تقف أمام المرآة على طولها بتعب وإنهاك لم يخلفه تنظيف دور الأولاد لوحده فقط ، لأنها أخذت نصيبٌ كبير من ضرب سيدة البيت و دفعها كلما وجدتها أمامها و إهانتها بكل علامات البغض والإحتقار ، إن شيريهان تحس بتعب شديد منها ، وإنها لترى فمها ناشفاً جافاً مبيضاً ومتقشفاً .
" اه يا ليتها لو تسمح لي بشرب الماء قليلاً حتى أكمل عملي "
هكذا راودتها أفكارها وهي ترى وجهها وجسمها المتهالك المعتمد بوقوفه على المكنسة الخشبية التي تعكزت عليها بشمالها .
ولكن مشيئة السيدة أرادت أن الخادمة لن تسد جوعها إلا بعد شروط لم تتممها شيري الأن ، (ماما) ما أجمل وأرق هذا اللقب وما أقبحه وأشنعه وسفالته أيضاً ، أجل إنه كذلك عند (شيري) أوتعلمون متى يكون كذلك ؟! ، عندما تنادي سيدتها به التي تعدها ثور لا بقرة حتى - حيث أنها تشك بأن سيدتها أنثى أصلاً ! - ، (ماما) أسم على غير مسمى ، تكاد تتقيئ حينما تناديها به ، ماذا عساها أن تفعل ، (ماما) لقب يجب على كل خادمة في الكويت وفي باقي الخليج العربي مناداة سيدتها به ، هو تعبير عن إحترام الخادمة لسيدتها ربما ... وهو أيضاً تعبير عن الخضوع لها ، أما بالنسبة للسيد فتناديه (بابا) ، كانت شيري قد أنتهت من تنضيف الحجرة ولم يبقى إلا كومة الأتربة والقمامة أسفل المكنسة ... حتى تفنيهم بالكيس الأسود الذي معها ، تركت شيري الكومة لتتأمل وجهها لوهلة ، لا تعلم لما تحتاج لرؤية نفسها كلما مررت أمام المرآة ، ربما الجملة التالية تصف أحساسها :
- ( أحس بالجوع لرؤية وجهي ، وأشبع حينما أراه ! ) .
طبعاً "عملية" رؤيتها لنفسها لا تحدث أمام "الثور" ... هذا أمر لا خلاف به !
لطالما ذكرتها عيناها الخضراوين بأبيها ، هي لا تتذكره تماماً ، فأخر يوم ألتقت عيناها بعين والدها كان عمرها خمس سنوات ، لكنها عرفت من والدتها أوصافه... كانت والدتها رسامة جيدة ، فلم تره بعد ذلك اليوم إلا برسومات بقلم الرصاص ، يخالجها شعور بالشوق إلى لقياه ، رغم ما سمعته عنه !
" لا أعلم لما أشتااق لذلك الخسيس ، تباً ... أنه لا يستحق "
في سنة 1995 تناثرت بالهواء ضحكات مرحة حول بركة واقعة في أجمل أركان كشمير الخضراء ذات الفراش الذي تخالطه روائح الزهور العبقة ، كانت الضحكات من تلك الحسناء الذي يلاحقها شاب يافع ، إثر التعب أستلقت الفتاة تحت ظل الشجرة وأستراح المليح فوقها والإبتسامة تبرق على وجهه لتعكس الفتاة له الإبتسامة بضحكة مخلوقة من الخجل الذي لمع بنواعس عينيها ، فشُغف قلبه وبادر :
- أحبك .
أرخى رأسه عليها وقبل وجنتها البيضاء الرقيقة العطرية الذي بها دفئ غريب .
إنهما أم شيري وأبوها ...أبوها الذي فارقهم ، حتى أتت إلى هنا في الكويت وهي مضطرة محتاجة لإعالة أسرتها الفقيرة المكونة من جدتها وأمها وأخوتها الصغار محمد ومنصور ، أسرتها التي لم تجد عمل يأتي لهم بالطعام والشراب في كشمير ، لم تجد إلا بيوت منحطة للدعارة تدعوهم وهذا الذي يموتون ولا يفعلونه ، قد أخبرتها أمها :
- وددت لو ذهبت بدلاً عنك يا حبيبة أمك ، والله لولا مرضي لفعلت يا عين أمك.
كانت تقولها كلماتها وعيناها تترقرق دموعاً ، وهي تستنشقني .
- يا أماه أنني فتاة شابة في عز قوتي ... لطالما قلتي عني أني فطنة وذكية ... لطالما فخرتي بي أمام الناس وتقولي لي بأني فتاة عن عشرة رجال شريفة وأعرف أن أعتمد على نفسي يا أماه
- ولكن يا بنيتي ، ما زلتـــ...
قاطعتها شيري ممسكة بيديها وهي تنظر لعينيها البأستين :
- أمي ... أخوتي بحاجة إليك ، الكويت بلاد جميلة وأهلها حضاريون وأغنياء وسأتي لكِ بالمال كما فعلن صديقاتي مع أسرهن ... حبيبتي أمي ليس بيدنا حيلة فمن أين سنعيش ؟! ... وليس لنا رجل يصرف علينا ونحن نساء ... لا تبكي ... غداً أتي لكِ بالمال لتصبح لدينا مزرعة وبيتاً أحسن ولتتباهي بما تملكين أمام صديقاتك أيضاً .
وأبتسمت لها مشجعة بما سيفعله المال لهم من تحسين لوضعهم و لتطمئنها بأن الأمور تمشي على ما يرام وقبلت رجليها وهي تمسك دمعتها من النفاذ ... فلا تريد زيادة إضطرابها .
مضى لشيري في الكويت شهر وقد دخلت في عامها السابع عشر منذ فترة ، لتخدم هذه العائلة الذي لم تتوقع منها إلا الرُقي في تعاملهم معها حينما أخذوها من المطار حيث إن إبتسامتهم الزائفة وتعاملهم الحسن قد خدعوهها ... وسرعان ما تبدل الرأي عنهم في غضون فترة قصيرة ... لقد طبعوا بفكرها إن هذه المعاملة الطيبة بالأول فقط كمراسيم يجب أن يفعلوها - كل العوائل التي تجلب الخدم هنا - لكي لا تنفر الخادمة منهم ويوقعوها بالفخ ليضعوها أمام الأمر الواقع ... على كُلٍ إنها مضطرة للبقاء عندهم حتى لو لم يقدموا لها تلك المراسيم الغبية ! حتى لو لمعت أنياب شرهم عليها منذ الوهلة الأولى ... ... يجب أن تتحمل لأعين أسرتها البائسة التي تركتها خلفها في كشمير ! كانت الفتاة في كشمير تعتمد على الرجل لكي يعيلها كمعظم حال بنات المسلمين وكبقية البشر أيضاً فإن هذه سُنة الحياة ... أن يكون الرجال قوامون على النساء ... فيبحثوا عن رِزقهم وقوت يوم أهلهم ... لكن أبيها ترك أمها الأنثى الضعيفة التي لا تملك حتى أخوة يُقومون ظهرها وحيدة ... بعد أن كان أملها البهيج وأمل أمها ليكون عاموداً لهن ولكنه زرع الخُذلان في حناياهن ... وقد زاد كُره شيري له بعد أن أتاها خبره الأخير لقد باتت تمقته مقتاً مُغلضاً ... ودت لو أنها تستطيع زجه أمام كُرسي العدالة ... ولا يهمها ما الذي سيصدرونه بشأنه ... فلم يهتم بها طيلة هذه السنوات حتى تلقي له بالاً أو تشفق عليه ... قُطع وريد الشفقة عليه بعد الذي سمعته عنه ! ، ولذلك هي تستغرب الإحساس بالشوق إليه ... لا تعرف لماذا ... تحس بالقرف من هذا الشعور !.
- أيتها بلهاااءء ... أسرععي يا بلهاااء يا أيتها الجبنة العفنة ... يا عاهرة السواق .
- إن شاء الله (ماما) ... إن شاء الله ها أنا أتية !.
كان هذا رد شيري على صراخ سيدتها الممتلئة ... والذي سمعته وهي بالطابق الثالث عند سور الدرج ... ما هي إلا ثواني حتى بدأ صوت طقطقة نعلي شيري على الدرج بالتعالي ، كانا نعليها مُتسخين و مُتشققين وكانا أفضل حالاً مِن فستانها الأبيض الذي لطخه حليبٌ وجدته بأحد غُرف الأولاد وقد كان في علبة زرقاء ملقية بأحد الأركان ومشروب منها وربما منتهية الصلاحية أيضاً ... كانت ترشف منه رشفات لسد بعض جوعها ... وقد وقع على ردائها ، رعشتاً وخوفاً من سيدتها المسؤلة عن إشعارها بأجواء أفلام الرعب ، إنها معذورة بشرب تلك العلبة ، والتي تعلم في قرارة نفسها إنها لربما تكون علبة منتهية الصلاحية ، لا يهمها الأن مدة الصلاحية بل إرتواء جوفها ولو بسائلٍ قليل ، فهي منذ أن أستيقظت في تمام الساعة السابعة صباحاً وحتى الأن بالساعة التاسعة والثلاثين دقيقة مسائاً ، لم يدخل بفاها أي ذرة طعام غير رشفاتٍ من حليب ذو العلبة التي لم أُخبركم بالإضافة إلى أنها مرمية ومنسية و قديمة بالإضافة إلى هؤلاء إنها "متسخة وقد باركها الذباب" ، هذه العلبة شيءٌ لا ترغب بلمسه ، يا أيها المُتحضر المُترف ، ولكن ولكن ... إنها قوانين هذا المنزل للشقراء ، وتنص على إنه :
1 - تستفيقي من نومك الساعة السابعة صباحاً.
2 -لا نوم إلا تمام الساعة الثانية عشر ليلاً .
3 -لا طعام إلا قبل النوم وذلك إذا أديتي عملكِ على أكمل وجه أو إذا أعجب عملكِ السيدة فلربما لا يدخل مزاجها وكثيرٌ ما يرد ذلك .
وهذه ليست كل القوانين بالطبع ... فتلك القائمة الجهنمية ، تحتاج إلى كتابٍ لوحدها .
الطعام ... طعام لا يعدو أن يكون كسرة خُبز متصلب وذو تاريخ قديم خرج من الثلاجة وجبنة وحبة طماطم واحدة وزيتونتين وماء أو لبن ، وأما باقي الأطعمة كالرز بالدجاج أو اللحمة مع المرق فلا يدخل جوفها منها إلا رائحتها وذلك أثناء الطبخ فقط ، وأما غير ذلك فهو محرم وعليها إغلاق أنفها والإبتعاد سريعا .
لحسن حظ شيريهان أن التفاحة صقعت المزهرية خلفها ولتقع متكسرة ... لتشتعل نار السيدة أكثر على التحفة الموروثة ... كانت شيري تكتم ضحكتها على وجه سيدتها الوردي ، الغاضب ، الذي لا تتلوه رقبة و المُضحك ، حيث أن التفاحة التي قذفتها لم تُصب الهدف ... لم تُصب شيري ، وإنما المزهرية التي لا تقل عن ألف دينار !
ولنقل أنه لتعس حظ شيريهان أيضاً ... هو تكسر هذه التحفة ... هذه التحفة الغبية التي ستفتح عليها أبواب للمشاكل لا تعرف مدى صعوبة إغلاقها ، أنها براءة الفتاة ، طفولتها اليانعة بها ، جعلتها تضحك وتكتم ضحكتها ... تماماً كأي طفل يضحكه شيءٌ غبي وأبله ومضحك ، تماماً كوجه السيدة الغاضب الأن ... كان من المفروض أن لا تضحك وحينما أدركت أن ما حدث خلفها شيء غير سار لها ، ذهبت بسمتها التي تعتصر بسببها فمها .
اصطك باب الصالة بالحائط خلفه محدثاً صوتاً مدوياً إثر دفع (خالد) له وذلك ليدخل منزله ! إنه أكبر أولاد المنزل وأكثرهم غباوة وجنون وأكرههم لقلب الخادمة الكشميرية .
- أنه أروع إستعراض للسيارات ... وددت لو أنك ِ معي يا أماه ، لأجعلكِ تعيشين طعم الفرح .
قالها وجسمه بتحرك دائم كان يقصد الرقص ولكن ما يفعله أنسب أن نسميه حركات غريبة ! كان يفعلها على أغنية يغنيها ، يبدو أنه كان يستمع لها بالسيارة ويبدو أنها هي الوقود للحماس الذي جعله يستعرض .
- أخرس .
اجابته أمه ، التي دخلت خلفه مباشرة .
- لن أرتاح حتى ألقن تلك العاهرة درساً لن تنساه ، حتى تعرف كيف أمرها بأن لا تلبس كلون فستاني بزفاف أخي وتعاند وتعصي .
ثم نظرت لشيري بنظرة ذات مغزى ، قائلة :
- أه ، ها أنتي يا حلوة .
أبتسمت شيري لها إبتسامة مغتصبة ، لم تعرف كيف تجيب .
-أنهيتي عملك ، أم أنك تريدين درساً على السريع أنتي الأخرى ؟.
هزت رأسها إشارة لـ(أجل) ليرتد ذقنها ويصبح قريباً من الرقبة .
- أجيبي .
صرخت السيدة معقودة الحاجبين بغيض .
- أجل ... أجل ، بالتأكيد ماما .
ثم تتابعت خطوات السيدة حتى المرآة لتقابل نفسها ، وترى كيف بدت بحفل الزفاف ، بردائها الأحمر الذي لسان حاله يقول :
- أرجوك ... أرجوك ، أتركيني ، يأجركِ الله ، يا بقرة (أو يا ثور !) .
ولترى ذلك الشعر الأشقر المنتظم واللامع المنسدل على أكتافها ، لامست شيري رأسها وكسى عيونها الحزن وهي تنظر لسيدتها وهي تتبسم للمرآة وتنظر إليها من جانب وجهها يمنة ويسرى مع أداء حركات إستعراضية في محاولة منها لتبدو مثيرة !
- أنظري ، ألست جميلة بشعري الذهبي الناعم والطويل ، هههههه ستحسدينني إن أخبرتك أنهم لقبونني بمارلين مونرو ذات الشعر الطويل ، وكيف إنهم أعترفوا بأنني هي من أخذت أضواء الزفاف !... هههههه ، ليس غرور ولكنها الحقيقة ، فهم القائلون .
" هه ... بالكاد أنهم يستهزئون عليها أنه ليس شعرها حتى ... هم ليسوا أغبياء ... يعلمون أنها بالأساس تكاد تكون صلعاء بشعيرات سود ... أتوقع أنها تخجل من النمو على صلعتها "
#يُتبع



اضافة رد مع اقتباس






المفضلات