ثـــــــــــــــوروا !!!
طوى دفتر محاضراته خالعا نظارته جانبا ,و قام يحث خطاه خارجا من غرفته...
خالد طالب في الجامعة , كلية الهندسة ... يمتلك بشرة قمحية و عيونا حادة بنية , جبهة عريضة و شعرا أسود مرتب .
_ أماه !! لقد انهيت دراستي أتمانعين لو خرجت برفقة صحبتي ؟؟
استدارت المعنية بالنداء لنرى تجاعيد وجه أرهقه الزمن . رمقته بعينيها الغائرتين برضا : رضي الله عليك يا ولدي مثلما أرضيتني . أفلا تأتي بصحبك فتتناول معهم غدائك يا بني ؟؟ و أكملت بابتسامة و هي تعيد وجهها إلى العجين في يدها و هي تخبزه في الحلة الكهربائية القديمة بدلا عن فرن الطين الأقدم فامتلأ الجو رائحة الخبيز الذكية :
_ كما انني أريد التعرف إليهم يا ولدي !!!
انحنى برشاقة يقبل يدها غير عابئ بالطحين عليها و مزينا ثغره بأحلى ابتسامة في وجهها :
_ لا تقلقي أماه . أفعل ُ قريبا إن شاء الله !!
استأذنها و خرج يمشي إلى المسجد القريب في الحي ... الشوارع تنبض بأطفالها ... بقِدم أسواقها ... بنداء باعاتها ... فكر : المخيمات تنبض بلاجئيها , و لا زالت فلسطين تئن بمستوطنيها .. تنهد حائرا من الحال السياسية للبلاد العربية . طرد الفكرة من رأسه فهي تسبب له الصداع و مال عابرا الزقاق الضيق عن يمينه و مارا بعبارة مسطورة على الحائط لطالما قرأها , و لطالما أعطته شعورا ... ثوريــــا
ثوروا فلن تخسروا إلا القيد و الخيمة !!!
ابتسم عندما لاح له المسجد بقبته المهيبة و مئذنته الشامخة ... ارتقى الدرجات بسرعة خالعا حذائه , ولج الباب ملقيا السلام بابتسامة مشرقة بهية !! أدى صلاة تحية المسجد و انطلق إلى الحلقة المجتمعة في نهاية المصلى .
جلس بينهم يتبادلون أطراف الحديث حتى قال :
_ يا شباب ,, تدعوكم أمي لتناول الغداء عندنا يوما ما !! فما رأيكم ؟أم علي تجنب أخذ رأيكم هذه المرة ؟
لم تنطفئ بسماتهم من وجوههم الندية .فيما علق أحدهم و كان يدعى إياد :
_ خالد!! أولم تخبرها بعد ؟؟
أخفض عينيه قليلا ثم أومأ برأسه بمعنى "لا"
تبادلوا النظرات فيما بينهم فيما استطرد هو :
_ صدقوني لا أستطيع الآن ... كلما أقدم على هذا أتخيل مدى حزنها إن فعلت ... ليس من السهل إخبارها أني مـ....قاطعه فؤاد :
_ و لم َ لا يا خالد ؟؟ تعلم أنه لم يتبق الكثير على موعد العملية !!!! و نحن بحاجة لئلا نؤجلها لميقات آخر !! , ثم التفت مديرا نظره بين الجالسين مردفا:
_ لا يمكننا الانتظار أكثر .. تعلم كم انتظرنا هذا اليوم بفارغ الصبر !! و هؤلاء جميعهم ينتظرون على أحر من الجمر !!!
أخفض المعني (خالد ) رأسه مفكرا معتذرا :
_ حسنا حسنا !!! لستم فقط من ينتظر !! , أكمل رافعا رأسه و عيناه تبوحان لوعة و اشتياقا . مكملا :
أنا أيضا أنتظر لكني لا أحسن انتقاء كلمات مناسبة لخبر مثل هذا .. إني قلق من ردة فعلها !!!
تنهد الجميع يوافقونه على حقيقة جربوها سابقا بمرارتها ...
انفض الاجتماع لليوم و انصرف خالد لبيته يجر خطاه جرا ... كيف سيخبرها ؟ هل سترفض الفكرة ؟ أم هل ستصمد أمام الموضوع بمجرد معرفته ؟؟
زفر مرددا بلا وعي : ثوروا فلن تخسروا إلا القيد و الخيمة !!!
القيد مر ٌ حتى بألطف أنواعه فلو كنا في قصر من ذهب فيه ما لذ و طاب و هو مغلق علينا فستأبى النفس البشرية و تفضل الطيران أينما أرادت !!
دخل البيت متنشقا رائحة الخبز اللذيذة و رافعا صوته :
_ السـلام عليكم !!! أمـــاه ؟
خرجت بثغر باسم يشتعل حنانا على وليدها :
_ هنا يا ولدي . ذهب إليها و قبل يديها و جلسا معا في الصالة يتحادثان فيلاطفها مرة و تعاتبه على مداعبتها مرة أخرى و تتناقل الضحكات بين افواههما ..
قالت و هي تهم بالقيام : سأحضر كوبين من الشاي و قليلا من الزعتر و الزيت مع الخبز لتأكله عشاء لك !!
أمسك بيدها برفق طالبا منها التريث ليخبرها بأمر ما ,,,, بطبيعة كونها أما فقد أحست أن الأمر مقلق لحد بعيد فعدلت من جلستها و التفتت تحاول اختراق عقل ولدها بعينيها ...
شعر بقلقها فهدئها : اهدئي أمي .. كل ما أطلبه غير استماعك لي هو تفهمك لما أريده !!!
أومأت برأسها موافقة فتابع يرجوها ألا تقاطعه حتى ينتهي فوافقت ملحة مرة أخرى .
بدأ كلامه بصوت خفيض لكنها تسمعه بكل حواسها :
_ أماه !!! أنا مجاهد في الكتائب منذ فترة ليست بالقصيرة جدا !!
سكت ليسمع ما قولها لكن صوتها باغته رادة بأن "أكمل"
تفاجأ من ردها فتابع و قد تشجع :
_ في الحقيقة منذ زمن و أنا أود إخبارك لكني أعدل عن رأيي كلما رأيت عيناك و تعبك . سأذهب في عمليه استشهادية أمي و قررت إخبارك الآن لا لاحقا . و أتمنى أن تكوني راضية عني في هذا !!!
كانت تنظر للأرض شاردة بشيء ما ثم رفعت رأسها و نظرت نحوه دون تعبير واضح . سألته :
_ أين هي ؟ رفع رأسه مستغربا فأكملت هي : بندقيتك ؟ أين هي ؟
قام لثوان ثم عاد يحملها في يديه و قعد أمامها ليناول أمه البندقيه ....
رمقتها أمه بهدوء ثم تناولتها و نصبتها أمامها فقبلتها قبلة امتزجت بدمعة . ثم رسمت بسمة على فمها بصعوبة و قالت له من بين دموعها و هي تمد يديها محتضنة ولدها بكرها :
_ اذهب فلن أرفض لابني حياة خيرا من الدنيا و ما فيها , اذهب و ليكن الله في عونكم . اذهب و جندل أعداء الله . اذهب يا شهيدي على بركة الله ... و اعلم أني مهما أحببتك فحبي لن يمنعني من بذل الغالي و النفيس لوطني و لا من بذل ابني شهيدا لأنه و بكل بساطة يـــحـــــــب لا بلا يــــعــــشـــق الـــــشــهـــــادة ...
و حانت من عينيه دمعة توارت شمس الغروب ... في المخيم ...



اضافة رد مع اقتباس


, أمتعتني بصدق :قلب:
~
.








المفضلات