.. الحلقة الأولى ..
حينما ينمو الجيل الواعد وسط تكنولوجيا بلغت أوج ازدهارها ، طامسين تفكيرهم الإبداعي بتلك الإشعاعات الشريرة ، فسيكونون جيل خال من المسؤولية و القدرة على الإنتاج ، بتفكير محصور في الترفيه و المتعة ..على تلك الأرض ، بدأت أحداث هذه الرواية ….في ذلك اليوم التي بدت فيه الشمس أكثر حرارة و سخونة ، انتهى الدوام المدرسي للمدرسة الثانوية الخاصة ، التي اشتهرت على مستوى البلد بأنها أرقى و أفضل المدارس على الإطلاق .. و لا يدخلها إلا الطلاب من الطبقة الراقية جداً .. ” أغنى و أفضل شريحة اجتماعية ” … حيث بها أحسن المعلمات و المعلمين المدربين لسنوات طويلة، وكما هو نظام إدارة المدرسة، حيث أن التزامهم الديني أدى إلى منع الاختلاط ، لذا فهذه المدرسة الفخمة تنقسم على حرمين ضخمين متباعدين بالمسافة للبنين و البنات …
خرج طلاب الثانوية بعد يوم دراسي شاق حافل بالواجبات ،يلقون بحقائبهم الثقيلة على سائقي سياراتهم الفخمة .. حيث كان تجمع السيارات في الساحة الكبيرة يوحي للعامّي أنه أفخم معرض للسيارات!
من بين ذلك الحشد خرج شاب يحيط به رجال أمن ضخمي الجثة ببدل سوداء داكنة ، فتح خادمه باب السيارة السوداء اللامعة ، و عندما هم للجلوس استوقفه شاب وسيم المظهر ملابسه المرتبة تدل على الفخامة حيث بدا أن زيه من أجود أنواع القماش و الخياطة !
قال له بتوتر : السلام ….
لم يكمل جملته إلا و كان رجال الأمن يريدون دفعه بعيداً حتى استوقفهم سيدهم قائلاً : من طلب منكم تتحركون ؟ خلك وراي انت وياه لا أفصلكم !
ثم أردف : وش تبي ؟
رد عليه ذلك الشاب و هو لا يزال خائف من رجال الأمن : أنا فيصل .. و حبيت أوصل سلام من أبوي .. يقول إنه يبي يعزمكم على العشا بكرا ..
نظر له بملل ثم سأل : ايه وش يشتغل ابوك يا فيصل ؟
بدأ الطلاب الآخرون بالتجمع من مسافة بعيدة قليلاً يستمعون لذلك الحوار و الذهول يعتلي وجوههم من جرأة فيصل …
فأجاب : أبوي يملك أضخم شركات عقارات و له مشاريع بناء و مسيطر على وضع الأسهم ..
نظر له الشاب الأخر باستحقار ثم دخل سيارته و فتح نافذتها ، ليقول بنبرة ازدراء : هذا كل اللي عند ابوك؟ بتعزمونا على وش ؟ فول و فلافل ؟
ثم انطلقت السيارة ناثرة الغبار على وجه فيصل ليتسخ ثوبه الذي كان شديد البياض ..
شعر بالحرج حينها عندما انطلقت ضحكات ساخرة من بقية الطلاب .. فربت صديقه حسان على كتفه مواسياً : ما عليه .. وش كنت تتوقع يكون رد هالمغرور ؟
مشت السيارة بسرعة عالية على الطريق السريع و رجل في العقد الثالث من عمره يجلس بجانب ذلك الشاب على الكرسي الخلفي، وقد بدا من مظهره المرتب الراقي أنه شخصية هامة جداً..عدل نظارته وقال بصوت واثق : يا سيد خالد ممكن لو سمحت تترك هالجوال و تسمعني شوي؟
لم ينظر له خالد أبداً ، و تظاهر بأنه منشغل أكثر في استعمال البلاك بيري ..
فقال المسؤول مرة أخرى : اليوم ضروري جداً تروح مكتب الرئيس ..
نظر له خالد بحدة بعينيه الواسعتين ، ثم أردف : شوف! بتكلمني عن أبوي بنزلك في وسط الطريق .. قلت مابي اروح الشركة ! على وشو يشيب راسي من بدري ..
حاول أن يحافظ المسؤول على هدوئه قائلاً : إذا ما رحت اليوم أنا اللي بتضرر ..
رد عليه بدون مبالاة : طيب .. وش دخلني أنا فيك
استاء ثم قال بنبرة شبه غاضبة : الرئيس قالي لو إنك ماجيت اليوم بيمنع عنك النت و الجوال و الخروج برا الفيلا ..
لم يأبه خالد أبداً بل ورد : يسوي اللي يبي ذاك الشيبه ..
وقفت تلك السيارة أمام بوابة ضخمة فُتحت بواسطة الخدم .. بعدها فتح السائق باب السيارة لخالد و خادمن آخر أخذ منه حقيبته ..
قال المسؤول عن خالد على أمل أن يغير ذلك الشاب رأيه : ما رح تجي يا سيد خالد ؟
تجاهله خالد و دخل الفيلا الضخمة بعدما عبر حديقة المنزل ذات التصميم الكلاسيكي ، استشاط المسؤول غضباً و صرخ على السائق بأن يتحرك ..
فتح خالد بوابة المنزل الرئيسية ليسقط على رأسه دلو ماء بلله من أوله لآخره .. فانطلقت ضحكة عالية جدا أثارت الضجة في الفيلا .. بعدما استوعب خالد ما حدث .. صرخ بكل قوته ” فااااااااااااااااااااااااااااطمة ” !!!!!!!!!!
رفع ثوبه و ركض نحو أخته فاطمة التي تبلغ الحادية عشر من عمرها ..
قال غاضباً و هو يركض : تدرين كم ساعة جلست في الكوفير أعدل نفسي يا الغبية ..
قفزت فاطمة على الأريكة تكاد أن تموت ضحك على أخيها، لتقول : أدري جلست سنتين و انت تسوي شعرك الفلافل هههههههههه
شعر خالد بإهانة كبيرة ، خصوصاً أن الخادمات ينظرن لهما ، فرد عليها : أنا شعري فلافل يا سلك المواعين ؟ الحمد لله و الشكر ..
ركضت فاطمة على الدرج لتصطدم بأخيها جاسم ، شحب وجهها وهي تنظر لجسده الضخم و عينيه الحادة، قال لها بصوته الخشن : وراك ما تعقلين انتي ؟
نظرت لخالد خلفها و ردت عليه بعدما تحولت ملامح وجهها للبراءة و الحزن : خالد رجع معصب من المدرسة و يبي يقط حرته فيني ..
تفاجأ خالد منها و همس : أيااا النذلة !
نظر له جاسم مستنكرا : و انت شفيك متروش بملابسك ؟
نزل الدرج قائلاً : اعقل يا خالد تراك مو بزر ..
التفت خالد لأخيه يسأله ” حينها انتهزت فاطمة الفرصة لتهرب ” : لابس رسمي و متكشخ! وين رايح ؟
رد عليه باستهزاء : تحسبني مثلك قاعد مثل أم تربي عيالها بالبيت .. اكيد رايح المكتب ..
كتم خالد غيظه و رد عليه بتكبر : إيه غيران يالعجوز ..
تجاهله جاسم و خرج من الفيلا ..” خالد الأخ الأصغر بالبيت لأربع إخوان .. عشان كذا مدلع شوي و يبي كل شي على مزاجه .. عمره 17 ثاني ثانوي .. “
جاسم أخوه أكبر منه بشوي .. عمره 22 ما رضي يدرس خارج بلده عشان يتدرب على شغل أبوه أكثر .. فجاب له أبوه مدرسين خصوصيين من خارج البلد .. “
” فاطمة .. آخر العنقود عمرها 12 سنة صف سادس ابتدائي .. هي وخالد قريبين من بعض و داايم يتمشكلون و يسوون مقالب حق بعض .. عندها أخت ثانية بس متزوجة و عايشة بدولة مجاورة “طرقت والدة خالد باب إحدى الغرف .. بالرغم من أنها كبيرة بالسن إلا أن مظهرها كان راقي جدا ، حيث كانت ترتدي ثوباً بنياً مزخرف بالذهبي ، و على وجهها ميك أب هادئ و ناعم ..
لم يجب الوالدة أحد ، فنادت بصوت مسموع : خالد ؟ افتح الباب …
بعد فترة قصيرة فتح خالد الباب لتدخل والدته ، فقال مرحّبا : هلا يمه ..
دخلت والدته غرفته الواسعة التي بدت كنجاح في أحد الفنادق الضخمة، كانت مليئة بالصور و بوسترات المغنيين التي نظرت لها والدته وهي تحرك رأسها يميناً ويساراً بحسرة، قررت ألا تعلق فقط جلست على الصوفا البيضاء المريحة لتبدأ نقاش هادئ و جاد: تعال اجلس جنبي ..
جلس بجانبها ثم سأل: ايش فيه ؟
قالت الأم و نظرات الرجاء تعتليها : ليه ما تروح شركة ابوك ؟
حينما عرف خالد أن هذا هو الموضوع بدا عليه الانزعاج ، فقالت والدته : ترى أبوك مرة متضايق منك .. و أنت تدري وش يسوي أبوك لا عصب …
رد عليها خالد بهدوء : إذا أخوي مشعل يروح مو لازم أنا أروح .. انا لسا صغير و أبي أعيش حياتي قبل القرف ذا ..
_ بس يا خالد لازم تدرب من الحين على الشغل ، و انت تدري أبوك كبر في العمر و مين بيورث أملاكه غيرك أنت و اخوانك ..
_ يمه .. أنا لابغيت أشتغل ما بشتغل في شركة أبوي ، بيكون لي مشروعي الخاص مثل ما يبي يسوي جاسم ..
_ جاسم كان أبوه يدربه على الشغل من كان عمره 16 و انته الحين بتخلص 17 ولا تبي تتعلم بعد ..
سكت خالد .. ثم وقف من مكانه قائلا : انا مب رايح يعني مب رايح ..
استسلمت الأم في محاولة إقناعه ، ثم قالت بنبرة تهديد : لا تلوم احد ع اللي بيجيك من أبوك ..
ثم أردفت : يلا تعال للغدى ..
…
وقف المسؤول عن خالد بثبوت على الأرضية الرخامية أمام مكتب الرئيس الذي بدا عليه الكبر في العمر .. وضع الرئيس شماغه على جنب و فرك رأسه الأصلع عله يخفف الصداع قليلا .. فتنهد بتعب : هذا خالد بيطلع لي شيب غير شيبي .. ما حاولت تعرف سبب رفضه للعمل ؟
رد عليه باحترام : ما ادري بالضبط ، بس الظاهر إنه متثاقل من الشغل ..
نظر الرئيس للحائط الزجاجي الذي يطل على ناطحات السحاب، و فكر متأملاً : خالد .. إنت اللي بتجبرني أتخذ طرق مو حلوه ..
المساء الساعة 8 ..ارتدى خالد جينزاً أسوداً سكيني ، و بلوزة حمراء بزخارف بيضاء مع ألوان متداخلة ، ووضع بعض السلاسل على يده ، ثم رش قليلاً من عطره .. كان ذو مظهر وسيم جداً خصوصاً بشعره السبايكي ..
رن هاتفه النقال ، ليرد بعد برهة : هلاا .. إيه هالحين بطلع … اووف اكيد طبعا بيجي النشبه الأمن .. شسوي بعد …. خلاص لا تنشب انت الثاني هذا انا طالع ..
نزل خالد الدرج لتصادفه فاطمة ، فسألته بفضول :وييين رايح و اليوم اثنين ؟
رد عليها بلا مبالاة : رايح المول عندك مانع ؟ .. يلا طيري
احتضنت يده و قالت ببراءة : خذذذذني وياك ..
نظر لها باستصغار ثم رد : أقول .. تركي يدي وروحي شربي حليب ونامي
ردت عليه بعصبية زائفة : هيييين بوريك
عندما فتح خالد باب الفيلا .. صادف والده أمامه! دخل الوالد و خالد مصدوم جداً برؤيته ، فهو لم يرى والده منذ أيام عديدة لانشغاله بأمور الشركات ..
تفحص الوالد ابنه بنظراته، فاستاءت تعابير وجهه ثم قال : قدامي على المكتب ..
ضحكت فاطمة بصوت هادئ ثم همست ليسمعها خالد : تستااااهل عشان ما تاخذني ويااك ، الدنيا خطايا ههههههههههه
أغلق الوالد باب المكتب البيتي … ثم جلس مقابل ابنه على كرسي الجلد الفاخر ، قال بهدوء : قبل كل شي .. ايش هذه الملابس ؟ ووين رايح و بكرا عندك مدرسة ؟
أجاب خالد بقليل من التوتر : كنت بطلع ويا اصحابي لكوفي شوب عشان نذاكر مع بعض ..
سأله الوالد : هذه ملابس واحد محترم ؟ وش هالسلاسل ؟ و البلوزة الجماجم اعوذ بالله ؟ بعدين شعرك مين مطيره لك ؟ … اخوانك كلهم! ولا واحد فيهم سوى اللي تسويه .. كل واحد فيهم عارف وش مقامه في المجتمع .. لو الصحافة تدري عنك بنصير على لسان كل عامي في هالبلد ..
قال خالد بشيء من الضيق : الصحافة و العاميين طفشت منهم ، أنا لاطلعت بطلع متخفي ، و بعدين لو شافوني العامة ما بيعرفون عني ..
قال الأب : بكلمك بعدين في هالموضوع ، خلينا نتكلم عن الشغل ، ليه ما تبي تروح ؟
رد خالد : بصراحة .. أنا مابي أشتغل و لا أتعلم عن طبيعة شغلك .. أبغى أسوي لي مشروع خاص فيني
الأب : حلو ، مو غلط .. بجيب لك مدرسين خصوصيين يدربونك بالمجال اللي تبيه ..
توتر خالد فلم يتوقع هذا الجواب من والده ، فرد قائلاً : لا مابي الحين .. الحين انا ابي اعيش حياتي و استانس ..
قال الأب بشيء من الغضب : إيه كنت أدري ، انت ما تبي تسوي لك مشروع اصلا! بس تبي تتهرب من الشغل .. شوف يا خالد ، ترى كل اللي أعطيه لك هالحين بحرمك منه ..
رد خالد : حتى لو .. مابي اتعلم شي هالحين ، يكفي دراستي
غضب الأب وصرخ : دراسة وشو و انت مستواك مو متفوق حتى .. كله تتهرب من دروسك الخاصة
وقف خالد و رد على والده مقللاً احترامه : سوي اللي تبي .. أنا ماني رايح المكتب ..
وقف الوالد و رفع اصبعه في وجه خالد مهدداً : شف ياولد ! ان ما شفتك بكرا في مكتبي بعد مدرستك ما تلوم إلا نفسك ..
دخل جاسم و مشعل غرفة المكتب مذعورين لتهدئة الوضع ، صرخ مشعل في وجه خالد : انت متى بتكبر ها ؟ احترم نفسك لما تكلم ابوك !!
خرج خالد من غرفة المكتب غير مباليا : أقووووول بس …
شرب الوالد كأس ماء ، ثم قال لولديه جاسم و مشعل : هذا الولد مابيه يخرب أكثر من كذا !
المفضلات