الجزء الخامس [ عودة كيت و مزرعة الخيول ]
_ أينَ كنتْ ؟!
سألنيّ بِعيون جديّة ونبرةٍ منتَظِره مُقلقة .. تباً كنتُ ألتقطُ انفاسيّ يا رجُل ! , أريدُ أن أرتاحَ قليلاً من حدثٍ مثيرٍ حصلَ للتو.. رغمَ أنيّ أظهرتُ تماسكِ وهُدوئي من الخارج وعقلي يعملُ بِسُرعة خاطِفةٍ على كذِبة مُحكمة ؛ لإنقَاذ حياتيّ , كانْ قلبيّ يدقٌ بقوة مما فعلتْ , تحسستُ سلاحيّ بِطرف اصبعيّ , ثمَّ أجبتُ بأشدِ هدوءٍ استطْعتُه :
_ آوه , هٌنا ..
يجب أن أكونَ لا مبالياً ومُسترخياً وكأنَ لا شيءَ يُهم.. لكنَ عَينَيه ضَاقتا ؛علامةُ الخطر تَدقُ نواقِيسها بعقلي! , تَمتمَ هو بشفتيّن ضيقتيّن :
_ لقد اختفيتَ لعشرةَ دقائقَ على الأقل , قائلاً تودُ أخذَ حمام , لكن لم اعتَقد بِأنكَ ستستحمُ بالوَحل !!
ماذا! , ظننتهُ غيرَ منتبهٍ لما قلت !. لمَ يُلاحظ الأشيّاء التيّ لا تُلاحظ عادةً للبشَر الطبيعييّن !!
_ ...وهذا وَرق شَجر على شعرِك !. كولـن ؟! , مالذيّ كنتَ تفعله خارجاً بنفسِك؟!
تمتمتُ بتوتر وأنا ابتعدُ عن محاصرتهِ لي عند الباب : حسناً واضِحٌ أنيّ وقَعت..!
كان يَلتفُ بجسدهِ باتجاهِي , وظهرَ صوته الغاضب : أتحاول إصابةَ نفسك بالمرضِ مجدداً ! , أنتَ لستَ صبياً صغيراً ! , أجبنيّ بالحقيقة مالذيّ تفعلهُ خارجاً تحتَ الأمطار !!
كُنت بحالة صعَبة و الماءُ يقطرُ منيّ , وهذا الرجل لديه الوقت للشجار!. قلتُ بضيقٍ شديد : لا شيءَ مهم , صدقاً.. ظننتُ بأني فقدتُ سلاحيّ فعدتُ لجلبِه.. و..
سمِعنا صوت نُباح بلاكي في الخارج ! , التفتَ جاك ليفتحَ الباب , و يدلفَ الكلب بِسُرعة , مالذيّ أخرَجه , قلت لهُ أن يبقى هُنا.. هذا الكلب سيَفضحنيّ!
وقفَ الكلب عندَ ساقيّ جاك يحدقُ بي معَه.
_ هات السِلاح , و اذهبْ سريعاً لأخذِ حمامٍ سَاخن.. وملابس ثقيلة..
ترددتُ حقاً قبلَ أن أمدهُ إليه , قلتُ وأنا أهز كتفيّ والبرودة قد وصلتْ لعِظاميّ وصوتِيّ : سأضعهُ في الأعلى فقط..
_ اعطنيّ المُسدس كولن !.
ترددتُ لثانية , لكنيّ فككتُ الحِزام و سلمتهُ وأنا أدعو بقلقٍ شديد , ألا يُخرجَه الآن لرُؤية آثار الوَحل علِيه , همسَ محذِراً لي وعَينيه ثابِتتين بعينيّ أكادُ أرى انعكاسيّ عَليهما :
_ بعدَ هذا , انتظركَ لأخباريّ أينَ اختفيت , أنا سمعتُ صوتاً ما ولقد خرجَ بلاكي خلفكَ بقليل !
نظرتُ إليه قليلاً ثم ذهبتُ بخمول لأصعدَ..
ارتديتُ كنزتيّ الصوُفية فوقَ قَميصِي الثَقيل , مع أنَني جففتُ شعريّ جيداً لكني لا أزال أشعُر بالبروُدة في رأسيّ .. هبطتُ بحذرٍ مفكراً بما يجبُ قولَه , وقفتُ بهدوءٍ عندَ بابِ المطبخ , ورأيتُ لوكاس وجاك واقفيِن معاً يَعبثان بسلةِ الخُضار , لا يَعرفان جيداً مالعمل بها..
دخلتُ بِصمتْ و وَجدتُ مُسدسيّ فوقَ الطاوِلة لم يُخرجَه , و بلاكي جَالسٌ بالأسفل , التفتَ نحوي لوكاس أولاً قائلاَ : هآي , لنصنع بعض الحساء الساخن للعشاء..
و التفتَ "جاك" نحويّ أيضاً ..بعيونه المتشكِكة الثاقبة , همسَ لأخي : ادخل بعضَ الحطب إلى المِدفئة , لوك.. المنزلُ كلهُ بارد..
..يريدُ قتليّ دونَ شهود , أعرفهُ هذا السّفاح الخطيّر.. سألنيّ بعبوسٍ بينما أجلسُ على الكرسيّ : أينَ قبَعتك ؟
شعرتُ بصَدمة لقدَ نَسيتُ أمرها تماماً , زَفرتُ قائلاً وأنا أهرب من عينيِه : رُبما وَقعت مني.. سأَجلِبها حالاً..
_ لا تُعبثْ معي كولن ! أينَ ذهبت؟
تمتمتْ بتعب من كل هذه الأسئِلة : هُنا.. قربَ الجيب "سيارتنا"!
سألنيّ بشك : هل سمعتَ صوتَ المِصيدة ؟, هل كُنتَ تتفقّدها ؟
هو ليسَ واثقاً من سَماعِها, لكنه يُريد أن أكذِب بشيءٍ ما حتى يقتلنيّ , رُغم قلقيّ وتوتريّ بسبب مَا حدث من الأثارة..
كذبتُ مجدداً وأملٌ ضَعيف ألا يَنهضَ الآن ويَذهبَ لرُؤيتها : لا شيء..! حسناً.. خرجتُ للنظرِ فقط.. لكني أضعتُ الفخ لم أره..!
احتدّت عيَناه لتسّودان و همَ بالكلام , لكني أسرَعتُ بالقول : لم يَحدثَ شيءٌ للقلقِ عليه , حقاً..
حسناً... لا أعَرِفُ كِيف , لَكنّي جَعلته يشكُ أكَثر, عقدَ ذراعِيه و تأمَلني ليصّر بأسنانِه : واسقطتَ سلاحكَ ؟, هُناك شيءٌ ما جعلكَ تسحَبه..
لم ينتظرنيّ لأنطقَ بشيءٍ آخر, تحركَ نَحو غُرفة المَعيشة , وقفزتُ واقفاً خَلفه ماذا سيفعل ؟! , خَطف البُندقية وخَرجَ كَلمح البِرق , اسرعتُ وَرآءه و قلبي يَخفق بِقوة مِضطربة , مَالذي سَيحدث لِذلك الذِئب الصّغير..! وليَ أيضاً.., لن أسمح بقتلِه !
تَجاهل وَقع خُطواتي على المِياه خَلفه و دَخل بَين الأشَجار بسِرعة.
سمعتُ صوتَ لوكاس هاتفاً بقلق: ...مَا...؟! , إلى أين ؟!
ثوانٍ فقط , و اصبحنا في موقع المِصيدة , توقفَ جاك وهو يرفع البُندقية وينظرُ حوَله في كل مكان , العتمة في الأركانْ وأنا أقف ورآءه احتميّ قرب الشجرة الكبيّرة , لقد اختفى الذئب من مكانه ! هل استطاع ان يبتعد كثيراً ؟! , ثم شاهدتُ برعب قبُعتي ملقيّه إلى يمينْ قدميّه ! , فقط لو اقدرُ على سحبِها.. لكنيّ لن اجازفَ بحياتيّ للاقترَاب من ذلكَ الرجل وهو بِتلكَ الحَالة !
راقب حوله كثيراً و زفر بي بحِده دون أن يلتفت إلي : عد للمنزل !.
عضضتُ شفتيّ وأنا أقول محاولاً بلا أمل تهدئته : أبي ! , لم يَكن هنالك مِن شيء..!
نظرَ إلى الأسفل وتجَاهل قُبعتيّ لينحَني و يتأمل المصيّدة, رفع رأسهُ بحدة و نهضَ واقفاً وهو يخطفُ القُبعة من الأرض الموُحلة و يصرخ بيّ بغضب متقدِماً مني خُطواتٍ كثيرة..
_ كــــــولن ! مالذي فعلته ؟! , هناك دماءٌ على الحديد !!
قلتُ بقلق وأنا أتراجع و أرفع يديّ أمَامه : لا أعرفُ عمّا تتحدث !
_ كولــن!!
ثبتَ قدميهِ وهو يصرّ بأسنانِه : أخبرنّي مالذيّ حدث ؟!, بالحقيّقة .. هل رأيتَه , أكان هُنا ؟!.
لم تكنْ بعقليّ أي كذِبة , ولم استَطع النطقْ , بقيّتُ فقط أبادِلهُ التحديِق , زفرَ والبُخار يتصَاعدُ من فمِه وقد فَرُغ صبره..
سَار من جانِبي بخطواتٍ متعجِلة , أمسكنّي من ذراعيّ بقوة و جرنيّ خلفه.. فزعت بالبداية وانتفضتُ ظننتُ بأنهُ سيَضربنيّ..!
لكنهُ بقي صامتاً , متنفَساً بحدِه كثورٍ غاضبٍ يُوشِك على الهُجوم... وهذا ما يُقلقُني أكثر , عِندما يدّخرُ غضبَه..!
كانَ لوكاس, يقفُ خارجاً عندَ المدخل , ينظرُ نحوَنا بتوتر..
مررنا من عِنده , و جاك يقولُ : لنُعِد العشاء..!
افلتَني عند الدرج , قائلاً ببِرود , لكن بعيونٍ مُشتعِلة : لكن أنتْ.. لا عَشاء لك.. إلى أن تخبرنيّ بالحقيقة..!!
نظرتُ لأخيّ الذي يحدقُ بنا بقلقٍ شديد , و للكلب الواقِف قربَ مَدخل المَطبخ.. ثُم لـ جاك..
قلتُ محاولاً أن تبدو عليّ البراءة من كلِ شيء : أخبرتك.. لم أجدِ شيئاً..!
ردَ بحِده جعلتنِي أطرفُ بعينيّ : لكنيّ وجدتُ أثراً يكفينِي على سلاحِك!, لا تجعَلنِي أَحرِمُك من أشياءَ أُخرى , إنك تكذِبُ عليَ كثيراً مؤخراً ..!
حاولت كبتَ انفالاتيّ وأنا أقول بصوتٍ هادئٍ : آسـفٌ لأني كُنتُ محقاً , ولِكونكم لا تستَمعونَ إلي..!
_ مالذيّ...!!
وهو يحركُ يديهِ في الهواء: ..سأصاب بالشقيِقة الآن منِك!. اذهب لغرفتِك وفكر بما فَعلت !! وقد تتَحدث إلي لاحقاً كشخصٍ راشد !!
زفرتُ بغضبٍ و ضيق , مَهما فَعلت أو قُلت.. فهو لن يُصدقنِي..! لوكاس كذَلك للأسف.. اعترفُ بأنَ الوضعَ غريبْ , لكنّ ليسَ لتلكَ الدرجَة !, التفتُ بِسُرعة و صعدتُ إلى الأعلى , في غُرفَتي..
وقفتُ أنظرٌ من النافِذة , حيثُ ظلامُ الغابة أشدُ من ظُلمةِ الليل.. ظللتُ دقائِق أستمعُ لأصواتِ الأدواتِ في الأسفل , وهمساتٍ خفيفة ترسُلها الرياح إليّ , لا أعرفُ بما يتَحدّثان !, لكنِ ربما نسيَا أمريّ..
_ آوه !.
أغمضتُ عينيّ بقوة وفتَحتُهما.. لأتأكد.. , ذلِك هو..!
عينيه اللامعة الصفراء تحدقُ بيّ من بين الشُجِيرات , من نفسِ الطريق الذي قَدِمنا منه..
همستُ أحُدثهُ أو أحدثُ نفسيّ : أنت هناك.. كان يجب أن تَبتعدَ أكثر..
حسناً بقيَ يحدق بيّ قليلاً .. ثم اختَفى ببطء.. , بعدها بدقِيقة سمعتُ نباح "بلاكي" بالأسفل , هذا الكلب يثيرُ غيضِي.. أنهُ لا يطيعُني.. ويكادُ يكشِفُني.. , لاحظتُ هدوئَهم بالأسفل لم أظنهُ يعر نباح الكلب أهمِية, ..و قد انتهوا من تناولِ الطعام من حركةِ المقاعد و الأطباق..
استلقِيتُ على سريريّ أحدقُ بالسقف.. أفكرُ بالكثير من الأشياء التي أود شرحها بهدوء لهم.. لكنِ ما أن أرى تِلك النظرة في عَينيه.. التشكُك.. تهمِش فكري , التقليل من شأنيّ.. يظنُني طفلاً لا أفقَهُ الكثير.. هذا ما يُغضبني و يجعلنيّ أنطقُ بكلِ شيء بشكلٍ خاطئ , أفجرُ الخُلاصة بوجهه, أو أكذبُ لِحمايةِ... الكثير مِما أُومِن بهِ..
_ أيُمكنُني الدُخول..؟
سأل لوكآس وهو عِند الباب ممًسكاً بطبقٍ ما بيده , رددتُ ببرود : لقد دَخلتَ بالفعل..
ابتسمَ وهو يغلقُ الباب بهدوءٍ شديد , تمتم : لقد خرجَ إلى السيارة قليلاً..
_ هل سألتُكَ شيئاً ؟
أنا لا يهُمني حتى لو خرجَ ذلك الرجُل إلى الجَـ...
_ ..أنهُ مُرتبِكٌ جداً منك.. آ كول.. هو لم يأكل شيئاً.. فقط يشربُ الشاي مفكراً بك.. أعرفُ نظرتهُ الشارِدة تلك.. أخبرني مالذيّ جَرى..؟
كان يتكلم بحنان وهو يجلسُ على طرفِ السرير قربَ ساقيّ ويضعُ ما بدا طبقاً من البطاطا المَهروسة على الكرسيّ الذي بجانب رأسيّ..
استَويتُ جالساً أنظرُ إليه , قلتُ والبرودة لا تَزالُ تعتمِل صدريّ : همم , أتُريد الحَقيقة , أم مَا تُحبونَ سَماعه ؟
لا أُحبُ أبداً تجريحَ لوكاس الطيب الحسّاس, أو صبَ غضبيّ عليه.. لكنهُ غالباً ما يكون إلى جانِب رأي "جاك" , و أُصبحُ أنا الوحيد الذيّ يدافِع و يُدافعُ عن رأيِه ونفسهِ حتى أخسّر بالنهاية كلَ شيء , الكثرة تغلب الشَجاعة مع الأسَف..
_ كولن , بالطبع أريدُ الحقيقة.. لقد رأيتُ سلاحك.. هناك خدشٌ بسيط جداً , وبُقعة دمٍ عليه.. ما كان هذا ؟
_ دمُ الذئب , لقد كان عالقاً بتلك المِصيدة الوحشيّة !
حدقّ بي قليلاً يستَوعِبَ صراحتيّ , ثم زاغتَ عيناه من مِحجَريهما , شهق : يألهي..!
تابعَ بسرعة وهو يتَأملنيّ بدِقة : رباه كول.. لا أفهمُ ما تَقول.. حدّثني بهدوء رجاءً..
أنيّ أتحدثُ بهدوءٍ بالفعل , هو من يبدو مصدوماً جزعاً.. همستُ له بتأنٍ شديد وأنا اقتربُ إلى جانِبه مركزاً على عينيه :
_ لا أُريدك أن تُفزعَ من شيءٍ لا يتَطلب هذا.. لوك.. سأخبركَ بالقِصة , ذلك الذئبُ الصغير.. كان جريحاً عالقاً بالمِصيدة , فخلصتُه مِنها , اتفقنا.. مثلما أنقذ حياتيّ , ربما لولاه لكنتُ ميتاً الآن.. هذه هي الحقيقة الكامِلة.. وأنا.. لن أسمح لأحدٍ بقتلِه..
بالطبع , كنتُ متوقعاً أن يظلَ متَسمراً قليلاً يحدقُ بي , همَس فِي النِهاية:
_ الذِئاب.. لا أمان لها كولن , قد يبدو لكَ صغيراً مسالِماً قليلاً.. حسناً حدثَ ما حدث.. أنا لن أنطقُ بشيء لوالدي.. لكن.. أبقى بعيداً عن المشاكِل.. عن الغابة.. ربما سيرحلُ بعيداً..
سعيدٌ أنه تفهم بعضَ الشيء.. قلت بهدوء كي يطمَئن: أنا لا أحبُ أن أتعرضَ للموت مجدداً..
تبسمَ لي ببطء , ثم نهضَ قائلاً : تناول الطعام.. لقد صنعتهُ بنفسي لا تقلق.. و يجب أن ننام قريباً , لدينا عملٌ كثير في الغد.. سيجلِبون الأحصنة.., تصبحُ على خير.
آوه نسيتُ أمرها.. أنا متشوقٌ لرؤيتها.. التفتُ إلى طبق البطاطا.. وتناولتُ اللقُمة الأولى بِحذر.. همم ليسَ سيئاً.. كما أنّ معدتيّ تزقزقُ من الجوع..
°๏°๏ °๏°๏ ๏°๏ °๏°๏ °๏°๏ °๏°
المفضلات