الصفحة رقم 9 من 10 البدايةالبداية ... 78910 الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 161 الى 180 من 182
  1. #161
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    عزيزتي مجوكهـ
    سعيدة بعودتك
    والفصل كان رائعاً
    شكراً على الدعوة لم أرها سوى الأن
    ولم أنتبه أنكِ وضعتي الفصل

    الأسئلة:
    - ما أكثر جزء أعجبكم أو أدهشكم؟

    أدهشني أعتراف والديها السريع لها وأعلانهما عن كونها متبناة

    أعجبني أكثر جزء أعجبني عندما أخذ اليوت بيانكا في نزهة على ظهر إليزابث

    - ما الذي تتوقعون حدوثه بعد كل هذا؟

    بالتأكيد بيانكا ستود التعرف على والديها الحقيقين

    - كيف ستتصرف بيانكا حيال والديها كارلوس وشارون؟

    بالطبع لن تكرههم ، ولكن ستود معرفة والديها الحقيقين

    وأيضاً إستبان؟

    إستبان متأكدة أنه سيبق معها وأنها ستسامحة سريعاً، فعو بعد كل شيء أخاها

    وشكراً على الدعوه مرة أخرى
    وأعتزر على تأخر ردي
    ودمتي بحفظ الله عزيزتي


  2. ...

  3. #162
    [QUOTE="nora";36244463]السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    عزيزتي مجوكهـ
    سعيدة بعودتك
    والفصل كان رائعاً
    شكراً على الدعوة لم أرها سوى الأن
    ولم أنتبه أنكِ وضعتي الفصل

    الأسئلة:
    - ما أكثر جزء أعجبكم أو أدهشكم؟

    أدهشني أعتراف والديها السريع لها وأعلانهما عن كونها متبناة

    أعجبني أكثر جزء أعجبني عندما أخذ اليوت بيانكا في نزهة على ظهر إليزابث

    - ما الذي تتوقعون حدوثه بعد كل هذǿ

    بالتأكيد بيانكا ستود التعرف على والديها الحقيقين

    - كيف ستتصرف بيانكا حيال والديها كارلوس وشارون؟

    بالطبع لن تكرههم ، ولكن ستود معرفة والديها الحقيقين

    وأيضاً إستبان؟

    إستبان متأكدة أنه سيبق معها وأنها ستسامحة سريعاً، فعو بعد كل شيء أخاها

    وشكراً على الدعوه مرة أخرى
    وأعتزر على تأخر ردي
    ودمتي بحفظ الله عزيزتي[/QUOTE]

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    وأنا أيضاً سعيدة بوجودكِ هنا ^^
    جيد أنه أعجبكِ asian
    العفو، لا بأس.. المهم أن تعودِ متى ما استطعت [COLOR="#660099"]^^


    السبب سيظهر قريباً devious.. فاستعجالهما وعدم قدرتها على البوح بالحقيقة بشكل يخفف الصدمة كان بسبب شيء ما ^^

    أجل صحيح ^^

    deviousdevious هذا سنعرفه في البارت القادم ^^

    أجل ^^

    العفو ^^ وشكراً لكِ لتلبيتها
    لا بأس
    وأنتِ كذلك ^^[/COLOR]
    attachment attachment
    سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر
    | قناعٌ قابلٌ للكسر |

  4. #163


    الجزء الثاني: ذكريات وماض
    الفصل التاسع : حقيقة القلادة .


    كانت بيانكا جالسةً مع إليوت في شرفة غرفتها عندما طرق ريتشارد الباب ، سمحت له بالدخول و اتجهت نحو الباب يتبعها إليوت :

    ـ الحاكم تشارلز يريد أن يقابلكِ .

    عقدت حاجبيها باستغراب :

    ـ لماذا ؟

    لكن المعني لم يجب مكتفياً بإيصال ما طُلِبَ مِنه؛ فتبعاه إلى حيث يقصد ، حالما دخلا فوجئا بلوغان، الرجل الذي وجداه مصاباً منذ فترة وهرب فور رؤيته لهما ، همست بخوف :

    ـ لكن .. كيف ؟

    تساءلت بتوتر كيف للجروح التي أصابته أن تلتأم بهذه السرعة! تمعن إليوت فيه بحذر و هو يقترب من بيانكا خوفاً من كون لوغان عدو ..لكن شتت إنتباههما صوت شارون و هي تناديها ، لم تكن مفاجأتها بوجود شارون ، كارلوس و إستبان أقل من مفاجأتها بلوغان إلا أنها لزمت مكانها حيث تشعر بالطمأنينة أكثر بجوار إليوت .

    ـ لماذا جميعهم هنا ؟

    اقترب لوغان منهما أو بالأحرى من بيانكا التي اختبأت خلف إليوت ، سأله إليوت سامحاً لجسده أن يكون درعاً حامياً لها :

    ـ ما الذي تريده أيها السيد ؟

    هز لوغان رأسه نفياً بجدية :

    ـ أنا لا أريد منك شيئاً .. بل أريد الآنسة بيانكا .

    تشبثت بقميص إليوت أكثر و هي تهمس بسرعة :

    ـ لا أريد .

    لم يفكر ولو للحظة أن يتطرق للموضوع ببطء حتى يُسهل عليها تَقَبُلَ الأمر وإنما انغمس فيه على الفور ليلقي على مسامعها صدمات آخرى:

    ـ ألم تسمعي الحقيقة من السيدان ليونز ؟ سأخذكِ لوالدكِ .

    نظرت إليهما وهي تردد في داخلها:

    ـ هما والديّ! لا أريد غيرهما.. لقد عشت في كنفهما طوال سنين حياتي ولم أعرف غيرهما!! لماذا يأتيان الآن ويخبراني بأن أذهب لوالديّ الحقيقين!!

    كانت تريد الهرب منه إليهما .. لكن إنهما ليسا والديها ليس بيدها فعل شيء فهي شائت أم أبت لا تملك الخيار في اختيار والديها ويحق لوالديها الحقيقين رؤيتها كما يحق لها الاتجاه لحنانهما.. الأفضل لها أن تحتمي بإليوت.. إنه الوحيد الذي تستطيع الثقة به الآن فقد أخفى الجميع عنها سراً كبيراً وربما لا يزال هنالك الكثير مما يخفونه بعد! وربما يكون كل ما يحدث محض حلم، بل كابوس لا يسعها الاستيقاظ منه..

    حاول التفكير فيما قد يجعلها تثق به وبأسرع وقت ممكن:

    ـ أنتِ لست ابنة كارلوس وشارون.. بل ابنة السيد جيرالد والسيدة شارلوت! وأنتِ لم ولن تكونِ بشراً مثلهما بل أنتِ عنقاء مثلنا!

    ـ هل ما يقوله هذا الرجل صحيح ؟

    أرادت أن تسألهما عن صحة ما يقوله و كادت تذهب إليهما أخيراً متناسية كل الألم الذي عانته بعد الخبر الذي ألقياه حالما رأتهما ثانيةً، إلا أن لوغان أخرج قلادته ذات العشر ريشات ذهبية :

    ـ قلادتكِ .. أنا أملك مثلها ، أترين ؟

    انتقلت يدها إلى القلادة تلقائياً ، رددت بدهشة :

    ـ قلادتي .. كقلادته !

    ألقى نظرة على عدد الريشات المُعلقة بالقلادة ، تمتم لنفسه بتوتر :

    ـ ريشتان فقط ! لن يكون ذلك جيداً أبداً.. يجب أن نسرع وإلا .. لكن على الأقل ستساعدانها الريشتين اللتان وجدتهما و الريشة التي لدى تشارلز الآن .

    ظلت ممسكة بإليوت بيسراها بينما أرته القلادة بيمناها و سألته بتردد :

    ـ كيف تكون .. لديك القلادة .. نفسها ؟ و لمَ لدي واحدة مثلها ؟

    ـ.. الحقيقة أن هذه القلادة مهمة لكِ لتبقي على قيد الحياة ، أظن بأنكِ قد عانيت من فقدان إحدى حواسكِ .. القدرة على الحديث ، أليس كذلك ؟

    اتسعت عينيها بتفاجئ :

    ـ كيف علمت بذلك ؟ .. لم أستطع التحدث ..

    ـ ذلك لأن هذه الريشات الذهبية لم تكن لديكِ .. وبعد أن جمعتِ بعضها عادت لكِ القدرة ، لكن تلك ليست النهاية ، فبقيت ثمان ريشات لتضمني سلامتكِ .

    عقد إليوت حاجبيه :

    ـ ما الذي تعنيه؟

    ـ في هذه القلادة حياتنا ، من دونها سنموت .. نحن لسنا بشر فقط ، بل إننا… من طيور العنقاء..

    ألجمت الدهشة المستعمين.. فالأمر برمته يبدو ضرباً من الخيال، كيف يمكن أن يكون بعض البشر من حولهم .. حيوانات لم يستطع أحد التعرف إليهم ولا إخبار أحدٍ بسرهم؟!

    بينما أكمل لوغان حديثه متجاهلاً الملامح المصدومة على وجه إليوت وبيانكا:

    لذلك هذه الريشات ذهبية كما ترين ؛ نحن نبحث عنها و نجمعها في هذه القلادة ، من دون عشر ريشات سنفقد حواسنا و بعدها حياتنا ؛ لذلك يجب أن نجمعها بسرعة .

    قال له باندفاع صارخاً بغضب:

    ـ تموت؟! كيف نستطيع أن نصدق ما تقول ؟

    ابتسم لوغان بثقة :

    ـ الأمر ليس بيدي و ألم ترى بأن القلادة لم يحدث لها شيء بعد الحريق ؟ بالرغم من أنها كانت في المنزل ، إلا أن خدشاً لم يصبها ، أليس ذلك صحيحاً ؟

    وجه سؤاله الأخير لبيانكا التي أومأت بتردد ، أما إليوت فأكمل إستجوابه بذات النبرة المنفعلة :

    ـ كيف عرفت بأمر المنزل المحترق ؟ لماذا إذاً لم تنقذها ؟ و لماذا لم تحاول مساعدتها من البداية ؟
    عض لوغان شفته و هو يقول بندم :

    ـ لم أعرف هذا سوى منذ يومين .. عندما رأيت السيدان ليونز في العربة القادمة إلى هنا ، كنت أظن بأن تشارلز داخلها ففوجئت بهما بدلاً عنه .


  5. #164



    اتسعت عينيها صدمة و هي تفكر :

    ـ لقد .. لقد قررا التخلي عني..! حتى قبل أن ألتقي بهمǿ!

    مرت دقائق معدودة قبل أن تنطق و هي تفلت قميص إليوت ببطء :

    ـ أين هما والديّ الآن ؟

    فغر إليوت فاهه و عقد حاجبيه مفكراً في داخله :

    ـ هل ستذهب ؟

    خلال لحظات كانت جالسة بجانب إليوت و أمامها لوغان بجانب تشارلز ، أما إستبان فكان يستند بجسده على الجدار بالقرب من النافذة وهو مكتفٌ يديه .

    بدأ لوغان حديثه بصوت منخفض تملكه الحزن:

    ـ السيدة شارلوت قُبِضَ عليها من قبل الصيادين المتوحشين.. والسيد جيرالد طريح الفراش منذ تلك الحادثة!

    أصابتها رعشة من الحزن والقلق على والديها! لا تعلم كيف لكنها أرادت وبكل ما حملته مشاعرها من صدق أن تسرع إليهما لتطمئن على حالتهما وتخبرهما بأنها لا زالت حيةً تُرزق! لكن السؤال الذي تبادر إلى ذهنها أخيراً هو كيف وصلت إلى الكهف الذي ذكره كارلوس حينما خاض حديثاً عن ذكرياته الأولى عنها! إلا أنها لم تملك الشجاعة لتعرف بأنه تم التخلي عنها لسبب أو لآخر ففضلت حبسه حتى حين!

    أخرج من جيبه ريشتين و أعطاها لبيانكا ليجرها من الأفكار المسيطرة عليها :

    ـ هذه جمعتها في طريقي إلى هنا ، إلا أنها لا تكفي لكنها الآن ستكون ذات فائدة .

    نظر لتشارلز قائلاً بجدية:

    ـ بما أنك لا تحتاج إلى ريشة آنا ، هلّا أعدتها إليّ ؟

    تفاجئ تشارلز :

    ـ لكن ، إنها لوالدتي .. لا أستطيع التفريط بها .

    ابتسم لوغان بحنية :

    ـ أليس من الأفضل أن ننقذ حياة شخص ما بدل أن نتركها هكذا دون فائدة ؟

    تردد تشارلز قبل أن ينهض متجهاً لغرفته، تلمس بحنان الصندوق الذي يحويهم، لم يرد يوماً فقدانهم فهم كانوا لوالدته. كيف سيتذكرهǿ ولحظاتها الأخيرة؟ إنه يستشعر حبها له من خلال الإحتفاظ بهم. ضم الريشة بعنف نحوه فهي المرة الأخيرة التي سيستطيع فيها لمسها. غادر الغرفة و أعطاها للوغان الذي قدمها بدوره لبيانكا .

    حملت بيانكا جميع الريشات و قربتها إلى القلادة فتقلصت و التصقت بالقلادة كالآخريات .

    تمتم إليوت بتفاجؤ :

    ـ لقد تقلصت !

    إلتفت إستبان إلى لوغان :

    ـ هل يعني ذلك أنها يجب أن تغادر هايسي ؟

    أومأ المعني برأسه و أضاف بجدية :

    ـ يجب أن تذهب إلى رونيا حيث ينتظرها والدها .

    توقف لوهلة ثم أكمل بتحذير :

    ـ و إن لم يحدث ذلك ، فلن يتردد أحدنا في القدوم إلى هنا.. فحياتها هنا ستكون على المحك .

    ابتسم إليوت :

    ـ فهمت من كل هذا ، أنها ستغادر شائت أم أبت .. و لا مانع من ذهابي معها .

    رفع لوغان حاجبه باستنكار :

    ـ كلا ، ففي ذلك خطر علينا .. نحن دائماً ملاحقون و رونيا هي ملجأنا الوحيد فإن علم بها أحد ووصل ذلك إلى الصيادين لن نكون في سلام أبداً .

    ـ لكنني لست صياداً كما ترى ! و إلا لأخذت الريشات منذ البداية و هربت بها .

    عندها سأل إستبان بجدية :

    ـ لماذا قد يريد هؤلاء الصيادين هذه الريشات ؟

    ابتسم لوغان بتهكم :
    ـ لبيعها بالطبع ! فنحن كما قلت سابقاً تعتمد حياتنا عليها .. سندفع كل ما نملك من أجلها و استغل الصيادين هذا الأمر ، فبعد سرقتها منا يبيعونها لنا بأغلى الأسعار !!

    ضمت بيانكا قلادتها كما لو أنها تحميها. سألت نفسها في تلك اللحظة :

    ـ هل ما يقوله صحيح ؟ ألست من البشر؟ وهذه القلادة لي؟ مع هذه الريشات الجميلة التي إن لم أجمعها سأموت؟!

    توقفت لبرهة لتلقي نظرة قصيرة على الموجودين في المكان لتكمثل محادثتها الداخلية:

    ـ إذاً إن علم الصيادين بأنني هنا ؛ سيكون والديّ ، إستبان و الجميع في خطر !

    قال إليوت بابتسامة واسعة :

    ـ إذاً سنذهب نحن الثلاثة إلى رونيا .

    ألقى نظرة ماكرة لإستبان :

    ـ أليس كذلك ؟

    هز الأخير رأسه نافياً ، رفع حاجبه و ابتسم بمكر هو الآخر :

    ـ بالطبع لا ، فقط نحن الاثنان .

    تجاهل إليوت ما قاله إستبان ثم سأل بيانكا :

    ـ هل ستذهبين ؟

    رسمت ابتسامة زائفة على شفتيها تخبرهم بأنها ليست مهتمة بمن يحبها في هذا المكان وبالأخص الزوجين ليونز :

    ـ بالطبع ! لا أريد البقاء هنا أكثر و.. أريد اللقاء بوالديّ الحقيقين.. لا بد أنهما ينتظراني بفارغ الصبر.

    التفتت إلى لوغان متظاهرة ببرود مشاعرها اتجاه شارون وكارلوس، كما لو كان هذا الخبر أفضل شيء سمعته طوال حياتها :

    ـ متى سنغادر هذا المكان؟

    ابتسم الأخير و هو يردد في داخله :

    ـ أخيراً.. توقعت أن أنتظر أكثر من هذا..

    ثم أجابها بحماس:

    ـ كلما ذهبنا أبكر ، كان ذلك أفضل .. سنذهب بعد غد كوننا نحتاج لسفينة تنقلنا إلى رونيا.

    أومأ كلٌ من إليوت و بيانكا برأسهم بينما اكتفى إستبان بالتحديق فيه بحذر و هو يفكر في ما سيحتاجه في هذه الرحلة ، له و لحماية بيانكا .



  6. #165



    تناقلت أعين الحضور إلى الزهور الموزعة بعناية فائقة، شعر الجميع بها تتمايل مع الأنغام الهادئة التي كان يرقص عليها البعض. توقفت الموسيقى بسرعة حين أعلن الحاجب بكل توتر:

    ـ حاكم هايرين ثيودور الثالث.

    اصطف الحضور بصفين متقابلين وهم يحيونه بكل احترام ممكن مما زرع ابتسامة متكبرة على ثغره. تربع على العرش بملامح شرسة تستسيق هذا الجبروت المُطلق على النبلاء. تعالت أصوات الموسيقى متخبطةً بين الجدران ليرقص على ألحانها الحضور بكل خفة يتمايلون في القاعة الفسيحة يمتعون أنفسهم بما لذ وطاب بين كل حين وآخر.

    تعالت تلك الأبواق المزعجة بعض الشيء ثانيةً حين أُعلن عن دخول الملك تشارلز ببزته البيضاء الأنيقة على جسده الممشوق وسيفه ذو الغمد الفضي يتدلى بجوار خصره بهدوء. برزت أوسمته اللامعة بكل فخر تعكس أضواء الثرية المبهرة. ابتسم الحضور خلاف استقبالهم السابق لثيودور كونهم على معرفة تامة بأخلاق هذا النبيل.

    اعتلى العرش المجاور لملك هايرين بعد أن قدم انحناءة قصيرة تعبر عن احترامه لوالد الفتاة التي ستلقب بزوجته بعد سويعات. صعب عليه إجبار شفتيه على الابتسام فرسمهما على شكل خط متجمد وبارد بدفء زائف.

    عادت تلك الأقدام لتطرق البلاط الزاهي بخفة وسط أنظار الجماهير الهامسة بحب للإشاعات الهادمة والهمهمات المدمرة الفضولية. أطلق تشارلز زفرة متنهدة شاعراً بحمل ثقيل على قلبه يطغى على عينيه فيحجب المتعة عنه.

    حان اخيراً موعد دخول كلوديا فشعر بتوتر شديد وحرارة قاتلة تجتاحه؛ لا يعرف كيف يتصرف في مثل هذه الأوضاع، ليت والدته موجودة لترشده وتعينه.

    نهض ثيودور من مكانه نازلاً الدرجات الفاصلة بين منصتهم العالية والأرضية ثم أسرع خطاه حتى وصل إلى البوابة العملاقة المُذهبة بزخارف هادئة فخمة وأنيقة. مد يسراه ليستقبل راحة ابنته المرتجفة ويقودها بكل حرص أمام النبلاء وثوبها الأبيض الأخاذ يزحف بروية خلفها جاذباً الأعين المُحدقة.

    تشبثت بالباقة المتوسطة بيمناها كما لو أنها هي من تعينها على الوقوف. هي الآخرى كانت متوترة قدر توتره وكلاهما يفتقدان وجود الأم الدافئ والمعين. لم تستطع عيناها اللازوردتين العميقتين الالتفات إليه أو حتى مفارقة الأرض للحظة.

    لحسن حظها لم تتعثر بفستانها الطويل على تلك الدرجات بعد أن تقلد رأسها بتاج من ذهب مرصع بجواهر ثمينة تشابه ما يعتلي رأس زوجها. وقفت بجواره ممسكة يبده وهما يتلوان الولاء لبعضهما أمام الجميع بعد تلك الخطبة المعتادة والمملة. لكن الحقيقة أن كلمة واحدة من ما قاله ذلك الرجل لم تصل إلى مسامعهما فدقات قلبهما تشغل حيز تفكيرهما وكل شيء فيهما بصوتها المرتفع كما يظنان.
    توقفت قطرات العرق عن التجمع في راحتها عندما افترقت من يد تشارلز حين جلسا كلٌ على عرشه ينتظرون من النبلاء التهاني والتبريكات حتى انتهت ساعات المساء وحل منتصف الليل.

    ودعت كلوديا والدها مع تشارلز بهدوء دون أن تُظهر أية تعابير على ملامحها الباردة. سببها الأول كان كرهها لإظهار ملامح الضعف أمام أي شخص كان وهذه الفئة شملت والدها في الفترة الأخيرة ثم إنها ليست سعيدة بالقرار الذي اتخذه عنها كونه مستقبلها وحياتها منذ الآن فصاعداً. تساءلت بداخلها إن كان تدخله هو سبب قبول تشارلز بالأمر وإن كان سيرفض لو أنه كان حقاً يحب فتاة آخرى؟!

    ~

    بلطف داعبت أشعة الشمس وجنتيها دون أن تلمسها إلا أن أمارات الانزعاج بدت واضحة على ملامحها كون الضوء المشع ليس مريحاً البتة.

    استفاقت من نومها الطويل وهي تتذكر الحديث الذي تبادلته ليلة البارحة مع لوغان، عن التجهيزات المُعدة لرحلتهم الطويلة.

    انعقدت المساحة الضئيلة بين حاجبيها عندما وصلت إلى ما قاله لها قبل أن يظهر إليوت في الممر المظلم الذي حواهما بعض الوقت. شعرت بضيق يقبض على صدرها ويثقله؛ تمتمت ناهضةً من السرير:

    ـ هل يظن بأنني سأثق به!

    مسحت ملامح البؤس ورسمت بسمة هادئة مصطنعة لم تستطع كبح إليوت عن سؤالها إذا ما كانت بخير عندما التقيا أمام بوابة القصر حيث تقبع الأحصنة في انتظارهم.

    تبادلت بعض أطراف الحديث مع لوغان رغم رغبتها الشديدة في إجباره على التزام الصمت بعدما أعلن عن قراره خلال ساعات الليل. لم يرد أحدهم تناول الفطور في مثل الساعة خاصةً وأنهم مقدمون على رحلة إلى المجهول؛ سيما وأن ثقتهم بلوغان لا تزال معدومة بعض الشيء.

    تبعت بيانكا إليوت المتجه نحو إليزابيث. ابتسم بخفة وهو يردد بداخله:

    ـ لم أكن أريد أن أكون الحل الوحيد للهرب!

    فهم على الفور رغبتها في امتطاء الخيل معه بدلاً من إستبان الذي لم تستطع أن تحدثه بعد.. بل إنها كانت قد تجاهلته عدة مرات نصفها حصل دون قصد منها والآخر أجبرت نفسها على عدم الالتفات إليه وإجابته على ما يريد.

    حملها برفق ووضعها على السرج ليمتطي الفرس خلفها. لمحت والديها أو المدعوان بالسيدان ليونز يقفان على بعد عشرات الخطوات معتلين الدرج بقرب البوابة العملاقة. تبادلت معهما ابتسامة دافئة حاولت من كل قلبها أن تبث الطمأنينة إليهما رغم أن عقلها يحاول تنحيتها عن فعل ذلك.

    أخيراً بدأت الرحلة الطويلة على ظهر الخيول القوية. كان لوغان يترأس المجموعة، خلفه يقبع الآخران وكل خيل تحمل وزناً من المؤن عليها.

    نهاية الفصل


  7. #166
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    كيف حالكم جميعاً؟ asian
    أتمنى أن تكونوا بألف خير

    هذا الفصل قد كشف الكثير من الأشياء المهمة والتي كانت مخفية لمدة طويلة
    هل كنتم تتوقعونهǿ zlick

    ـ ما رأيكم بحقيقة بيانكǿ
    ـ ماذا تتوقعون حول هوية والديها الحقيقيين؟
    ـ ما رأيكم بالصيادين؟
    ـ ما رأيكم بلوغان؟ بعد أن عرفتم حقيقته!
    ـ كيف ستكون حياة تشارلز وكلوديǿ وهل مخاوف كلوديا من حقيقة قبول تشارلز صحيحة؟

    بإنتظار ردودكم ^^
    في أمان الله ورعايته وحفظه

  8. #167
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة مجوكـهـ مشاهدة المشاركة

    ـ ما رأيكم بحقيقة بيانكǿ

    • جميل جدا لم اتوقع هذا، لكن ماذا يعني كونها عنقاء .. هل لها قوة خارقة؟ او تستطيع التحول؟ وكيف سيكون تأثير ذلك في القصة؟

    ـ ماذا تتوقعون حول هوية والديها الحقيقيين؟

    • هذا غريب نوعا ما، بما انهم بشرين كيف اصبحت ابنتهم هكذا!

    ـ ما رأيكم بالصيادين؟

    • حسنا ... توقعت ان امر الريش يكون سرا بين تلك المخلوقات، لدى استغربت من معرفتهم بهذا، ثم اتسائل كيف يستطيعون البحث والعثور على الريش، اعتقد انها عملية صعبة

    ـ ما رأيكم بلوغان؟ بعد أن عرفتم حقيقته!

    • اممم لم اكون عنه فكره واضحه حتى الان، لكني اراه شخص صادق ويستطيعون الوثوق به

    ـ كيف ستكون حياة تشارلز وكلوديǿ وهل مخاوف كلوديا من حقيقة قبول تشارلز صحيحة؟

    • لن تكون حياه سيئة ... لا اعلم عن مدى صحة مخاوفها، إلا انها في مكانها

    شكرا لك على هذا البارت الرائع
    بنتظار القادم

  9. #168
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    ـ ما رأيكم بحقيقة بيانكǿ

    • جميل جدا لم اتوقع هذا، لكن ماذا يعني كونها عنقاء .. هل لها قوة خارقة؟ او تستطيع التحول؟ وكيف سيكون تأثير ذلك في القصة؟

    ـ ماذا تتوقعون حول هوية والديها الحقيقيين؟

    • هذا غريب نوعا ما، بما انهم بشرين كيف اصبحت ابنتهم هكذا!

    ـ ما رأيكم بالصيادين؟

    • حسنا ... توقعت ان امر الريش يكون سرا بين تلك المخلوقات، لذى استغربت من معرفتهم بهذا، ثم اتسائل كيف يستطيعون البحث والعثور على الريش، اعتقد انها عملية صعبة

    ـ ما رأيكم بلوغان؟ بعد أن عرفتم حقيقته!

    • اممم لم اكون عنه فكره واضحه حتى الان، لكني اراه شخص صادق ويستطيعون الوثوق به

    ـ كيف ستكون حياة تشارلز وكلوديǿ وهل مخاوف كلوديا من حقيقة قبول تشارلز صحيحة؟

    • لن تكون حياه سيئة ... لا اعلم عن مدى صحة مخاوفها، إلا انها في مكانها

    شكرا لك على هذا البارت الرائع
    بنتظار القادم
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    ستعرفين ذلك في القريب العاجل devious أو لنقل بعد ثلاثة فصول أو أربعة تقريباً ^^

    في الحقيقة هما ليسا بشريين، مظهرهم الخارجي كمظهر البشر، لكن... devious

    أجل، لا يعرف الكثيرون عنها، سوى الصيادين المزعجين ogre
    ولأنهم لا يعرفون مكانها فإنه من الصعب عليهم إيجادها.. لذا يلجأون للعنقاوات الحقيقة ويسرقون منهم قلائدهم ==

    آوه حقاً!! لكنني أتساءل إن كنتِ ستثقين به بعد فصلين devious

    أجل، الحياة في مكان غريب تكون عادةً صعبة في التأقلم على الشخص

    العفو ^^
    بعد قليل سأضعه asian

  10. #169




    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    كيف حالكم؟
    أتمنى أن تكونوا بألف خير ^^

    قررت أن أضع فصلاً واحداً كل شهر.. ليتسنى لي الوقت لكتابة الفصل
    فقد انتهى المخزون الذي لدي
    وما أضعه أكون قد انتهيت من كتابته منذ فترة لا تزيد عن الشهر ^^"

    لكن أتمنى أن تستمتعوا بالأحداث.. فهي على وشك الاشتعال devious
    خاصة وأنه لم يتبقَ سوى عشرة فصول بعد فصل اليوم asian


  11. #170


    الجزء الثاني : ذكريات وماضٍ.
    الفصل العاشر : المسافة بيننا.


    في الطريق الطويل إلى الميناء ظل الصمت محيطاً بهم فالخوف من الرجل الغريب الذي يقودهم والمستقبل الغامض الذي يتجهون نحوه يجبران الشك والقلق على اقتحام الثلاثة وتركهم في حيرة وتوتر.

    فبيانكا ظلت تفكر في الأمور الجديدة التي اكتشفتها عن عائلتها التي أحبتها بصدق وكيف أن لها عائلة أخرى في الحقيقة.. والدها طريح الفراش.. ووالدتها لا يعلم أي أحد إذا ما كانت حية.. أم….. .

    سمحت لنفسها بإلقاء نظرة على إستبان - أخيها الغير حقيقي - وتساءلت.. كيف يجب أن تتعامل معه من الآن فصاعداً؟ فهو كما قال.. سيرافقها حتى تصل لوالدها.. لقد كان لطيفاً معها عندما كان صغيراً وقد أنقذها من الجنود خاسراً وظيفته، والآن يترك والديه ويغادرهما معها لأجل حمايتها! أيجب أن تعود معاملتها طبيعة كما في السابق أم يجب عليها أن تترك حواجزاً بينهما.. وتدعي الغضب؟ هي لم تعد غاضبة منه، فقد عرفت الحقيقة والدوافع التي من أجلها أبقوها في منزل والديها اللذان ربياها رغم المشاكل التي كانا يعانيان منها في تلك الفترة.

    وإليوت.. الفتى الأحمق، والغبي، لماذا لحق بها كل هذه المسافة؟ ولماذا قرر مرافقتها لرؤية والدهǿ هل هنالك شيء يريده منهǿ ماذا عن عصابته تلك؟ وكيف سيعود هذان الإثنان بعدما تصل هي إلى حيث بقية أفراد جنسهǿ أم أنهما يفكران بالبقاء معهǿ

    وهل حقاً هي من هؤلاء المدعون بـ “العنقاوات”؟ كيف ذلك؟ هل هم حقاً موجودين؟ أم أن لوغان هذا استطاع خداع السيدان ليونز؟ و.. هل حقاً لديها والد غير والدها الذي رباهǿ ربما هي تعيش في كابوس مزعج ستستيقظ منه بعد قليل..

    أسئلةٌ كثيرة جعلت عقلها في حالة صراع لا ينتهي، فتركتها جانباً في زواية مظلمة من دماغها علها تعود لها بعد حين، عندما يكون لديها متسع من الوقت لتترك كل ما حولها وتغوص في عالم أفكارها، أو أبداً!

    في الحقيقة لم ترد التفكير في كل هذا، فإن توسعت في ذلك العمق ستعرف دون شك أن الحياة التي عاشتها منذ البداية ليست سوى كذبة سعيدة وقصيرة وستصدق بأنها مخلوق أسطوري لا يعرف الناس عنه شيئاً. وكذلك سيتوجب عليها توخي الحذر والبقاء في مجموعة حتى تصل إلى والديها خوفاً من الصيادين المزعجين، عديمي الرحمة. أي أن عليها التمسك بإليوت وإستبان حيطة من لوغان وما قد يخبئه المحيط حولها.

    بقيت تحدق في السماء الصافية المبتسمة بدفء عل كل تلك الأشياء التي بدأت تضايقها بالفعل تذهب وتزول عنها تاركةً إياها تعيش في راحة بال وأحلام جميلة. انسل نظرها نحو الزهور المتربعة في حدائق جميلة مرتبة على جانبيّ الطريق حين وصلوا للقرية المحيطة بالميناء. كانت قرية مزدهرة فالتجارة لا تترك للهدوء مكاناً في أركانها المتوهجة بحياة نابضة. الباعة يتنافسون في جذب المشترين بأصواتهم المرتفعة معلنةً أفضل الأسعار والبضائع بألونها المتعددة وأشكالها المتفردة.

    لمحت بعض المتاجر المتراصة في خط طويل مقابلاً لبعض المنازل الهادئة. ابتسمت وترجلت من على الفرس كما فعل إليوت تماماً واتجها نحو أولئك الباعة دون إعلام إستبان ولوغان اللذان أخذا يبحثان بتركيز عن السفينة المنشودة.

    ظلا يحدقان في البضائع المتنوعة على كل طاولة بحثاً عن أي أثر لريشة ذهبية أخرى ظناً منهما بأن الحظ سيحالفهما كما في المرة السابقة، حين وجدت الريشة الذهبية في قرية هايرين ولحسن حظها وجدها إليوت وأحضرها معه. لكنهما لم يعلما قط ولم يفكرا بأن تلك الريشة والآخرى لم يُتركا لبيانكا بمحض الصدفة.. بل إن ذلك الشخص قد قرر فعل ذلك بإرادته رداً للجميل.

    أثناء إنشغال جل تركيزه وعيناه بالتحديق في كل شيء حوله شعر إليوت بضربة مؤلمة تستقر على مؤخرة رأسه فالتفت بسرعة حاملاً الغضب على ملامحه ليجد إستبان المنزعج واقفاً خلفه. كاد يصرخ ويتشاجر معه لكنه إنتبه في اللحظة الأخيرة بأن بيانكا ليست واقفة بقربه!

    اتسعت عيناه دهشة وجال بعيناه القلقتين في المكان بحثاً عن أي أثر. كيف تركها تختفي عن عينيه وقد كان معهǿ هل هو أحمق وأهوج لهذه الدرجة؟ ماذا لو وجدها أحد الصيادين؟ و..

    تجمد في مكانه وتسمر كالتماثيل الحجرية؛ لا يريد أن يكون ما يفكر به الحقيقة الواقعة فلم يعجبه التوغل في الإحتمالات الممكنة أكثر. إلا أن خياله لم يرغب في التوقف عن العمل بل بدأ برسم أفظع ما يمكن أن يحصل لها في هذه الدقائق المعدودة. تمتم بحنق وغضب شديد من نفسه البلهاء:

    ـ سحقاً!

    ركل الأرض بقوة وتوتر بشدة، فمن أين يجب عليه أن يبدأ البحث وكيف سيجدها في هذه القرية؟ ربما هي على إحدى السفن! أو مقيدة في أحد المنازل! إنها المرة الأولى في حياته التي يصبح فيها عاجزاً عن فعل شيء.. فمهما كان الموقف الذي وقع فيه أفراد عصابته استعمل ذكاءه لإخراجهم منه كما يخرج الناس الشعرة من العجين! لذا يجب عليه أن يستغل ذكاءه للبحث عنها في هذه اللحظة!! بدأ بتهدئه نفسه حتى يتسنى لعقله العمل بشكل منطقي ومفيد.

    لم يُطِق إستبان الانتظار أكثر ليعيره إليوت انتباهه بل شده من ثيابه وأجبره على الإصغاء إليه حيث قال:

    ـ ألا تسمع! لقد تأخرنا على السفينة! الجميع ينتطر.

    ـ وبـ..

    اختفى صوته وأرغمته دهشته على إلتزام الصمت؛ فها هي بيانكا واقفة قرب لوغان تلوح وتخبره أن يُسرع. ضحك بغباء على نفسه عندما أدرك ضياعه وسط أفكاره السوداء. فـفي دقيقة واحدة انتابه الرعب وفكر في ألف احتمال لما يمكن أن يحدث كما أنه شعر للحظة بعدم فائدته.. كيف سيطرت عليه تلك المشاعر؟ ولماذǿ

    لقد غادر هايرين وعصابته بل أصدقائه من أجل اللحاق بها، رافقها من هايدراس إلى هايسي، والان هو في طريقه معها إلى حيث جماعتها المُلقبة بالعنقاء.. ما الذي أجبره على كل هذǿ بل لمَ أنقذها في الغابة ذلك اليوم؟ ولم يستطع حتى إزعاج دانيال؟ اقترف الكثير من الأشياء الغبية منذ تعرف إليها.. أولها سكب الماء عليها، ثم غباءه الشديد في معرفة عجزها عن النطق بحرف.. وتتوالى الذكريات في عقله. لكن ما سبب تغيره الغريب معهǿ!

    نفض كل تلك الغيوم المتشعبة من رأسه ورسم ابتسامة بلهاء على وجهه تابعاً إستبان حيث يقف البقية.

  12. #171


    حيث الزهور تتراقص على أنغام تغاريد العصافير، والمياه ترافق المعزوفة في النوافير المترامية في أنحاء المكان، والرياح تداعب الأوراق والأغصان لتصفق إعجاباً، جلست الملكة كلوديا باستمتاع وهي تحتسي كوباً من القهوة وتتناول بعض الكعك الذي أعدته لتوها في المطبخ مع وصيفتها المتذمرة.

    حط أحد العصافير على الطاولة البيضاء ناقراً عليها بحثاً عن بعض فتات الطعام، ابتسمت وتركت قطعة كانت على وشك تناولها أمامه. ابتعد حالما شعر باقترابها وطار إلا أنه عاد عندما لمس الأمان منها. ضحكت وهي تراقبه يتناولها بسرعة محركاً رقبته بشكل لطيف ومضحك.

    داعبت ظهره باصبعها كما لو كانت تدغدغه فلم يرغب في الهرب بل ظل يأكل حتى اقترب بقية أفراد فصيلته وتمتعوا بالكعكة اللذيذة معه.

    خطوات هادئة ومنظمة بدأت تقترب منهما على الحشائش الخضراء اللامعة بقطرات الندى المُنعشة. ابتسم صاحبها حالما وجدها أمامه كما توقع. وقفت بسرعة زغم مظهرها المهذب وانحنت له برسمية ثم جلس أمامها على المقعد الأبيض الجليدي ذو الزخارف الجميلة المتشابكة. ألقى بعبارته بعد أن جلست ورتبت من شكل فستانها الزاهي ذو الأطراف المزخرفة بخيوط الذهب الثمينة:

    ـ يبدو أن السيدة ماريتا كانت غاضبة جداً!

    لقد كان يعرف السبب، بل يعلم بالقصة كاملةً إلا أنه لم يجد سوى هذا الحدث ليبدأ حديثه معهǺ لسبب ما كان يشعر بتوتر شديد لم يشعر به حتى في معاركه أو لقاءاته مع والدها! هل السبب لأنها المرة الأولى بعد زمن طويل يتعامل فيها مع فتاة؟

    ضحكت برقة وهي تبدأ بسرد الحدث رغم شعورها بالتوتر والارتجاف الشديد الذي كاد يسلبها صوتها ويبقيه مختبئاً لمدة:

    ـ لقد أردت تناول هذه الكعكة إلا أن لا أحد يعرف وصفتها.. فلم أرى ما يضرني بصعنها.

    عبست كالأطفال الذين مُنعوا من إكمال لعبهم:

    ـ لكنها منعتني من ذلك وبدأت بالإلحاح عليٌ بالخروج؛ لأنني.. الملكة..! لكن هذا لا يمنع دخولي المطبخ.. ليس هنالك ما يدعو للقلق فيه.

    أجبرته تعابيرها العابسة اللطيفة على الضحك، إنها ألطف كائن يقابله في حياته، بدت أمامه كالعصفور الصغير حديث الولادة والذي يجبر الناس على اللعب معه لجمال ولطافة مظهره.

    أسرت قبضتها في حجرها فقد زاد توترها وارتجافها رغماً عنها ورفضت بكبريائها أن يكون ذلك واضحاً لتشارلز؛ فذلك بالتأكيد سيكون مخجلاً جداً. لم يكن الطبخ يوماً من هواياتها ولن يكون في الحقيقة، إلا أنها لم تستطع اختراع عذر غيره كي تستطيع الإبتعاد عن الجو المُربك حولها مع تشارلز، الإعتياد على شيء جديد يبدو صعباً جداً بالنسبة لها، خاصةً وأنها بدأت تعيش معه منذ يوم فقط! ووحدها.. دون أي شخص من أفراد عائلتها.

    عبست لثوان ثم رسمت ابتسامة هادئة على شفتيها المتوردتين قبل أن يلاحظها أو أي أحد من الخدم المتناثرين في كل زاوية وركن. اقتربت وصيفتها دون أن ترفع نظرها عن الأرض وهمست لسيدتها:

    ـ سيدتي الملكة، لقد حان موعد لقاءكِ بالنبلاء. إنهم ينتظرونكِ في القاعة.

    إنه يومها الأول كملكة لهايسي، وكون البلاد لم تحظى بحاكمة لمدة طويلة فإن عليها واجباتٍ كثيرة لتؤديها في سبيل تحسينها. وأولها هو لقاء النبلاء وتبادل بعض الأحاديث، ثم مقابلة أبناء شعبها الجديد حيث يجب عليها أن تستمع لشكواهم وتحاول مساعدتهم بكل ما تستطيع، كما أنها يجب أن تشارك في الحفلات المقامة رغماً عنها وليس لديها الخيار في الهرب أو البقاء.

    تساءلت كثيراً إن كانت هذه الأمور مهمتها هي فماذا عن تشارلز؟ ما الذي يفعله طوال اليوم؟!لكنها لم تجد إجابة شافية وظلت تضع الإحتمالات فهو مسؤول عن مقابلة الوزراء والسياسين، لقاء الرسل من أنجاء العالم، وأمور آخرى تجهلها.

    ودون أن تحتاج لتذكر هذه الواجبات أو حتى كتابتها ظل السيد روجر وريتشارد يُمليان عليها كل تلك الأمور طوال الأيام الفائتة حتى بدأت تحلم بها.

    وقفت بهدوء وانحنت ثانيةً، ثم غادرت وتتبعها وصيفتها وبعض الخدم. سارت في طريق حفظته في ذاكرتها بسبب جماله الأخاذ وروعة منظر الحديقة على جانبيه حتى وصلت لداخل القصر العملاق. قادتها الوصيفة بكل احترام وتهذيب في ممر واسع ملأت بعض أركانه زهريات وتحف ثمينة بينما زينت جدرانه بعض اللوحات المُبهجة ذات الطابع الهادىء والغنية بمشاعر فياضة.
    وصلت أخيراً إلى باب عملاق يحتل أكثر من نصف مساحة الجدار حوله، كان طويلاً جداً وأبيض مزين بزخارف ذهبية. شع نور ساطع حالما فُتح الباب بسبب أشعة الشمس المنيرة والتي دخلت من زجاج النوافذ الطويلة على جانبي العرش الذهبي.

    مُلأت القاعة بكثير من الرجال والنساء من طبقة النبلاء الفارهة، اصطفوا بهدوء وانحنوا لها بينما كانت تسير بذهول على سجادة حمراء حتى وصلت لعرشها الذي ارتفع عن الأرض بدرجة واحدة فقط. لم تعى بأن جسدها الرقيق لا زال يرتجف إلا بعد أن تجمدت أطرافها من الخوف والارتباك. حالما جلست اعتدل المجتمعين بوقفتهم وراحوا ينتظرون بفارق الصبر حلول دورهم حتى يتنسى لكل واحدٍ منهم الإستفادة من بلاهة الملكة الجديدة والحصول على بعض الأملاك، والأراضي، والمال.

    رغم أنها ليست بالشخص الفطن لكنها ليست بذلك الغباء لئلا تُدرك رغبات هؤلاء المتعجرفين بعد كل ما تعلمته من مواقفها المؤلمة في هايرين مع أمثالهم الوقحين -بنظرها- . ابتسمت برسمية شديدة واقتربت منها سيدة ماكرة الملاح، ذات جسد نحيل أظهره ثوبها الأخاذ بألوانه المُبهرة.

    بدأ بينهما الحديث المزعج حتى حان دور البقية، لكن شيئاً ما لم يكن طبيعاً، هواء المكان بدا خانقاً لها، وربما نظراتهم الغريبة هي من سببت لها ذلك الشعور وكما أنها لاحظت في نبرة حديثهم معها ذلك الحقد الدفين، أو بالأحرى لم يعد دفيناً فهم يبذلون جهداً كبيراً في إلقاء بعض الإهانات الغير واضحة ويضحكون خفية على بلاهتها المُعتقدة. غضبت بشدة على موقفهم الوقح منها وبدوا حقاً مشابهين لنبلاء هايرين الشرهين، كيف لهم أن يكونوا بنفس النوع، والتصرفات، والذوق!


  13. #172

    تداركت نفسها ومنعت ملامحها من التغير؛ راسمةً تعابيراً رسمية ليس خوفاً منهم وإنما فكرت بأنها إن قامت بفعل شيء ما فلن يتوانوا عن خلق الشائعات وتأكيد أرائهم المبجلة!

    بعد سويعات، وعندما حان موعد لقاءها مع الشعب لسبب ما لم يحضر أحد! ليس وكأنهم راضون عن عيشتهم وإنما قد منعهم سبب ما من الحضور. دفعها ذلك للشعور بالاستغراب حيال موقف الجميع معها اليوم، لماذا كل تلك العدوانية؟!

    فضلت أن تذهب للحديقة ثانيةً وتمضي بقية اليوم بها لتحاول قراءة بعض الكتب قبل أن يلمحها ريتشارد متكاسلة فيحاول توبيخا وملأ جدولها المزحوم بساعاتٍ آخرى مع السيدة مارتل. تجولت في القصر حتى وجدت المكتبة الممتلئة بأنواعٍ مميزة من الكتب المفيدة.

    تأملت ما حولها بدءً بالأرضية البيضاء ثم اللوحات الهادئة والمريحة للنفس، وأخيراً إلى النوافذ الزجاجية والتي كانت عبارةً عن لوحات ملونة بتفاصيل دقيقة وخلابة تُدخل نور الشمس بألوان مختلفة ومرحة.

    سألت وصيفتها دون أن تلفت إليها:

    ـ أين هي الكتب المتعلقة بالمهرجانات والاحتفالات التي تقيمها هايسي؟

    لسبب ما أرادت أن تكون على إلمام تام بهذا الجانب من هايسي، ربما لأنها لا تجيد دراسة الكثير من الأمور وتعلمها وهذا الموضوع سيسهل عليها التقرب من الناس حولها بإظهارها اهتمامها بدولتها الجديدة.

    أرشدتها إلى حيث تقبع تلك الكتب ثم سألتها بتهذيب عن العنوان الذي ترغب إلا أن الأخيرة رفضت إخبارها بل فضلت أن تبحث عنه بنفسها.

    بطبعها الذي يحب خوض بعض المغامرات الحمقاء في الأوقات الخاطئة فقد أغراها السلم الخشبي المُثبت بالقرب من الرفوف حتى يسهل الوصول إلى الكتب الموضوعة في الرفوف العلوية.

    منعتها الوصيفة من ذلك وهي تقول لها بقلق:

    ـ سيدتي! دعيني أفعل ذلك بنفسي! أرجوكِ.. ستصابين بأذى..

    إلا أن عنادها تركها تفعل ما ترغب وهمت بالصعود عليه متمسكة بعواميده، صعدت درجة واحدة وبدأت بقراءة العناوين الواضحة والجاذبة. دون أن يلفت انتباهها أحد تلك الكتب ارتقت آخرى وفعلت المثل دون اكتراث لرجاء الخدم من حولها.

    وصلت أخيراً لأخر خشبة موجودة ووجدت بالفعل ما يشد انتباهها، كان كتاباً يحمل سنوات الاحتفالات بأسبابها وتاريخها المعتاد، تقاليدها وكل ما يتعلق بواجبات العائلة الحاكمة، النبلاء والشعب. أمسكت به وتفحصت فهرسه ملقيةً بعض ثقلها على المكتبة ورفوفها.

    وسط انشغالها بما لديها همس أحد الخدم المتواجدين في الخلف للبقية بأن الملك قد أتى إلى المكتبة، اتسعت عيناها اللازورديتين وبان جمالهما الصافي، توترت وارتبكت، وبخت نفسها خفيةً لتهورها وقيامها بمثل هذا الأمر الأحمق! استوعبت لتوها مركزها الجديد وأهمية التزامها الهدوء، الانتباه.. ومحاولة التظاهر بمُلك الحكمة..

    وفي محاولتها للنزول سريعاً زلت قدمها ووجدت نفسها تسقط أرضاً، انتابها الرعب وهي تفكر في الموقف المحرج الذي سيجدها عليه حالما يدخل إلى هنا.

    ~


    على ظهر السفينة، وقفت بيانكا مستندة على السور الخشبي المحيط بسطحها مستمتعةً بالمنظر الدافئ؛ فالسماء صافيةٌ بلا غيوم تنذر بعاصفة، وطيور النور تُحلق حولهم كما لو أنها تودعهم. البحارة طيبون ولم يحاولوا إزعاجها بشيء.. عدا رئيسهم المتكبر. لكن يبدو أن إليوت وإستبان لن يتركاه في حاله إن حاول ثانيةً التحدث إليها.

    اقترب أحدهم منها واضعاً تفاحةً حمراء طازجة أمام وجهها وحينما إلتفت إليه لتتعرف هويته فوجدته إليوت المبتسم، إنه دائم الابتسام بعكس إستبان، هل دُرب إستبان على العبوس في الجيش؟

    تناولت قضمة من التفاحة اللذيذة بينما كان الأخير قد شارف على الإنتهاء منها، وحالما فعل ألقى بما تبقى في عرض البحر وقال دون أن يمسح المرح عن وجهه:

    ـ أظن بأن الرحلة ستكون ممتعة!

    تنهدت خفية وأجابت بابتسامة مُرتجفة:

    ـ أجل!.. لكن..

    كادت حقاً أن تتفوه بما تخفيه في صدرها وقد أثقله كل ذلك التفكير إلا أنها سرعان ما غيرت رأيها وصمتت، فهم هو رغبتها ولم يحاول معرفة أي شيء بل ظلا يتحدثان عن شتى الأمور.

    خلفهما وفي مكان غير مُلاحظ من قِبلهما كانت هناك عينان بنيتان تراقبهما بتوتر فصاحبهما لم يعرف كيف يقترب من بيانكا أو حتى كيف يبدأ حديثه معها، لقد حدث الكثير وبالتأكيد تغيرت نظرتها إليه بعد الحقائق المؤلمة التي عرفتها وعَلِمتها عن عائلتها الحقيقية وما فعلته عائلته كي تمنعها من مغادرتهم مهما كان السبب.

    حاول تشجيع نفسه ببعض الكلمات، فتقدم خطوتين ثم تراجع على الفور بتوتر زائد حينما ظن بأن إليوت قد التفت إليه، تمتم لنفسه:

    ـ إن لم أفعل ذلك الآن؛ سيزداد الأمر سوءً!

    زفر بقوة وهو يتراجع إلى الخلف ثم اتجه بيأس لغرفته المُشتركة مع إليوت ولوغان. استلقى على السرير واسند مرفقه على عينيه ليحاول التركيز والتفكير في طريقة يعتذر بها، أو يبرر لها.. أي شيء مهما كان ليصلح الوضع بينهما ويعده كما كان إلا أنه تاه في أفكاره أكثر واختلطت ذكرياته بها فرفعها بعيداً عنه وغط في سبات عميق يريحه من هذا التفكير المزعج.

    هب نسيم عليل وبارد بعض الشيء حالما أظلمت السماء ودكنت، خرجت من غرفتها بعد راحة كافية وطعام جيد، وبقيت تحدق في القمر الفضي الذي ظهر أخيراً. أغمضت عينيها فور أن صعقها البرد وابتسمت مصدرة صوتاً دالاً على ما تشعر به، لكنها أحست بالدفء فجأة فحدقت بصاحب الغطاء لتجده إستبان الواقف خلفها على بعد بضعة سنتيمترات. بارتباكٍ شديدٍ وجهت بصرها نحو البحر الهادئ وأجبرت عقلها عن التوقف عن التفكير، ربما من الأفضل أن تتصرف على سجيتها وتقوم بما يمليه عليها قلبها.

    اقترب ووضع يديه على السور الخشبي المحيط بالسفينة فقد أحس بزنها لم ترفض وجوده، استمر الهدوء القاتل بينهما فأصبح صوت أمواج البحر المُرتطمة بالسفينة واضحاً.

    خلا الدقائق العشر التي مرت استجمع الاثنان شجاعتهما ونطقا لكنها تحدثا في الوقت ذاته فلزما الصمت لثوان آخرى كلاهما ينتطر الاخر ليتحدث. حدث الشيء ذاته عدة مرات مما دفع إليوت المختبئ خلف أحد العمدان الخشبية الطويلة للضحك، همس لنفسه:

    ـ على هذا الحال سيبقيان كثيراً في هذا الجو البارد..

    على ما يبدو كان مستمتعاً بمشاهدة هذين الأخوين في حالٍ مربكة كهذه، قررت بيانكا حينها أن تترك الفرصة لإستبان وتصمت، فهو الذي يجب أن يتحدث ويُعيد كل شيء كما كان، فهذا خطأ عائلته.

    ـ حسناً.. أنا أعتذر على كل ما حدث، ما كان يجب أن نُخفي عنكِ الحقيقة أبداً، وكان من المفترض أن نترككِ تذهبين مع لوغان هذا إلى والديكِ بدل البقاء معنا طوال هذه السنوات، لذا أنا حقاً آسف على ما بدر مني ومن عائلتي.

    بتلك الكلمات البسيطة شعرت بصدق اعتذاره ورغبته الشديدة في أن تسامحه، خاصة من ملامحه المتألمة وهو يقول عبارته. في الحقيقة، هي قبلت كل شيء منذ البداية ودون أن يحتاج للاعتذار حتى، فقد وضعت لهم الأعذار لرفضهم أن يأخذها لوغان، فماذا لو كان يكذب!! ماذا لو كان صياداً؟

    نهاية الفصل



  14. #173

    الأسئلة:
    - ما رأيكم بالفصل بشكل عام؟ أعني مشاعر الأبطال فيه؟
    - كيف ستقابل كلوديا تشارلز بعد الموقف المحرج؟ كيف ستنجو منه؟
    - كيف ستتخطى كلوديا أزمتها مع نبلاء هايسي؟
    - ما الذي سيفعله تشارلز لو علم بأمر النبلاء؟

    أنتظركم على أحر من الجمر
    في أمان الله ورعايته وحفظه

  15. #174
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    مبارك عليك شهر رمضان ... وكل عام وانتِ بخير

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة مجوكـهـ مشاهدة المشاركة

    الأسئلة:
    - ما رأيكم بالفصل بشكل عام؟ أعني مشاعر الأبطال فيه؟

    • الفصل قصير نوعا ما والهدوء يسيطر على الاحداث، ولكن هذا لا يقلل من روعته. مشاعر الابطال بعضهم مشاعره واضحه، بينما بعضهم تبدو مشاعره مضربه واهدافه غير واضحه حتى لنفسه.

    - كيف ستقابل كلوديا تشارلز بعد الموقف المحرج؟ كيف ستنجو منه؟

    • اذا استطاعت الوقوف وتدارك نفسها بسرعه قبل دخوله فستكون قد نجت

    - كيف ستتخطى كلوديا أزمتها مع نبلاء هايسي؟

    • هذا ليس بالامر السهل، وستحتاج الى الذكاء في معاملتهم، فهي لا يجب ان تعاديهم

    - ما الذي سيفعله تشارلز لو علم بأمر النبلاء؟

    • وهل وهو حقا لايعلم .. هم دائما هكذا، لذا لا اضن انه ستكون هناك مشكله، فقد يساعد كلوديا او يقوم بتصريف شؤونهم

    شكرا لك .. ولا تتاخري علينا بالفصل القادم

  16. #175
    فـلورا
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    مبارك عليك شهر رمضان ... وكل عام وانتِ بخير
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    علينا وعليج، وأنتِ بألف خير embarrassed
    << عذراً على التأخر في الرد nervous

    الأسئلة:
    - ما رأيكم بالفصل بشكل عام؟ أعني مشاعر الأبطال فيه؟
    • الفصل قصير نوعا ما والهدوء يسيطر على الاحداث، ولكن هذا لا يقلل من روعته. مشاعر الابطال بعضهم مشاعره واضحه، بينما بعضهم تبدو مشاعره مضربه واهدافه غير واضحه حتى لنفسه.
    - كيف ستقابل كلوديا تشارلز بعد الموقف المحرج؟ كيف ستنجو منه؟
    • اذا استطاعت الوقوف وتدارك نفسها بسرعه قبل دخوله فستكون قد نجت
    - كيف ستتخطى كلوديا أزمتها مع نبلاء هايسي؟
    • هذا ليس بالامر السهل، وستحتاج الى الذكاء في معاملتهم، فهي لا يجب ان تعاديهم
    - ما الذي سيفعله تشارلز لو علم بأمر النبلاء؟
    • وهل وهو حقا لايعلم .. هم دائما هكذا، لذا لا اضن انه ستكون هناك مشكله، فقد يساعد كلوديا او يقوم بتصريف شؤونهم
    أجل، للأسف كان قصيراً sleeping ولهذا فصل اليوم طوله هو ضعف طول هذا الفصل، وهو أطول فصل أضعه هنا zlickdevious

    laugh ربما لن يحالفها الحظ في التمكن من الوقوفdevious

    أجل، يجب أن تصبر على عدائهم لها، تحاول أن تحل المشكلة بروي وتريهم كم هي تهتم لأمر هايسي ^^

    لننتظر ونرى ما سيفعل devious


  17. #176


    الــســلام علــيكم ورحــمة الله وبركــاته
    كيف حالكم؟ أتمنى أنكم بأفضل حال

    embarrassed عيد سعيد036، كل عام وأنتم بخير وصحة وسلامة embarrassed

    فصل اليوم طويل، ومليء بالأحداث التي ستقلب حال الأبطال قليلاً devious
    لقد فكرت في قسمه لفصلين، لكن بما أنني لم أضع فصلاً في رمضان، فاعتبروا هذا "عيدية" مني knockedout

    أترككم لتستمتعوا rambo

  18. #177


    الــجــزء الـثالـث : طــريــقُ الــعــودة
    الـفـصـل الأول : تـقـلـبـات.


    أغمضت عينيها مستعدة للارتطام القوي وهي تفكر في الطريقة الوحيدة التي تستطيع أن تخرج بها من هذا الموقف المُحرج، وهي بأن تُمثل إغماءها.

    تتالت حولها الأصوات بخوف صارخةً ثم أصبحت تنادي بكلمة واحدة فقط:

    ـ سيدي!

    وفي تلك الثانية تحديداً أسرع تشارلز ناحيتها ومد يديه لتسقط عليهما دون أن تُصاب بأي أذىً، لم تعلم ما الذي سيسبب لها الاحراج أكثر، السقوط بين يديه أو على الأرض! لكنها متأكدة بأن الموقفين مُحرجين جداً.

    حاولت فتح عينيها أكثر من مرة لكن شعورها بالاحراج قد سيطر عليها خاصةً وأنها لا تزال بين يديه، أما هو فقد كان قلبه يدق كالطبول، بسرعة كبيرة، بل أسرع من دقات قلبها هي، حتى شعر بأن صوته بدا واضحاً جداً للجميع، ابتلع رمقه وهمس سائلاً:

    ـ كلوديا.. هل أنتِ بخير؟

    هدأت نفسه وارتاح قلبه حينما فتحت عينيها اللازورديتين الجميلتين كالبحر الهادئ تحت سماء صافية، أجابj بإماءة خفيفة وساعدها هو على الوقوف. تنهدت بارتياح بداخلها حالما استطاعت الوقوف بمفردها وبعيدة عن تشارلز، مصدر الاضطراب الذي أصاب قلبها، وحالاً ابتدأت أسئلة الوصيفة عن أحوالها وإذا ما كانت تشعر بأي ألم أو دوار لكنها أخبرتها بأنها لا تحتاج لرؤية الطبيب كما ألحت، وهي بخير فلم يصبها أي شيء.

    ابتسم تشارلز في حين غادر الجميع المكان تاركين الاثنين لوحدهما:

    ـ لم أتوقع أن تكونِ من محبي قراءة الكتب!

    التقط الكتاب الذي وقع على الأرض، لكن دون أن يحدث به شيء وأكمل باستغراب:

    ـ الاحتفالات هنǿ

    ارتبكت أكثر، فهي لم ترد أن يعرف عن ما حدث اليوم وبالكاد استطاعت منع الوصيفة من اخباره، يجب أن تجد عذراً آخر وفي الحال:

    ـ أجل، أريد أن أعرف أكثر عن هايسي.. من كل جانب، لكنني لم أستطع إيجاد البقية والمتعلقة بتاريخ هذه البلاد.

    أصدر لحناً خفيفاً ومرحاً بينما كان يسحب كتباً آخرى من مكانها وسط دهشة كلوديا، انتظرته حتى انتهى من ما كان يفعله وسألته بفضول:

    ـ ما هذا كله؟!

    قدم الخمسة كتب إليها قائلاً بابتسامة جذابة:

    ـ هذه الكتب هي كل ما تحتاجين..

    اعتراه الاستغراب ثانيةً مجتمعاً بالفضول:
    ـ لكن هل أنتِ متأكدة من ما تريدين؟ فالكثير من المعلومات التي لن تفيدكِ موجودة فيها.. بإمكاني أن أجيبكِ عن أي سؤال.

    اتسعت عينيها، هو الشخص الوحيد الذي لا تريده أن يعرف:

    ـ في الحقيقة.. ليس لدي سؤالٌ معين..

    لحسن حظها انطلى عليه الأمر بسهولة فقال دون أن يخلع الابتسامة اللطيفة عن وجهه:

    ـ آوه هكذاً إذاً.

    شكرته بسرعة وغادرت بعدما حضر حارسه الشخصي وتمتم بضعة كلمات عن اجتماع بمستشاريه.

    راقبها تخرج بعينين مبتسمين وحانيتين متمتماً لنفسه:

    ـ لم أتوقع هذا! لكنها تتخطى الأمر جيداً..

    فهمس لورانس بهدوء سائلاً:

    ـ هل ستفعل شيئاً للنبلاء؟

    أجاب الأخير مغمضاً عينيه لثانيةٍ مظهراً وثوقه بها:

    ـ كلا، سأنتظر لأرى ما الذي ستفعله..

    قد يكون ذلك مستحيلاً بالنسبة لكلوديا، خاصةً وأنها ابنة العدو الذي يخطط دائماً للنيل من دولتهم هذه؛ فكيف سيعطونها ثقتهم! لكنه إن لم يثق بها ويعطيها فرصة لتوضح موقفها من منصبها الجديد أمامهم فلن تحصل على ثقة أحد!!

    ~


    خلال اعتذار واحد وقصير عادت المياه لمجاريها، وهذا ما أراح الثلاثة كلياً وجعلهم يستمتعون أكثر بمنظر البحر الخلاب. فنال الجميع نوماً هانئاً دون الشعور بأدنى قلق حتى بدأت الأمواج الغاضبة بضرب السفينة من كل جانب والتلاعب بها كفريسة سهلة الصيد!

    أجبرت جلبة البحارة بيانكا على الاستيقاظ والخروج من غرفتها لمعرفة السبب، فوجئت بتلك الصواعق والأمطار الغزيرة. كان الجميع يهرلون على ظهر السفينة لحماية البضائع والموءن وكل ما قد يكون له أهمية لهم. بسبب ميلان السفينة التصقت بالحائط الخشبي لغرفتها وقد تبللت كلياً، ارتجفت من البرد وضمت نفسها قليلاً، تريد العودة للدفء على سريرهǺ إلا أنها تشعر بالقلق الشديد حول تلك العاصفة وما قد تسببه من أضرار، ماذا لو سقط أحدهم في مياه البحر وغرق!

    تمايلت السفينة ثانيةً فأسقطتها على الأرض ولم تترك لها المجال لتنهض بل تراقصت أكثر على تلك الأنغام المدوية، مع كل تلك المياه بدأت بالانزلاق بعيداً عن غرفتها حتى وصلت للسارية الطويلة فالتصقت بها وأحاطتها بيديها جالسة على الأرض الباردة.

    لمحت أخيراً إستبان وإليوت اللذان كانا يساعدان البحارة في ربط الصناديق الخشبية قبل أن تُلقى في البحر كما حدث مع مجموعة منهم. اعتقدت بأنه من الأفضل لها وللبقية أن تعود لغرفتها ولا تسبب لأحد متاعباً فوق ما يواجهونه من هذا الجو المتقلب، زحفت بخوف وقلبها يقرع كالطبول عائدة إلى مكانها، وكانت بين حين وآخر تلتصق بالأرض لتتمسك بها قبل أن تُرمى من على سطح السفينة في تلك المياه الهائجة.

    قبل أن تصل بمسافة قصيرة، أجبرها صندوق خشبي عملاق على الانزلاق عن مكانها بسبب ثقله الكبير، فقد دفعها حتى وصلت لحافة السطح وهي تصرخ بخوف شديد من الوقوع، هي لم تجرب السباحة وتشك حقاً بأنها ستستطيع ذلك خلال هذا الأمواج العاتية، بدأت تستنجد بإستبان منادية باسمه بأعلى صوت تمتلكه حتى انتبه إليها أخيراً وأصابته الصدمة والرعب فأُجفل عن التحرك لفترة يستوعب فيها الحقيقة والواقع.

    لفت تجمد جسد إستبان انتباه إليوت فألقى نظرة سريعة لمكان سقوط عينيّ الأول ليصدم هو الآخر بالموقف الذي لم يحسب حسابه أبدآً! خلال ثانية واحدة فكر الإثنان في الانزلاق نحوها بأقصى سرعة وقبل فوات الأوان، ولحسن حظهما أو ربما لسوءه مالت السفينة ناحية الجهة التي يريدان أن ينزلقا لها، قفزا منزلقين على تلك المياه ووصلا في لمح البصر إليها، قدم كل واحدٍ منهما يداً لها لتتمسك بها وتصعد لكن أحد الصناديق المندفعة بقوة اصطدم بالإثنان بقوة فاجأتهما وأجبرت الجميع على الوقوع في البحر.

    ~


    مضى الأسبوع تعيساً عليها، بذلت الكثير من الجهد في سبيل التعرف على هايسي أكثر، ولا زال النبلاء عند موقفهم منها. يجب أن لا تدخر أي طاقة لديها وتحاول بشتى الطرق أن تُقنعهم بمدى صدق حبها لبلادها الجديدة. لكنها حقاً تعبت كثيراً، فلم تبذل هذا الجهد كله من قبل وتحتاج الآن لشيء يرفه عن نفسها قليلاً.

    ـ ماذǿ حفلة تنكرية؟ حقاً! أين؟

    ابتسمت الوصيفة بارتباك:

    ـ ستقام الليلة في قصر أحد النبلاء..

    ـ أريد الذهاب!

    اتسعت عينها بشدة:

    ـ سيدتي! ما الذي تقولينه؟! لن يسمح أحد بذلك! فقد تتعرضين لأي أذى هناك.. وكذلك.. إن النبلاء لم..

    استصعبت نطق الكلمة وفضلت الصمت في حين أن كلوديا فهمت مرادها وتركت الابتسامة تلوح على شفتيها دون أن تعير الأمر أي اهتمام:

    ـ لا بأس، كما قلتِ إنها حفلة تنكرية.. لن يتعرف إلي أحد!

    ـ لكن يا سيدتي، لن نستطيع، الملك لن يوافق على الذهاب!

    اتسعت ابتسامتها حتى وصلت لعينيها:

    ـ من ذكر شيئاً عن إخباره!

    ابتلعت ماريتا رمقها وهي تحاول ردعها عن هذه الرغبة الغريبة:

    ـ أرجوك سيدتي.. يجب أن لا تغادرِ القصر مهما حدث، لا تنسي بأنكِ الملكة هنا.. ما الذي سيقوله النبلاء لو علموا بالأمر.. ستحدث ضجة هنا جراء هذا!

    حاولت اختلاق بعض الأعذار لمنعها من الذهاب إلا أن كلوديا قد أصرت على حضور الحفلة الممتعة، كما أطلقت عليها في خلدها.



  19. #178


    دخل بهدوء وملامح باردة لغرفة الاجتماعات تلك، نهض على الفور جميع من بالغرفة احتراماً لتشارلز وانتظروه حتى جلس على عرشه الذهبي، في مثل هذه الاجتماعات المزعجة يلجأ دائماً لارتداء قناع الصلابة والبرود هذǺ فإن لم يفعل ذلك.. يعرف بأنه سيُرمى كالكرة بين المجموعات المتنافسة للحصول على أعلى المناصب وأقوى الكلمات. انتظر بسأم حتى تحدث أحدهم، وقد كان المستشار الحربي:

    ـ سيدي الحاكم، هل فكرتم بالاقتراح الذي عرضناه عليكم؟

    استنشق مقداراً كبيراً من الهواء، يبدو أن هذا المستشار لا ييأس حقاً! لقد أعرب في الاجتماع السابق عن رفضه الشديد لفكرة الاحتلال هذه!!

    ـ يبدو أنك لم تفهم موقفي من هذا الاقتراح، سيد ريكتور! نحن لا نحتاج إلى احتلال هايبلان! بدل إضاعة جهد الجنود والمؤن لمثل هذه الحرب من الأفضل أن نكرس كل الجهود والطاقات لتحسين وضع البلاد.

    بدا الحزم على هذا المستشار المزعج، ولم يقبل بهذه الأعذار -كما يلقبها- لذا واصل فرض رأيه بتشجيع من بقية مجموعته بعد أن قال:

    ـ لكن يا سيدي، لن نستطيع فعل كل هذا لقلة الأموال لدينا، وكذلك قلة الأراضي.. الفقراء هنا يعانون من المساحات الصغيرة فلا تكفيهم لزرع محاصيل متنوعة تدر عليهم بعض المال.

    شعر بالغضب يجتاحه، ما بال هذا الرجل! يريد منه أن يوافق على سرقة أراضٍ آخرى وهو طوال فترة حكمه يحاول بكل ما باستطاعته منع الدول الاخرى من احتلال أرضه.. فكيف يقوم هو بهذا الفعل الشنيع؟!

    ـ لماذا إذاً أنتم موجودون هنا إذاً؟ ألا تستطيعون التفكير في حلٍ مناسب؟ ماذا لو كنا وحدنا على جزيرة.. هل ستحتل البحر لتحصل على خيراته؟

    ارتبك المستشار وتجهم وجهه، إنه حقاً لا يملك أي عذر على هذا، لكن نبلاء هايسي يريدون توسعة ممتلكاتهم، لذلك أجبروا هذا المستشار على طلب الاحتلال ووافق دون تردد؛ فهو بالتأكيد سينال جزءً من الأملاك الجديدة مثلهم تماماً.

    فهم تشارلز منذ البداية مبتغاهم الحقيقي، ولم يرغب في إعطاءهم فرصة حتى، فهذا الأمر منتهٍ بالنسبة له.

    وقف رجلٌ آخر كانت تهمه هو أيضاً مصلحته فوق مصلحة البلاد والشعب فقال بدهاء وثقة:

    ـ إن أحد الأسباب التي تدفعنا لطلب هذا هو أننا مهددين من قبل حاكم هايرين وسنبقى مهددين من قِبله وقِبل قواته بسبب ضعفنا الحربي، نحن لم نحاول التوسع لذا لا أحد يخشى قواتنا التي لم تخض حروباً كثيرة تبث في جيوشنا خبرات المواجهة وفي أعداءنا رهبة مقاتلتنا.

    ~


    حل المساء وحان وقت الاستعداد للحفلة المنتظرة. في طريقها لغرفة ملابسها الخاصة التقت تشارلز المعكر المزاج، لكنه حالما لمح فستانها المميز ارتدى ابتسامة لطيفة مستقبلاً تحية المساء منها. سألها بفضول وهو يرى وصيفتها تحمل بعض الكتب:

    ـ هل أنهيتِ قراءة جميع هذه الكتب؟

    أخفت ارتباكها ببراعة حين أجابت بسهولة غريبة:

    ـ كلا، قررت أن أقرأها في المكتبة.

    ابتسمت وهي تنحي له مبتعدة وقلبها يقرع بجنون من شدة خوفها من أن تُكشف وفرحها الشديد بالمغامرة القادمة. ألقت نظرة آخرى على مكان وقوفه لتتأكد من مغادرته فأطلقت تنهيدة طويلة تعبر عن انجلاء قلقها. وفي الوقت ذاته سمعت تنهيدة آخرى بجوارها، التفتت إلى السيدة ماريتا لتبتسم على ملامحها المتوترة:

    ـ أعتذر سيدة ماريتا..

    إلا أن الوصيفة اكتفت بالابتسام، فهي متأكدة بأن ما ستقوله لن يحنيها عن رغبتها. اتجهتا للمكتبة وتركتا الكتب على إحدى الطاولات الخشبية ثم أسرعتا بمغادرة المكان نحو العربة التي تنتظرهما في الخارج.

    اتسعت ابتسامتها بشدة وهي تلمح القصر الجميل والموسيقى العذبة تتراقص على نسمات الهواء مندفعة إلى الخارج، ارتدت قناعها الأسود حول عينيها كما فعلت وصيفتها ثم خرجتا من العربة بمساعدة الحوذي.

    ابتهجت وهي ترتقي الدرج بكل هدوء رغم الإزعاج الشديد الذي يصدره قلبها، غلفتها الأنغام العذبة وحثتها على الإسراع في تخطي المسافة الطويلة بين المدخل العريض وقاعة الاحتفال العملاقة.

    تلألأت عيناها واتسع بؤبؤيها، الجميع يرتدي تلك الأقنعة المزخرفة ببساطة راقية مخفياً هويته، لينعم بالمرح دون أي داعٍ للرسميات والشكليات المملة والمُقَيدة.

    سارت بين الجموع الواقفة حتى وصلت لزاوية هادئة تساعدها على مراقبة كل شيء دون الحاجة للاختلاط بهم. مركزها الجديد هنا لا زال عالقاً في ذهنها، لا تريد أن تتسبب بالمشاكل لأي أحد، لذا من الأفضل أن تمتع ناظريها فقط.

    ظلت تتأمل المناظر الجميلة من حولها، السقف بتلك الأضواء اللامعة الذهبية والتي عكست ألوانها البراقة على الأرضية الرخامية والخالية من أي شوائب تعكر انعكاس الراقصين عليها.

    بدا الشبان والفتيات كفراشاتٍ تتطاير بعذوبة على أنغام الموسيقى، والضحكات تتناقل بينهم كعدوى جميلة. حدقت بهم برغبة شديدة ومُلحة في مشاركتهم. لم تُحب يوماً الحفلات المُقامة في قصر والدها، كرهت مقابلة النبلاء والبقاء على عرشها قرب الملك، بغضت كل شيء.. فقد كان لها حدودٌ كبيرة تُعيقها من الاستمتاع والتطلع إلى حضور حفلاتٍ مبهرجة ولائقة، لذا الآن، تجد أن كل ما تراه ليس سوى حلم صعب المنال، بالكاد تشعر أن وجودها في المكان حقيقي.. فلا طوق يعيقها ولا نبلاء يتمردون بالاقتراب منها لصنع علاقاتٍ واهية مبنية على المصلحة الشخصية.

    امتدت يدٌ طويلةٌ أمامها، لشابٍ وسيم الملامح، شعره الأشقر الأملس يتساقط على جانبي وجهه متمايلاً مع نسيم الهواء العليل، عيناه الزرقاوتان بدتا كسماء صافية تخللتها بعض الغيوم الصيفية.

    ارتبكت، فكرت في رفضه وبحثت عن وصيفتها علها تحل المشكلة نيابةً عنها لكنها اختفت! لم تعشر بمغادرتها ولم تنتبه..!

    ابتسم بخفة من خلف قناعه الهادئ ومد يمناه ثانيةً لها بينما قاد الأخرى لصدره وهو يدعوها:

    ـ هل تقبل آنستي اللطيفة بمراقصتي؟

    فكرت هي لم تأتِ إلى هنا للمشاهدة فقط، يجب أن تجرب كل شيء؛ فقد تكون هذه المرة الأخيرة لها في مثل هذه الحفلات. لكنها في الحقيقة شعرت بالتردد، شيء ما أخبرها أن تبقى في مكانها وتراقب كل شيء ثم تعود إلى القصر وكأن شيئاً لم يكن.. طردت ذلك الشعور، وقربت يدها منه حتى تركته يقودها إلى ساحة الرقص.

    ترك يده تُحيط بخصرها بينما أراحت يسراها على كتفه وعانقت يمناها يده تاركة أصابعة لتتخلل المسافة بين أصابعها هي.

    ترنحا بخفة ليناسب وقع خطواتهما المرن مع إيقاع الموسيقى الرنان، كان جميلاً حالماً وخلاباً، جعلها تنسى كل ما حولها، فقط هي وهو والأنغام الهادئة في بقعة الضوء الدائرية.

    قلبها جُن جنونه وأخذ ينبض بقوة جالباً الحرارة لجسدها كله، شعرت بالسعادة الشديدة وسط هذه الأجواء الشاعرية.

    مضى الوقت سريعاً وحان وقت افتراقهما، لم تبدُ سعيدة بذلك، فهذا الشاب بدا مألوفاً لها، شخصاً تستطيع أن تكون معه دون أن تخاف من مركزها.

    قبل أن تصل لمكان وقوفها السابق دعاها شابٌ آخر لمراقصته. قبلت ورقصت معه إلا أن السعادة التي شعرت بها مع الشاب الوسيم الأول لم تزرها خلال رقصها مع هذا الغريب البارد؛ فلسببٍ ما شعرت بالدفء عندما كانت برفقة الأول.

    وقفا بالقرب من إحدى الطاولات بعدما انتهيا، التقط كأساً مُلئ ببعض العصير اللذيС قدمه له بينما ارتشف هو من كأسه، تسامرا قليلاً حتى حان أخيراً موعد العودة. وللأسف لم ترَ الشاب ذاك ثانيةً.. كانت تشعر بالفضول حول هويته، ففي هذا النوع من الاحتفالات يحاول كل شخص التعرف على الآخر وإن نجح في تخمين هويته فإن طلبه سينفк ولأنها جديدة على نبلاء هذا المكان فلم تعرف أحداً من الموجودين، ولم تألف وجوههم حتى! عدا ذلك الشاب الهادơ أعتقدت بأنه شخصٌ تعرفه جيداً، وتمنت أن ترى وجهه قبل أن يغادر المكان.

    عادت للقصر، وتسللت بهدوء برفقة السيدة ماريتا حتى وصلت لغرفتها. لحسن حظها لم تجد تشارلز وتوقعت أنه لا زال مشغولاً ببعض الأشياء. أخذت حماماً سريعاً وغفت بهدوء على السرير.

    رغم أنها سعيدة بكل ما حصل، إلا أنها تشعر ببعض الذنب لكذبها وإجبار وصيفتها على الكذب. والآن هي منهكة جداً وتريد الاسترخاء. فربما ستعترف بما فعلت في الصباح وتعتذر.




  20. #179


    على الشاطئ الهادơ ارتفع صوت الأمواج المتراطمة بالرمال الناعمة، وضوء القمر الذي اعتمر السماء أخيراً بعد تلك العاصفة الهوجاء يخبو مع كل غيمة تحاول اغتنام الفرصة ومنعه من الظهور.

    فتح عيناه السوداوتين ببطء شديد، ظل يفترش الأرض دون أن يعير ما حوله أي اهتمام، ظن نفسه في حلمٍ ما فلم يتكبد عناء قلب جسده والاسترخاء على ظهره.

    أصوات المد والجزر تعلو في أذنيه فأغلق عينيه مستمتعاً بالنسيم العليل وتلك الأصوات الخفيفة حتى شعر بشيء غريب يسير على ساقه؛ هب جالساً ومبعداً قدميه عن موضعهما السابق ليجد بعض الكائنات البرمائية تجول على الشاطئ.

    استغرب مكان وجوده عندما استوعب أخيراً أنه في مكان غريب ومختلفٍ تماماً. حاول التذكر حتى وصل إلى تلك الأمطار الغزيرة، الرياح العاتية والأمواج الهائجة، تذكر سقوط بيانكا في البحر، وسقوطه هو وإستبان!

    التفت بسرعة ألمت رقبته بحثاً عن بيانكا، لم يجد لها أي أثر في المكان، دُهش وانتابه القلق، همس لنفسه بصدمة:

    ـ هل غرقت في البحر؟

    نهض من مكانه ليبحث بجد أكبر ووجد إستبان مسلتقياً على بعد بضعة أمتار، كان نصف جسده مغموراً في المياه فحاول حمله إلا أن ثيابه الثقيلة صعبت عليه المهمة فلم يستطع سوى جره بعيداً كيلا ينجرف مع حركة المد والجزر.

    تمعن في ما حوله، حُطام، وبعض الصناديق الخشبية التي وصلت بحالة سيئة، حاجياتٌ عديدة وأخشاب متناثرة.. وأيضاً أثار أقدام! انتابه شعورٍ سيء حيالها وهو يراقب امتدادها لما بعد النباتات والجبال الرملية الصغيرة.

    ـ ما الذي تنظر إليه؟

    جذب انتباهه صوت إستبان الذي نهض من توه من سباته العميق، بحث هو الآخر عن أي دليل لجسد بيانكا فدُهش عندما لم يجدها قريباً منهما:

    ـ أين بيانكǿ

    تنهد بيأس وخطواته تتباطئ نحو الجالس على الرمال الناعمة:

    ـ لا أعلم! لم أجدها عندما استيقظت؟

    اندفع بقوة نحوه وأمسك بياقة ملابسه المبتلة قائلاً وقد استعر به الغضب:

    ـ لماذا لم تبحث عنهǿ ولماذا لم توقظني؟!

    رأى إليوت أن الوقت ليس مناسباً لبدء شجار فأبعد يد إستبان عنه وقال بملامح جادة:

    ـ يجب أن نجدها في الحال.. قد يكون هناك صيادون.. وربما أمسك بها أحدهم! فأثار الأقدام تلك لا تعود إليها.. الحذاء مُختلف!

    أصدر إستبان صوتاً مزعجاً من بين أسنانه دالاً على غيضه والقلق عليها يزلزل قلبيهما رعباً وقلقاً على ما حل ببيانكا.. فهي حقاً قد تكون بين أيديهم الآن وربما أخذوا من القلادة.. قد تموت! ما الذي سيحدث لها لو أن القلادة نُزعت من على رقبتهǿ! هل ستمـ..؟ لم يستطع إكمال الكلمات المُزعجة تلك ونفض إستبان تلك الأفكار من رأسه ثم تبع الأول في خطواته. قبل أن يتعمقا كثيراً بحثا بين البضائع المتناثرة، وداخل الصناديق الخشبية ليجد إستبان خنجراً ذهبياً وبعض السيوف، أخذ كلٌ منهما سيفاً وخبأ الأول الخنجر في حذاءه للحالات الطارئة، وعندما يُضطر للتخلي عن سيفه!

    كانت النباتات تعيق تقدمهما كل حين، الصخور العملاقة والمتقاربة صعبت عليهما البقاء في خطٍ مستقيم، فظلا يسيران في خطوطٍ متعرجة حتى بات المكان كالمتاهة ولم يعودا يعرفان الطريق التي أتيا منها!

    ~


    قطرات ماء باردة تنحدر من الصخور وتسقط بسرعة على الأرض الصخرية في نهرٍ طويل يمتد أسفل نفق صغير لا يسمح إلا بمرور الحيوانات.

    وصوتٌ مختلف كان يقحم نفسه بين حين وآخر في المكان، بدا كأشياء تُهشم وتعصر، ثم تتوقف لتعود من جديد. لكنها هذه المرة توقفت مدة طويلة، ثم أصبح هنالك صوت خطوات قريبة بل إنها تحاول الاقتراب من موضع جسدها، فزعت! من قد يكون القادم.

    تحسست الأرض تحتها فوجدتها مليئة بالأعشاب القوية، بعض الملابس المهترئة والتي كانت قد خُيطت ببعضها لتصبح كملائة دافئة، وصخرة غطتها بعض الأعشاب الخفيفة، ذات الرائحة العطرة يستند إليها رأسها.

    أخيراً! أصبح ذلك الجسد المُقترب واضحاً جداً أمامها بفضل ضوء الشمعة التي يمسكها الشاب بيمناه.

    بدا رقص شعلة النار الصغيرة على الشمعة البيضاء القصيرة بسب نسمات الهواء كشعر الفتى الواقف للأعلى بشكلٍ غريب، ومماثلاً له في لونه النابض بالحياة. عيناه التي بالكاد تبينت لونهما العشبي كانتا تُحدقان بها بطريقة مُريبة، ارتعدت أوصالها وظل جسدها يرتجف بخوف، أين هما إستبان وإليوت؟ وما هذا المكان بالتحديد؟ بل كيف وصلت إليه؟.. أخر ما تذكره أنها وقعت في البحر معهما، ثم فتحت عينيها لتجد السقف المظلم ذا الصخور المدببة البارزة بشكلٍ حاد أمام عينيها. لم تكن متأكدة من نجاتها بعد تلك العاصفة، لكنها هنا الآن وأمام هذا الغريب.

    التقطت يمناه يدها بهدوء بعدما جلس على ركبتيه واضعاً الصدفة التي كانت الشمعة ملتصقة بها على الجذع القوي القابع بجوارها، أرسل في جسدها كهرباءً غريبة إثر لم أصابعه النحيلة ليدها الباردة، إنها خائفة وقلبها ينبض بحدة، قطرات العرق بدأت بالتجمع على جبهتها وظهرها. تريد أن تختبơ أن تهرب.. أن تفعل أي شيء لتبتعد عن هذا المكان.. لكنها تشعر بأن عيناه تحسبها في مكانها، تجبرها على البقاء مستلقية دون حركة.. إنها حتى لا تستطيع إبقاء عينيها عن وجهه.

    فجأة شعرت بشيء ما يُمرر على يدها، كان أحد أصابعة المحملة بشيء أخضر دافơ بدا كعشبة ممزوجة ببعض الأشياء السائلة، سألته وصوتها بالكاد يخرج واضحاً:

    ـ ما هذǿ

    دون أن تتغير ملامحه الهادئة ولا حتى الوجهة التي يحدق بها:

    ـ يبدو أنكِ أصبتِ في عدة أماكن، وهذا الدواء سيشفيها كلها.

    ألقت نظرة على يدها، حيث وضع هو الدواء، وجدته محقاً.. كانت المنطقة تشع حمرة وخط طويل من الدم الجاف يتوسطها، في يمناها جرحٌ آخر يمر على ظاهر يدها، وفي قدمها اليسرى بالقرب من أصابعها حيث أشار.. لكنها لا تشعر بالألم، ولم تدرك بأن لديها كل هذه الجروح إلا بعد أن أخبرها هو.

    ـ لا تشعرين بالألم الآن لأنكِ شربتِ عشبة مخدرة.. فيبدو أن يمناكِ قد كسرت بعد الارتطام بشيء قوي.

    تذكرت الصندوق الخشبي الذي ارتطم بها.. لم تعطِ للأمر اهتماماً كبيراً عندما حصل، فقد كانت مشغولة بمحاولة الابتعاد عن طريقه كي لا يجرفها معه إلى البحر وهذا للأسف ما حدث.

    قررت أخيراً أن تشكره بعدما تبين لها أنه شابٌ طيب ولن يحاول إلحاق أي ضررٍ بها، ثم وجدت الفرصة جيدة لتسأله عن هذا المكان الغريب؛ ليجيبها بذات النبرة الهادئة والباعثة على الطمأنينة:

    ـ على جزيرة جيسال.

    عندما شعر بأنها لا تدرك حقيقة المكان، ولم تسمع باسمه سابقاً، أردف موضحاً:

    ـ إنها جزيرة صغيرة، تقع بالقرب من إمبراطورية هاي، وهي مليئة بالكهوف.. وهذا الكهف هو منزلي.

    اتسعت عينيها دهشة وتمتمت باستغراب:

    ـ منزلك؟ إذاً.. أين هم أهـ…

    أجاب وقد فهم سؤالها دون الحاجة لانتظارها لتكمل:

    ـ لا أحد على هذه الجزيرة سواي.. مات الجميع قبل بضعة سنوات..

    مات الجميع! إذاً لماذا لا يزال يعيش هنǿ وكيف ماتوǿ أسئلة كثيرة دارت في عقلها ولم تجد الوسيلة المناسبة لإلقاءها عليه فاكتفت بالتزام الصمت الذي أحكم سيطرته على الجو الهادئ. لكن سؤال ما باغتها وخرج من فمها قبل أن تفكر به حتى:

    ـ هل أنت من حملني إلى هنǿ ألم ترَ شابين أخرين؟

    تجاهل سؤالها ملقياً سؤالاً آخر كان قد احتل جل تفكيره منذ أن لمحها مستلقية على الشاطئ قبل نصف ساعة:

    ـ من أين لكِ هذه القلادة؟

    أوقف يديه عن العمل وظل يحدق في وجهها، أو بالأحرى بالقلادة منتظراً إجابتها، ترددت قليلاً في التفوه بالحقيقة، فماذا لو كان هذا الشاب صياداً؟ وماذا لو كان يخدعها طوال الوقت؟ وذلك الدواء المخدر أو أياً كان.. ربما أعطاها إياه ليستطيع سرقة القلادة دون أي مقاومة منها! ابتلعت رمقها بصعوبة، كيف ستنجو الآن؟




  21. #180


    خلال ساعات الصباح الأولى، علا صراخها المتألم، كما لو أن ناراً اشتعلت بجسدها، لا تعرف ما يحصل، ولم تستوعب ما حولها ولا أي شيء.. فقط تقبض على الملاءة المزخرفة بخيوط الذهب الجذابة، تسمع الكثير من الأصوات حولها، إزعاجٌ لا مثيل له يصم أذنيها، حتى نسائم الهواء الهادئة تشعر بها كإبرٍ حادة تقتحم جسدها لتدب فيه برداً قارصاً يخالف الألم المشتعل داخلها، وشيئاً فشيئاً بدا كل ذلك الأذى يختفي تدريجياً منها ليسمح لها بقسطٍ من الراحة.

    لسوء الحظ لم يكن أي أحدٍ بجوارها في ذلك الوقت، فتشارلز نهض قبل أن تبزق الشمس وأسرع لاجتماع مهم. لكن السيدة ماريتا والتي أخبرتها الخادمة الخاصة بكلوديا عنها فحضرت على الفور لتصدم بهدوءها والذي كان عكس ما وصفته الخادمة تماماً.

    اقتربت منها لتتأكد وفوجئت بحرارتها المرتفعة، صاحت بالخادمة بسرعة لتستدعي الطبيب الخاص ومن ثم أسرعت نحو الخادمات الواقفات بالخارج لتطلب منهن وعاءً مليئاً بالماء البارد ومناشف بيضاء وأغطية أخرى.

    بدأن الخادمات بتبديل ملابس كلوديا المبتلة كلياً بعرقها الذي لم يتوقف عن الظهور منذ ألمت بها هذه الحمى الغريبة، دفأتها السيدة ماريتا جيداً وبدأن بمسح رأسها وجبهتها بالمناشف الباردة حتى قدم الطبيب أخيراً على عجل والخادمة خلفه تحمل حقيبته.

    ظل يفحصها لعدة دقائق والوصيفة تسير بتوتر حول السرير، انزعج منها كثيراً وشتتت انتباهه لكنه فضل إكمال عمله على افتعال شجار بينهما.

    سأل باستغراب وهو يلقي نظرة للسيدة الواقفة أمامه وجسدها يهتز بقلق:

    ـ هل تناولت شيئاً غريباً ليلة البارحة؟

    عقدت حاجبيها، هي حقاً لا تذكر ما تناولته كلوديا على العشاء، فلم تكن حاضرة لعدة أسباب، إلا أن إحدى الخادمات تلت عليه أصناف الطعام التي وُضعت على المائدة. ولدهشته الشديدة، لم يكن أيٌ منها جديداً على كلوديا لتتدهور حالتها هكذا!

    فجأة تذكرت السيدة ماريتا حفلة الأمس التنكرية! ربما، ربما كان أحد الأطعمة المقدمة هناك!.. لكنها لم تتناول شيئاً.. وحتى عندما راقصت الشابين لم تتناول سوى ذلك الشراب!

    سارعت هاتفة نحو الطبيب ببعض تفاصيل لون الشراب ورائحته الشهية، فتمتم متجهماً بصوت لم يسمعه سواها:

    ـ بالنظر إلى تغير لون اللعاب، سرعة نبض قلبها، والحمى الشديدة.. وإن كان ما وصفته صحيحاً يا سيدة ماريتا..فإنها قد تناولت سماً!

    ألجمتها الصدمة عن الحركة، ثم أجبرت ساقيها على التحرك واقتربت من مكان جلوسه قرب السرير وسألته بهمسٍ مُرتجف:

    ـ لماذا سم..؟ هل أنت متأكد؟ كيف يكون ذلك الشراب الحلو المذاق سماً؟ لقد كان يشربه الجميع.. هل كانوا يريدون قتل الجميع؟ ولماذا تظهر أعراضه الآن فقط!!

    أجبره على التزام الصمت دخول تشارلز المتفاجئ إلى الغرفة، نهض من كرسيه ووقف في الخلف سامحاً لتشارلز بالاقتراب من كلوديا الذي بدأت بإعادة سمفونية الألم ثانيةً.

    أحاط كفيها بيديه والقلق قد مزق قلبه وهو يهتف باسمها محاولاً إيقاظها، لكن دون فائدة. حالما سكن جسدها استدار ناحية الطبيب وسأله عن حالها وسبب ما يحصل لها فما كان منه إلا أن تفوه أمامه بالحقيقة المرة مضيفاً:

    ـ هذا السم لا يقتل، فقط يعذب متناوله ليومين، ولم يجد أي أحد دواءً له أو حتى عشبة مخدرة.

    صُعق تشارلز من هذه الأخبار التي جعلته بشعر بقلة حيلته وبسخطه على من تسبب بكل هذا الألم لزوجته، من جرأ على مثل هذا الفعل؟ وكيف فعل ذلك! لقد كان هو نفسه موجوداً في تلك الحفلة، لم يصبه ما أصابها.. هل كان ذلك الشاب الغريب الذي اقترب منها حالما انتهت رقصته هو معهǿ

    منع اليأس من السيطرة عليه ملتفتاً ناحية السيدة ماريتا قائلاً بحزم لكن بصوتٍ منخفض لئلا يوقظ كلوديا النائمة:

    ـ استدعي أفراد الفرقة الأولى حالاً.

    انحنت طاعةً وهمست بهدوء:

    ـ في الحال سيدي!

    أعاد النظر في وجهها المُرهق، بدأت ملامحه بتسطير ألمه هو أيضاً في وجهه، إنه يشعر بتأنيب الضمير، لو أنه لم يغادر قبلها لما حصل كل هذا.. لو أنه ظل يراقصها حتى نهاية الحفلة.. أو لو أنه منعها من الذهاب من البداية لكان ذلك أفضل وأأمن لها.. ما كان يجب عليه أن يوافق على طلب السيدة ماريتا منه ولا حتى أن يتركها تخفي أمر علمه بذهابها سراً.. على الأقل كانت لتكون في أمانٍ هنا دون أي سم يعذبها، وإن غضبت منه!! فسلامتها هي الأهم هنا..

    بعد دقائق قليلة، حضر خمسة شبان ووقفوا أمام تشارلز بكل احترام وانصياع، ألقى نظرة قصيرة عليهم ثم أعاد عينيه لوجهها وأمرهم بذات النبرة الحازمة:

    ـ لا تعودوا إلى هنا حتى تجدوا علاجاً للسم.

    ـ أمرك سيدي!

    وانفضوا من حوله على عجل، لم يتذمروا أو حتى تتقلب ملامحهم الهادئة، بل أرادو تقديم ما يمكنهم لملكهم العادل، وسيدتهم الطيبة.. فهم أكثر من تعرف لطباعها خلال الأيام التي قضتها هنا، لقد تبادلوا فيما بينهم دور حراستها وعرفوا حقاً كم هي تهتم لهايسي، وكم يكرهها النبلاء.

    ~


    لا زالت تشعر بالخوف المقيت، تبدو ضحية سهلة أمامه، حتى لو لم يعطها تلك العشبة المخدرة.. كان بإمكانه الحصول على القلادة وقت نومها.. وحتى لو كانت مستيقظة، فهي ليست نداً له وخاصةً بهذه الجروح والكسور التي تُعيق حركتها.

    نطق الشاب أخيراً وقد أخرج شيئاً من تحت ملابسه، كان مربوطاً بعنقه بخيط ثخين، بدا كأغصان الأشجار السميكة. صُدمت حينما لمحت قلادة مشابهة لما تملكه بحوزته، ابتسمت بسعادة، هل هو من العنقاوات؟ إنه بالتأكيد منهم!! لذلك قلادته هذه لا تزال لديه.. فلو كان أحد الصيادين لما ادخر وقتاً لبيعها..!

    ـ لا تقلقِ.. لن أسرقها! أنا فقط متفاجئ من امتلاك شخصٍ آخر نفس قلادة والدي. لكن كيف حصلتِ عليهǿ هل أنتِ من أحفاد سكان هذه الجزيرة الذين هاجروهǿ

    عقدت حاجبيها بدهشة، يبدو أنه لا يعرف شيئاً عن القلادة! ابتسمت وتذكرت نفسها عندما التقطت القلادة من بين حطام المنزل المحترق، جمعت الريشات ريشة ريشة دون أن تفطن حقيقتها، لقد مرت حقاً بالكثير حتى وصلت إلى هنا!! ربما يجب أن تخبر الشاب الطيب بالحقيقة، فهو دون شك يحتاجها.. لكن لحظة، تذكرت ما قاله لها لوغان ذات مرة.. إن بعض الذين لا يكونون والديه الاثنين من العنقاوات فإنه لا يرث صفاتهم.. لذا.. هو قد لا يحتاجها.. وتأكدت لها صحة ما اعتقدته عندما نزع القلادة وتركها على الجذع القوي.

    لكن لحظة! هل هذه الجزيرة للعنقاوات؟ ولماذا يعيش هو وحده هنا إذاً! هل كذب عليها لوغان؟ أين الجميع؟ والدها، وكل بني جسنهǿ تساؤلاتٌ كثيرة ملأت رأسها وكادت تبدأ بها إلا أن الفتى وقف مبتعداً بعد أن ظنها لن تجيبه، فقرر أخذ حمام سريع وغادر بعد أن همس لها بهدوء:

    ـ أنا أدعى روبن، روبن سيلفروود.. سأغادر قليلاً وأعود.. إن حدث شيء نادني فقط.

    أومأت برأسها رغم إدراكها بأنه لن يلتفت إليها ليرى إجابتها، وترك المكان.

    سئمت الانتظار خاصةً وأنها لا تستطيع التحرك قيد أنملة، ظلت تحدق في السقف المدبب بتململ حتى هاجمها النعاس وأرجعها لعالم أحلامها.

    ~


    لبث بجوارها طوال الوقت، ترك النبلاء ينتظرون ظهوره دون أن يعيرهم انتباهه أبداً فقد عد تركهم كذلك نوعاً من العقاب على الإساءات التي قدموها لزوجته، وكذلك لتفكيرهم بإيذاءها! فبقبولها أن تكون زوجة له، يعني أنها راضية بتغيير بلادها، تغيير ولاءها وانتماءها.

    إنهم فقط لم يدركوا الحقيقة ولم يحاولوا حتى! يريدون أن يعرقلوا ما أمامهم لنيل مطالبهم!

    ارتجف جسدها، ظهرت علامات تشبعها بالألم على وجهها، فضاقت ملامحه واقترب منها أكثر، ضم وجهها لصدره وظل يسمح على رأسها بهدوء هامساً ببعض الكلمات المهدئة، لكن ألم تمزق أعضاءها الذي كانت تشعر به أقوى من هذǺ مما دفعها إلى بدء الصراخ ثانيةَ.

    ترك أسنانه تفترس شفته حتى بدأت الدماء بالظهور، لماذا يجب عليه البقاء هكذا دون فائدة؟ كيف لسمٍ كهذا أن يجعله عاجزاً عن مساعدتها! يشعر بتمزق أعماقه كلما بانت ملامح الألم عليها، ضميره يعذبه ويتهمه بأنه المسؤول الوحيد عن كل ما حصل! كان يستطيع تلافي كل هذا لو أنه بقي معها قليلاً.. لو أنه ترك القائد وشأنه.. لو أنه منعها من الذهاب وبقي بجوارها طوال الوقت..!

    أغمض عينيه الزرقاوتين لوهلة مسترجعاً هدوء أعصابه ثم راح يحملق في وجهها، ارتاح بشدة حينما غرقت أكثر في نوم عميق خالٍ من الأوجاع.





الصفحة رقم 9 من 10 البدايةالبداية ... 78910 الأخيرةالأخيرة

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter