.
..
صباح الأمس
قضت نهارها برفقتهما ، رفضت خروج أبيها للعمل فاتصلت بمكتبه و أخبرت صاحب الصوت العميق الذي أجابها بتسلط :
" أبي مشغول معي اليوم ، رجاءًا لا تضايقه بأي أمر طارئ و أخبر أخواي أن ينوبا عنه ".
أغلقت دون أن تودع المتحدث ثم أقفلت هاتف والديها و صادرتهما مخبئتهما في حقيبتها و أخبرتهما بنفس التسلط :
" لدينا نهاراً حافل ، البسا ملابس مريحة أنيقة ".
ابتسمت ابتسامة عريضة و أكملت : " سنزور أحدهم بعد المغيب ".
أولتهما ظهرها مفكرة ثم عادت مسرعة إليهما : " ما زلتما واقفين ؟ ".
نبرة سؤالها المستنكرة جعلتهما يستديران آلياً يُنفذا ما طلبت ، لكنهما حين وصلا لمنتصف الطريق للغرفة ضحكا و أكملا مسرعين .
تولت قيادة السيارة للحق قادتها كمجنونة إلا أن والداها لم يمانعا فقد اعتادا قيادة شبيهة من أخويها.
انطلقت تعرفهما بها أكثر . أماكنها المفضلة ، أكلاتها المفضلة ، المحلات التي اعتادت زيارتها صغيرة و كبيرة ، صديقاتها ,
العم بائع الذرة على البحر ، و الكثير الكثير من الأماكن و الأشخاص . قضوا اليوم يتسكعون هنا و هناك
للتعرف عليها و عند المغيب ذهبت بهم لمنزل أمها إيناس .
استقبلتهم شرفة جميلة مطلة على تل ، مزودة بجلسة تركية و إضاءة بديعة برتقالية اللون . ظُللت الشرفة بزوائد ممتدة من المنزل ذا اللون السكري ، الزينة البنية و الطراز الياباني ، المكون من طابقين .
ثلاث غُرف نوم للطابق الثاني في حين شغل الطابق الأول غرفة واسعة للجلوس بالإضافة للحمام ،
الصالة و المطبخ . استقبلهم في الداخل جدران المنزل البيضاء ، إضاءة مختلفة الألوان ،
أثاث قليل أنيق ، مساحات خالية موشية بفن شاب رقيق و مسنة مبتسمة في ثوب بسيط
متوسط الأكمام بنفسجي اللون طويل زينته بحزام تفاحي اللون عريض .
عرفاها فوراً فسلما عليها و احتضنتها غنى حين حان دورها .
أثنى والداها على جمال المنزل فشرحت غنى :" صبى مهندسة ديكور مبتدئة ، صممت المنزل و فرشته " .
ثم جلسوا يتجاذبون أطراف الحديث حتى دخلت صبى .
بدت كالفتيان في شعرها القصير المُشعث و ملابس العمل المتسخة , سرعان ما انسحبت معتذرة عن تأخرها و منظرها
فلحقت بها غنى تاركتاً والديها و إيناس معاً .
حين اطمأنت إيناس لأن ابنتيها لا تستمعان توجهت لوالدي غنى بنظرة معادية و قالت :
" فلتعلما أمراً لم أستطع قوله في الميتم ، أنا لست راضية أبداً عن سرقتكما ابنتي ،
عزائي الوحيد معاملتكما الجيدة و ميلها لكما ،لكني لا أثق بكما لهذا أنتما تحت الاختبار حتى اطمئن عليها ".
تحولت لهجتها للأمر : " عليكما زيارتنا بشكل يومي لحل ذلك ".
تهكمت منال : " ألا تُريدين أيضاً أن نخضع لتدريبات خاصة في التعامل مع ابنتنا أو ما شابه ؟ ".
في حين أنهى محمد النقاش : " سيدة إيناس أعرف أنك لست راضية لكنها ابنتنا " .
سكتت إيناس مغتاظة ناظرة إليه بقهر فأردف محمد بعد تفكير بسيط :
" تقديراً لجهود السنين الماضية سنخضع لاختبارك السخيف لكن عليك أن تردي الزيارة و ابنتك كل مرة ".
اعترضت منال : " لكن ... "
قاطعها محمد : " فليكن لأجلي ".
سكتت منال غاضبة في حين أحست إيناس بتسرعها فاستأذنت تُحضر ما يشرباه .
توجهت منال بغضب لمحمد حين اختفت إيناس تماماً و سألت بعينين تقدحان شرراً : " لم ؟ "
أجابها بهدوء : " ليس الآن ".
لكنها أصرت و قد بدأ صوتها بالارتفاع :" لم ؟ "
علم أنها لن تهدأ حتى يشرح فتحدث :" إذا كانت ابنتنا لم تتقبلنا إلا البارحة ، فكيف بأمها و أختها ؟ ".
و حين تحولت منال للتفكير أسهب : " ثم إنها فرصة طيبة لدمج العائلتين و إراحة غنى ، نحن لم نعثر عليها طفلة بل راشدة ، فكري بها ".
وزنت منال و إيناس المستمعة من خلف الباب الكلام فوجدتاه مُحقاً . دخلت بعد برهة إيناس قدمت لهما الشراب
و جلست مقابلة لمنال تفكر مثلها فابتسم محمد بخبث فقد انتبه منذ البداية لوجودها .
في الأعلى كانت صبى قد أنهت استعدادها لاستقبالهما و غنى جالسة على السرير تراقبها بمرح .
خيم الصمت عليهما طيلة الوقت المنصرم ، لاحظت غنى استياء صبى فقطعت الصمت متسائلة :
" مما أنت غاضبة ؟ ".
وجهت لها صبى نظرات نارية و أشاحت بوجهها فألحت غنى : " أرجوك تحدثي "
أجابت صبى باقتضاب : " لن يعجبك حديثي ".
أصرت غنى : " فليكن هات ما عندك ".
انفجرت صبى بصوت خفيض : " يأخذاك منا بكل سهولة لأن حمض الدي إن أي يؤيدهما ، يرفضان مبيتك عندنا ،
يقضيان أغلب الوقت متنقلين بك بين أقاربهما ، و يتركانك تبكين وحيدة طوال الليل و تريديني أن ابتسم في وجيهيهما ،
آسفة لا استطيع ".
علمت غنى ما ستقوله أختها قبل أن تبدأ , حتى أنها تعلم بماهية الحديث الدائر بين أمها إيناس و والديها في الأسفل !
كانت قد هيأت نفسها مبكرا لموقف كهذا فطلبت بهدوء من صبى :
" أعطهما فرصة ".
نظرت إليها صبى غير مصدقة فطلب غنى يعني أمراً واحداً " تثق بهما ".
اتجهت إليها ، جلست بجانبها على السرير و سألتها بشك : " ما الجديد ؟ "
ابتسمت غنى فقد وصلت لما أرادت و انطلقت تتحدث بحماسة عنهما وصولاً للحدث الرئيسي
" عشاء البارحة ".
ايناس فكرت بهما كشيطانٍ يتراءى لابنتها يريد إخافتها فكرهتهما منذ اللحظة الأولى ، منذ عرفت سبب زيارتهما لكنها لم تستطع منعهما . ظلت قلقة طيلة الشهر المنصرم على الرغم من زيارات غنى المتزايدة و حديثها عن لطفهما ; فقد اكتسبت غنى صفة الاعتماد على النفس دائماً و كتم الأشياء السيئة حتى تتخلص منها . كان من الطبيعي أن تقلق و تشك فقد رأت بأم عينيها رفضها لهما و شهدت بألم اعتراضها على الذهاب معهما و اكتئابها الذي تزايد بعد خروجها , ثم ها هي تمدح لطفهما من أول زيارة " كيف يُعقل ؟! "
لم تفكر أبداً أنها كانت على حق طيلة الوقت فما سمعته يوحي بتفهم عميق و هي لمست بنفسها أكثر من مرة لطفهما و مرحهما كما أخبرتها غنى . أدركت متأخرة أن دموع ابنتها لم تكن بسبب سوء
معاملتهما كما ظنت بل لأسباب أُخر يجب أن تعلمها فاعتذرت منهما عما بدر منها قبل قليل و استأذنتهما
بحجة مناداة ابنتيها و انسحبت صاعدة للأعلى، لم تحتج دخول الغرفة فقد كان الباب مفتوحاً
و نحيب غنى مسموع في المساحة التي احتلتها فاستمعت صامتة .
انتهت غنى من الحديث ماسحة دموعها بإهمال ، في حين ابتسمت صبى بعذوبة من مشاعر أختها .
مسحت على ظهرها بلطف : " أعجبتني نظرية الزواج ".
و حين نظرت إليها غنى أكملت مسح دموعها عنها قائلة :
" غنى أنت لم تديري ظهرك لنا ، لم أشعر بذلك أبداً ، تعرفين أنك لو فعلتي ما سمحت لك بدخول غرفتي ".
صمتت قليلاً و استأنفت : " كنتِ طوال عمرك تسكنين الملجأ فلم أشعر بغيابك بل سعدت لأني أصبحت أراك أكثر ،
ما أغضبني حقاً عيناك التي لم أرهما منذ ذهابك حتى اليوم سوى منتفختان ، اكتئابك المتزايد و حزنك .
ألقيت باللوم عليهما و كرهتهما ، لكني لم أفكر أبداً بإدارة ظهرك كما ظننت لنا ".
ابتسمت : " على كل حال إن كنت تريدين ذلك سأفعل ، سأمنحهما فرصة ،
لكن عليك أن تتفهمي أن هذا ليس بالأمر السهل ".
أراحت غنى رأسها على كتف أختها و تمسكت بها قائلة بهمس : " أعرف ".
فربتت على ظهرها صبى بلطف متمتمة : " عفوا ".
تفاجئتا بيد حانية يعرفا ملمسها و عطر نافذ أدمنا رائحته لعجوز أنيقة لم تكبح دموعها . أدركتا الموقف منذ الوهلة الأولى فأفسحتا لها مكاناً بينهما فجلست إيناس مكملة عمل صبى .
صمت الثلاثة ، اشتركتا غنى و صبى في القلق على أمهما في حين أعلنت الأخيرة في ابتسامة حزينة :
" فليكن ، سأمنحهما فرصة ، استعدي سنزورك كثيراً في الأيام التالية ".
ابتسمتا رافعتين رأسيهما من على كتفها ناظرتين لها فأكملت بحزن ناظرة لغنى :
"لا تنسي أنا أحببتك قبلهما ".
وقعت غنى أسيرة الجملة منذ أن قرأت قصتها أول مرة ، حتى أنها ارتجلت مشهد مستوحى من قصة الجملة.
لذا عندما رددتها أمها غمرتها سعادة مشوبة بحزن ، سعادة عروس بحق فاحتضنت أمها باكية في حين شاركتهما ذراعي صبى محيطة بهما معاً اللحظة
حين انتهت منال من التفكير في كلام محمد كانت إيناس قد اختفت ، أدركت و إياه طبيعة الاجتماع القائم في الأعلى فارتبكا .
جُل ما استطاعا فعله الانتظار , لسوء الحظ طال انتظارهما ربع ساعة إضافية ظهر بعدها الثلاثة ضاحكين ، اعتذروا عن تأخرهم و انضموا للجلسة .
أعادت إيناس جملة غنى مبتسمة براحة هذه المرة : " أنا أحببتها أولاً ".
لم يفهما شيء بداية لكنهما ربطا سريعاً الأحداث و جملة غنى المفضلة و حين استوعبا ضحكا .
عاد لمنال مرحها فاتجهت لغنى خلعت خاتمها البسيط و ألبسته بنصر غنى الأيمن مجيبة : " يوم سعدنا ".
غمرتني السعادة حين ألبستني أمي خاتمها ، ضحكت بصوت عال حتى بكيت. كان الجميع يشاركني الضحك إلى أن
نزلت دموعي حارة . انتهى الضحك حينها و بدأت والدتيَّ بإحاطتي بذراعيهما مخففتان . ابتسمتا حين تلامستا ثم
قررتا الاستمرار في فلم الزواج الذي أحببته كثيراً ، فأبعدت أمي منال يد أمي إيناس ، في حين لم ترضى أمي إيناس و بدأتا مشاجرة .
استطعت تميز غيرة حقيقة و منافسة وراء مزاحهما لكنني لم اهتم بذلك فقد كُنت سعيدة بأجواء المنافسة الخفية الجميلة تلك .
استمر الجميع في فلم العرس حتى خرجنا عائدين للمنزل . أصر أبي على قيادة سيارة العروس و ودعتنا أمي إيناس بدموع فرحتها الصافية .
لا أدري ماهية شعورها في هذه اللحظة إلا أني أدركت ستنام سعيدة هذه الليلة .
في المستقبل و حين يُهاجمني بؤس الحياة ستكون هذه اللحظة ذخيرتي ,
سأهدي بها ضحكة رنانة لوجهي العابس في المرآة و سألتفت راكضة خلف ما يحزنني حتى يختفي .
..
.




اضافة رد مع اقتباس

و اللي خلتني أتأخر في تنزيل جزء اليوم و كمان نزلته مقطع 





يستحق السجن لشره
و لك المثل 
المفضلات