شاحبْ من سوء الحال , أغلى ماتطلُبه هي لُقمةً تسُّدُ به الرمق بينما دُرر ترتدي أبهى الحُلل ! البُعدُ بينهما كـ بُعد المشرقِ عن المغرب , شعرتُ بـ غصّةٍ تُداعبْ اللُهاةَ الناشفه , رميتُ ما إكتنزتهُ بصدري منذُ الصغر خارجاً علّ الروح تستكينْ وتُشفى من الجروح , تذكيراً لها بـ ذنبها ..: لم أحلُمَ كغيري برجآء , ظلَّ الحُلمَ حُلماً كما يُسمّى , لا أُريدُ كتاباً وقلم لـ أكتُب كما يكتُب الآخرون , لا أُريدُ شيئاً يملكُه غيري وأنا لا أملكه , عفّّتْ النفسُ عن الطلب اللذي لن يُلبّى , غادرتِنا والحربُ قائمةً بعد أن تركنا أبي وذهبتي لـ تعيشي الأفضل بينما نحنُ نحترقُ بـ نار الضياع , نعيشُ على ماتمُدُّ أيدي المُحسنين كـ اللُقطاء مرميونَ على قارعة النسيان ووالديّنا أحياءٌ يُرزقون ..
    إزدرءتُ ريقي بصعوبةً فـ أردفتُ قهراً ..: نعيشُ كـ النكرةِ بينهم , الجميعُ ينعتُنا بـ المُشرّدون أبناء كمال السئَ وسارا , ماذنبُنا أن نعيشَ اليُتمَّ و والديّنا ينعمون بـ الرخاء , ينامونْ على الحرير بينما نحنُ نفترشُ الأرضَ العاريةَ ونغفوا على صوتِ القذائف اللعينه , نخشى أن ترجمنا الطائراتُ الحربيّه وتُمزقَ أجسادنا أشلاء تقتاتُ عليه الكلاب المُستعره , أأصفح عنكِ لـ أجلِ راويه بعد أن ركبتْ قطار الأسى و غادرتنا إلى المدينة بحثاً عن عمل , فـ إلتقمها ثُعبانْ أبي وقذف بها في سوق الرقيق جاريةً تُباعُ وتُشترى ! , أيُّ جرحٌ لايؤلمكَ وأخي جياد لا أعرف إن كانْ حيَّاً أم لحق بركبْ الراحلين .. أينْ ضميرُك حينما أتيتُ إليك في قصرك راجياً ذليلاً لكِ بـ أن تضُّمي حنين تحتْ جناحيك وتوليها إهتمامك ولو قليلاً , صغيرتي إرتشفتْ كؤوس المُرِّ أيام طويله حتى أُصيبت بجنونْ عشقكَ , مُتمتمةً بـ إسمك في كُل حينْ , مالذي فعلتهِ لها كي أرضى عنكِ وأنسى مامضى , أُداري عبراتها السقيمه بـ بناء صرحٍ من الأحلامِ المُستحيله , أُمنِّيها بـ اللقاءِ المُنتظر , ظلَّ الإنتظارُ إنتظاراً حتى توارتْ تحتْ الثرى ..
    مددتُ يدّي إليها لـ أُريها بقايا التُراب عالقةً , لاتودُّ مُفارقتي ..: صغيرتي ألمَّ بها المرضُ فجأةً ولجهلي جهلتُ حالها فـ غادرتني فجراً , لم تُغسّل وتُكَّفن كـ الآخرين , نزلتُ إلى القبر لـ أُودَّعها بين جنباته وحيدةً في أرضٍ لاتدوسها أقدامُ البشر وأحقادهم , تمايل الوجعُ بين الحنايا مُترَّنماً بـ صيحاتْ الرحيل بعدما غاب وجههُا عني تحتْ التُراب ..
    ضربتُ يسار صدري لـ أُخففَّ نبضاته السريعه , إرتفع صوتي ناقماً منها ..: آهُ أُماه لتلكَ الأيامْ وخالقْ النفسُ فيّ للموتُ رآحةً من ذِكرها .
    أشحتُ ببصري عنها لـ أُهدئ ثورة الحنينِ إليهم و أمنع خائنة الأعيُن , خشيتُ أن أرتمي بـ حضنها فـ أنسى حُلم حنين بـ الإرتماء في المكان ذاته و هي بهِ أولى , لن أكون أنانياً وقدَّ وبختُّها يوماً بـ نسيانها ولن أسرق مكانُها , حدّثتُ أُمي بعدما أغمضتُ عينيّ الباكيه ..: لاتنفصلي عنه ولاتُذيقي دُرر الكأس ذاته , رضينا بـ اليُتمَ وآمنّا بـ القدر خيّرهِ وشرّه .
    تتأرجحُ أُمي صدمةً كـ نذيرُ إغماءةٍ قادمه , ستقعُ أرضاً وتنوحُ بقايا العُمر ندماً , أوليتهم ظهري خارجاً من متاهةَ مشاعري المُضطربه , عُذراً أُماه أنا الحزينُ الذي لن يتعدّى حدود كفنْ الحنين .



  16. #95
    ii


    - زمرده -

    خشيتْ كُل شئٍ هذه اللحظه , أن تنهارُ أرضاً , تُجنُّ وتلطمُ الخدّين جزعاً , شدّت مُقدمة شعرها بقوّه درءاً للصراع النفسي القادم عندما سألتْ ..: أين رحلوا ؟!
    أقتربتُ منها لـ أمتص موجةَ النحيب قبل أن تصل , لآتُدركَ وجودي ولآبقآءي هُنا , تنظُر للعدم وكأنها تحوي فؤاد مارحل , لقاءٌ لم يكنْ بـ الحُسبان , أتتْ السيدة سارا من أجل أبناءها ! بعد أن بعثرهمْ إعصارْ الفراق , أمسكتْ بها والدتْها وهي تتلوا آياتُ السكينة على صدر إبنتها المُنهارةِ بـ أحزانها بعدْ أن شقّتْ ملابسها من فرط الجزع , حملتُ دُرر بـ أحضاني بعد نوبةَ البُكاء التي لازمتها جراء بُكاء السيدةَ سارا , خرجتُ من المكان أتتبَّعُ آثار فجر التي سبقتني إلى أخيها , ترددتُ بـ الإقترابِ منه , رفع رأسهُ إليّ حينما سمع بُكاء دُرر , وقف على قدميه مُقترباً مني , حمل الصغيرةَ بين ذراعيه , ربتُ على عضده وأنا أرى عيناهُ مُكتظّةٌ بـ الدمعْ , أشرتُ إلى قلبه ثم إلى إتساعْ السماء , أعرفُ قلبّه جيداً كما لوكُنتُ أحد شرايينه , نقيّاً يتسعُ بـ عطفه حجمَ السماء , يحتاجُ إلى الوقتِ لـ ينسىَ نُدبةَ الفقد , سددت فجر لكماتٍ ضعيفه على ساق أوس , وضع الصغيرةَ بين يدّي لـ يحمل فجر ويُقبّل جبينها ..: أتشعُرينَ بـ الغيرةِ منها !
    قدمتْ إلينا السيدةَ والدة سارا , إستغربتُ من عدم معرفة أوس بـ جدته حينما رمقها بـ نظرته , حدّثتهُ الجدّه ..: بُني , لستُ ألومكَ في ماقُلت بحقها , لكنّكَ نسيت بـ أنها أُمٌ ويؤلمُها مايُؤلمك , إبنتي مُنهارةً بسبب وفاةَ صغيرتها , مصابُها عظيم , بعثرت النبأ المُحزن في وجهها وكأن حنين ليستْ إبنتها ولن تشعُر ..
    قاطعها بـ نفورٍ ساخر ..: أوه جدتي , كأنكِ ظهرتِ من العدم ! أنا لا أعرفك , لم أركِ منذُ أن كُنتُ في السادسةِ من عُمري والآن أتيتِ لـ أصفح عن إبنتك وأُزيح الهمَّ عن صدرها , أعلمُ بـ أني أغضبتُها وأخشى غضبهُ وأن أُسقى الحميمُ لـ أجلها , ويلٌ لروحي من نُزل الجحيم إن أنكرتُ قوله أُمّك ثم أُمك ثم أُمّك ! , لا أستطيع نسيانُ الماضي وكأن شيئاً لم يَكُنْ !
    لم يكُن بحاجةً إلى رؤية جدته ومُضاعفة غمِّه , عضّ شِفته السُفلى بقوّةٍ كادت أن تُمزقها أسنانه ..: لا أحدْ يشعُر بي , رضيتُ أن أبتلع الهمَّ بلا شكوى .
    أخذتْ الجدّةُ بـ الرجاءِ الطويل له , أن يغفر لـ أُمه ويعُود إلى حُضنها وينسى مُرَّ ذنبُها وكأنهُ من طلبَ فراقها في بادئ الأمر , ألآ يشعرون بـ أوجاعه ! لم أرى صبراً عظيماً على الأحزان كـ صبره وبـ لمح البصر يُريدون له أن ينسى .
    رأيتُ عينيه غائبةً في سراديب الضيقَ وجدّته تزيدُ من وتيرةَ رجائها العقيم , إحتضنتهُ بـ حنان يُورَّثُ في قلوب النساء , باكيةً قسوته على نفسه , قبّلتْ عينيه المُخضّبةَ بـ الدمع , مسحتْ آثاره عن خدّه , حدّثته في محاولة أخيره لـ إقناعه ..: أوس , لـ أجل من سكنتْ الأرض إغفر لـ أُمّك .
    ابتعد عن جدّته قليلاً قائلاً وهو كظيم ..: لو رأيتِ جمرةُ غياب أُمي في عينيّ حنين لـ طلبتِ الموتْ قبل أن يرتدّ إليك طرفك , أنَّى لي النسيان وفقدُها حُزنٌ يوسمُ به الجبين !
    أطرقتْ رأسُها إلى الأرض عائدةً إلى السيدة سارا , تضربُ صدرها مراراً ..: ياحسرةً على قلبكِ يا سارا .


    - جياد -

    يفصلني عنْ ساحةَ الإعدامْ خمسةَ عشر يوماً لا أكثر , بدأ جسدي يتخذُّ رقصةَ الخوفِ والرُعب من النهايةِ البشعه , كيف سيكون إعدامي شنقاً أم قتلاً بـ الرصاص , ماذا عنْ السيّف هل سُيمررُ على عُنقي أم سـ يُدّسُ السُمَّ في طعامي , يالي من أحمق ! تعددتْ الطُرق والموتُ واحد ما المزعجُ في الأمر , رميتُ بـ المكنسةِ التي كُنتْ أحملها من أجل تنظيف ساحةَ السجنْ النتنه , إنه عملٌ يومي أقومُ به وسئمتُ منه لـ قُبحه , إهتزّ كتفيّ إعلاناً لـ نوبةِ بُكاء لم تكن بحسباني , رُغماً عني سـ أبكي , إنه الموتْ يا بشر ! إن أُعدمتْ سـ أُفارق الدُنيا وأعيش حياةَ البرزخ , وأيُّ حالٌ ينتظرني هُناك , لستُ أعلمُ يا الله بـ مصيري , إمنحني فُرصةً أُخرى أُعيدُ بها صياغة حياتي السابقه , أُرتّبُ أفكاري وأستقيم , رفعتُ رأسي عالياً إلى السماء , سبحَ تفكيري في الملكوت مُستشعراً عظمةَ القوّي , وخالقي إن الفرج بين يديه وإن رجوتهُ فـ لن يُخيّب ظنُّ من رجآهُ بـ يقينْ , مضيتُ قُرابةَ الساعةِ والنصف واقفاً في مكاني , ينظُر إليّ السُجناء بـ عينْ الشفقةِ والحُزنْ , الجميعُ يعلمُ عن حُكمْ إعدامي قريباً , شعرتُ بمنْ يُحيطني بذراعيه , بكيتُ ومابقيَ لي منْ ضيقٍ إلآ نفّستهُ على صدره , حدّثني هامساً ..: لاتبكِ أرجوك .
    حدّثتهُ بـ غمٍّ..: منْ رماكَ في طريقي ذلك اليومْ ! .. ليتْ الخُطى أُصيبتْ بـ الشلل ولم تُخالف رأي أوس , هآ أنا أدفعُ ثمنْ غبائي .
    شدّني إليه قائلاً ..: إنه قدرُنا قبل أن تُخلق السمواتِ والأرض .
    أتى القائد لـ يُفرّق جمعنا , صارخاً بـ الجميع ..: اللعنةُ عليكم مالذي تفعلونهُ هُنا .
    فرّ السُجناءُ من الساحه , إختبئ كُل نفرٍ منهم في زنزانته , خشيةَ أن يحُكمُ عليه بـ الجلّدِ والتعزير , عُدتُ إلى زنزانتي كسيراً بعد أن أمسك الجُندي بـ جواد لـ يقوده إلى غُرفةِ التعذيب بسبب عصيانه له , أسندتُ ظهري إلى الجدار , أنتظرُ رحمةَ الله ككلِ ليله حينما يبقى الثُلثُ الأخيرُ من الليل وأبوحُ بـ الهمِّ العظيم إليه , غفوتُ على أحرُفِ الدُعاء .


    دوى إنفجارٌ قوّي هزّ أركانْ الزنزانةِ الخربه , إنهار الجُزءُ الأيسر منها على الأرض كادتْ أن تقتُل أحدهم , تبع تِلك القُنبله إنفجاراتٍ مُتتاليه في أماكنْ قريبةً منّا , رأيتُ مع فتحةَ السَقفْ نيرانُ القذائف تُنير ظُلمةَ المساء , إرتعش جسدي بـ قلق خوفاً أن يلحقني الدمار , لابُد أنهم عصابةُ ليثْ عثروا على مقرّ القوّاد العسكريين فـ جاؤوا للإنتقام , سـ نُسحقُ معهمَ بلا شك , أخذَ السُجناء بـ الطرق على الباب , طلباً للنجدةِ والهربْ من دائرةَ الخطر , لا أحد يستجيبُ لهم , بـ الطبع الجُرذان لن تبقى هُنا , قفز بعضاً منهم إلى الفتحةِ متوسطة الحجم لـ يُحرّكوا بقايا الجدار لـ يسقُط مُنهاراً , خرجوا مُتدافعينْ يطوي بعضهم بعضاً هرباً من المواجهةِ بين العصابةِ والسُلطه , مهلاً يا حمقى أفسحوا لي مجالاً لـ أهرُب معكم , خرجنا والصواريخْ تُدوّي ضجيجها في كُل مكان , تتساقطُ بـ كثافه على الأرضْ , يُقتلُ من يُقتل وينجوا من كان له عُمراً جديداً .
    أخذتُ بـ الركض لـ أبعدْ نُقطةً قد تصلها قدماي دون أن تصابُ بـ التعب , وقفتُ أخيراً على جبلٍ ومعي مجموعةً من السُجناء ننظُر إلى المُعتقل الكبير , إصطكّتْ رُكبتاي ببعضهما البعضْ بـ رُعب حينما رأيتُ أسرابْ الأجسادُ البشريه تصعدُ إلى الجبل , أخرجتُ الهواء المُختزنُ بصدري عندما تحدّث أحدهم ..: لاتخافوا , إنهم السُجناءُ الآخرون .
    جلستُ بوهنْ وأنا أُتمتمَ بـ الحمدْ , سمعتُ صوتاً لاهثاً قادماً ناحيتي ..: حمداً لله , خشيتُ أن تكونْ ممن أُصيب بسبب الإنهيار .
    نظرتُ إليه لـ أُتأكدْ من الواقع الذي أعيشه ..: بربِّك , أصفعني لـ أتأكدُ من وقوفي خارجْ السُجن .
    لم يتوانى الأهوجْ بتسديد صفعةً قاسيه ..: مؤلم , من أين إكتسبتْ هذه القوّه ؟!
    إبتسمْ لي وهو يضعُ يده على خدّي ..: السجنُ يُعلّمُ الرجال .
    أمسكَ بيدي لـ يساعدني على النهوض ..: لـ نبتعدْ من هُنا قبل أن يصطادنا أعوانُ الزعيمُ ليث أو تُمسكَ بنا الشُرطه .
    ظهرتْ نواجذي من شدةَ الفرحِ بـ الفرج , وخالقي إن رحمته سبقت غضبه , سرتُ معهم حيثُ الحدود عازماً على البحث عن أوس والآخرون .



    - راويه -

    خرجتُ من المنزل طمعاً بـ حياةٍ أفضل فـ آلتْ بي الأمور إلى جاريةً للسيّد سايمن لـ أعيش تفاصيل جرائمه آجمع , إنتهى بي المطافُ في زنزانةَ السجنْ أحملُ لقب قاتله ! , آهٍ لـ عقلي الصغير وتفاهته حينما رضيتُ بـ مُجاراةَ عمتي لين وقبول طلبها , حرّكتُ رأسي بقوّه كي أُبعد سلسلةَ السخط الدائمة منه , لامهربْ من القدر وإن كُنتُ في بروجٍ مُشيّده , إليك أشتكي قِلّة حيلتي , وقفتُ على قدميّ بعد أن سمعتُ صوتْ الجُنديّةَ تُنادي ..: راويه , زيارةٌ لك مُدتها نِصفُ ساعه .
    أمسكتُ بـ الكتاب الذي أهداه لي ماتيو في زيارته الأخيره , تمكّنتُ أخيراً من القراءةِ والكتابه وإن لم يكُن المستوى جيداً , الأيام الأولى لي في السجنْ مُنعتْ الزيارةُ عني كوني قاتلةً والأمرُ خطير وإن لم أحملُ سلاحاً , رُفع الحظر عني بعد تدّخُل أحدهم ولازلتُ أجهل شخصيته , لن أتحدّث عن شعوري لحظة قتل السيّد سايمن وسـ أكتفي بقول - تؤلمنا الأقدار ونؤمنُ بـ أنها الخيره - يُرددها أوس كثيراً لذا أحببتُها وآمنتُ بها إيماناً جازم , باغتني ماتيو بوضع شئٍ على رأسي , حدّقتُ به ومن ثمَّ رفعتُ يدي حيثُ الشئ , إنتزعتهُ من رأسي بغضب ..: ربطةُ شعر ! أتهزأُ بي .
    حرّك يديه بـ الهواء ليمنع غضبي ..: لا , تبدينْ أجمل إن وضعتها , لاتُسئ فهمي راويه .
    إبتسمتُ له ..: لابأس , سـ أضعُها لـ أجلك .
    تجاذبنا أطراف الحديث بعد أن قرأتُ له قصيدةً من الكتاب , علّمني إيآها سابقاً , أطمحُ بـ الأفضل حينما أخرُج من السجنْ وأن أَلتحق بـ مدرسةً تُعيدُ لي أحلامي المُغتصبه , إنصرف بعد إنتهاء الثلاثون دقيقه , عُدتْ إلى زنزانتي لـ أغوص في أعماق الكُتب التي أحضرها لي ماتيو هذا اليوم , فوجئتُ بهِ يوماً حينما أخبرني أنه من عائلةً مُعاهده هجرتْ ديارها لـ تسكُن الإقليم , صُدمتُ به حقاً بعدما أفصح لي عن عُمره الذي لم يتجاوز الحادية والعشرين , كيف قبل بعجوزٍ زوجةً له ! , ماتيو يمتلكُ وسامةً صاغها الخالقُ في تفاصيله , لم يجد صعوبةً في إغراء سيّدةً ثريّه به , طمعاً بـ الحصول على ثروتها , لم تتوانى العجوز بـ كتابة أملاكها بـ إسمه إرضاءً لـ عجرفته مُتباهيةً به بين صديقاتها , لم تُعجبني طريقته الدنيئه في الحصول على مُبتغاه أن يسلُك طريق النصبِ والإحتيال , تبدّد ذلكَ كُلّه حينما أعلمني بـ إنفصاله عنها وإعادةَ أموالها إليها دون نُقصان , حكايةً أشبهُ بـ الأفلام التي أسمعُ بها من فتيات الياسمين .


    مضى على ذلك تسعة أشهر , غداً سيتمُّ الإفراجُ عن الطائر السجين لـ يُحلّق في سمآء الحُريّه , هاجر النومُ مُقلتيّ تماماً كـ تِلك الليلةِ الأخيرة لي في الياسمين , سـ أُغادر أرضُ الإقليم بلا رجعه , لن أعود إلى حماقةَ الصِبا وسـ أظلُّ واعيةً بكل خطوةٍ أقومُ بها , ضحكتُ لـ أفكاري الجيّده , علّمكِ السجنْ كيف تكوني فتاةً ناضجه .
    أشرقتْ الشمسُ الدافئه بعد ليلٍ طويل , تتباهى بـ أشعتها على رؤوس الخلائق نوراً يبعثُ بـ الضياء , خرجتُ من مركز السجن بعد الإمضاء على ورقةَ تعهُّد بمغادرة الإقليم وإلى الأبد ولن يُسمح لي بزيارتها وإن رغبت ! رفعتُ يدّي عالياً لـ أستنشق أكبر قدرٍ مُمكن من الهواء , شعرتُ بـ الدمِ يسري في العروق مُبتهجاً بـ رحمةِ الله , تتقافزُ النبضاتُ في صدري إمتناناً لمن في السماء , رُغماً عني بكيتُ فرحاً وأنا أسمعُ صوته ..: هنيئاً لكِ الحُريّه .
    أجبته بـ إمتنان ..: شُكراً لك , ماتيو ألن نُغادر الإقليم ؟!
    تأمل عينيّ فترةً من الزمن ثم أشاح بصره , زفر الهواءُ الساخنُ من جوفه , سألته أيُّ فجيعةً تُداريها ! أجابني بحذر ..: الحربُ مُشتعلةً في الديار منذُ عام , ريفُ الياسمين خاويةً على عروشها , لا أحد يسكُنها , إلى أين ستذهبين ؟!
    حسبُك لا تُكمل , لاتزالُ الفرحة عالقةً بـ شفاهي لا تُدمّر أسوارهُا بـما توّدُّ قوله , حدّثته بضيق ..: سـ أذهبُ إلى أُمي .
    ألتزمتُ الصمتْ طوال الطريق , لا أعلمُ بـ خبايا القدر ولن أُخمّن نهايته , بدتْ لنا منازلُ المُدن المُدمّرةِ بفعل الحرب , الأرضُ مموجةً بفعل القبور المُرتفعة عن سطحها , كم عددهم ! مئتان أو ثلاث أو يزيدُ عن ذلك بـ الآلآف , إقشعر جسدي من ذلك المنظر , أشحتُ بصري عن ذلك الجمعُ من الأطفال والأهالي يقفون على قارعة الطريق , أقدامهم حافيةً تدوس الزُجاج المُتناثر في كُل شبر , يمدّون أيديهم للعابرين طلباً للعون , وصل الحال بهم في المدينة بـ أن يشحذون ! , أنهرتُ باكيةً وأنا أتذكّر إخوتي ومصيرهم .

    توقفنا أخيراً أمام قصرٍ ضخم لم تخدشه أسراب الحرب , شامخاً بـ القُبّةَ الكبيره , إرتجفتُ بشدّه خوفاً أن ترفضني أُمي وتطردني خارجاً , من يدري !
    إستقبلتنا سيّدةً متوسطة العُمر , أخبرتني بـ أنها مُدبرة شؤون القصر , سألتُها ..: أين السيدة سارا ؟!
    خشيتُ أن أقول لها بـ أنني إبنة سارا فتشعُر أُمي بـ الخجل مني لاسيما وأنا أرتدي هذه الملابس بشعة المنظر , أجابتني السيّده ..: غادرتْ القصر منذُ زمنٍ طويل برفقة سيّدي بعد أن أنجبت طفلتها دُرر , أتعرفين السيّده , هل لكِ موعدٌ معها ؟!
    نظرتُ إلى ماتيو علّه يُسعفني بـ حلٍ أو نجاةٍ من هذه المُصيبه , حدّثني ..: ألا يُمكنكِ الإتصالُ بها .
    ضربتُ رأسي بخفّه , يالي من غبيّه , لما لم أفكر بهذا من قبل , طلبتُ ذلك من السيّده على عجل , أحضرت لي الهاتف بعد أن أدرجتْ الرقم فيه , أوّل مرّةٍ أُمسك بهذا الشئ و رعشةُ يدّي تؤكدُ ذلك , إبتسم ماتيو وهو يُثبّت سماعة الهاتف على أُذني , لحظاتٌ قليله حتى أتاني صوتها المخملي , إنفجرتُ باكيةً حينما قالت ..: ما الأمرُ إليزا ؟!
    حدّثتها برجاء ..: أُماه .. أنا تائهه , بربِّك لاتدعيني أموتُ وحيدةً ..
    لم أُتمّ حديثي حينما سمعتُ صوتْ بُكاءها وهي تُحدّث أحدهم ..: إنها على قيد الحياه , أُماه راويه تُحدّثني , إشتقتُ لكِ صغيرتي , أأنتي بخير ؟!
    لم أعلمُ كم مضى من الوقت وأنا أبكي , أخبرتُها عن كُل شئ , لم أدع شيئاً يُؤلمني إلآ وسكبته خارج فؤادي , إشتقتُ لها بقدر الماضي التعيس , أخبرتني بعد أن هدأت من نوبةِ البُكاء ..: ذهبتُ إلى إخوتك في ملجأ النور بـ القُرب من الحدود , أخبرني أوس عمّا حلّ بكِ بسبب عمتكِ لين , ذهبتُ وأمي إلى الإقليم بحثاً عنك دون جدوى , أخبرتنا سارا زوجة سايمن بـ أنه قُتل وتمّ القبض على زوجته , جاهلةً بمكانك , أعتذرُ منكِ صغيرتي عن إهمالي لكِ في السابق , أُقسمُ لكِ بـ أنني نادمةً أشدّ الندم .
    أُغدق قلبي بـ البردِ والسلام حينما علمتُ بـ أنهم على قيد الحياه , أخبرتُها بحُب ..: أُماه , أنا أُحبُّك ولم أُفكّر بـ كُرهكِ يوماً لما تقولي هذا !
    تحدّثت بحُزن ..: أوس رفضَ مُسامحتي , ظلّ باقياً في الملجأ حتى يأتي الفرج ويفرُّ خارج الوطن , رفض أن يذهب معي أو مع جدّته , العيشُ هُناك مُرُّ وكئيب , عزيزتي , سـ أطلُب من السائق أن يصحبكِ إليهم وسـ آتيكم هُناك , موافقه ؟!
    قفزتُ من شدة الفرح ..: بـ الطبع .
    شعرتُ بحرارةً حارقه على أُذني , أطلتُ الحديث معها ولم أشأ أن أعطيه إليزا بعد أن طلبت أُمي مُحادثتها , حسناً سـ أُدع تتمّة الحديث معها حينما أرآها بـ القُرب , حدّثني ماتيو ..: مضت ثلاثُ ساعاتٍ ونصف وأنتي مُمسكة بـ الهاتف , ألآ تشعُرين بـ الضجر .
    حدّقتُ به ..: أيُّ ضجرٍ يحتويني وأنا أسمعُ صوت أُمي !


    - ماتيو -

    تأملتُ راويه بُكل حركةً تقوم بها بدأً من لهفةَ الشوق في عينيها إنتهاء بـ تمتماتْ الحمدِ والثناء بعد أن أنهت حديثها مع والدتها , رأيتُ الوسم مُتوّسداً عُنقها , يحكي للزمانِ حكايته , شعرُها القصيرُ جداً شاهداً على جريمةً إرتكبتها أناملُ يديها الصغيرتين , سـ أفقد تفاصيلَ وجودها بعد أن ترحلُ عائدةً إلى ذويها , سألتُها بغباءٍ ألآ تشعُرين بـ الضجرِ من الحديثِ الطويل ! أُريد سماع ترانيم صوتها لـ أحتفظَ به قبل وداعنا , أمسكت إليزا بيد راويه قائلةً..: تعالي معي .
    صحبتها إلى الأعلى لبعض الوقت , إمتدّ ذلك إلى ساعتين ونصف , شعرتُ بـ الملل يُداعبني لبقاءي وحدي فترةً طويله , إبتعد ذلك الشعور حينما رأيتُ راويه قادمةً إليّ , حسناً تأخيرُها يستحق ! أبدلتْ ملابسها السابقه بـ ملابسَ أكثرُ جمالاً وأناقه , إبتسمتُ لها وأنا أرآها تضعُ ربطةُ الشعر التي أهديتُها إيآها يوماً , أطلقتُ صفير الإعجاب ..: مُذهله .
    توّردتْ وجنتيها بـ الخجل , حدّثتني بـ خيبه ..: سـ أفتقدك .
    إبتسمتُ لها قائلاً ..: تغيبين عني.. وأسأل نفسي ترى ما الغياب؟ بعاد المكان.. وطول السفر ! فماذا أقول وقد صرت بعضي .. أراك بقلبي.. جميع البشر .. وألقاك.. كالنور مأوى الحيارى .. وألحان عمر تجيء وترحل وإن طال فينا خريف الحياة .. فما زال فيك ربيع الزهر
    * فاروق جويده

  17. #96
    ii


    - جياد -

    لم يطول البحث عنهم لـ علمي سابقاً بـ مكانهم حينما أرشدني إليهم أحدُ الرجال قبل أن تقبضني السُلطاتْ البائسه , لو كُنتُ مُشاركاً في سباق العدائيين لـ فزتُ بـ المركزِ الأول , أطلقتُ لساقيّ الريح ركضاً لـ أصل إليهم قبل أن تلحقَ بي الشُرّطه ويتمّ إعتقالي مُجدداً , ودّعتُ جواد بـ القُربِ من المدينه لـ يتمكّن من السفر إلى الخارج , مُقسماً على عدم إخبار والده بمكانه حتى يعودُ إلى رُشده أو أن يقضي الموتْ على أبيه ! لم أنفُر من تصرُّفه , كلانا نُعاني وحشيةَ الآباء .
    إتباعاً للعهد الذي قطعته على نفسي سـ أغفرُ لـ أبي وأُمي ولن أحملَ ضغينةً عليهما وسـ أبرُّ بهما مادمتُ حيّا , لستُ أدري أيُكتبُ لي عُمراً جديداً آخر أو أن تكون فُرصتي الأخيره في إصلاح أحوالي السيئه , رأيتُ المُخيماتُ البيضاء تنتشرُ على الأرض , تسقيها ميآهُ الأمطار ككُل ليلةً , تزيدُ بذلك مُعاناة الأهالي ! صبراً , إن بعد العُسرِ يُسرا .
    إقتحمتُ أنقاضُ الأخشاب المُسندة على أحد الأشجار الضخمه , الصدمةُ على مُحياه أغلى شئٌ أتذكره , حدّثته وأنا أنظُر إلى زُمردة وفجر ثم إليه ..: تتساءلَ إن كُنتُ من جماعة الإنسِ أو الجنّ ؟!
    كان اللقاءُ حميماً , أهدرتُ دموعي المُحتسبه حتى بللت قميص أوس , فككتُ عِظام صدره من شدة العناق , حدّثني ..: حمداً لله , أين كُنتَ طوال هذه المُدّه ؟! إشتقتُ لك .

    لاتسألني يا أخي عن المصائب التي لقيتُها , فلن أُخبرك عن الأحداثِ التي مررتُ بها , فما مضى لن يعود , أخبرته ..: أُدير أعمالي السيئه حتى أفلستُ منها وعُدت إليك , أين راويه وحنين ؟!
    سرد لي تفاصيل ما حدثْ فـ ألجمني المصاب مُدةً ليستْ بـ القصيره , آمنتُ أخيراً بـ القدرِ خيره وشرّه فـ أستكان قلبي وإطمئن , ستظلُّ حنين حنيناً يعصفُ بـ أروحنا .
    فوجئتُ ذات صباح بـ زيارةَ أُمي لنا , تُشرّع يديها ناحيتي , من أدرك شعور اللقاء بعد الفراق حتماً سيشعُر بما أشعُر به وأنا أُرآها , بكيتُ في أحضانها مُبعثراً الشوقُ إليها , مزجتُه بـ العتاب الطفيف خوفاً أن أجرحها فـ تغضب , ألم أُخبركم أنني أخذتُ عهداً على نفسي بـ الأفضل وهآ أنا أُؤكد , سـ أكون كذلك حينما أرى أبي , إن عاد بـ الطبعِ أو تذكّر ^^
    أحزنني صدُّ أوس لـ أُمي بهذا الشكل , لستُ ألومه ولن أفعل , أوس مسك زمام الأمور بعد أن أفلتها والدينا , تكبّد من العناء وهو صغير ما لايحتمله رجُل , صبَّ جُلّ إهتمامه بـ إخوتي لاسيما فجر الصغيره , إعتنى بها كما لو كانتْ إبنته , يسهرُ لـ سهرها و يتألم لـ مرضها , يُسقيها الحليب ويُبدّل ملابسها حينما تكون راويه مُنهمكةً بـ أعمال المنزل , زادت مسؤوليته بعد حادثة أُسرة زُمرّده , أولاها إهتماماً ورعايه كما لوكانت فرداً من الأُسره , الرحمةُ تتجسّدُ به كـ وطن , لاحُرمتُ محبته .



    - أوس -


    غيمةٌ تذرُف دموع الرضا لتغسل هموم أرواحنا , سعادتُنا لاتُخلقُ من العدم , أتى اليُسر بعد العُسر الطويل وصدق العليم إن مع العُسر يُسرين , عاد النبضُّ بعودة جياد من المجهول ولستُ أعلم من أي أرضٍ أتى , تتنزّلُ رحماتُ الإله تِباعاً على روحي العطشى .
    يومٌ أشبهُ بـ الحُلم ! وقفتُ قُبيل غروب شمسه مُنتظراً النبضَ المفقود لينتظم مع البقيّه , أدرتُ ظهري بعد أن أدرك المغيب آخر شُعاعٍ من الضوء , أتاني نسيمُ الربيع مع صوتها وهي تُنادي بصوتٍ مُرتفع ..: أوس .
    قفزتْ على ظهري بـ ضحكاتٍ تُخللها دموعُ الفرح , باكيةً تحكي ..: إشتقتُ إليك .
    ضممتُها بين ذراعي بقوّه , بكيتُ فرحاً لرؤيتها بخير , حدّثتُها وأنا أُكفكفُ دمعها بيدي ..: روحي فداك , لاتبكي .
    أجابتني وهي تدفنُ وجهها على صدري ..: دعني أغسلُ مُّر فراقك , بربِّك إن بُعدك نارٌ أحترقُ بها .
    هاجمتني فتاةٌ شقيّه , آخذت راويه إلى أحضانها وهي تُتمتم بـ كلماتٍ غير واضحه , إبتسمتُ لمنظرهما يُعاتبان بعضهما البعض , تراجعتُ إلى الوراء وأنا أُحدّث جياد ..: لن يأتي دورك قبل ساعاتِ الفجر الإولى .
    بادلني الإبتسامه ..: في ظل هذه الظروف سـ أقفز بينهما لـ أنال نصيباً من هذا الحُب , فجر تتسآءل إن كانتا دُمى أو ماشابه , تنظُر لهما بـ تعجُّب !
    تابع جياد قوله وهو يرى أُمي وجدتي قادمتين نحونا ..: إلتمَّ شملُ عائلتنا أخيراً , ألن يحضُر طيفُ أبي ؟!
    ..: حسبُك , لا تنتظرْ الحُلم المستحيل .
    إبتعد عني قائلاً ..: من أهدى الرحمة لـ أُمي سـ يهدي أبي إن شاء إلينا .

    إجتمعنا حول مأدُبةَ العشاء الصغيره , رغيفُ خبزٍ من صُنع زمُرّده وشايٌ أعدّته راويه , مال قلبي رُغماً عني إلى أُمي وأنا أرآها تمسحُ رأس راويه وتُداعب فجر بين ذراعيها , تضحكُ مع جياد ويتبادلان إطلاق النُكتْ الساخره , تُشاركها جدّتي الشئ ذاته , شعرتُ بـ وخزٍ يسار صدري حينما تسآءلتُ عن حالِ حنين الآن ! حزينةً أم سعيده , هل تعلمُ بعودة أُمي إلينا مُشتاقةً نادمةً تمحوا خطيئتها بـ زيارتها الدائمةِ لنا , كيف هي وحشةَ القبر ! مُخيفه , مؤلمه , قاسيه ! أم جنّةٌ تتمايلُ بها تمايلِ الأغصانِ , فرّت دمعةً من عيني حزينةً على ذِكراها , آه للحنين المُتّقد في صدري متى يزول !
    إبتعدتُ عن المكان لـ أنحر ختام أحزاني بعيداً عنهم , أغمضتُ عينيّ حينما إحتضنتني من الخلف , تربتُ على شعري قائلةً ..: بُني , لاتقسو على نفسك !
    كيف لآ أحزن وأنا أرى حُلمها يتحققُ بعد رحيلها , قبّلتُ كفيّ أُمي نيابةً عن صغيرتي الراحله ..: أماه معذرة..فالله يشهد لي لمْ أنس.. هل يتناسى غيمَهُ المطر؟!.. هل يترك السمك الفضي..موطنه؟ هل يهجر النهرُ مجراه.. وينتحر؟! .. أماه ! لازلتِ ينبوعا.. يُغَسِّلني .. لا زال من ديمتيْكِ الماء..ينهمر.. لازلتُ طفلا صغيرا مُمْحِلا ويدي .. جدباءُ تبكي وتستجدي.. وتعتذر .. أماه معذرة.. بل ألف معذرة.. جف اليراع.. وقلبي قلْبُهُ سقرُ! ضمي ارتعاشي وضمي وجه معذرتي .. لينْتهي.. في مدى أحضانك السفرُ!
    * رياض بن يوسف


    رضيتُ بـ مُرافقة جدتي بعد بُكاء راويه المرير وإقناعي بـ صعوبة البقاء هُنا تحت الطائراتُ الحرّبيه , خشية الإبادة الجماعيه ! عازمةً على الإلتحاق بـ المدرسه والتفرّغ لـ شؤونها الخاصه , إبتسمتُ لها برضا , جياد لم يُبدي إنزعاجاً من مرافقة جدّتي , وقفتُ على التلّةِ الأخيره في أرض الوطن , أُودع لحنُ رحابته بعد أن هجرهُ الأمان وأصبح عرينٌ للسباعُ الضاريه , يفتكون بـ الشعب من أجل حمايتهم من الشعب ذاته , عجباً لـ أفكارهم ومُعتقداتهم الظالمه ! .
    أرى وابلُ القذائفُ البعيدةَ تُنير المساء كما لو كانت ألعاباً ناريّه لـ مهرجانٍ قائم , رفعتُ يدي عالياً مُتمتماً بـ الدُعاء , أن يفيضَ عليهم بـ الرحمةِ والصبر .
    إقتربت زُمرّده مني شيئاً فـ شيئاً وعلامةُ الخجلِ مرسومةً على مُحياها , سألتُها ..: هل هجركِ النومُ مثلي ؟!
    حرّكت رأسُها إيجاباً , حرّكتْ إصبعيّ السبابة والإبهامِ في كلتا يديها لـ تُشكل رسمةً بهما , فوجئتُ بها وهي تضع تِلك الحلقه نُصب عيني , همست بـ شِفاهها بعد أن إنكسر طرفها ..: أُحبّك .
    إبتسمتُ لها وأنا أفعلُ الشئ ذاته , قفزتْ زُمرّده من مكانها فزعةً حينما صرختْ بها راويه , حدّثتها ..: كُنتُ أعلمُ بهذا , لما لم تعترفي بذلك مُسبقاً .
    شاركها جياد في الرأي ..: لم نُصب بـ الصُّم والعمى كي لانُدرك حقيقة مشاعرك منذُ عامٍ أو عامين , صحيح زُمرّده !
    ذبلُت زُمرّده خجلاً , إنسحبت من معركةَ أحاديثهم إلى الداخل بعد أن أطلق جياد ضحكته المُزعجه , عُدنا كما كُنّا قبل أن نفترق , البشرُ لايشعرون بنعمة الشئ مالم يتمُّ فقده !
    هجرنا الوطن مع بزوغ فجر ميلادي بعد أن أهداني ثُلّةً من الأحزان الجسيمه وأهديتهُ حنيناً يسكُن أرضه , عائدون إليك يا وطن بعودة حمام السلام إلى الشام .



    مرثية حُلم

    دعني وجرحي فقد خابت أمانينا .. هل من زمان يعيد النبض يحيينا .. يا ساقي الحزن لا تعجب في وطني .. نهر من الحزن يجري في روابينا
    كم من زمان كئيب الوجه فرقنا .. واليوم عدنا ونفس الجرح يدمينا .. جرحي عميق خدعنا في المداوينا .. لا الجرح يشفى ولا الشكوى تعزينا
    كان الدواء سموما في ضمائرنا .. فكيف جئنا بداء كي يداوينا


    * فاروق جويده


    تمتْ

  18. #97

  19. #98



    ii

    لا أعلم بـ أي طريقةً تشكّلتْ ورُسمت نهايةَ الروايه , ثلاثُ نُسخ أعددتُها لإختيار واحدةً منهنْ لـ أختُم بها فصول روايتي , وتمّت بحمد الله
    أشكُر جميع من دعمني ولو بـ القليل في مُتابعة الكتابه وإن كُنتُ سيئةً في الأخطآء النحويه ورُبما اللغويه أيضاً .

    مُمتنّة لـ dr.dh / ?Ashes / Alice Saudi / Nosta / prison of zero / Virus20
    بعد منحكم بعضاً من وقتكمْ لـ قرآءة الفقدُ حُزنٌ يوسمُ به الجبين و المُشاركةِ فيها .
    طُبتم بـ خير


    "

    عطر الفجر

  20. #99
    النهاية سعيدة ، تُثلجُ الصدر، كانت روايتكِ بحقٍ رائعة ، علمتني بأنَّ الرضى بالقدر حلٌ للمسلمِ عند نزولِ المصائب ، وأنَّ أقابل السيئة بالحسنة، و كلامكِ أعجبني كثيرًا في هذا الجزء ، و أنتِ منتظمة في تنزيلِ الفصول، وشعرتُ بأنَّكِ قد تعبتي كثيرًا في كتابةِ هذا البارت، و عليكِ السلام و رحمة الله وبركاته.


    قضية بلا هوية .. كهوية بلا قضية
    ••الــــعـــــراق••

  21. #100



    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    كيفكِ ؟
    بخير كما اتمنى



    في الحقيقه لا أعرف ماذا اقول أو بلأحرى من اين ابدء
    فلـ طالما كنت فاشله بلـ تعبير و سأبقى كذلك ermm


    سايمون
    لن اكذب ان قلت بأن نهايته لم تخمد نار غضبي له
    كنت اتمنى ان يحدث له ماهو اسوء لا أن يموت بدون ان يشرب من نفس كأس لشرب منه ضحاياه angry

    راويه
    لقد كان سايمون خير وسيله لإفراغ غضبها sleeping و طريقه موته خير دليل على ذلك tired
    و لكن شعرها حلتقـ ... cry
    سحقاً لك سايمون ogre
    و اخيراً تعلمت قراءة و كتابه ووجدت طريق إلى حياة جميله asiansmile

    ماتيو
    و اخيراً نال اعجابي
    فعلاً يستحق الاعجاب بفعلته تلك أعاد مال و قطع علاقته بالعجوز و تخلى عن مصالحه
    عمره حقاً لم اتوقع ان يكون بهذا صغر و يريد ان يفني شبابه لإحل المال frown

    سارا
    تستحقين ان ارفع لكِ قبعة احتراماً لما فعلته
    لكن لدي سؤال هل مازالت علاقتها مع زوجها كما هي ام تغيرت بعد ان اجتمعت مع عائلتها

    جواد و جياد
    ماذا اقول غير ان لسجن اثره في تحسين علاقتهما
    اسعدني كثيراً كونهما نجا معاً و لم يمت احدهما


    اوس
    بالتأكيد لن الومه عن كل الذي قاله لوالدته و لن افعل فحنين كانت تتمنى هذه لحظه و ماتت قبل ان تعيشها cry
    و يسعدني انه بنهايه قد تمكن من مسامحته والدته

    زمرده
    كانت و ابسط وصف لها حجر اساس الذي اسند اوس في حالة ضعفه paranoid



    دمتي بحفظ الله و برعايته
    و لا تنسين ان تدعيني إلى جديدكِ smoker


    و إلى اللقاء



الصفحة رقم 5 من 6 البدايةالبداية ... 3456 الأخيرةالأخيرة

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter