الجزء الرابع () عودة للحرية ()
كنتُ جالساً على الأرض المعشَوشِبة الرطِبة قليلاً رُبما بسبب رَذاذ الفَجر , أو كَثافة النَدى ليلاً , الجَو يَسير نحوَ البُرودة الشدِيدة وفُجائِية الأمطاَر , سأستمتعُ أكثر لو كُنت أسَير في الغَابة بحثاً عن الصيّد , رُغم قِلته لكَنه سَيكون مُمتازاً لوَجبةٍ مَسائيةٍ سَاخنة..
لاَ يَشوب هذا الجَو البَارد المُنعش سِوى أصواتْ الطَرقات المُزعِجة للمَطارِق والمِناشير!.
نَعم , لقد جَلبوني هُنا فَقط كتِمثال للتفَرج عَليهم و حِراسة الأدوَات مِن لا شيء , بيَنما هُم يَعملون بِجد و يُخططون , يُوسعون السُور و يصلحُونَه , لا أدري مَتى سَيبدؤون بالإسطبل , لكن يَجب أن أكونَ معافاً تماماً حِينها..
.. اعَطاني ذَلك الرَجل البُندقية خَاصتَه , وأخذ مُسدسي لَديه فِي حِزامه واقفاً نهاية سُور المَزرعة البَعيد مع جورج الذي جَلب شَاحنته المَليئة بالأخشَاب , أنِهم حتى يستَبدلونَ القديَم مِنها وقد يَرفعون السُور أكثر لأنَ الأحَصنة قد تكونَ مُشاغِبة فِي أولِ الأمر !.
تنفستُ الهَواء البَارد بِعمق أملئ رئتيّ , لا أحَد قُربيّ سِوى لُوك يقف عند الوَرشة بِجانب الاسطَبل على بعد عِشرُون يَاردات مِني , أشكُ بأنهَم سيَنتبهون إلي إن تَسلل شيءٌ ما لأكليّ كوجبة خفَيفة قبيل العَشاء !.
لدي موعِدٌ مع الطبيب بعدَ يومين , آخرَ هذا الأسِبوع , و لا أطُيق صَبراً ليَنزعوا هذَا الشيء عن سَاقي بَعد عشَرة أيامٍ مِن العَناء , هيَ بِخير تماماً الآن.. أنا واثقَ. فقَط لو يثقون هم بي !
لكن بالفَعل , زُرتُ الطَبيب وقال للاِطمئنان يَجب بَقاء الجَبيرة أكثر لأسبوعٍ آخر..!
هذا كَفيل بجَعل مزاجي سَيئا أكثر مِن أي شيءٍ آخر..
أما بالنسبَة لذلك الكلب "بلاكي" فهوَ جالسٌ في مَكان ما خلفي بهدوءٍ شديد.. أحياناً أفزع بالخطأ لرؤيته !
...لم أكن أفعلُ شيئاً في الفترة الأخيرة سِوى التَهكم و مُراقبة الغَابة و بَعض الغفوَات !.
تقدمَ مني جاك وهوَ يسَحب حقَيبة الأدواتِ الثقيلة : هيّي , هل تمشيت قليلاً ؟!
دُرتُ قليلاً حَولَ الوَرشة أتمرَن و أتحدّث مع أخَي , ولمَ يَكن هذا بذلك الشيءِ المُبهج , فـ لوك لآ يَزال عابساً متحفظاً ..
أجبتْ ببُرود : لا بأس علي..
_ بالطبع..
و أخذ يبَحث في الحَقيبة الثقيلة الضَخمة المُلقاة أماميّ عن بعض المَفاتِيح أو المَسامير, راقبتُ شَعرهُ وهو منحنٍ هَكذا مُتحولٌ إلى لونٍ ذهبيٍ مُحمرٍ غريب.. لا ليسَ تماماً , أنه نفَس لونَ لوك تقريباً و كيت وأمي.. لم أنا الوَحيد لون شَعري داكن جداً !.
تمتمتْ : متى ستَأتي كِيت مع خالتي ؟!.
_ لقد.. حَدثتهم صَباح الأمس , فِي الأسبوع المُقبل.. تُريد أن تَتسوق لأجلِكما بعضُ الهَدايا..
هززتُ رأسي : لا نًريد شيئا سِوى رؤيتِهم !.
_ بالطبع , لكن هذا جَيد ,أليسَ كَذلك ؟
رفعَ عيَنيه الداَكنة للنَظر في عينيّ – سوفَ تقف على قدَميك قبل مَجيئهم , عدْ صلباً..
عبست : أنا كَذلك !.
_ أنتَ مُتكاسلاً الآن !.
تأففت : أنت من يُوزع المهام !. أعطني شيئا مثيراً.
ظهرت نصف ابتسامة : مِثل ماذا ؟!. بالعَادة لا تستمعُ إليّ يا كُومة الشَغب.. يُمكنك اِخباري بِما يَجول بخاطِرك الآن.
هل عَاد لِشخصهِ القدِيم ؟!. أنِه يُمازحني , وهذا شيءٌ خَطرٌ مع جاك !. تمتمتُ بِحذر : لا تَجعلني أتَهور ثم تقَوم بالصُراخ !.
ضمَّ شَفتيه بِقوة وهوَ جالس القًرفصاء أماميّ وليَس بيننا سِوى الحَقيبة الكَبيرة , تمتمَ ببطء ونظرةِ عَميقة غرَيبة : ليسَ ذلك الشيء الذي يَجعلني.. أُجن فَزعاً.. كـول , أبقِ كَلامي مُعلقاً بِرأسك أمَام عَينيك ثم افعل ما تشاء !.
نَهض على قَدميه يَتنهد و يتَمطى وهو يَسير مبتعداً قليلاً , زَفرت و نظرتُ خَلفي حيثُ الغابة المُعتمة إن الهواء القادم مِن أعَماقها غرَيب وذا رَائحة زَكية باردة رطِبة.. و مُغرية..
أغمضتُ عينيّ اتذكر ما كان يتحدثُ بِه ماكس بِالأمس بِحماسةٍ شديدةٍ يُذكرني بالمِاضي السعيد..
_ علينا أعادة بناء زوارقنا الصغيرة !. صحيح تحطمت ذلك الشتاء !. لكني أؤكد لك بأننا سنستمتع بها بشدة !. أني أعمل على قاربي , أصنع لك واحداً كول..
رددتُ بحَذر و أنا أراقبُ ظِلال جَاك و جُورج فِي دَاخل المَطبخ بينَما نَحن قَابعين عَلى أرائِك الرُدهة القدِيمة : هييه , أخفض صوتك ! , وثانياً نحن لا نعرف كيف نقوم بصنعها ! لقد سرقناها من خردة النجار العجوز.. و الذي حطّمَها هو والدي للتَذكير !.
همسَ ماكس وعينيه في السَقف : آه كانت أياماً رائعة.. لكن والدك مفسد للأفراح..
تمتمتُ بِبرود : مفسد للأفراح فقط !.
_ يا أخي ! يجب أن نمرح هذا الشتاء !. الجدول الصغير سيكون سريعاً جداً و لن يفكر أحد بالذهاب إلى هناك .. أصنع لك واحداً سريعاً , أنت ستشفى نهاية هذا الشهر صحيح !.
ابتسمتْ وأنا اتذكرَ كُل تِلك المُتعة و المَرح , مِن أعلى النَبع حَتى أسفِله كُله سَعادة حَتى و إن تَبللنا فلم يَسبق لنا أن أُصبنا بالمَرض مَن هذا .. وتلكِ الزَوارق كَانت صَغيرة تكفي فقط جَسدك وأنت جَالس و رُكبتيك قُرب صَدرك.. تعُرجات الجَدول الذي يُصبح قوياً شتاءً كانت تحديات ممتعة بحق !.
همس ماكس بحماس أشد : صدقني , يستطيع لوك صنعها وهو مغمض العينين أن لم تقدر أنت !.
_ مالذي استطيع صنعه وأنا مغمض العيون ؟!
سأل لوكاس بعبوس وهو ينزل الدرجات , هتفت أنا بسرعة : لا شيء.. لقد .. سمعت جاك يناديك قبل فترة !.
تخطانا ليدخل المطبخ , همستُ بحذرٍ لصاحبيّ : يا أخي !. لوك لن يفعل شيئا رهيبا كهذا دون أن يخبر أبي! هذا مستحيل , لكن امنحني فترة إلى أن اتعافى حقا فأتسلل للورشة لصنعها..
محوت هذه الذكرى البسيطة لأتذكر كلمات جاك لي قبل قليل , إن كان يريد مني أن أتذكره دوماً قبل فعل شيء , فهذا مزعج حقاً , لن أقدر على فعل أي شيء كما أرغب.. لذا من الجيد نسيانه بعض الوقت !.
مرتَ الأيام طَبيعية و المَزرعة تسَير إلى الأفضل , رُبما لن يتَبقى لي أي عَمل سِوى طِلاء المَداخل في النِهاية !. وهذا مُمل ~
عندما ذَهبت للطَبيب مُجدداً خَلع الجَبيرة وكم شَعرتُ بالسَعادة تَأخُذني بِجناحين إلى السَماء , أجَرى لي الأشعة للتَأكد , و ضَحكتُ فرحاً عندما أخبَر والدي بأن كَل شيء بخيرٌ الآن وأنَ كسِري قد ألتأم أخيراً.. لكن مَع بعض النَصائح ألا اضَغط علَيه بِقوة أو أقفزَ من أماكنَ عالية..!
أخذتُ أسير بِطبيعية و سَعادة إلى السَيارة بجِانب جاك الذي يُراقبني بحذرٍ شديدٍ..
كلمَني ونحن نصعَد : مرحباً بعودتك !.
حاولتُ اخِفاء ابتسامتي وأنا أرد : من الجيد هاه ..
انطلقَنا بِهدوء بينَ بُيوت البَلدة , قال : ستأتي بعد غدٍ ثلاث مهور , هي ملكي.. لا تزال صغيرة لم تكمل السنة , لكن الأفضل أن نُربيها الآن.. والدفعة الأخرى لاحقاً بعد يومين أو ثلاث.. اعَتقد بأن كيت ستجن فرحاً لرؤيتها..
تنفستُ بِعمق الهَواء الرائع , اليومَ كُله يبَدو مُشرقاً جَميلاً , حتى والِدي بَمزاجٍ جَيد.. رددتْ بكل راحة : رائع جداً , أريد أن اختار لنفسي واحداً..
_ أنتْ مَن سَيختار أولاً..
التفتُ نحوه أنظرُ لِجانب وَجِهه السَاكن المُسترخي : شكراً , و كيت ولوك سيكون لهما أ...
قاطعني بلطف جميل هادئ يليق به : بالطبع , هي لكم .. لكن الدفعة الأخرى لـ جورج..
توقف فجأة عند محلٍ للملابس , نزلَ بخفة قائلاً : انتظر لثوانٍ فقط..
بالفعل , لم تمر دقيقة كاملةٍ حتى عاد و بيدهِ قبعة جلديه بنية.. شخرتُ بنفسي :" كآوبوي ؟! " لكن ليس لدينا بـ..
دلفَ بِخفه وهو يُلقيها فوق رأسي قائلا : هديةٌ لك..
جميلة و أنا أتأملها فوق رأسيّ أمام الصينية المصقولة اللامعة فوق الرف , من جلد غزالٍ حقيقي , وخيوطها صناعة الهنود الجنوبية , وهذا الحجر الأزرق الغريب المنقوش من.. لا أعرف , لم أجلب المعلومات من رأسي لقد اخبرني بهذا جورج عندما أتى ببعض الأطعمة من زوجته الرائعة , ماكس مشغول بمكان والده في المحل مع والدته.. لكنه عندما يأتي غداً سيفاجئ برؤيتي واقفاً بشموخ , آه تلك الأسبوعين أو السبعة عشر يوماً كانت عصيبة..
ردةُ فِعل لوكاس هي أن عَانقنيّ ضَاحكاً وعَرض أن يَصنع العَشاء , لكنِ الطَعام كانَ مبرداً جاهِزاً في الثلاجة..!
لا أخُفيكم أني افتقدتُ النومَ قُرب حَطِب المِدفئة الذي يُطقطق بِخفوتٍ شديد , و صَوت انَفاس والديّ قُربي على الارِيكة.. لمَمتُ أشيائي لأصعَد بها إذ بـ جاك يَدخل قائلا :
_ لقد وزعتُ الفِخاخ , كَما اَخبرتُكم بالمَرة المَاضية.. أنِها ثلاثة فَقط.. مِن طرق الغَابة هُنا اثِنين , و واحدٌ قربَ المَزرعة..
تَوقفت مصدُوماً , مَتى حدَث هذا ؟!.. جَلس يتنهدْ و أخيّ و جورج يَخرجان مِن المَطبخ.. ألقى إلي بنظره سَريعة و اخَبرهما : تَوخوا الحذر.. أنها خطِرة جداً , لكن ليَست إلى حَد تحطيم العِظام.. بلآكي رافقني و يعرف أماكنها تماماً .. سأريكم إياها غداً..
رأيتُ لوُكاَس يَنظرُ نَحوي بشكلٍ متَوتر , وجورج يقول بعُبوس: رغم أنه واحد , يمكننا الشعور به و تخويفه إن اقترب.. بلاكي لم ينبح طوال تلك الأيام..
شعرتُ بالقلق.. جاك لا يزال مصراً.. ماذا لو وقعَ الذئبُ بأحدِها.. سينزف حد الموت بذلك الشيء المتوحش..!
قلتُ بِصوت غريب لكن هادئ : جُورج مُحق ! , لقد غَادر بعيداً مُؤكد..
قبل أن أبدأ بالجمِلة الجَاهزة بٍعقلي , قاطعني بهدوء : لا بَأس.. سَننتظر بِضعةَ أيامٍ أُخرى فقط..
تناولنَا العشاء باكراً والجَميع يضعُ أمامي شيئاً مِن طبقه , أني بِخير يا جماعة أنا بخير تماماً ولست مصاباً بالهزال !.
عُدت لغرفتيّ المُرتبة النَظيفة بالطِبع قامَ بهذا لوكاس , فـ جاَك لا يُجيد التَرتيب بِل العَكس تماماً , اخذتُ حماماً سريعاً , حيانِ أخي وهو نعس جداً , فهو يفيقُ مع خِيوط الفِجر ويَظل يعمل حتى الغُروب..
نزلتُ بِهدوء لأسفل كِي أجلبَ قُبعتي من الرُدهة .. قد اُطفأت الأنوار سِوى المِصباح قُرب الأريكة والتي وجدتُ عليها غِطاء وَالدي و بُندقيتهُ بالأسفل.. والحطب مشتعلٌ بالمِدفئة ..
اخذتُ قبعتيّ بِهدوء ونَظرت لأجدهُ يدخل مِن خلفي , تبادلنا النظرات قليلا , سألته بعبوس : هَل سَتنام هُنا ؟!. ألن تصعَد لغرفتِك ؟!.
تنهدَ بمللٍ وهو يتخطَاني : لقد اعجَبني المَكان هُنا , هل نَظفتَ اسناَنك , سَأوقظك باكراً جداً فأيام الدلالِ قد ولتْ..
أجبتُ بثِقة وهوَ يتمدد على الأريكة ويأخذُ الكتابَ بيده : تقصد , أيام الملل. بالطبع انتظر هذا بلهفة شديدة!.
رفع عينيه الزرقاوين نحوي و أومأ مبتسماً بهدوء : تُصبح على خيرٍ إذن..
همستُ و أنا أتجه إلى الدّرج : وأنتْ كَذلك أبي..
ظل رأسه ملتفتاً نحوي حتى اختفتُ في الأعلى..
فتحتُ عيني على صَوتِه الواضَح القويّ : ألم يستيقظ بعد !!.
يا ألهي! ,جلستُ سريعاً أحكُ عيناي وأرفع الساعة لأنظر نحوها !.. أنها الخامسة تماماً !, هل يمازحني؟!
_ كولن !!.. كُـــول , لقد طلعتْ الشمس !!
أنه لم يُكلف نفسهُ عناء الصُعود لأيقاظي , والشَمس لم تشرق كلياً بعد !!.. نحن فِي الشتاء الليل طويل و ثقيل جداً , ساعات النهار تقل بسرعةُ.. وهذا الرجل يزيد الأيام ثقلاً..
بدلتُ ثِيابي فَقط وارتديت أول معطفٍ وجدتهُ في حزانتيِ لأن الجو باردٌ حقاً الآن , نزلتُ إليهم اَحكُ يديّ ببعِضهما و شممّت رَائحةَ الحَليب السَاخن , حيانِ لوك بِهدوء وهو يَسكبُ لي الشراب الذي تتصاعدُ منه الأبخرة : هآي , كيفَ نومُك ؟!
رددتُ بصعوبة منِ شدةِ البرد : جيد , لكنَ الجوَ بَاردٌ حقاً..!
التفتَ نحوي وهو يضعُ الحَليب , سألت : أينَ جاك ؟!.
_ خرجَ قبل قليل , أتشعرُ بالبِرد حقاً !, هذا هُو حالُ الجو مِنذ أيام , اشِرب هذا سَيدفئك!.
_ وأين ذلك الكلب ؟!
_ في الخَارج مع أبي..
شربتُ الحَليب السَاخن اللذيذ , هممم احسنَ لوكاس صُنعه , همسَ فجأة بهدوء رُبما لأنه سَمع صوتَ تلذذي به : والدُنا صَنعه , لقد وَضع المَقادير جيداً , أليس كذلك ؟!
وابتسمَ بِلطف , أومأتُ بِرأسي بِبطء.. ذَلك الرَجل يَتحسّن , أتسألُ هَل اَستطيعَ تعليمِه صُنع اللحم مع بعض الخضُار ؟!.
المفضلات