رائع اذا بارت غداً
وقفت السيارة بجانب الرصيف لتبتسم تلك الشابة هاتفة :
" شكرا لك على التوصيلة "
بادلها ديو الابتسامة مجيبا :
" في أي وقت "
أشار إلى المنزل المقابل للذي وقفا أمامه ثم أردف :
" أسكن هنا أيضا "
التفتت حيث أشار لها لتتذكر ما حصل هذا الصباح و السيارة التي رأتها لتهتف بعد أن استوعبت الأمر :
" إذن أنت جارنا الجديد "
حرك رأسه علامة على أن ما قالته صحيح ثم رد :
" و أتشرف بذلك "
فتحت الباب بهدوء و لم تفارقها الابتسامة و هي تقول :
" أراك في المدرسة غدا .. طابت ليلتك "
" طابت ليلتك "
نطق بها لتنزل ريلينا من السيارة بهدوء و يتبعها هو بنظراته حتى وقفت أمام باب منزلها ثم استدارت نحوه تلوح بيدها ففعل هو بالمثل و شغل المحرك ليركن سيارته بجانب منزله بعد أن دخلت هي لبيتها ..
أغلق الباب خلفه و نزع قبعته ليعلقها في مكانها ثم يضع مفاتيح سيارته على الطاولة داخل غرفة الجلوس و يرتمي هو بدوره على الكنبة في تعب هاتفا :
" حياة البشر مملة حقا "
" لهذا تستمتع بترك بعض الضحايا خلفك أينما تذهب "
التفت نحو صاحب الصوت الذي لم يكن سوى تروا ليهتف بانزعاج :
" مساء الخير لك أيضا "
تابع الآخر كلامه و كأنه لم ينصت لما قاله ديو لتوه :
" لم يمض سوى يوم على عودتك و ها أنت تفقد السيطرة ثانية "
تناول صاحب الجديلة كأسا من الماء كان مستقرا على طاولة ثم هتف في استغراب :
" ما الذي تقصده يا تروا ؟ .. لقد قضيت يوما عاديا ما عدى .. "
" ما عدى الجثث الأربعة التي تم العثور عليها في أنحاء المنطقة .. "
هذه كانت كلمات تروا مقاطعا إياه ليهتف ديو في شيء من الغضب :
" كنت سأقول ما عدى مساعدتي لذاك الشاب في المستشفى "
ارتشف بعضا من المياه ثم أردف :
" ربما يكون حيوانا بالفعل هو من هاجمهم "
كتف تروا يديه أمام صدره ثم أجاب في سخرية :
" أجل حيوان .. ! "
" أي حيوان هذا الذي يهاجم أربعة ضحايا في يوم واحد و لا يصيب سوى أسفل عنقهم ؟ "
أعاد ديو الكأس إلى مكانه ثم هم بالوقوف هاتفا في شيء من الإرهاق :
" سأخلد إلى النوم الآن .. سنتناقش صباح الغد "
لم يرد عليه تروا بل اكتفى بمغادرة الغرفة نحو الأعلى هو الآخر ..
مصت إصبعها و قد تلطخ ببعض من المربى حين كانت تعد شيئا لتسكت به جوعها ..
التقطت شطيرتها الصغيرة بيد و كأس القهوة بيد أخرى ثم توجهت إلى غرفة الجلوس لمشاهدة التلفاز قليلا ..
كانت تقلب بين القنوات بملل حتى استوقفتها نشرة الأخبار و كلام المذيعة التي قالت :
" أربع ضحايا في ( بوزمان ) يتعرضون لهجوم حيوان مجهول في يوم واحد "
و مع آخر حرف لفظته سمعت ريلينا صوت خطوات في الطابق العلوي ..
" كواتر لا يزال في الحفلة "
نطقت بها في استغراب سرعان ما تحول إلى قلق حين بدأت تلك الخطوات تقترب شيئا فشيئا لتوقن حينها أن صاحبها ينزل الدرج الآن ..
قفزت من مكانها و توجهت مسرعة إلى المطبخ ثم حملت أحد السكاكين و خطت خطوات حذرة نحو الدرج ..
أكملت نزول الدرج و فوجئت من تلك الشابة التي كانت تنتظرها مع سكينها الحاد لتطلق كلتاهما صرخة مرعوبة و تسقط أداة التقطيع على الأرض ..
" نوين .. هذه أنتِ ؟ "
نطقت بها ريلينا و هي تمعن النظر في ملامح المرأة التي وقفت أمامها رادة بسخرية :
" جيد أنك عرفت هذا قبل أن تقطعي رأسي بهذا الشيء "
انحت الفتاة تلتقط السكين الذي وقع منها مجيبة :
" آسفة بشأن هذا "
وقفت باعتدال مرجعة بعضا من خصلات شعرها إلى الوراء خلف أذنها مردفة باستغراب :
" ضننت أن الخالة يون هي من ستأتي لرعايتنا "
قالت جملتها و هي تسير بهدوء نحو المطبخ من جديد ..
تبعتها نوين و قد تغيرت ملامح وجهها تمام لتجيب في حزن :
" لقد ماتت "
و ها هو السكين يقع على الأرض من جديد و قد تجمد جسد ريلينا في مكانه و هي تردد تلك الكلمة بينها و بين نفسها محاولة استيعاب ما لفظت به تلك المرأة لتوها ..
التفتت و علامات الصدمة لا تفارق محياها ثم هتفت بعد تصديق :
" مــ .. مــا .. ماتت ؟ "
أنزلت نوين رأسها في حزن على موت شقيقتها ثم ردت :
" أجل .. ماتت في مدينتكم في الليلة التي عبرت فيها الحدود "
" لقد تعرضت لهجوم أحد الحيوانات "
انتهى من ارتداء قميصه و توجه إلى أحد أدراج مكتبه ..
فتحه ليخرج منه صورة كانت الشيء الوحيد الموجود بداخله ..
تمعن النظر في تلك الشابة الحسناء بشعرها الذهبي المموج و قد رفعته إلى الأعلى بطريقة جذابة تاركة بعض من خصلاته تتمرد بعشوائية على وجهها البيضاوي ذو القشرة الثلجية ..
مرر يديه يتحسس وجنتيها و قد أبحر في زرقة عينيها الجميلتين حتى قطع عليه لحظاته تلك صوت رياح قوية جعلت من نافذة شرفته تفتح مصدرة ضجيجا قويا ..
ترك الصورة على المكتب و التفت في سرعة ليرى ذاك الطائر الأسود الذي حط على سياج الشرفة ..
" هيرو ! "
نطق باسمه في مقت شديد ليظهر من العدم ذاك الشاب بابتسامته الخبيثة التي لم تعد تفارقه ..
لم يتفاجئ ديو برؤيته بل عبرت ملامحه على الكره الكبير تجاه الشخص الذي وقف أمامه ..
اتسعت ابتسامته و تغيرت نظرات عينيه و هو يهتف في خبث :
" مرحبا .. أخي ! "
كان الجو مشحونا في الأعلى بين الشقيقين في أول لقاء لهما بعد كل تلك السنين الطويلة التي قضياها في الخصام و الشجار المتواصل ..
" ما الذي جاء بك هنا ؟ "
نطق بها الأصغر سنا صاحب الجديلة الطويلة في غضب شديد و الشرر يتطاير من عينيه محدقا في ملامح شقيقه الخبيثة ..
أطلق ضحكة ساخرة صغيرة و تقدم بضع الخطوات مجيبا :
" جئت لزيارة شقيقي .. "
صمت قليلا و هو يستلقي بهدوء على الفراش ثم أردف :
" اشتقت لك يا ديو "
شد على قبضته بقوة و هو يستمع إلى كلامه الساخر و بلمح البصر صارت قبضته حول عنق شقيقه و هو يلصقه الحائط بقوة صارخا في وجهه :
" إذن أنت الحيوان الذي تتحدث عنه الصحف "
لم تتغير ملامحه الخبيثة و تلك الابتسامة الساخرة لم تفارقه مجيبا على كلام ديو :
" حيوان ! "
كتم إحدى ضحكاته دافعا شقيقه بعيدا عنه ليسقط على الأرض ثم يتابع كلامه :
" أرجوك .. أهذا ما استطاعوا نعتي به ؟ "
استعاد توازنه على قدميه هاتفا في شيء من الإرهاق :
" معك حق "
" حتى الحيوان لا يفعل ما تفعله أنت "
وضع يده على صدره و كأنه قد أصيب ثم هتف بسخرية :
" لقد جرحتني بكلامك "
صرخ حينها ديو في عتاب و كأنه لم يستمع لسخريته الأخيرة :
" أحقا لا تهمك حياة الناس الأبرياء ؟ "
" أحقا لا يهمك في هذه الحياة سوى التغذي على البشر ؟ "
ضرب هيرو صدره بهدوء مشيرا إلى نفسه ثم هتف محاولا التأثير في شقيقه :
" نحن مصاصو دماء .. نتغذى على الدماء لنعيش "
" لا يمكنك أن تنكر حقيقتك طوال هذا الوقت "
" عليك التغذي لتعيش .. عليك التغذي يا ديو "
" لن تستطيع محاربة تلك الشهوات إلى الأبد "
" هل حقا نسيت طعم الدماء ؟ .. هل نسيت المتعة التي تشعر بها و أنت تمتصها من أجسادهم ؟ "
" تذكر .. تذكر يا ديو "
" إنها لذيذة .. طعمها لا يقاوم "
" لن يمكنك المقاومة "
أمسك رأسه بكلتا يديه يحاول تحمل تلك الكلمات و لكنه لم يقدر ليصرخ في غضب :
" تـــــــــــــــــــــــــــوقــــــف ! "
صمت هيرو تلبية لرغبته ثم حرك يديه بعدم مبالاة و خطى بضع خطوات هاتفا :
" مهمتي هنا قد انتهت "
أمسك مقبض الباب ملتفتا إلى الخلف حيث وقف ديو يرمقه بنظراته المخيفة ليبتسم مردفا :
" طابت ليلتك يا أخي "
أنهى جملته لتعود ابتسامته الخبيثة تزين وجهه و هو يغادر الغرفة في هدوء قاتل ..
صباح اليوم التالي وقفت تلك الشابة أمام منزل جيرانها الجدد باتزان ..
أخذت نفسا عميقا و عدلت حقيبة يدها ثم طرقت الباب بهدوء لتتفاجئ به مفتوح من البداية ..
تقدمت بحذر و طلت منه هاتفة :
" ديو .. هل أنت هنا ؟ "
لم يجبها أحد لتخطو بضع خطوات إلى الداخل و هي تتجول بنظرها بين أركان المكان ..
أوصلتها قدماها إلى غرفة الجلوس حيث كان الأثاث ذو طراز قديم جميل .. رفعت رأسها إلى الأعلى تتأمل تلك الثرية الكبيرة التي دلت من السقف ..
شعرت بوجود أحدهم لتلتفت بسرعة هاتفة بتساؤل :
" ديو ؟ "
لكنها لم تجد أحدا لتعيد نظرها من جديد إلى الأمام و تتفاجئ بذاك الشاب الواقف أمامها بابتسامة جانبية ..
" لا بد أنك ريلينا "
هتف بها في هدوء لتخرج الشقراء من صدمتها و تجيب في حيرة :
" أ .. أجل "
رفع يدها بهدوء و انحنى قليلا ليطبع تلك القبلة الخفيفة بين أصابعها ثم أردف :
" أنا هيرو .. شقيق ديو "
ترك يدها و استقام في وقفته في حين حدقت فيه ريلينا باستغراب قبل أن تهتف :
" ديو لم يخبرني أن له أخا "
ابتسم بسخرية كما هي عادته ثم أجابها :
" في الواقع هو لا يحب التفاخر كثيرا "
صمت قليلا ثم تابع و قد تغيرت نبرة صوته قليلا :
" أهلا بعودتك ديو "
التفتت الشابة اثر سماعها اسمه لتجده واقفا بهدوء خلفهما فتهم بقول شيء غير أن ديو سبقها و قد حملت نبرة صوتها شيئا من الغضب :
" شكرا على مرورك ريلينا .. أراك في الثانوية "
شعرت بتلك العداوة بين الشقيقين كما شعرت بأنه غير مرغوب بها في هذا الوقت لتبتسم بهدوء هاتفة :
" حسنا .. أراك لاحقا "
هتفت بها ثم أسرعت خطاها مغادرة الغرفة و منه نحو باب الخروج من المنزل ..
قلب تلك الصورة بين يديه و هو يخاطب شقيقة دون النظر له :
" ريلينا دورلن .. إنها نسخة مطابقة لـ سيلينا "
التفت بنظراته الخبيثة نحو صاحب الجديلة في الجانب الآخر من الغرفة ثم أردف :
" .. دورلن "
ضرب بالصورة على كف يده و هو يتابع كلامه :
" دعني أخمن .. توأمان ؟"
" إليك شيئا آخر .. هي سبب عودتك للمنزل .. "
أعاد الصورة على الطاولة حيث كانت و هو يستمع لكلام شقيقه المنزعج :
" أراهن أنك هنا من أجلها أيضا "
أطلق ضحكته الساخرة المألوفة ثم استدار بسرعة نحوه من جديد مجيبا :
" أوه أرجوك .. "
جلست على سريره مكتفا ليديه رامقا شقيقه بنظرات لا يحضا بها سواه ثم هتف بنبرة لا يخاطب بها غيره :
" إذن ما سبب عودتك ؟ .. "
جلس بدوره على الكرسي واضعا كلتا قدميه على المكتب في استرخاء ثم أجاب :
" إنه الحنين يا ديو "
" مضت مائة و واحد و خمسون سنة لم آتي فيها هنا "
" كما أنني اشتقت لأخي الصغير المشاغب "
تغيرت نظراته إلى الحدة و هو يردف :
" أم نسيت أنك السبب في ما نحن عليه ؟ "
وقف من على سريره هاما بالمغادرة و هو يقول ببرود :
" أتمنى لو كنت قادرا على تصديقك "
نظر نحو شقيقه المرتاح في مجلسه ثم تابع كلامه :
" ثم .. إلى متى ستضل حانقا علي لأنني لم أتركك تموت كما أردت ؟ "
أنزل قدميه من على الطاولة و هم بالوقوف مجيبا :
" إلى الأبد .. "
مر بجانب صاحب الجديلة مردفا :
" و إلى الأبد .. وقت طويل بالنسبة لمصاص الدماء "
أنهى جملته ثم غادر غرفة أخيه الذي حمل حقيبة ظهره و خرج بدوره ..
كانت تحكم إغلاق حذائها الرياضي وسط مجموعة من الفتيات داخل غرفة تغيير الملابس ..
كن جميعا يرتدين نفس الملابس الخاصة بالمشجعات و المتكونة من قميص عاري الأكمام سماوي زين بخطين عريضين على الجانبين بالون الأبيض و تنورة قصيرة سماوية حافتها بيضاء ..
عدلت وشاحها الأبيض لتحكم إغلاقه على رقبتها ثم عدلت خصلات شعرها الكحلية هاتفة :
" ما رأيك ؟ "
أغلقت الثانية خزانتها بعد أن وضعت ملابسها بداخلها ثم التفتت إلى صديقتها مجيبة :
" تبدين رائعة "
لاحظت شيئا أثار استغرابها لتردف من جديد في تساؤل :
" و لكن لمَ لم تنزعي عنك هذا الوشاح ؟ "
حركت يدها تحاول نزعه لكن زادها استغراب تصرف هايلد الغريب حين شدت على وشاحها و خطت خطوة إلى الوراء هاتفة في توتر :
" لا "
لم تنطق كاثرين بكلمة مما جعل صاحبة الوشاح تدرك أنها بعثت الشك في نفس صديقتها فتردف بابتسامة :
" أعني .. أنه يتماشى مع ملابس التشجيع "
حركت يديها بعدم اهتمام ثم أجابت :
" حسنا كما تريدين "
التفتت من حولها و كأنما تبحث عن أحدهم و عندما لم تجد ضالتها هتفت باستغراب :
" هل رأيتِ ريلينا ؟ "
لم تكد تنهي جملتها حتى دخلت تلك الشابة بسرعة و جلست على أحد المقاعد هاتفة بتعب :
" آسفة على التأخير "
" أين كنتِ يا فتاة ؟ "
نطقت بها كاثرين في قلق مخاطبة صديقتها التي وقفت من مكانها و بدأت بإخراج ملابسها من خزانتها رادة :
" سأخبرك لاحقا "
نزعت سترتها في سرعة و هي تواصل كلامها :
" علي الإسراع قبل أن تقتلني هايلد إن علمت بتأخري "
" أنا هنا .. و قد علمت "
رفعت ريلينا رأسها و هي تفك حذاءها لتنظر إلى صاحبة الصوت التي خرجت من خلف كاثرين مكتفة يديها في انزعاج مردفة :
" من حسن حضك أن الثانوية اختارتني لأكون مدربتكن و إلا كنتِ قد تعرضتِ لتوبيخ شديد بسبب تأخرك "
ابتسمت ريلينا بهدوء و هي تواصل ارتداء ملابسها في حين جلست صديقتاها تنتظرانها في ملل ..
كانت تركض بهدوء تحضيرا لحصة الرياضة و كذلك بقية الطلاب ..
التفت إلى جانبها حين شعرت بوجود أحدهم و الذي لم يكن سوى صاحب الجديلة و قد هتف بابتسامة :
" أردت أن أعتذر لكِ بشأن ما حدث هذا الصباح "
بادلته الابتسامة و هي ترد عليه :
" لا عليك .. أتفهم الأمر "
عادت تنظر إلى الأمام ثم أردفت :
" هو شقيقك إذن .. لا تبدوان كذلك "
نظر نحوها ثم إلى الطريق الذي ركضا فيه مجيبا :
" لسنا بذاك القرب "
" استطعت ملاحظة ذلك أيضا "
نطقت بها ثم نظرت نحوه لتلاحظ تلك الابتسامة على شفتيه ثم تتذكر نظراته المخيفة التي كان يرمق شقيقه بها ..
كانت شاردة الذهن حتى أنها لم تنتبه على خطواتها لتسقط على الأرض ..
توقف عن الركض اثر وقوعها هتفا في قلق :
" هل أنت بخير ؟ "
استندت على يديها محاولة الوقوف من جديد مجيبة :
" أضن ذلك "
تسمر في مكانه اثر رؤيته لتلك الدماء التي نزفها جرح قدمها لتبدأ ملامح وجه بالتغير في منحا عجيب ..
حيث اكتسبت عيناه لونا أحمر و ظهرت بعض العروق حولها ..
لاحظت ريلينا ذلك و هي تقف في توازن لتهتف في استغراب :
" ديو ! .. وجهك ..! "
أشاح بوجهه في سرعة خوفا من ان تكتشف أمره و هتف في ارتباك :
" عــ .. علي الذهاب "
كانت ستهم بقول شيء له غير أنه غادر بسرعة متوجها نحو فريق كرة القدم ..
كان مستلق على الكنبة ممسك بأحد الكتب بين يديه يقلب صفحاته في ملل حتى قطع عليه هذا الجو من الهدوء صوت ذاك الشاب و هو يحمل في يده كأسين من العصير :
" إلى متى تخطط للبقاء هنا ؟ "
وضع الكتاب جانبا و اعتدل في جلسته مجيبا في سخرية :
" أرى أن لا أحد يحب وجودي في بيتي "
قدم تروا أحد الكؤوس لصاحبة النظرات الخبيثة و جلس مقابلا إياه مردفا :
" لا أقصد أن أجرحك .. و لكنك تجعل الجميع يكرهك "
ارتشف هيرو بعضا من العصير ثم هتف في سخرية :
" أعتقد أنه الشيء الوحيد الذي أبرع فيه "
وضع صاحب العيون الخضراء كأسه على الطاولة ثم أعاد ظهره إلى الخلف مسترخيا على الكنبة و هو يهتف في شيء من الجدية :
" إذن ما هو سبب عودتك هذه ؟ "
أنهى ما تبقى في كأسه دفعة واحدة ثم وضعه على الطاولة هاتفا و قد حملت نبرته نغمة من الانزعاج :
" لمَ الجميع يسألني هذا السؤال ؟ "
حرك تروا يده ليسند رأسه عليها مجيبا :
" لأنك و ببساطة تخطط لشيء ما "
وقف هيرو من مكانه في هدوء و التقط سترته بجانبه هاتفا :
" على ذكر – شيء ما – هناك شيء ما علي القيام به "
وقف الآخر بدوره في غضب قائلا :
" لم ينته النقاش بعد "
ما أن أنهى جملته حتى وجد نفسه ملتصقا بالحائط و ذراع هيرو تطوق عنقه و هو يهتف في حدة :
" تعلم أنك لست ندا لي .. أيها البشري "
لم يستطع تروا فعل أو قول شيء فقد كانت يده تضغط عليه بقوة .. فاكتفى بالنظر مباشرة إلى عينيه التي صارتا بلون الدماء و ازدادت نظراتهما حدة ..
أيقن أنه سيقضي عليه إن تابع الإمساك به هكذا ليتركه في هدوء ثم يقوم بارتداء سترته و هو يغادر الغرفة هاتفا :
" الآن انتهى النقاش ! "
نزلت الدرج في سرعة و هي ترتدي سترتها السوداء كلون فستانها الذي يصل إلى ركبتيها و قد أحاط حزامه الفضي خصرها ليتماشى مع قلادتها التي دلت من عنقها ..
هتفت و هي تلاحظ وجود شخص في المنزل :
" أليس لديك مدرسة الآن ؟ "
تقدم نحوها بابتسامته المعتادة و هو يحمل كأسا من العصير رادا :
" قد عدت للتو من الدوام "
حرك كأس العصير نحوها مردفا :
" تردين القليل ؟ "
أنهت نوين ارتداء حذائها ثم ابتسمت له مجيبة :
" لا شكرا علي الذهاب إلى العمل الآن "
استدار عائدا حيث كان يشاهد التلفاز هاتفا بعد أن ارتشف بعضا من ما بكأسه :
" إلى اللقاء إذن "
خرجت الشابة من المنزل في حين جلس كواتر على الكنبة في ملل و عاد يقلب بين القنوات حتى قطع عليه هذا صوت الجرس ليقف من مكانه هاتفا :
" أخيرا بعض الإثارة "
أمسك بمقبض الباب يفتح ليستغرب من الشخص الواقف في الخارج و يقول في تساؤل :
" مرحبا .. هل أعرفك ؟ "
ابتسم الشاب في خبث مجيبا :
" لا .. أنت لا تعرفني "
" دعني أعرفك بنفسي .. "
" أنا هيرو .. شقيق ديو "
بقي كواتر يحدق فيه باستغراب فهذه أول مرة يراه فيها في حين أردف هيرو من جديد :
" أنت لا تعرف ديو أيضا .. و لكن ستدعونِ إلى الداخل "
لم يعلم ما الذي حصل له و لكن شيء ما جعله يهتف بلا وعي :
" تفضل بالدخول .. "
اتسعت ابتسامته و هو يخطو خطواته إلى الداخل متمعنا النظر في أرجاء المنزل ..
كان جالسا على مقعده واضعا يده على خده في ملل و هو يدير القلم باليد الأخرى عله يبعد عنه هذا الشعور ..
نظرت له بابتسامة لاحظها هو ليلتفت نحوها مما جعلها تدير وجهها إلى الأمام حيث دخل ذاك الأستاذ حاملا حقيبة يديه الكبيرة ..
ابتسم في سره و ترك القلم موجها نظره نحو الرجل ذو الشعر الطويل تماما مثله عدى التسريحة و اللون البلاتيني الذي حملته خصلاته هاتفا و هو ينظر لطلابه :
" أهلا بكم جميعا .. أنا أستاذ العلوم الجديد "
" ليوناردو بيسكرافت .. يمكنكم مناداتي أستاذ ليو فقط "
~ ذاك الأستاذ الجديد أصابني بحالة اكتئاب ~
نطق بها و هو يسير بهدوء في ممر الثانوية لتطلق تلك الشابة الشقراء بجانبه ضحكة قصيرة هاتفة :
" لمَ تقول هذا ؟ .. يبدو إنسانا جيدا "
نظر نحوها ثم أردف :
" ربما يكون إنسانا جيدا .. و لكنه حتما ليس أستاذا جيدا "
عادت تضحك على كلامه من جديد و هي تنظر إلى ساحة الثانوية حيث قادتهما أقدامها ثم تقول باستغراب :
" أليس ذاك شقيقك ؟ "
نظر حين كانت تنظر في حين لاحظت هي شيئا ما لتقول باستغراب :
" مع هايلد ؟ "
على بعد أمتار عنهما صعدت تلك الشابة السيارة لتدلف بجانب سائقها الذي أشار لهما بيده كتحية ثم انطلق يقود سيارته ذات السقف المفتوح مغادرا المكان ..
" هذا ليس جيدا .. "
تمتم بها ديو و هو يراقب السيارة تختفي وسط ذاك الشارع الطويل ..
لتنظر له ريلينا باستغراب ثم تهتف و هي تتبعه في سيره السريع :
" ديو ما الآمر ؟ "
فتح باب سيارته و دلف إلى الداخل قائلا و قد تغيرت نبرة صوته إلى الجدية :
" اصعدي سأوصلك إلى المنزل "
سارت بسرعة حتى وصلت إلى الباب لتفتحه و تجلس بجانبه هاتفة :
" هل كل شيء بخير ؟ "
" لا تقلقي كل شيء سيكون بخير .. مجرد مسألة عائلية "
نطق بها بهدوء محاولا عدم إثارة قلقها و هو يشغل محرك السيارة و يقودها نحو منزلها في شيء من السرعة ..
كانت تئن في تعب ممتزج بألم في حين كان هو يتلذذ باحتسائه كأسا من دمائها مباشرة من الشريان في عنقها ..
كانت متكئة على السيارة بجسدها رافعة رأسها إلى الأعلى لا تحرك سوى شفتيها مصدرة أصوات ألم ضعيفة و هي تطلع إلى السماء المظلمة وسط تلك الغابة حيث لا يوجد غيرهما ..
ابتعد أخيرا عنها و هو يمسح شفتيه باستعمال أصابع يديه ثم يلحس ما علق بهما من دماء بلسانه في استمتاع ..
نظرت له متسائلة و كأنها غائبة عن الوعي :
" هل اكتفيت ؟ "
" أجل .. لقد اكتفى "
لم يكن هو من أجابها و إنما ذاك الشاب الذي كان يسير نحوهما في غضب ..
شعرت صاحبة الشعر الكحلي بالخوف لتعدل من قميصها و تلف وشاحها على رقبتها في سرعة في حين ابتسم صاحب الخصلات البنية و هو ينظر لشقيقه يقترب منه ثم هتف :
" لقد فاتك كل المرح .. لمَ تأخرت ؟ "
تجاهل ديو تماما كلماته و توجه نحو الشابة و أمسك بمعصم يدها و حدق في عينيها مباشرة قبل أن يقول في حدة :
" غادري المكان حالا و لا تعودي له "
فعلت هايلد ما طلبه منها تماما و أسرعت بالركض خارج الغابة ..
التفت حينها صاحب الجديلة إلى شقيقه و هتف فيه بغضب :
" ما الذي تخطط له ؟ "
" لا تقترب من تلك الفتاة مجددا أتفهم ؟ "
أطلق هيرو ضحكة ساخرة و هو يرد على أخيه :
" تتصرف و كأنني كنت مع حبيبتك ريلينا .. "
" على ذكر ريلينا .. لقد دعيت إلى منزلهم اليوم "
ما أن أنهى جملته حتى وجد نفسه ملتصقا بسيارته بعد اللكمة السريعة التي وجهها له ديو الذي هتف في غضب :
" لا تفكر حتى في إيذائها "
اعتدل في وقفته و هو يمسح مكان اللكمة هاتفا بسخرية :
" للأسف دائما تكون متأخرا "
عاد ديو يوجه لكمة أخرى إلا أنه لم يفلح هذه المرة فقد أمسك هيرو بقبضته قبل وصولها و قد أردف :
" الأولى كانت مفاجئة .. لن تكون هناك ثانية "
أنهى جملته و حرك يديه في سرعة متسببا في كسر في يد شقيقه الذي أمسك بمعصمه في ألم و لكنه سرعان ما شفي من كسره ..
في حين فتح هيرو سيارته في هدوء و دلف إلى مقعده هاتفا :
" أراك في المنزل .. يا أخي "
نطق بها ثم قاد سيارته إلى خارج الغابة بينما راقبه ديو في مقت شديد ..
كانت تركض بين الأشجار وسط تلك الغابة المخيفة و ذاك الضباب يزحف نحوها في سرعة كبيرة ..
تلتفت إلى الخلف تستكشف مدى اقترابه منها و ملامح الخوف بادية على وجهها التعب ..
" النجدة "
صرخت بها بعد أن تيقنت أنه لا مفر منه و لكن الأمل عاد لها حين لمحت ذاك الشاب على بعد أمتار منها لتظهر تلك الابتسامة على شفتيها و هي تهتف باسمه :
" ديو "
نطقت بها و أسرعت خطاها محاولة الوصول له و قد بدأت ملامحه تتضح أكثر مع كل خطوة تخطوها حتى وصلت له ليعم الضباب المكان و يلتف حولهما و قد ارتمت في أحضانه في فزع ..
رفعت رأسها تنظر إلى وجهه و همت بقول شيء غير أن كلامها تحول إلى صرخة مرعوبة و هي تبتعد عنه في سرعة و قد تغيرت ملامح وجهه تماما ليصبح شقيقه صاحب الابتسامة الخبيثة ..
شهقت بقوة و هي ترفع رأسها من على الوسادة مفيقة من كابوسها بملامح مرهقة ..
وضعت يدها على جبهتها ثم حركتها نحو شعرها ترفع قرتها بعد أن أطلقت تنهيدة طويلة ثم قامت بإبعاد الغطاء عن جسدها و نزلت من على السرير نحو الحمام تغسل وجهها ..
ألقت نظرة على وجهها في المرآة لتتسع عيناها في صدمة حين رؤيتها لذاك الشاب في كابوسها يقف خلفها ..
استدارت بسرعة تتحقق من الأمر و لكن لا أحد كان في الغرفة غيرها ..
عادت تبلل وجهها بالمياه من جديد ثم خرجت عائدة إلى فراشها و لكن استوقفها رؤيتها لنافذة غرفتها مفتوحة ..
" لا أذكر أنني فتحتها "
نطقت بها في استغراب و لكنها تجاهلت الأمر ضنا منها أن الرياح هي السبب ..
توجهت تغلقها و تعيد الستائر إلى وضعيتها ثم ترتمي على وسادتها ناشدة بعض النوم ..
راوغ لاعبا و أطاح بآخر و هو يتوجه نحو المرمى ليسدد كرة قوية تمزقت بسببها الشباك و قد وقف جميع اللاعبين في صدمة من قوة هذا اللاعب في حين هتف المدرب في حماس :
" أحسنت ماكسويل .. "
ابتسم له صاحب الجديلة ثم عاد إلى مركزه وسط الملعب و من هناك لمح تلك الشابة التي تراقبه بابتسامة جميلة ليلوح بيده ملقيا تحية ..
اتسعت ابتسامتها و هي تنظر له يلوح بيده نحوها لتفعل بالمثل و تواصل مشاهدته و قد أطلق المدرب صفارة استكمال اللعب ..
~ ريلينا ماذا تفعلين عندك ؟ ~
التفتت الشقراء إلى الخلف حيث فريق التشجيع و حيث وقفت صديقتها صاحبة الوشاح و هي تنظر لها في شيء من العتاب مواصلة كلامها :
" المباراة الليلة و علينا أن نتدرب "
ألقت آخر نظراتها على فريق كرة القدم ثم استدارت عائدة إلى مكان الفتيات ..
كانت تقوم بحركات الإحماء حالها كحال بقية الفتيات ..
نظرت إلى صديقتها صاحبة الشعر المموج ثم هتفت في تساؤل :
" ما سر ذاك الوشاح حول رقبة هايلد ؟ .. "
" إنها لا تنزعه منذ أيام .. "
رفعت ركبتيها في سرعة مرارا و تكرارا و هي ترد :
" إنه هدية من هيرو .. "
كانت تقوم بنفس الحركة و لكنها توقفت فجأة فور ذكر كاثرين لاسمه و تهتف في استغراب :
" هيرو ؟ .. هل هما على علاقة ؟ "
انحنت بهدوء تلامس أطراف حذائها مجيبة :
" أعتقد هذا .. هل تعرفينه ؟ "
جلست القرفصاء ثم استقامت و كررت ذالك و هي تهتف :
" إنه شقيق ديو .. "
أمسكت بقدمها تشدها إلى الخلف بعد أن أطلقت ضحكة قصيرة مجيبة :
" يبدو أنها حصلت على الفرد الآخر إذن .. "
فتحت قدميها و انحنت تلامس أصابع قدمها الواحدة تلو الأخرى هاتفة :
" ماذا تقصدين ؟ "
توقفت كاثرين عن تلك الحركات الرياضية رادة و هي تنظر إلى صاحبة الشعر الكحلي و هي تتابع تدريبات التشجيع و تعطي الأوامر و النصائح لهذه و تلك :
" إنها معجبة بـ ديو منذ اليوم الأول .. "
اعتدلت ريلينا في وقفتها و التفتت إلى صديقتها في استغراب بينما أكملت هي بعد التفتت نحوها :
" لكن يبدو أنه معجب بك أنتِ .. "
لم تجب الشقراء على كلام الصهباء و اكتفت بالنظر إلى صديقتهما الثالثة ..
وضعت حقيبة ظهرها في السيارة و كانت ستلحقها إلا أن صوت أحدهم ينادي باسمها جعلها تتراجع و تستدير نحو مصدره لترى ذاك الشاب بملابس كرة القدم خاصته يركض نحوها بابتسامة جعلتها تبتسم رغما عنها ..
" جيد لحقت بك قبل أن تذهبي "
نطق بها في تعب بعد إن التقط أنفاسه في حين هتفت هي :
" ما الأمر ؟ "
أدخل يده في جيب سراويله الرياضية البيضاء و أخرج شيئا ما مجيبا :
" أريد أن أعطيك هذه .. "
أنهى جملته الأخيرة و مد يده نحوها حيث استقرت تلك القلادة الجميلة الفضية و قد تدلت منها دائرة متوسطة الحجم نقش عليها رسم جميل ..
أخذت القلادة منه و نظرت إليها في إعجاب هاتفة :
" إنها رائعة .. "
ارتمت في حضنه و عانقته بشدة مردفة :
" شكرا لك "
ابتسم و هي تبتعد عنه و تعطيه إياها مواصلة كلامها بابتسامة :
" هلا فعلت .. "
استلم القلادة منها و أجابها و هو ينظر لها تدير بظهرها له :
" بكل سرور .. "
و مع انتهائه من قول كلماته صارت القلادة حول عنقها و أحكم هو انغلاقها من الخلف ..
تركت خصلات شعرها تعاود الانسياب على ظهرها من جديد و التفتت نحوه طابعة تلك القبلة السريعة على شفتيه ثم توجهت إلى سيارتها تركبها من جديد ..
لوح بيده مودعا إياها بابتسامة ثم أسرع بالعودة إلى تدريبات الفريق لمباراة الليلة ..
صرخت في وجهه بغضب ممتزج ببعض الخوف :
" ماذا تكون ؟ "
وقف ينظر لها بصدمة غير مستوعب لتلك الكلمات الذي قالتها للتو .. فقد علم منها أن ما كان يخفيه عنها قد صار واضحا الآن .. لقد اكتشفت سره .. اكتشفت حقيقته ..
" ماذا تكون ؟ "
عادت تصرخ بها و لم تتغير نبرة صوتها ليرد عليها بعد صمت طويل :
" أنا مصاص دماء "
تسمرت في مكانها من شدة الرعب و بدأت بالركض مبتعدة عنه في حين هتف هو في حزن :
" أرجوك لا ترحلي .. "
" انتظري .. "
" أستطيع أن أفسر لك كل شيء .. "
~ ألن تتوقفي عن مشاهدة هذه الأفلام .. ؟ ~
توقفت عن أكل الفشار و التفتت إلى ابن أختها الذي جلس بجانبها على الكنبة و هو يردف :
" لا وجود لأشياء كهذه .. "
نظرت له بتحد هاتفة :
" أوه حقا ؟ .. ماذا لو كانت موجودة بالفعل ؟ .. "
كان سيقول شيئا ما غير أن صوت جرس الباب جعله يبتر عبارته و يقف بسرعة متوجها لفتحه ..
فتح أحد الصناديق و بدأ يفتش بداخلها و لكنه لم يعثر على شيء مهم ليضعها جانبا مع البقية و يفتح أحد الأدراج الأخرى مقلبا بين محتوياتها و هو يردد :
" أين هي ؟ .. لا بد أن تكون هنا "
~ ما الذي تبحث عنه ؟ ~
رفع صاحب الخصلات البنية رأسه نحو صاحب الصوت الذي لم يكن سوى كواتر و قد أردف من جديد :
" ما الشيء الذي يخصك في غرفة شقيقتي ؟ "
ترك ما بيده و توجه نحو الصبي هاتفا في حدة :
" لا شأن لك .. "
نظر إلى عينيه مباشرة ثم واصل كلامه :
" و الآن عد إلى الأسفل و ابق مع خالتك المطيعة "
حرك صاحب الخصلات الشقراء رأسه بلا وعي و استدار مغادرا الغرفة ..
حينها عاد الآخر يقلب بين الأشياء من جديد ..
" ما هذا ؟ "
نطق بها في تساؤل و هو يلتقط دفترا زهريا صغير الحجم .. قلبه بين يديه مردفا في سخرية :
" مذكرات .. هه "
رمى بها على السرير و توجه إلى الدرج الآخر يفتحه ليقع نظره على قلادة غريبة الشكل وسط مجموعة من الإكسسوارات و الساعات اليدوية ..
" ها نحن ذا .. "
هتف بها و قد اتسعت ابتسامته و هو يلتقطها بسرعة واضعا إياها في جيب سراويله ..
اعتدل في وقفته و توجه إلى الباب يفتحه قصد المغادرة ليتفاجئ بتلك الفتاة التي وقفت أمامها و قد فوجئت هي الأخرى برؤيته ..
" كيف لم أشعر بقدومها ؟ "
تمتم بها في شيء من توتر في حين هتفت هي في استغراب :
" ما الذي تفعله هنا ؟ .. في غرفتي "
لم يكن مهتما بكلامها بقدر ما لفت انتباهه ذاك العقد الذي تدلى من عنقها لتتغير ملامحه إلى الانزعاج و هو يتمتم :
" عظيم .. حصلتِ على القلادة "
" ديو الغبي .. ! "
~ ماذا .. تفعل .. في .. غرفتي ؟ ~
رددت تلك الكلمات في بطئ و هي تشد على كل حرف منها تعبيرا عن انزعاجها ..
طرف بعينه إلى المكان الذي هو فيه ليهتف في سخرية :
" لديك غرفة جميلة .. ! "
تنحى جانبا ليتسنى لها إلقاء نظرة على ما حل بالغرفة من فوضى مردفا :
" و .. أعتقد أنها في حاجة إلى الترتيب ..! "
دخلت الغرفة في صدمة شديدة و هتفت بعدم استيعاب :
" ماذا فعلت ؟ "
لم يجبها لتلتفت إلى الخلف في سرعة حيث كان واقفا و تتفاجئ بعدم وجوده ..
أطلقت تنهيدة طويلة و هي تتحاشى السير فوق أغراضها الملقاة على الأرضية و تبدأ بتنظيفها و إعادة كل شيء إلى مكانه ..
التقطت قميصها الزهري و هي تهتف في انزعاج :
" هذا ليس عدلا إنه المفضل لدي ! .. "
طوته بطريقة تعبر على سخطها الشديد و هي تردف بتوعد :
" أقسم أنني سأجعلك تندم على هذا ..! "
وضعت ما بيدها في خزانتها التي صارت خالية من كل شيء و كل ما كان بداخلها صار على الأرض ..
أعادت بعض خصلات شعرها المتمردة على وجنتيها إلى الخلف و هي تقول في انزعاج :
" ما الذي كان يفعله في غرفتي ! .. أوف ! "
زفرت بحدة و هي تنحني و تلتقط قميصا آخر و لكنها لاحظت ذاك الشيء الذي كان تحته لتترك القميص جانبا و تلتقط ذاك الحجر البلوري الصغير و هي تتمعن النظر فيه هاتفة في حيرة :
" ما هذا الشيء ؟ .. "
" لا أذكر أني رأيته من قبل .. ! "
صمتت قليلا و هي تتأمله و قد تحولت ملامحها إلى الخبث مردفة :
" لا بد أن هيرو قد أوقعه .. "
وضعته بسرعة في جيب سراويلها السوداء التي فصلت جسدها و قد ارتدت عليها قميص بنصف كم أبيض حمل بعض الخربشات الداكنة .. ثم هتفت :
" لنرى ماذا سيفعل حين يعلم بفقدانه له ! "
اتسعت ابتسامتها ثم واصلت ترتيب غرفتها في هدوء ..
دخل المنزل في هدوء و هو يلعب بتلك القلادة بين يديه يرميها تارة و يلتقطها أخرى ثم يعاود الكرة مرارا و تكرارا و يصفر في استمتاع ..
قادته قدماه إلى غرفة الجلوس حيث جلس صاحب المنزل الذي ما أن رآه حتى تهتف ببرود :
" أين كنت ؟ .. "
التقط القلادة و أحكم قبضته عليها و قد ارتسمت تلك الابتسامة الساخرة على شفتيه من جديد مجيبا :
" و لماذا تهتم ؟ "
أنزل تروا قدميه من على الطاولة و اعتدل في جلوسه هاتفا :
" و من قال أني أهتم ؟ "
وضع العقد في جيب سترته و خطى بضع خطوات نحو الكنبة رادا :
" على ذكر – الاهتمام – .. أين ديو ؟ "
أمسك صاحب التسريحة الفريدة بمقبض إبريق المشروب الزجاجي ليصب البعض في كأسه قائلا :
" لديه مباراة كرة الليلة .. "
التقط هيرو الكأس و ارتشف منه القليل هاتفا :
" إذن فقد انضم إلى الفريق ..! "
بدا على تروا الانزعاج من تصرف صاحب الابتسامة الساخرة الأخير ليعبئ كأسا آخر متحاشيا الشجار معه و هو يستمع له يردف من جديد :
" هناك أمر مهم أريد التحدث فيه معه .. "
أنهى ما تبقى في الكأس دفعة واحدة و وضعه على الطاولة هاتفا :
" شكرا على المشروب ..! "
اكتفى تروا بالنظر له في برود في حين ابتسم هيرو ساخرا و استدار مغادرا المنزل لإجراء محادثة ساخنة مع شقيقه الصغير ..
نزلت الدرج في سرعة و هي تهتف مخاطبة الشابة في المطبخ الذي يقع بجانب السلالم :
" نوين ! هل رأيتِ قلادتي ؟ "
سكبت البعض من القهوة في فنجانها و هي تجيب :
" حددي واحدة لو سمحتي ..! "
وقفت أمام الطاولة مقابلة لخالتها و هي تردف واصفة القلادة :
" قلادة والدتي ! لقد أعطتني إياها في عيد ميلادي العاشر ! "
جلست على الكرسي في هدوء و ارتشفت بعضا من قهوتها قبل أن ترد في عدم اهتمام :
" لا ! لم أرها ! .. آسفة ! "
تنهدت في حزن و هي تستدير صاعدة إلى الأعلى ثم هتفت :
" سأغير ملابسي و أخرج لمشاهدة المباراة .. "
أجابت حينها نوين بصوت عال حتى يتسنى لريلينا سماعها :
" أسرعي حتى لا تفوتكِ .. لقد خرج كواتر منذ قليل "
تابعت ريلينا صعود الدرج دون أن تجيب بينما تابعت خالتها احتساء قهوتها في استمتاع ..
وقف خلف الحائط المؤدي إلى وسط الملعب حيث كان فريق الثانوية لكرة القدم يجري تحضيراته قبل بدأ المباراة ..
بقي صامتا لبضع لحظات ثم هتف بهدوء هامس :
" ديو .. أود التحدث إليك ..! "
استلم الكرة القادمة نحوه بمهارة و همس في انزعاج :
" أنا مشغول الآن ! .. "
ابتسم في خبث و هو يستمع إلى كلمات شقيقه ثم همس هو الآخر في شيء من السخرية :
" إليك هذا .. "
" إما أن تأتي لي الآن و نتحدث في هدوء .. "
طغت نبرة الخبث على صوته و هو يواصل ما بدأه و قد تغيرت ملامح وجهه و برزت أنيابه الحادة :
" و إما آتي أنا لك و أقضي على جميع أصدقائك الصغار .. "
" حينها لن تكون مشغولا و يمكننا التحدث .. "
صمت للحظات قبل أن يردف من جديد :
" ما رأيك الآن ؟ .. أتخرج أم أدخل ؟ "
نظر إلى الكرة بين أقدامه ليهمس مخاطبا شقيقه في الخارج :
" حسنا سآتي لك "
ابتسم علامة على انتصاره و عادة ملامحه الساخرة من جديد و هو يرد :
" الأفضل أن تسرع .. "
ركل ديو الكرة بقوة إلى الأعلى مما أدى إلى مرورها من فوق الجدار ليبتسم أخوه و هو يراقبها تطير من فوق رأسه في حين هتف ديو مخاطبا المدرب :
" إنه خطأي .. آسف .. "
ركض نحو الباب المؤدي إلى الخارج مواصلا :
" سأحضرها .. ! "
طل صاحب الجديلة من الباب الحديد و حدق في شقيقه و هو يقذف بالكرة من يد إلى أخرى هاتفا في سخرية :
" لو تأخرت ثانية أخرى لكان أصدقائك البشر قد تحولوا إلى جثث "
صار أمام شقيقه في لمح البصر و هتف في غضب :
" ما الذي جاء بك ؟ "
أمسك الكرة بكلتا يديه قائلا في سخرية :
" سررت برؤيتك أيضا يا أخي ! "
لم تتغير ملامحه و لا نبرة صوته و هو يسال من جديد :
" ماذا تريد ؟ "
~ لمَ أعطيتها القلادة ؟ ~
هذه المرة كانت نبرة صوته جدية على غير العادة و هو يحدق في أخيه بنظرات غاضبة ..
و كأنهما تبادل الأدوار فقد ابتسم ديو بسخرية و هو يبتعد بهدوء مجيبا :
" نسيت أن الأمر يزعجك حين تكون غير قادر على إخضاع أحدهم ذهنيا .. "
لم تمض سوى لحظة على انتهائه من كلامه ليرتطم جسده بالحائط خلفه و قد شد شقيقه على عنقه في قوة و هو يهتف في غضب شديد :
" سنرى إلى أي حد ستنزعج حين أخبر حبيبتك الصغيرة بحقيقتك ..! "
هتف ديو في شيء من الألم بسبب ضغط هيرو على رقبته و بالكاد استطاع إخراج كلماته :
" أعــ .. ـلم .. أنـ .. ـك لن تـ .. ـفعــ .. ــل ..! "
~ ديو أين الكرة ؟ ~
التفت الاثنان إلى صاحب الصوت الذي لم يكن سوى المدرب و قد خرج من الباب لتوه ثم سمعا صوتا أنثويا قدما من الخلف و قد حمل نبرة تدل على قلق صاحبها :
" ما الذي يحدث هنا ؟ "
ابتسم هيرو حينها بخبث و نظر إلى شقيقه المتألم هاتفا و قد تغيرت ملامح وجهه لتحمر عيناه و تظهر عروق رقيقة حولها و برزت أنيابه :
" شاهدني إذن ! "
ترك في سرعة كبيرة ليصرخ ديو في توتر و خوف :
" لا ! هيرو لا تفعل ! "
كان الوقت متأخرا جدا على ذاك الكلام فقد أصبح صاحب العينين الحمراوتين أمام المدرب في لمح البصر ..
حدق الرجل في ملامح الشاب في ذعر شديد في حين هتف هيرو في خبث :
" مرحبا أيها المدرب ! "
" وداعا أيها المدرب ! "
ما أن أنهى جملته الأخيرة حتى هوى بفكه على عنق المسكين و امتص دمائه حتى جرده منها وسط أنظار شقيقه القلقة و أمام أعين الشقراء المرعوبة ..
ترك جسد المدرب يهوي على الأرض دون حراك و التفت إلى الخلف لتتضح ملامحه المخيفة لتلك الشابة الواقفة دون حراك و كامل جسدها يرتجف من شدة الخوف ..
مسح الدماء التي غطت شفتيه و أعاد امتصاصها في استمتاع في حين وقف ديو من مكانه و سرعان ما صار أمامه و قد وجه لوجهه لكمة قوية غير أن هيرو أمسكها و ضغط عليها في قوة مما جعل شقيقه يتألم بشدة ..
ترك يده و وجه نظره إلى ريلينا هاتفا في سخرية مخاطبا ديو :
" أعتقد أن أمامك عملا طويلا الليلة ! "
التفت حينها الشقيق الأصغر نحو الفتاة ليهتف في حزن :
" ريلينا ! "
زادت كلمته من خوفها لتبدأ بالركض في سرعة نحو سيارتها لكنه وقف أمامها في سرعة هاتفا :
" أرجوكِ لا تخافي مني .. "
" لن أؤذيك .. أعدك بهذا ..! "
نظرت له في رعب و صرخت فيه وسط دموعها :
" ابتعد عني .. لا تقترب مني ! "
كانت ستبدأ بالركض من الجهة الأخرى غير أنه أمسك معصمها مانعا إياها و قد أردف :
" دعيني أفسر لكِ .. "
" ريلينا .. أرجوك ! "
تسارع جريان شلال دموعها و هي تهتف في صوت خافت خائف :
" دعني أذهب ! .. "
" أرجوك "
لم يجد حلا آخر غير ترك يدها لتسرع بالركض إلى سيارتها و ترحل من هذا المكان في سرعة ..
مررت يدها تمسح بعضا من القطرات الفضية التي أبت إلا أن تنزل لتداعب وجنيتها ..
أعادت يدها إلى المقود و هي تقود سيارتها بسرعة كبيرة و لكن كل اهتمامها كان منصبا على ما حدث قبل دقائق ..
تذكرت كيف قتل المدرب .. تذكرت ملامحه المخيفة .. تذكرت الدماء التي سالت من بين شفتيه .. و تذكرت كيف كان يمسحها بلسانه في استمتاع ..
ثم تذكرت كيف أصبح الفتى الذي أحبته أمامها في لمح البصر .. تذكرت كيف أمسك بيدها في قوة .. و تذكرت ذاك اليوم حين تغيرت ملامح وجهه فجأة حين رؤيته لدمائها ..
كل هذه الذكريات جعلتها تفقد سيطرتها على السيارة لتطلق تلك الصرخة المفزوعة و هي تنحرف عن الطريق لتصطدم بأحد أعمدة الكهرباء ..
زادت هذه الحادثة من حالة رعبها فقد أعادت لها ذكريات أخرى أليمة ..
ذكريات الحادثة التي فقدت بسببها والديها .. كانت وقتها جالسة في المقاعد الخلفية رفقة شقيقها الأصغر ..
لم يكن بيدها فعل شيء سوى أن تجهش في البكاء و قد تكورت على مقعدها ..
" لا بأس عليك ..! لا بأس ..! "
ردد ذاك الشاب بتلك الكلمات بعد أن فتح باب السيارة و ربت على ظهرها في حنان ..
رفعت رأسها نحوه فإذا به ديو ينظر لها في حزن و قد همس :
" لن أؤذيك صدقيني ! "
أشعرها كلامه بالاطمئنان لترتمي في أحضانه و تتابع ذرفها لدموعها و هي تشد على قميصه في قوة ..
أحاطها بذراعيه في قوة ليشعرها بالأمان و هو يمرر يده على شعرها في هدوء ..
اتكأ على ذاك الجدار ينظر لهما في حزن و هو يشد على تلك القلادة في قبضته بقوة ..
أرخى أصابعه و حدق في تلك الزمردة التي توسطت الدائرة الذهبية ثم همس :
" سنرى من يفوز في النهاية ! "
نقل رجال الإسعاف جثة الرجل على السرير بعد أن وضعوا عليها غطاءا أبيض وسط حشود كبيرة من الطلاب منهم لاعبو الفريق و منهم المشجعات بالإضافة إلى طلاب المدرسة العاديين ..
~ عضة حيوان ؟ .. أليس غريبا .. ؟ ~
نطقت بها تلك الشابة و هي تسير مبتعدة عن الحشود رفقة صديقتها التي أجابت في استغراب :
" و ما الغريب في ذلك ؟ "
وقفت كاثرين و التفتت إلى صديقتها رادة :
" كيف يكون حيوانا و نحن وسط المدينة ؟ "
كتفت هايلد يديها ثم هتفت :
" لا تنسي أن هناك غابة قريبة من هنا .. "
عادت صاحبة الخصلات المموجة تتابع سيرها و هي تردف :
" نعم لم أنسى .. و لكن لا تنسي أنها أول سنة يتعرض فيها أحد لهجوم حيوان كما يزعمون "
" ما أحاول قوله أنه لو كانت هناك حيوانات في الغابة فلماذا لم تهاجمنا منذ زمن ؟ "
" محال أن يكون حيوان "
تبعت هايلد صديقتها في السير و هي تقول في شيء من السخرية :
" إذن ما يكون يا ذكية ؟ "
التفتت كاثرين إلى صديقتها و في حركة سريعة سحبت الوشاح من رقبتها مجيبة في حدة :
" لمَ لا تخبريننا أنتِ ؟ "
وقفت هايلد في مكانها مصدومة من الحركة التي قامت بها صديقتها في حين تفحصت هي رقبتها في تمعن و بدت ملامحها تتغير حتى هتفت في قلق :
" هايلد .. ما الذي فعل بكِ هذا ؟ "
" لا أدري ! "
نطقت بها في غضب و هي تسحب وشاحها من صديقتها و أردفت في انزعاج :
" اتركيني وحدي ! "
نطقت بها و سارت بخطوات واسعة مغادرة المكان في حين بقيت كاثرين تراقبها في قلق ..
جلست على كرسيها المتحرك في أناقة وراء مكتبها واضعة قدما على أخرى ..
كانت شابة في العقد الثاني من عمرها و صاحبة تسريحة فريدة من نوعها ..
هتفت بصرامة و هي تنصت إلى دقات الباب :
" أدخل ! "
دخل حينها أحد الرجال و قد حمل بين يديه مجموعة من الأوراق لتردف هي :
" ماذا حصل ؟ .. "
سلمها الأوراق و هو يجيب في توتر :
" لقد حصل ما كنا نخشاه آنسة سالي بو .. "
تفحصت الأوراق بتمعن تام و هتفت في جدية :
" كان شكي في محله إذن ..! "
رفعت رأسها عن الأوراق و نظرت نحو الرجل القلق و أردفت في غموض :
" لقد عادوا ..! "
خرج من الحمام و هو يجفف شعره بمنشفة بيضاء محيطا وسطه بأخرى أكبر حجما ..
رفع بصره نحو الساعة وسط غرفته فإذا بها السادسة صباحا ..
توجه إلى المنضدة الصغيرة بجانب سرير و فتح أحد أدراجها ليخرج تلك القلادة الذهبية و حدق فيها هامسا :
" بعد أيام سيكتمل القمر ! "
" أنا على بعد خطوة واحدة لتحويل حياتك إلى جحيم ! "
أعاد القلادة مكانها و هم بإغلاق الدرج إلا أنه توقف حين لاحظ اختفاء شيء ما من مكانه ..
" أين الحجر البلوري ؟ "
هتف بها في استغراب و بدأ يقلب بين الأشياء وسط الدرج باحثا عنه و لكن لا أثر له ..
جلس على طرف السرير ضاربا جبهته بخفة و هو يردف :
" لا بد أني أسقطه في غرفتها ! "
ضرب السرير في سخط و هو يهتف :
" تبا ! "
صمت و أنصت بهدوء ليسمع صوت رنين هاتف غرفة الجلوس ..
انتظر بضع لحظات عل أحدهم يجيب و لكن الرنين واصل إزعاجه ليهتف في صوت عال نسبيا :
" هلا يجيب أحدكما ! "
صمت للحظات ينتظر أي رد أو أن يتوقف الهاتف و لكن كل ما سمعه هو رد شقيقه الناعس :
" لم أسامحك بعد على ما فعلته البارحة ! "
ثم صوت شخير شريك المنزل الآخر ليقف في انزعاج و ينزل في سرعة البرق و يلتقط سماعة الهاتف رادا :
" أتعلم كم الساعة الآن ؟ "
جلست باعتدال في مكتبها و هي تجيب و كأنما لم تسمع كلماته المنزعجة :
" أريد التحدث إلى السيد تروا بارتون ! "
" من أنتِ ؟ "
هتف بها في حدة ليأتيه صوتها عبر الهاتف و هي تقول في هدوء :
" أنا سالي بو .. رئيسة شرطة المدينة "
" و الآن هل أستطيع التحدث مع السيد تروا ؟ "
نظر إلى الدرج حيث كان من تبحث عنه السيدة ينزل السلالم في نعاس شديد ليهتف بابتسامة :
" آسف .. و لكنه غادر المدينة هذا الصباح ! "
" و لكن إن كان الأمر ضروري سأتصل به إن أردتي .. "
مررت أصابعها بين خصلات شعرها و أردفت مجيبة على طلبه :
" لا ليس هناك داع لهذا .. "
" الأمر أنني كنت أنتظر شحنة عشبة الفرفاين التي أخبرني أنه سيرسلها لي هذا الصباح "
أشار إلى تروا بالصمت حين هم بقول شيء ثم هتف عبر الهاتف :
" يسرني أن أحضرها لك "
عبرت نبرة صوتها عن انشراحها و هي ترد عليه :
" حقا ؟ .. شكرا لك .. سأنتظرك على الساعة العاشرة "
ابتسم في خبث و أجاب :
" هي العاشرة إذن .. أراك حينها ! "
أنها جملته تلك و أغلق سماعة هاتف و نظر إلى صاحب النظرات المرهقة و هتف :
" صباح الخير تروا ! "
رمقه تروا بنظرات استغراب ثم قال :
" من كان على الهاتف .. ؟ و من غادر المدينة هذا الصباح ؟ "
سار هيرو بضع خطوات في هدوء و ارتسمت تلك الابتسامة الخبيثة على شفتيه مجيبا :
" أنت فعلت ..! "
أنهى كلماته لتتغير ملامحه و تبرز أنيابه و ينطلق في سرعة نحو الشاب الذي تسمر في مكانه لا حول و لا قوة له أمام الوحش الذي انقض عليه ..
كان ينظر له في حقد و غضب و هو جالس على الأرض قيدته حبال سميكة بعمود في أحد أركان الغرفة المظلمة أسفل المنزل ..
عقد الحبل في إحكام ثم رفع رأس الشاب المقيد هاتفا في خبث :
" و الآن أخبرني .. ماذا تريد تلك الحقيرة بعشبة الفرفاين ؟ "
حدق فيه في انزعاج و أجاب و قد دل صوته على شدة حنقه على الشخص أمامه :
" لقد طلبتها مني من أجل تطهير المدينة من أكبر خطر عليها .. "
" انهم يعلمون بقدرتها على إضعافكم ! "
دفع وجه الشاب في سخط و هتف :
" سحقا لك ! "
وقف بعد أن كان جالسا القرفصاء و أردف من جديد :
" و أين تحتفظ بهذه العشبة اللعينة ؟ "
" أنا أزرعها في القبو .. و لكن الشحنة التي تريدها موجودة في صندوق هناك ! "
أجابه تروا على سؤاله ليخرج هيرو من الغرفة الصغيرة دون أن ينطق بحرف واحد مغلقا الباب خلفه بقوة ..
نظرت من نافذة السيارة نحو الأشجار المنتشرة في كل مكانا ..
التفتت نحو السائق هاتفة بتساؤل :
" لقد قرأت أن مصاصي الدماء لا يخرجون سوى في الليل .. "
" اعتقدت أن أشعة الشمس تحرقكم "
ألقى نظرة خاطفة عليها ثم عاد يراقب الطريق مجيبا بابتسامة :
" أنه الخاتم ! "
حولت مرمى بصرها إلى ذاك الخاتم الذي أحاط بإصبعه ثم قالت :
" رأيت مثله مع هيرو .. ضننت أنه شيء عائلي ! "
أوقف السيارة وسط الطريق الترابي وسط الغابة ..
نزل بهدوء و هو يجول بنظره في أرجاء المكان لتتعبه تلك الفتاة بالنزول و هي تهتف متسائلة :
" لمَ أحضرتني هنا ؟ .. ما هذا المكان ؟ "
أمسك يدها و سحبها معه في هدوء لتسير معه دون أن تنطق بشيء حتى توقف أمام منزل خشبي مهجور ..
بقيت صامتة تحدق به في تعجب في حين هتف هو و قد تقدم نحو البيت :
" تعالي ..! "
ترددت قليلا و لكنه تبعته في فضول و هي تسأل :
" ألن تخبرني ما هذا المكان ؟ "
فتح الباب بحذر ثم أجابها و هو يدلف إلى الداخل :
" لقد كان مخبأنا السري .. نحن الثلاثة ! "
تبعته في الدخول بخطوات محترسة و تأملت المكان في إعجاب و هي تهتف :
" أنتم الثلاثة ؟ "
توجه إلى المنضدة الصغيرة التي كانت في الجانب الأخر من الغرفة التي شكلت المنزل كاملا و أجابها :
" لقد كنا نأتي هنا كل يوم ! "
جلس القرفصاء و نفخ على جانب المنضدة من الأسفل لتظهر تلك الكتابة المحفورة فيه ..
جلست بدورها و بدأت بقراءة الكلمات الثلاثة التي اصطفت فوق بعضها في تركيز :
" ديو .. سيلينا .. هيرو ! "
التفتت نحوه في تعجب و أردفت :
" من تكون سيلينا ؟ "
وقف باستقامة و هو ينفض الغبار عن يديه رادا :
" الفتاة التي أحببناها ! "
وقفت بدورها و عدلت قميصها هاتفة :
" أتقصد هيرو ؟ .. هل أحببتما نفس الفتاة ؟ .. هل كانت مصاصة دماء أيضا ؟"
سار بضع خطوات يتذكر الماضي قبل سنتين ثم رد :
" لقد أرادت أن تكون .. لطالما توسلت لي حتى أحولها و لكني كنت أرفض "
-
وقف من مكانه بعد أن كان جالسا على الكنبة و هتف في غضب :
" مستحيل أن أقبل بهذا .. لن أحولها "
تقدم شقيقه نحوه و هو يقول محاولا تغيير قراره :
" ألا تفهم يا ديو .. ! "
" إنها بشرية تتقدم في السن و تموت ..! "
" إذا حولناها لن تعود كذلك .. يمكننا أن نكون نحن الثلاثة معا "
" إلى الأبد ! "
دخلت حينها شابة شقراء غاية في الجمال و أردفت في مكر :
" من يريد أن يلعب معي أولا ! "
التفت ديو نحوها بابتسامة بينما نظر هي إليه و همس في خبث :
" إن لم تفعل أنت فأنا من سيحولها ! "
-
" إذا كان حولها فأين هي ؟ "
هتفت بها ريلينا في استغراب ليلتفت ديو نحوها في هدوء و يشير إلى باب خشبي صغير مجيبا :
" في القبو ..! منذ سنتين ! "
وجهت نظرها إلى حيث أشار لتتساءل من جديد :
" ماذا ؟ "
أنزل رأسه في حزن رادا :
" بعد أن صارت مصاصة دماء .. فقد السيطرة على نفسها "
" كانت تهاجم البشر و تترك ضحاياها أينما ذهبت "
-
كان القمر مكتملا متوسطا للسماء لا يمدها بالنور غيره ..
دخلت المنزل في سرعة و أغلقت الباب خلفها و هي تلهث في قوة ..
وقف الشقيقان من مكانهما في قلق ليهتف صاحب الجديلة و هو ينظر إلى حالها المرعوبة :
" ماذا حصل لكِ ؟ "
جثت على ركبتيها في تعب شديد و هي ترد عليه :
" إنهم قادمون .. سيقضون علي ! "
اقترب منها الأكبر و حوطها بين ذراعيه محاولة تهدئتها لتشد هي على قميصه في قوة تستمد من حضنه الأمان بينما هتف هو :
" لا بأس عليكِ .. لن أسمح لهم بإيذائك ! "
و مع انتهاءه من جملته سقط الباب بجانبهما في قوة ليزيد من رعب الفتاة و تطلق صرخة عالية في حين التفت الأخوان إلى تلك السيدة صاحبة الشعر الكحلي و قد دخلت المنزل هاتفة :
" سلماني القاتلة و لن أؤذيكما ! "
وقف هيرو و وقفت سيلينا خلفه في رعب في حين صرخ ديو في غضب :
" لن نسمح لكِ بلمسها ! "
طرف الآخر بعينه و شد على يد حبيبته هامسا :
" أسرعي و أدخلي القبو و سنهتم نحن بأمر هذه العجوز ! "
حركت رأسها علامة على الموافقة لتنفذ ما طلبه منها في لمح البصر بينما استعد الفتيان للانقضاض على المرأة التي ابتسمت بشر و أشارت بكفيها نحوها ..
أمسك كلاهما برأسه في ألم شديد و تعال صراخهما دليلا على الوجع الذي اعتراهما ..
ثم حركت كلتا يديها إلى الأعلى ثم إلى باب القبو متمتمة ببعض الكلمات الغير مفهومة ..
أنزلت يديها في رضا و هتفت :
" قولا وداعا لصديقتكما الحقيرة "
-
~ ما الذي حصل بعدها ؟ ~
هتفت بهار يلينا في فضول في حين التفت ديو نحوها مجيبا :
"قتلتها و دفناها نحن في القبو ! "
نظرت له في استغراب و عدم استيعاب ليردف هو من جديد :
" تلك المرأة كانت ساحرة ..! "
عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)
المفضلات