الصفحة رقم 9 من 11 البدايةالبداية ... 7891011 الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 161 الى 180 من 206
  1. #161

    الجزء الثالث والعشرون




    مملكة الشياطين

    ليلتين قبل الزفاف ~

    توسطت وصيفاتها ببرود تام لتعكس تعبيراً شاذاً عن مشاعر عروس ترى ثوب زفافها المبهر في حلته النهائية، في حال ذابت قلوب الفتيات من حولها وهن يتأملنه بألسنة تعجز عن التعبير، رفضت ارتدائه بحجة أنه مثالي ولا يحتاج الى تجربة أخيرة و فضلت أن تقضى الوقت في تأمل سماء المغيب من شرفتها الواسعة وسط دهشة الوصيفات من التغيرات التى طرأت عليها وقلبتها مئة وثمانون درجة بين ليلة وضحاها..

    أنشغلت الفتيات في تجهيز ثيابها ومجوهراتها مبكراً بعد أن اكتفت بالصمت كإجابة لأي من تساؤلاتهن بشأن المهام التى ترغب في إعزائها لهن وهنالك أنتهزت أورا الفرصة للإطمئنان عليها دون تدخل طرف ثالث

    أبعدت الستار بذراعها البيضاء حتى تخرج الى حيث تقبع سيدتها فوق مقعد قرب طرف الشرفة الضخمة وأنضمت إليها لتحتل الكرسي المجاور، أنتظرت قليلاً قبل أن تبادر بتهذيب ولطف شديدين:
    -كيف حال مولاتي الأن؟ هل تشعرين بالتحسن

    قاطعتهما وصيفة أخرى من خلفهما وهي تحمل قميصين ناعمين من أجود أنواع الحرائر الطبيعية بحيوية وسرور:
    - مالذي ترغب مولاتي في ارتدائه ليلة الزفاف، الأبيض أم العاجي؟

    هنا احتدت نظرات أورا لقلة تهذيب أسلوبها فتراجعت الأخرى على وجل وهي تكثر من الإعتذار، أعادت أورا صب اهتمامها على سيدتها وأسرعت بوضع يديها تحت الكوب الذي أوشكت على سكب محتواه فوق فخذها بفعل يديها المرتعشتين

    تفاجأت ليديا وأفاقت من شرودها على مشهد تألم أورا الصامت بعد أن احترقت كلتا يديها بالمشروب الحار هنالك أسرعت بإطباق يديها فوق مكان الإصابة والقلق بادٍ على عينيه:
    - هل أنتِ بخير عزيزتي

    عقدت الوصيفة حاجبيها وهي تستعيد يديها أخيراً لتجدها وقد عادة أفضل مما كانت عليه دون أثر يُرى للحروق، تفحصتها بضعة مرات على مرأى من ليديا المجفلة ثم أجابت مسرورة بإندهاش :
    - أظن أنني كذلك مولاتي، لكن كيف فعلتها؟

    أغمضت عينيها لتتمالك حسرتها فيما شغل تفكيرها منذ اللحظة التي تركته بها على حالته المجهدة تلك، لا يمكن أن يكون ما قاله صحيحاً بل وتفضل الموت على تقبل حديثه، فكل ما يتعلق بشأنه كان مجرد خديعة كبيرة ثمنها جُراح لا يمكن شفائه مهما طال بها الزمن ولكن مالن تتقبله هو شناعة أن يحملها ثقل مسؤولية إنقاذ فاريوس بتلك الطريقة المدمرة لكيانها فوق كل ما قام به من عبث بعقلها وقلبها دون أدنى حق

    - أورا عزيزتي أرجوا أن تذهبي في طلب أبولو على وجه السرعة، أنا بحاجة للحديث معه

    أجابتها الوصيفة بتلقائية عفوية:
    - لكنه مشغول في الإشراف على تجهيزات الزفاف مولاتي

    ناظرتها بحدة :
    - وهل تحسبينني أبالى، نفذي ما أطلبه منك رجاءاً أورا وعلى وجه السرعة أيضاً

    أستقامت واقفة وانحنت لها بإحترام قبل أن تشق طريقها خلف الستار وتتركها وحيدة مرة أخرى



    ~..~..~..~..~..~..~..~



    " وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى "


  2. ...

  3. #162

    الجزء الثالث والعشرون



    مملكة الملائكة ~



    أنجلا في غرفة المعيشة الفسيحة:
    - تُفتح المعابر في تمام العاشرة مساءاً الليلة ثم سنقضى ليلتنا في مملكة الشياطين و ستبدأ المراسم غداً صباحاً، لا يجب على أي منا التخلف من أجلها

    كاميليا بشيء من القلق:
    - سيكمل دايفييل الشهر الأن و نحن لم نره هل سيكون هنالك يا ترى؟


    يوريال:
    - بكل تأكيد .. فالذي جرى بينه وبين الأمبراطور هيدس في مجلس السلام يوجب عليه أن يكون متواجداً ليثبت لبقية المماليك أنه تخطى تلك الحادثة ولا أظن من أنه سيفوت زفاف ليديا اللطيفة مهما حدث

    فابيان بإبتسامة وقورة:
    - لا أزال أجد صعوبة في التصديق من أن من سيتزوج بالغد هي ذاتها تلك الصغيرة التى كانت تجوب أروقة القصر خلف نوثانيل لتلحقه كظله و تبعث بالسرور في قلوب الجميع .. بل وستصبح امبراطورة مملكة الشياطين يالهذا القدر!

    أنجلا وهي تشعر بغصة في حلقها بحنين عارم لذكريات الماضي:
    - إنها خسارة مؤسفة لمملكة الملائكة وفوز عظيم لشعب الشياطين، سأذهب لأتأكد من أن هديتنا في حلة تليق بجلالتها

    ستداريوس بعفوية:
    - هل يجب علي اخبار نوث عن مخطط المغادرة لقد أغرق نفسه في المهام منذ علم بالنبأ ولم ينضم إلينا كثيراً بعدها

    أنجلا سريعاً قبل أن تغادرهم:
    - لا عليك، واثقة من أنه على علم بذلك فهو أحرصنا على الذهاب لرؤيتها، لنمنحه خصوصيته الليلة أيضاً مع ذكرياتهما القديمة

    ~~~


    بعيداً في القصر ذاته

    -سأترك الأمور في وداعتك إيروس ولن أتأخر عن العودة الى أرض الوطن، أحرص على أن لا تغادر من عملك قبل أن تقوم بالإمضاء على جميع ما يردك من أوراق ومستندات، لا يجب أن تتعطل مصالح المنشأت والأفراد لدينا مهما كان الثمن

    حمل إيروس بعضاً من الملفات بين يديه وانكسار عينيه يتحدث بألف كلمة عما يخالج صدره الجريح بعد سماعه لأخبارها المفاجئة:
    -أمرك سيدي

    أقترب اللورد نوثانيل من مساعده المخلص وأراح يده على كتفه بعد أن أسترجع الملفات من بين يديه وأعاد وضعها فوق المكتب :
    - لا عليك، سأتكفل بها قبل ذهابي الليلة، أعلم أن قلبك يُعاني بمافيه الكفاية فذهب وأحرص على أن تطوى صفحتها الليلة فالحزن لن يعيد لنا أحبائنا مهما أشتد وطال، وتذكر من أننا لم نقدم على ختمها من ذاكرتك احتراماً لرغبتك ومكانتك كمساعدي فلا تجعلني أندم قراري ذاك وأظهر تماسك الرجال

    تنهد بعمق وهمس بتهذيب ليروض جِماح مشاعره الثائرة في صدره:
    - أيمكنك أن توصل لها مباركاتِ سيدي؟

    زم شفاهه بشفقة على حال الشاب المسكين أمامه وهو يرى لهيب الكمد واضحاً في حدقتيه مما زاده تقديراً له لما يظهره من تماسك و رزانة إلا أنه لن يفعل مالا يراه صحيحاً:
    - أعتذر لا يمكنني فعل ذلك من أجلك، لكنني أعدك من أنني سأمنحك فرصة الذهاب لرؤيتها و إيصال مشاعرك بصورة مباشرة في المستقبل القريب

    ابتسم الشاب الكسير و أجب بثقة أكبر وقد أشرق قلبه لمجرد سماع أن رؤيتها ليست مستحيلة تماماً كما سبق وتصور حين اختفت وتركت له تلك الرسالة المليئة بالمشاعر الصادقة:
    - أشكرك لورد نوثانيل وأتمنى لك رحلة سالمة، رجاءاً أترك الأمور على عاتقي دون قلق
    ربت على كتفه عدت مرات قبل أن يعود أدراجه الى مقعده الوفير خلف المكتب:
    - هذا ما سأفعله إيروس، بوسعك الذهاب الأن

    أراح بعد ذلك ظهره على مقعده وأغلق عينيه بإستسلام أمام ثورته الداخلية، ما باله يعظ بشأن التماسك وهو بهشاشة الشعير بل وأهون من ذلك بكثير حين يأتى الأمر بمحاذاتها، تسللت دمعات حارة من عينيه أراد أن يحررها الأن حتى لا تضيع هيبته أمام المماليك إذا ما انهار أمامها بالغد و جرفته عاطفته لفعل أرعن كأن يحول بينها وبين اكمال ذاك الزفاف الذي سيحرمه من استعادتها الى جانبه لما تبقى من عمره، قلبه كالطفل الصغير الذي يكاد يطير من فرط السرور ترقباً لرؤيتها لكنه ليس واثق جداً عن ما إذا كان سعيداً بشأن قرارها في الزواج وهو شعور يؤرقه كثيراً و يجعل قلبه في حالةٍ من القلق والهواجس المستمرة


    أنهى ما تبقى من أعمال يومه و ذكرياتهما سوية لا تفارقان قلبه المحزون..


    ~..~..~..~..~..~..~..~


  4. #163

    الجزء الثالث والعشرون




    مملكة الشياطين ~ ليلة واحدة قبل الزفاف


    ولجت أورا الى مخدع العروس الباردة وهي تحمل قنينة تحوى أجود و أقوى أنواع العطور النفيسة لتنحنى أمام سيدتها القابعة فوق أحد الأرائك بسكونها العجيب وتتابع طريقها قاصدةً الحمام الذي جهزته بقية الوصيفات بأفضل الوسائل والتجهيزات حتى تحظى سيدتهن براحة تامة واستجمام كامل قبل ليلة زفافها


    سكبت الوصيفة بضع قطرات من ذلك العطر المهدء في حوض الإستحمام الممتلأ بالمياه الدافئة ففاح أريجه مستجلباً تأوهات الحالمات في المكان بعد أن سرحت عقولهن من روعة التجهيزات الأسطورية في الأدوار السفلية من القصر التى أضحت تأخذ حُللها النهائية لتترك كل من يراها عاجزاً عن الحديث حتى ..


    أحد الفتيات بالحمام:
    - أورا عزيزتي هل ستسمح مولاتي بمساعدتنا لها في هذا الحمام على الأقل، نعدك من أننا لن نتسبب بأي خطأ يمكن أن يزعجها


    ناظرتها أورا بإبتسامة رقيقة:
    - شكراً لمشاعرك الطيبة غانيس لكنني سأتولى المهمة من هنا، أود أن تهتموا ببقية أرجاء المخدع حتى أنتهى فقد أنتهت كسوته الجديدة وقام فتية القصر الأقوياء بتحميلها ووضعها أمام بوابة المخدع


    انحنين لها بإحترام وذهبن للمباشرة في أعمالهن بينما تبعتهن أورا خارج الحمام لإصطحاب سيدتها الهادئة إليه


    ~~~


    بداخل الحوض ..


    جلست ليديا بذات الشرود الذي كانت عليه في الليلة الفائته وخاصة بعد زيارة أبولو لها وحديثه المطول معها بينما أخذت أورا تمسح على جسدها الهزيل بليفة ناعمة عطرة وهي حزينة لما أصاب سيدتها
    -مولاتي إذا كان لي سؤالك؟


    تنبهت من شرودها قليلاً واحنت رقبتها بتجاه أورا دون أن تبادلها النظر:
    - ماذا هنالك عزيزتي؟


    ترددت داخلياً ولكنها تابعت على أية حال:
    - هل يحدث شيء خطير بينك وبين الأمبراطور؟!، أنتِ لم تعودي من شرودك المقلق هذا منذ أن تحدثت مع اللورد أبولو بالأمس وكل ما بشأنك أصبح غامض مؤخراً


    ابتسمت ابتسامة صفراء وهي تغرق في تفاصيل الأمس:
    - تلك المحـــادثة



    انحنى أبولو أمامها بعد أن أوصلت أورا رغبة سيدتها إليه سريعاً وهو يردف بإحترام بالغ:
    - مولاتي؟


    ناظرته بمشاعر مبهمة فهو أيضاً شريك خطير للرجل الذي قلب حياتها رأساً على عقب ويجب أن تكون حذرة لأقصى درجة قربه ولكن لم الحذر وهي تتمنى أن تنهى حياتها في أقرب فرصة لتتخلص من وطأة الحصار الخانق والذكريات المرعبة التى أنضمت الى قائمة معرفتها؟ تحدثت أخيراً وهي تمد يدها بتجاهه:
    - هل لك أن تصحبني في السير بالحديقة


    وكان فعلها أمراً أكثر منه طلباً فطبع قبلة على كف يدها الممتدة قبل أن يعينها على الوقوف ويجعل يده سنداً لمعصمها.. انقضى بعض الوقت وهي تراقب الأزهار الفواحة عن شمالها قبل أن تتحدث بصوت خفيض:
    - قلي أبولو، أكنت على علم بكل ما حدث حتى الأن؟


    أجاب بنبرته الرسمية المحترفة:
    - أجل مولاتي
    ابتسمت وتابعت بشفقة على حالها:
    - إذاً فأنت كلبه المطيع وسوف لن تطلعني على أي مما يجرى حولي أيضاً


    لم يتبدل أسلوبه ولو بالقدر القليل رغم الإهانة الباردة التى تلقاها:
    - فالحقيقة لربما أكون مفيداً بعض الشيء لسيادتكِ فإن كنت كلباً مطيعاً إلا أنني دقيقٌ أيضاً، ولا أذكر أنني تلقيت أوامر بعدم الإفصاح عن مخططات جلالته لك بشأن هذا الصدد
    توقفت عن السير قليلاً واستدارت بتجاهه لتبادره سائلة بإندفاع:
    - إذا مالذي يجرى هنا بحق الرب؟
    احنى رقبته مجدداً وتابع:
    - رجاءاً كوني أكثر تحديداً مولاتي حتى أتمكن من مساعدتك


    تمالكت أعصابها بعض الشيء وتابعت السير :
    - قبل قليل، أظن أنِ قمت بشفاء يدي أورا المحترقة بمجرد ملامستي لها، لا أذكر من أنني قلت شيء مميزاً ولكنه حدث
    - أتصور من أن قلقك المجرد عليها جعل ذلك ممكناً وبما أنها كانت حروق سطحية فلم يتطلب الأمر سوى لمسة واحدة منك مولاتي


    لم تشفها إجابته بعد فأردفت :
    - ومن أين لي بهذه القدرة في المقام الأول؟ أكاد أجزم من أنه لم يكن لها وجودٌ سابقاً
    أعاد يديه الى الوراء ثم أجاب:
    - هذا أيضاً تحليلي الخاص للأمر فأنا أظن أن مقدرتك هذه كانت مختومة بطريقة ما لحمايتك منها في المقام الأول، ولا علم لي بسببية عودتها لك الأن .. ما أستطيع تأكيده لك هو أنها ستتنامى مع مرور الوقت بصورة عظيمة وسيكون واجباً عليك التمرن على ترويضها في حدٍ ما حتى لا تجذب الأعين الأثمه


    تحليله لامس ذكرى مؤلمة في عقلها حين حلمت باللورد دايفييل وهو يطلب منها التحمل والثبات وأنه آسف لما ستشعر به، أيعقل أنه كان المسؤول عن ختمها سابقاً؟:
    - وكيف يستطيع أحد الشعور بها طالما أنني لم أقدم على لمسه ؟


    ابتسم رغماً عنه وفاجئها فعله ذاك:
    - أخبرتك سيدتي بأنها ستتنامى مع مرور الوقت خاصة بعد أن تيقن عقلك من حقيقة وجودها، على سبيل المثال خلال سيرنا الأن على هذا البعد الضئيل أشعر وأنني أصبح منيعاً من شدة الطاقة التى أتلقاها منك


    أجفلت من حديثه وشعرت بالخوف من حجم هذه الطاقة التى يتحدثون عنها:
    - إذاً أخبرني أبولو بكل صراحة، هل حقاً سأتمكن من مساعدة فاريوس على الخلاص من ذلك القدر الموحل؟
    -مما لا شك فيه مولاتي


    جاءت اجابته سريعة وواثقة لدرجة أصابتها بالقشعريرة والهلع، تمالكت موجة الخوف العظيم الذي اكتسحها وسألت بقلق فقد كانت على علم بشيء من بوادر تلك الإجابة من جملة ما أفصحه عنه هيدس خلال لحظات الجنون تلك:
    - وكيف سيكون ذلك؟
    احنى رأسه بتهذيب وهو يتابع:
    - عن طريق إعارتك هذه الطاقة لجسد جلالته


    شعرت بهبوط حاد في الضغط فأسرع أبولو بإعانتها على الوقوف حتى استعادة إتزانها ثم أخذ بيدها وأجلسها على أحد المقاعد المتوسطة قلب الحديقة الغناء، حاولت جاهدة إخفاء ارتعاشة جسدها وهي تقول بكآبة:
    - هكذا إذاً .. مالذي سيحدث إذا لم أشاء ذلك؟
    - ستكون النتائج سلبية تماماً وحادثة اللورد آريز خير دليل على ذلك


    حموضة حارقة أعتصرت معدتها ورغبة ملحة في التقيء بعد تلقيها إجابته الصريحة تلك إلا أنها لم تحصل على جميع الإجابات بعد فتابعت الحديث وتجاهلت ردود أفعال جسدها المرضية:
    - إذا نجح الأمر ومنحته القدر الذي يكفى.. مالذي سيفعله لإعادته عندها؟
    - عندها سيعيد كرة سرقته من ذكريات الجميع حتى التاريخ الذي يسبق تورط الأمير في قضايا القوى المحرمة..


    اندفعت بإجابتها وقلبها يدوى من شدة الروع:
    - لكن هذا جنوون.. لا أحد يستطيع العبث في عقول جميع الأنفس على سطح الأرض دفعة واحدة مهما بلغت قوته، كما أنه شُل جراء سرقته ذكريات عودة فاريوس لذلك الوقت القصير من الزمن و لثُلة ممن علم بنأ عودته فقط!

    أجابها بذات النبرة التى لم تتبدل ولو لدقيقة واحدة:

    - لأكون صادقاً مع جلالتك، لست واثقاً من نجاحه في هذه الخطوة ولكنني أخشى من أنها الطريقة الوحيدة المتاحة لإعادة النقاء الى سجل مولاي فولكان دون قلق من مخاطر مستقبلية، جل ما تستطيعين فعله الأن هو الوثوق بحكمة الأمبراطور و تمنى النجاح له.




  5. #164

    الجزء الثالث والعشرون




    -مولاتي.. هل أنتِ على ما يرام؟

    هزت رأسها المُثقل لترغم عقلها على العودة من شروده بعد سماع صوت أورا من خلفها وهما لا تزالان في الحمام :
    - عذراً في ماذا كنا نتحدث مجدداً؟

    ابتسمت أورا بقليل من الراحة بعد أن أخافها شرود سيدتها الطويل وعدم تفاعلها مع أيّن من نداءتها المتلاحقة:
    - لا عليكِ مولاتي، سأغسل شعرك الأن وكذا نكون قد انتهينا

    أرغمت ليديا شفاهها على التبسم وأجابت بتصنع:
    - هذا منعش حقاً إلا أنني أشعر بالنعاس الشديد منذ الأن

    أورا بلطف:
    - سعيدة من أنه قد أعجبك ومن الضروري أن تنالي قسطاً كافياً من الراحة الليلة، ينتظرك يوم طويل بالغد ويجب أن تكون سيدتي في كامل صحتها وزينتها

    اجابت بصوت خفيض وهي تغمض عينيها بإنسجام مع حركة أصابع أورا الرشيقة على فروة رأسها:
    - لا تقلقي عزيزتي، سأحرص على أن تسير الأمور كما يجب لها أن تكون فلا مجال هنالك للخطأ..


    ~..~..~..~..~..~..~..~




  6. #165

    الجزء الثالث والعشرون




    كان فجر اليوم التالى جميلاً مُسالماً في امبراطورية تزينت منازلها وطرقاتها بالزهر الملون و أروقتها بالياسمين العطر احتفالاً بالمناسبة الفريدة، الكل أستيقظ فيه مسروراً ومتشوقاً لكونه عاش ليكون حاضراً وشاهداً على هذا الحدث التاريخي السعيد، فالأمهات خبزن الكعك اللذيذ في منازلهن والأطفال تباهوا بثيابهم الجديدة أمام أقرانهم بينما أخذا الرجال بتهنئة بعضهم البعض وكأن الفرح يشمل منزل كل واحدٍ منهم والجميع يتشاركون في تحرقهم شوقاً الى الساعة الثانية عشر حيث تبدأ المراسم وتتفجر الأمبراطورية في احتفالاتها الباذخة..


    وفي قصر الحكم الأعظم، تجمهرت حشود لا حصر لها من مختلف بقاع العالم عن يمين وشمال السجاد الأحمر المشرب بأنفس العطور ليكونوا شهوداً على قداسية هذا الزفاف وقلوبهم تخفق رهبة من هيبة الصالة وجمالها الذي يخطف الأبصار، أقترب الموعد وزادت الرهبة في قلوب الجميع مع ولوج الأمبراطور بحلته الفريدة و تاجه البراق ليأخذ مكانه فوق عرشه وينتظر قدوم عروسه ليتوجها على مرأى من العالم كأمبراطورة مملكته ويكمل مراسم عقد قرانهما..

    الدقائق تمضى بسرعة البرق وهاهي العربة الملكية تنطلق من قصر الأمبراطور الخاص و تسير متباهية في شوارع المدينة التى ضجت بالهتافات والمباركات حتى أستقرت أخيراً أمام بوابة قصر الحكم في قلب المملكة بعد أن قُرعت أجراس الثانية عشر ظهراً


    هنالك أقترب صبيٌ بوجه كالقمر ليحظى بشرف فتح باب عربة امبراطورته المستقبيلة في يومها الكبير وقلبه يخفق بحماس بالغ لرؤية من طال الحديث عنها و كثرت أوصافها ليزداد شوقاً وهو يراقب وصيفاتها الحسناوات تنزل احداهن خلف الأخرى بثياب أسطورية في الجمال .. أخيراً، أقتربت حسناء الشعر الثليجي أخر المترجلات من بوابة العربة لتمد ذراعها الرشيقة و تعين العروس الفاتنة ذات الثوب الخلاب في الترجل


    هنا اهتزت المملكة من قوة هتفات المتجمهرين حول القصر تأثراً من مظهرها المتلحف بالبياض في أنقى حُلله من رأسها وحتى أخمص قدميها .. تحررت الطيور البيضاء و تناثرت الورود مع كل خطوة تخطوها نحو تلك البوابة العملاقة المغلقة ومن خلفها سارت الوصيفات في خطين متماثلين وهن يحملن ذيل الثوب النفيس بكل حرص واهتمام


    توقفت العروس أمام تلك البوابة الشاهقة ثم أغمضت عينيها لبرهة وهي تسحب الهواء الى رئتها من تحت ذلك الغطاء الأبيض الرقيق ويديها تشد على ثوبها بأقصى ما أوتيت من قوة .. علت المعزوفة الملكية الشهيرة لتكون كلمة سر انفراج ذلك الباب المهيب ثم دخلت ليديا فصلاً جديداً من حياتها دون أن تتلفت يمنة أو يسره، فهالتها الجديدة تُجِب أن تواصل النظر الى الأمام و تُحرِم التفكير في ما دون ذلك مطلقاً


    كانت تسير بثقة و جمال سحر أعين الحاضرين وقطع عنهم أنفاسهم حتى وصلت الى ذلك العرش المرتفع وصعدت درجاته واحدة تلوى الأخري، لتصل الى وجهتها الأخيرة و تتوقف عن متابعة السير

    أقترب منها ووقف في محاذاتها ليبدأ غلام أخر بتلاوة العهود والنذور الواردة في الكتاب المفتوح أمامهما بصوت جهوري أسمع القريب والبعيد وما أن إنتهى وتراجع حتى خطى الأمبراطور هيدس خطوتين نحو الكتاب و دس بإبهامه فوق ابرة حادة قبل أن يبصم بدمه على التزامه بتلك النذور

    جاء دورها فتقدمت رغم تثاقل أنفاسها و شعورها من أن الروح تغادر جسدها بأعنف طريقة لتواجه الكتاب الأكثر إرعاباً لكيانها من أي شيء أخر في هذه الحياة، إلا أن يديها ترفض التحرك والقيام بما يتطلع إليه الملايين من حولها في تطور أوقف قلبها عن الحراك..

    ألقت نظرة خاطفة من عينيها التى تعكسان الرعب الذي سيطر عليها بإتجاه الرجل المجاور لها لتشرق روحها و تنفجر أساريرها حين أخذ وجهه يتمثل في هيئة معشوقها ذو الأعين الذهبية والأجنحة البراقة .. عندها فقط ارتفعت يدها من تلقاء نفسها وأدت الطقوس دون تردد لتنذر بحياتها له و تقر على أن تُلعن روحها إذا ما جنحت لغيره من الخلائق بعد الأن

    رُفع الكتاب من أمامهما دونما أن يُحمل بأي من الطرق التقليدية بتحد شديد اللهجة لقوانين الجاذبية الأرضية وليراه القاصي والدان ولا ينكره غير مجنون، وبعد أن أخذ حصته من الإهتمام أخذ هيدس بخمارها وأبعده بلطف عن وجه امبراطورته وزوجته الشرعية وسط هتفات السعادة و ذهول الحاضرين من طلتها الآسرة، بينما كانت العروس الفاتنة لا تزال في نشوة خيال أن شريك حياتها هو ذلك الجذاب الذي سحق عظامها وسرق النوم من مقلتيها في وقت ما مضى..

    اختفت المسافة بينهما حين مال إليها ووقفت بدورها على أطراف أصابع قدمها بلا مخاوف من اختلال توازنها فيده تطوقان خصرها الممشوق بكل قوة لتتجاوب مع القبلة التى طالب بها المتحدثون بأسماء مماليك العالم على اختلاف ألسنتهم وطبائعهم وسط أجواء من البهجة العارمة ثم تجملت بإبتسامة خجولة بعد ذلك وآحنت ركبتيها قليلاً وهو يقلد رأسها تاجاً من اللؤلؤ و المرجان بكت الإناث تأثراً من روعته، ولم تنتهي سعادتها عند ذلك الحد بل و جاورته في العربة المكشوفة بكل دلال و أخذت تلوح لشعبها الذي بادلها أصدق مشاعر الفرح والسرور بإمتنان عظيم طِوال طريق العودة الى قاعة الإحتفال الحقيقية في قصرهما الخاص..


    ~~~


  7. #166

    الجزء الثالث والعشرون





    أنزلها بحرص من فوق العربة التى جرتها خيول بيضاء شامخة ثم أخذ بيدها فوق درب مفروشة بالسجاد الأحمر الى حيث عرش من الورود البيضاء الأريجية شيد خصيصاً من أجل أن تجلس في وسطه وتحي ضيوفها منه وكأنها مخلوقة ساحرة قدِمت من كوكب أخر..

    كانت تسير متباطئة شاخصة العينين من روعة الجنة التى تحيط بها حيث الأبيض يطغى على كل شيء حولها و يمنحه ذلك الشعور المحبب بالطهر الفريد والسكينة المبهجة، أعتلت المنصة بعد أن شقت طريقها برفقته بين المدعوين وتطلب الأمر قدراً عالياً من التحكم والإنضباط حين تقدم المتحكمون السبع في مشهد من العظمة المبكية كأول ضيوف مهنئين لها من بين الحضور .. لم تتمكن من البقاء في مقعدها وهي التى لم تجلس فوقه لأكثر من دقيقتين وقد رأت فيهم روحها تُرد إليها مع كل خطوة يقتربون فيها ..

    اللورد دايفييل وقد كان يتقدم بقيتهم في حُلة بالغة الأناقة زادته جمالاً:
    - أرجوا أن تتقبلي تهانينا القلبية امبراطورة ليديا بالنيابة عن شعب مملكة الملائكة الطيبين

    ابتسمت بحب وعينيها تفضحان الحنين وتوشكان على ذرف الدموع:
    - أشكر لكم تلبيتكم للدعوة وإن تواجدكم لهو شرف عظيم لمملكتنا

    تقدمت الشقراء أنجلا وضعفت من تماسك ليديا بعينيها الزرقاويتين الدامعة لتتحدث برقة أعادت لها أوجاعها من وطأة الذكريات:
    - بلغنا أن هنالك منصباً شاغراً بين وصيفات جلالتك الستة وعليه نرجوا أن تقبل الأمبراطورة مبادرة مملكة الملائكة الأولى من نوعها بمنح ذلك المنصب أحد خيرة فتيات مملكتنا لتنال شرف خدمتك

    وما إن أنهت حديثها حتى تقدمت شابة حسناء تعرفها ليديا جيداً حتى أصبحت محاذية للمنصة وانحنت أمامها بشعرها البني الجميل:
    - تشرفت برؤيتك مولاتي، ريفيان في خدمتك

    عضت ليديا على شفاهها وصدرها يتوسع وينقبض في تسارعٍ مؤلم وتيقنت لحظتها من أن لو كان لقلبها صوتاً لسمعته ينوح من فرط سعادته برؤيتها وحزنه على الأوقات التى عاشها بعيداً عمن يحب، هنا كان جميع من في الصالة يناظر المشهد بتركيز واهتمام شديدين فهي المرة الأولى في التاريخ حيث تتقدم مملكة الملائكة بعرض مماثل من شأنه فرض مزيد من التقارب الودي بين المملكتين، فأن تكون أحد فتيات تلك المملكة ضمن جملة خاصة الأمبراطورة لهو شأن عظيم يترقب الكل ليرى ويسمع الى ما سيؤول إليه..


    تقدمت ليديا وهبطت درجات المنصة القليلة لتأخذ بيد صديقتها التى لا تزال في انحنائها المدروس أمامها وترغمها على الإنتصاب واقفة من جديد، هنا قرأت مشاعر مشابهة لما شعرت به بداخلها في عيني ريفيان الفاضحة للشوق واللهفة .. تحدثت بلطف وحب بالغين:
    - لا يمكنني أن أكون أكثر سعادة من أن تخدمني شابة بحسنك عزيزتي لكنك ستكونين بعيدة جداً عن عائلتك وعن الوطن فهل ستكونين بخير رغم ذلك ؟!

    أومأت لها وهي تحنى رأسها لتخفى تسلل دموعها التى جاهدت في حبسها:
    - تمام الثقة مولاتي، كنت أصلِ لكي تقبلي بي من أعماق قلبي
    ابتسمت لها بحنان كبير:
    - إذاً.. أهلاً بك فرداً من عائلتي وصديقاتي

    عادت بعد ذلك أدراجها قرب الأمبراطور الذي لم يبعد عينيه عن تأملها ولو لحظة واحدة وقد نجحت في تفادى رؤية أكثر المتحكمين تأثيراً بها وقرباً من قلبها حتى لا تهدم كل شيء لحظة تهرع إليه وتتشبث برقبته أمام كل تلك الحشود، ثم أشغلت عقلها عنه في الترحيب بضيوفها الكرام الى أن أنتهى ذلك الفصل المجهد من فقرات الإحتفال وما باتت تطيق صبراً حتى تجتمع به و ترتمى في أحضانه إلا مالا نهاية وهي تعلم أنه على هذا البعد الضئيل منها …

    الأن توسطت قلب الصالة لفتتاح حلبة الرقص ذات الأرضية الخشبية الفاخرة، كانت الوصيفات قد أزحن الذيل الثقيل المتصل بالثوب بتصميم مبتكر قبل هذا الحدث لتكون حركتها أكثر سلاسة ويسراً، أغمضت عينيها حين أراح قبضته على خصرها وحين تشابكت يديهما ثم عاودت فتحها بنظرة مختلفة تماماً و عمق شعر به في أقاصى قلبه، بدأت المعزوفة المطربة وتراقصا بتناغم أرسل النبيلات الى عالم وردي لا يمت الى الواقع بصلة بينما تقربت منه أكثر مع تغير إيقاع وسرعة العزف الخلاب.. دنى من أذنها وهمس خلال قيادته للرقصة:
    - على الإعتراف من أنني مبهور من تمثيلك المتقن، كدت أخدع لأصدق من أنك سعيدة حقاً بهذا الزفاف

    تفاجئ من سرعة تبدل قسماتها الجميلة الى أخرى باردة وخالية من أية عواطف وبصوت يحمل البغض وحده:
    - صدقني عندما أقول لك أن السبب الوحيد الذي يجعلنى أحتفظ بتماسكِ أمام هذا الكم الهائل من المدعوين هو تصورك كفاريوس فلم لا نؤجل أحاديثنا لوقت لاحق حتى لا تفسد تماسكِ بسماع صوتك هيدس؟

    الصرخات التى أعقبت أخر كلمة تفوهت بها جعلت قلبها يوشك على التوقف من شدة التفاجئ، أما حقيقة أنها كانت بين يدي أبولو فوق المنصة وبعيداً عن حلبة الرقص خلال ظرف من الثانية هو شيء لم يتمكن عقلها من تحليل أبعاده حتى الأن..

    أكتملت الصورة في عقلها بعد مرور بضع دقائق من الفوضى الكاملة التى تلت تلك الصرخات الذعرة حين خرج هيدس من بين الثريا المتهشمة فوق حلبة الرقص سليماً لم يصبه خدشٌ واحد، هنا تلفتت ليديا حولها وأخذت تناظر الأعين التى كانت تحدق بها وهي تكاد تغيب عن الوعي من شدة روعها في حين لم تعد قادرة على سماع أي شيء، أكانت هذه محاولة للتخلص منها؟!. ولماذا يقدم أحدهم على فعل شنيع كهذا؟!، لم تُضع وقتاً في التردد حين تشبثت بهيدس الذي حملها بين يديه بحرص وهمس لمساعده بجدية مخيفة:
    - أهتم بهذه الفوضى سريعاً أبولو ولا تسمح لأحد بمغادرة المكان

    ثم خرج بها بعيداً عن أجواء القاعة المجنونة وقد أخفت وجهها على كتفه حتى لا ترى مزيد من ذلك الكريستال المتهشم و تعانى من كوابيس اختلاط دمائها به في يوم زفافها الذي دخل التاريخ من أوسع أبوابه..


    ~~~


  8. #167

    الجزء الثالث والعشرون



    لا حقاً في مخدعها الخاص


    أفرغت ما احتوته معدتها الصغيرة في أحد مغاسل الحمام دفعة واحدة وأخذت تغسل وجهها بعد ذلك بالماء البارد لتتحكم قليلاً في بكائها الهستيري وتريح عضلات وجهها المكفهر لأقصى درجة ممكنة حين أطلعها هيدس من أن حادثة سقوط الثريا قبل قليل لم تكن سوى جزء من خطته المحكمة لتظهر من أنها كانت مستهدفة ويعطيه ذلك سبباً وجيهاً في إبقائها بعيدة عن أعين العامة حتى إشعار أخر، رفعت رأسها عن مستوى الحوض لتنظر الى الحال الذي وصل إليه وجهها وسرعان ما هرعت خارج الحمام حين سمعت صوتاً ثالث في المخدع يتحدث بنبرة مريبة ..

    أبولو بصوت يتنافض من شدة الخوف كحال جسده المحنى على ركبته أمام الإمبراطور:
    - مولاي.. أخشى من أنني فقدت مقدرتي على الإحساس بالأمير منذ بعض الوقت ولا أعلم أبسبب أن حياته في خطر أو أنه قد تحرر من ذلك البعد

    أطبقت ليديا على فاهها لتحجب شهقتها من النفاذ والتحرر وهي تراقب تساقط ريشه الذهبي الناعم فوق شرفتها الضخمة ليهبط عليها بعد ذلك بقليل، كان محاطاً بهالة سوداء عظيمة ووجهه مطأطأ الى الأرض من شدة الغضب الذي يتفجر من قبضتيه المشتعلتين في حين أظلم المخدع لحظة لامست قدماه الأرض.. تحدث بصوت ملتهب وهو لا يكاد يبصر طريقه:
    - ما شهِدته قبل قليل .. حفلة الزفاف بالطابق الأرضي و تجمع قادة العالم هناك.. لم يكن أي من ذلك حقيقة أليس كذلك؟

    تراجعت ليديا الى الخلف حتى تستند بظهرها على دعامة السرير وهي تطبق عينيها بأقصى ما تملك من قوة حتى تهرب من واقعها المدمر بأي طريقة كانت فهي لن تقوى على تأمل هيئته المماثلة لما كان عليه بتلك الليلة الحميمة بينهما قبل عدة شهور مضت أكثر مما فعلت، وتفضل الموت على اجابة تساؤله بينما أشاح هيدس برأسه صوب أبولو الذي لم يزل قابعاً في مكانه بذهول من هالة فولكان المرعبة وتمتم له بحزم:
    - اذهب الأن وغطى غيابي جيداً، أحرص على أن لا يشعر أحد بهالته مهما حدث هل هذا واضح

    رفع فاريوس رأسه أخيراً ليسدد الطعنة الأكثر إيلاماً بمشهدٍ من دموعه الغزيرة وهي تقطر من ذقنه، وبصوت بالغ الحرقة وانفعال صارخ أنصب عليها خصيصاً ليزعزع توازن عقلها من شدته:
    - لــمــــاذا أخي من بين الجميع أجيبيني؟




    ~..~..~..~..~..~..~..~
    نهاية الجزء الثالث والعشرون







  9. #168

    الجزء الرابع والعشرون ~ ماقبل الأخير


    Screen+shot+2013-02-11+at+3.40.23+AM+copy
    الجزء الرابع والعشرون

    ~ معزوفة النار والثليج ~



    - لما لا تسمح لي بالإجابة عن هذا التساؤل عوضاً عنها عزيزي فولكان

    استدار فاريوس سريعاً نحوه بغضبٍ عارم توقف له جريان دموعه وسرعان ما جحضت عيناه بفزعٍ حين قام شقيقه بغرز شظيةٍ زجاجيةٍ حادة في صدره، تمكنت من اختراق ذلك الجسد القوي خلال أجزاء من الثانية ..

    صرخت العروس المنكوبة بهلع وهرعت تقصد هيدس كالمجانين متناسية كل ما كان يجوب في خلدها حين رأت سيلان الدم من بين اصابته بلا توقف، سارعت بإجترار الشظية خارج جسده المُقاومِ لتتفجر دمائه كنبع ماء متدفق في وجهها ويتشربه ثوب زفافها ناصع البياض دفعة واحدة، أطبقت بكلتا يديها فوق موضع إصابته وراحت تُصلي ليتوقف حمام الدم وهي مصابة بنوبة من البكاء الهستري الحاد حتى أخذت أنفاسُها بالتثاقل تدريجياً جراء ما يستنفذه جسدها من طاقة، ويغيب عنها وعيها بين ذراعي زوجها بعد ذلك بوقت قصير.

    واصل فاريوس تحديقه في موضع إصابة شقيقه الأكبر بحدقتين تزايدة في الجحوض حتى بلغت أقاصيها أمام ذلك الشق الكبير في ثوبه الملطخ بالدماء وهو يكشف عن صدره القوي دون أدنى أثر يذكر! بينما احنى هيدس ساقيه ليحملها بين ذراعيه بكل حرص حتى أراحها فوق سريرها المكسو بأجمل الأغطية والمفارش الباهضة.. هناك بدت وكأنها جثةٌ هامدة تغطيها الدماء القانية ولم يتحسن مظهرها كثيراً رغم قيام هيدس بمسح الدماء عن وجهها المكفهر الشاحب، رفع الشقيق الأكبر رأسه بهدوء ليواجه فاريوس الذي انتابته مشاعر يصعب وصفها لما يرى فكل شيء يحدث حوله في لمح البصر وبتشابكٍ مُحيرٍ وترابطٍ منعدم..
    -مالذي يعنيه كُل هذا هيدس؟!

    استقام الشقيق واقفاً من مكانه وألقى نظرةً شاملة لإطمئنان على عروسه قبل أن يُشيد حاجزاً منيعاً حول سريرها خلال أجزاءٍ من الثانية، عندها أجاب ببرود لاذع وهو يتقدم منه:
    -لم يكن من المفترض أن تعود الأن فولكان، ولكن عودتك لن تُغير الكثير على أية حال
    -أوقف لُعبة الألغاز هذه وأجبني فوراً، مالذي حدث لك ولها قبل قليل !

    احتدت نظرات هيدس من كمية الإنفعال الذي أطلقه شقيقه فقد تهشمت جميع أواني الزهور الكرستالية في أرجاء المخدع واحدة تلوى الأخرى أمام صوته الغاضب، وبدا جلياً خطورة تركه مستمراً في ثورة غضبه هذه فلربما تُصبح الأجواء كارثية أكثر مما هي عليه الأن وتخرج الأمور عن نطاق السيطرة.

    هنا استدار الأمبراطور تاركاً ظهره في مواجهة شقيقه حتى لايرى ردود أفعاله وسار قاصداً شرفات المخدع ليقول:
    -لم يحدث شيءٌ غيرُ قابلٍ للتفسير فولكان، تعمدت إصابة جسدي حتى تختبر قدرات ليديا المذهلة بأم عينيك وأحفظ بدوري كثيراً من الوقت في تفسير سلسلة الأمور المتشابكة بعقلك في هذه اللحظة، هذا كُل مافي الأمر شقيقي

    أبدى شيئاً من الرصانة وهو يبادره بالسؤال بعد أن سكت لثوانٍ معدودة:
    -إذاً.. هذا الزفاف؟!

    استدار بجسده في مواجهته ليريه مدى جديته بشأن هذه الإجابة:
    -قُدرتها الشفائية هي عِلة هذا الزفاف فولكان، سأستمد من طاقتها كي أتمكن من سحق تلك الذاكرة التى تصورك وحشاً غُير قابِلٍ للترويض من عقول العالم أجمع، وسأعيدك حراً طليقاً كما يجب لك أن تكون، كل ما عليك فعله الأن هو التحلي بالصبر و الإنتظار لمدة أطول قليلاً حتى تُصبح قادرة على التحكم في قدرتها بصورة أفضل بحيث لا تُسبب لها أضراراً عكسية كما تُعاني خلال حديثنا هذا

    صفعه حديث هيدس بكف من فولاذ وهو الذي لم يتغلب بعد على صدمة رؤيتها في حُلة الزفاف تلك وطاقتها المرعبة في شفاء جراح شقيقه البالغة أمام عينيه، بينما لم يكن من الممكن أبداً أن يُحلل عقله أبعاد ما سمع بدقة كافية وكان جُل ما يدرو بعقله هو كيف تجرأ على التفكير بها بهذه الطريقة !! .. لا شعورياً، وجد نفسه يجر قدمه نحو شقيقه حتى أصبح أمامه مباشرة و بوجهٍ خالٍ من التعابير، أمتدت قبضته نحو مقدمة ثوبه وأجتره منها بغلظة دون أدنى مقاومة من الطرف الأخر، تحدث بصوتٍ حوى الكثير من الغضب والعتاب :
    -لقد وثقت بك هيدس وتركتها وديعة بين يديك، كيف سولت لك نفسك العبث في عقلها وإقناعها بالزواج منك من أنــــــت حقاً؟!

    ثم دفعه بعيداً عنه وأشار بسبابته إليه وهو يُطلق تهديداته الصريحة بإشمئزاز وغلظة:
    -لكنك لن تسكُن إليها هيدس هل تفهمني!!، لن أسمح لك أن تمسها فهي لي رغماً عن أنف الجميع

    أجابه ببرود ٍمنزعج:
    -سأفعل المستحيل لإبقائك على قيد الحياة وإن كان هذا يعني أن أبيع روحي للجحيم، لك أن تقتلني عندما ينتهى كل شيء لكنني لن أتراجع الأن فولكان فلا مجال لذلك على الإطلاق

    ناظره بزدراء وهو يصك على أسنانه من الغيظ رغم محاولته رسم ابتسامة ساخرة:
    -وتظنني أتركك لتفعلها وتبرر جُرمك الفادح بإنقاذك لي هكذا؟! لقد بعتني بتفكيرك هذا هيدس وجعلتني متيقناً من ما سأقوم به وبما وجب علي القيام به منذ وقت طويلٍ مضى، سأسلم نفسي الى مجلس السلام الليلة ولا شيء بوسعه كبحي عن فعل ذلك.

    تحولت عينه صوب ليديا المتمددة خلف ذلك الحاجز المرئي وتابع بكمد مكتوم:
    -فكما يبدو وأنني قد سبق وفقدت السبب خلف رغبتي في هذه الحياة
    لم يُظهر هيدس أي إكتراثٍ يقرأُ على ملامح وجهه إلا أنه أجاب بروية:
    -أربعة أشهر ونصف فولكان هي مدة غيابك عن هذه الأرجاء، ألا تشعر بالفضول لمعرفة كيف انتهت تلك الجميلة بين يداي خلال هذه المدة القصيرة؟



  10. #169

    الجزء الرابع والعشرون ~ ماقبل الأخير




    شد على قبضة يديه وعينيه تطلقان الشرر مجدداً:
    -لقد أغويتها بكل تأكيد ولن أسامحك على ذلك ما حييت
    - أوه إذاً لا يبدو لي من أنك ستظل ناقماً علي طويلاً نظراً الى رغبتك الحمقاء في تسليم رقبتك الى قبضة المجلس، وعليه أظن أنك تستحق بعضاَ من الحقائق فالعزيزة ليديا لم تكن قادرة على تذكُرك سوى قبل بضعة أيامٍ من الأن، لقد حرصتُ على أن لا يعبر طيفك مخيلتها حتى و تطلب الأمر كثيراً من الجهد والطاقة إلا أن النتائج مذهلة كما ترى، لقد أرتدت ثوب الزفاف من أجلي بعد كُلٍ ومن حديثك أستطيع التصور من أنه سيستمر الى أن يفرقنا الموت!

    ضرب أحد الأعمدة قربه وعروق وجهه تبرز مزرقةً من شدة الغضب:
    -الويل لك هيدس، وتظنني سأستسلم للموت دون نضال!، سوف لن أُمكنهم من أخذ حياتي مهما جرى، بل ثق جيداً من أنني سأنجح في اجترار قرار العفو من ألسنتهم ثم سأتزوج بها فور حصولي عليه وسأرى مالذي سأفعله بك في ذلك الحين لكنها لن تكون لك مادمت حياً

    -يؤسفني أن أخبرك بأن كلاهما أمران يُستحال أن يخرجا عن نطاق الحلم والخيال مُطلقاً فاريوس، أنت لن تتمكن من الزواج بها أبداً فلن تخضع الى محاكمة أخرى وسينفذ فيك حُكم الإعدام تزامُناً مع اللحظة التى تسلم فيها يديك الى أغلال مجلس السلام وتثبت بها هويتك لديهم

    استدار كُلٌ من فاريوس وهيدس نحو مصدر الصوت الجاد بتفاجُئٍ من إنضمام صاحبه إليهم في حين أردف وهو يتابع توغله في مخدعها بعد أن هبط على شرفاته قبل لحظات:
    -سوف لن يُخرجك من دائرة الخطر تماماً سوى اتباع الخطة التى رسمها هيدس بإحكام، حيث بها ستسترجع سجلك النقى مجدداً لتُكمل عيشك بسلام كشقيق الأمبراطورة ليديا في القانون زوجة هيدس الشرعية.


    لم يتمكن فاريوس المجفل برهبة من الرد على لهجة اللورد دايفييل الصارمة وهو يتذكر طبيعته السمحاء البشوشة، إنه قطعاً يبعد كل البعد عنها بوجهه العابس و جديته اللاذعة، أعساه يكون واثقاً الى هذه الدرجة من الحديث الذي يقوله؟!، لكن لا يزال.. من المستحيل أن يتقبل تدخُل أحدٍ بينه وبين ليديا بأي طريقة كانت، جزمه القاسي بأنهما يُستحال أن ينالا نهايتهما السعيدة التى يستحقانها يجعل عقله يقوم بضمه تلقائياً الى قائمة الأعداء، شد على قبضته ورأسه مطأطأ الى الأرض حين بادر سؤاله بصوتٍ خفيض:
    -كيف لك أن تكون بهذه الثقة والعجرفة لورد دايفييل؟ لا أحد يعلم الغيب قطعاً وإن كان مُتحكم مملكة الملائكة الأول فلا تتحدث عن المُستقبل وكأنه مِلك لك

    تدخل هيدس بإندفاع يشوبه الكثير من القلق مُخالفاً بذلك صورته الجافة و أسلوبه البارد، و موجهاً حديثه الى اللورد دايفييل :
    -لا تفعل دايفييل، لا أظن أن هذا هو الوقت المناسب للإفصاح عن ذلك

    أجابه بهدوء بالغ:
    -بلى هيدس، لن يجلب إخفاء الحقيقة سوى مزيد من المآسي والألم على قلوب جميع من بهذه الغرفة، كما أنها غائبة عن الوعي ولن تُدرك شيئاً مما يُقال في كل الأحوال لذلك دعنا نتوقف عن القلق على مشاعرهما فلا يجب أن تتعقد الأمور أكثر مما هي عليه الأن هل لنا؟..

    سكت لبرهة ثم تنهد وهو يجيبه مستسلماً ومتصنعاً اللامبالاة:
    - إذا كنت تراه هكذا، فليكن إذاً ..

    أكمل اللورد دايفييل حديثه بذات الهدوء قاصداً به من كان له النصيب الأكبر من المفاجأت منذ مطلع هذا اليوم:
    -صحيحٌ هو أنني لا أعلم الغيب ولا أقول أن بإمكاني التنبؤ به بأي شكل من الأشكال، ولكنني أُطلعك هنا على التاريخ الذي كتبته بيديك منذ عشراتِ السنين والذي كان شقيقك نبيلاً بما فيه الكفاية لإبقائه سراً عنك.

    هنا قُرع ناقوص الخطر بقلب فاريوس وراحت عيناه تتنقلان بين شقيقه واللورد دايفييل في ضياعٍ تام، انه يكره شعور أن يكون غافلاً عن أي شيء يخصه ولكنه في الوقت ذاته متوجسٌ عن مدى رغبته في معرفة ما يقصده بكلامه، فكما يبدو مما سمعه حتى الأن من أنه لن يروق له ولن يكون في صفه ومدافعاً عن موقفه..

    أن يعيش في دوامة من السعادة المزيفة هي تجربة سبق وأن خاضها من قبل حين راق له سلمية حياته مع ليديا الهاربة من انقلاب الأحباء عليها آنها، ولكنه يذكر جيداً كم كان دائم القلق يشكو من الأرق توجساً لتلك اللحظة التى لا بُد ستأتي لتعيده الى أرض الواقع وتجتره من ذلك العالم الذي لا وجود له!، لذا فليس من الحكمة أن يعيد الكرة مرة ثانية وإن كان ثمن المعرفة ألماً أكيداً فهو بالتأكيد سيكون أكثر رحمة من هواجس تستمر مدى الحياة

    تكدست الحروف في حلقه وأصبح لها ثِقلٌ مزعج جعل ينزاح عنه ببطأ شديد وهو يقول:
    -لقد قلت بأن كلاهما أمران مستحيلان، مالذي يُفترض أن يعينه حديثك هذا؟ ومن ثم لماذا لن أخضع الى مُحاكمة أخرى بعد مرور كل هذه المدة ؟

    أجابه بسكينة حزينة:
    -ما أعنيه هو أن مجلس السلام سوف لن يسمح لك بالبقاء على قيد الحياة مهما بذلت لذلك من سبيل فأنت تشكل خطراً عظيماً في منظورهم، إن كانت رغبتك في العيش صادقة فحتماً لن تكون هذه هي السبيل لتحقيق ما تربو إليه

    سكت فاريوس لبضع ثوانٍ قبل أن يعاود الحديث بإمتعاض:
    -وماذا عنها؟ لماذا لا أستطيع أن أكون زوجاً لها عوضاً عن هيدس؟ عندها سأقوم بتنفيذ ما يخطط للقيام به بنفسي، أليس هذا ممكناً؟!


    هنا طأطأ كُلٌ من اللورد دايفييل وهيدس برأسهما أرضاً لتُخيم موجة من الصمت المريب على أرجاء المخدع بأكمله، تضاعفت سرعة ضربات قلب فاريوس ترقباً لسماع الإجابة في تجربةٍ كانت الأولى من نوعها لمشاعر الرهبة في حياته، عاود اللورد دايفييل حديثه برزانة شديدة ونبرة مرعبة:
    - وهنا تكمن المعضلة عزيزي فاريوس، فلا يُعقل أن تُقدم على الزواج بصديقك المُقرب أليس كذلك؟



  11. #170

    الجزء الرابع والعشرون ~ ماقبل الأخير




    عقد فاريوس حاجبيه بعد سماع الإجابة التى صادمت أياً من توقعاته والحيرة تبلغ أقصى درجاتها بداخل عقله.. "مالذي يهذى به هذا الرجل؟!" :
    - حباً في الرب مالذي ترمى إليه بقولك لورد دايفييل؟


    أقترب الشقيق الساكن من شقيقه الأصغر و قام بإراحة إحدى كفيه على كتفه الأيمن ثم تحدث بشيء من الرحمة بعد أن أومأ له اللورد دايفييل بذلك:
    -أرجوا أن تُصدق من أنني لم أكن على علمٍ بما ستسمعه الأن سوى مؤخراً ولا يعلمه مثلي سوى اللورد دايفييل وبعضٌ من أعضاء مجلس السلام بأعماقٍ مختلفة.. قديماً خلال فترة محاكمتك بتهمة محاولة استحداث القوة المحرمة، لم يشاء مجلس السلام الإفصاح عن الحقيقة كاملة بشأن الملف الخاص بقضيتك أمام العالم، و فضلوا ابقاء الجزء الأكثر أهمية من القضية طي الكتمان حتى لا يُفتح بابٌ من الإحتمالاتِ الخطيرة بعقول مستخدمي الطاقات ويعود ذلك بشرٍ عظيم على هذا العالم أجمع.. ذلك الجزء كان يتعلق بحقيقة أن سعيك خلف القوة المحرمة لم ينتهى الى كونه محض محاولات باءت بالفشل، فقد نجحت فعلاً في استحداثها بالقدر الذي حقق لك غايتك من إستخدامها في حين لم يتمكن أحُدٌ من إكتشاف كيف أستطعت فعلها حتى الأن! ذلك يُشير الى كون أن تلك القوة قابلة للخضوع الى سيطرة أحدهم دون إحداث تدميرٍ شامل كما حدث من قبل، لهذا سوف لن يتوانى المجلس عن قرار إبادتك إذا ما علم بشأن عودتك مجدداً، فأنت في نظرهم بمثابة قُنبلة موقوته لها القدرة على إعادة تاريخ الدمار والعبث في توازن هذا العالم إذا ما عاودت الكرة مجدداً، فلا شيء يضمن عدم خروج الأمور عن السيطرة إذا ما استحدثتها مرة أخرى.


    ناظره فاريوس بعينين مُكذبتين وحاجبين معقودين في حين قام بإبعد يده عن كتفه بغلظة:
    -كفى عن قول الهراء هيدس، لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً وإلا كيف تفسر قضاء إليون لنحبه منذ وقتٍ طويلٍ مضى بينما لا أزال أنا على قيد هذه الحياة؟

    رفع هيدس كلتا حاجبيه وهو يناظره بجدية مطلقة:
    -هذا غيرُ صحيحٍ فولكان، لربما تحلل الجسد الذي كان يعود لإليون مرة ولكن روحه سكنت في جسدٍ أخر بعد أن تسببت في نقلها بإستخدام تلك القوى الأثمة، فقد كانت طريقتك في القضاء على سقمه بتخليصه من ذلك الجسد الضعيف الى الأبد!!.


    أتسعت عيناه وعقله يستقبل شيئاً من حديث شقيقه عوضاً عن الصد التام بينما أخذ قلبه يخفق مُجدداً الأمل في لقاء صديقه بلهفة عارمة وشوقٌ جارف:
    -إذاً أين هو الأن؟ بالله عليك أن تقول لي.

    أزاح هيدس مبتعداً عن السبيل بينهما بينما أشارت رقبته التى التفتت إليها وهي لا تزال في حالتها الراقدة تلك:
    -أنت تنظر إليه الأن فولكان، فهو كان معك من البداية الأولى و روحه عادت لتكون ليديا التى تعرفها.


    مضت لحظات خاشعة رفع بعدها فاريوس المتشنج رأسه ليكشف عن عينين غارقتين في الفراغ، تحدث بصوتٍ ضائع به غصة عالقة:
    -لكن هذا لا يُفسر شيئاً ..!


    تقدم اللورد دايفييل قريباً من فاريوس الذي عكست هيئته التصوير الأمثل لماهية الذهول مما صافح مسمعه حديثاً، أما عقله فقد أعلن رفضه القاطع لمعاودة وظائفه في برمجة واستقبال المعلومات الى مالا نهاية ووجد ملاذاً في الشرود الى فساحة الفضاء، إلا أن ذلك لم يدوم طويلاً حين أرغمه صوت اللورد دايفييل على الإنصات بجميع جوارحه.

    -لم يكن من السهل مُطلقاً اكتشاف الحقائق بعد أن أجدت إخفائها في مامضى لتضمن سلامة صديقك المُقرب إليون، فأنت لم تكتفى بتخليصه من ذلك الجسد وحسب، بل أقدمت أيضاً على كتابة التعويذة الأدهى والأكثر تعقيداً من التى رأيتها في حياتي لتحرص على أن لا يعبُر عقله شيءٌ من ذكرى ماضيه حين يغادر ذلك الجسد، فقد أدركت أن سقمه لم يكن سوى نتيجة كونه من سلالة الفدائيون العريقة، تلك السلالة التى فرضت على مواليدها مهمة حفظ القوى المميته بداخل أجسادهم جيلاً بعد جيل مما جعل لهم أجساداً هزيلة و دورة حياة أقصر بكثير عن بقية الخلائق، وسيستمر الأمر على هذا النحو لملايين السنين حتى تنفرض القوى المحرمة من على وجه الأرض نهائياً، في المقابل منحتهم تضحيتهم تلك بقدراتِ خارقة ليس من شأنها مساعدتهم على تخطى قدرهم الخاص مُطلقاً، لكنها بالتأكيد خولتهم من تحقيق المعجزات لمن هم غيرهم من الأشخاص، وبناء عليه لم يكن من المُريب أن يستخدم إليون جُل ما حُبس بداخله من قوى محرمة بذلك الوقت كي يتمكن من مساعدتك والإحتفاظ بروحك، ولا أظن أنه كان على علمٍ بما خَبَأتهُ له لحظة أن يتداعى جسده ذاك مُعلناً النهاية، فأن يتذكر إليون حقيقته بعد عودته يعنى معاودة استيقاظ ورم القوى المحرمة بداخله مجدداً، وعليه حرصت تعويذتك بصورة خاصة على فرض سيطرة شاملة حول ما يدور برأس ليديا بعد أن تمثلت في هيئة وشمٍ فريد يقبع فوق قلبها مباشرة، وشمٌ تحتفظ مؤخرة رقبتك بجزء عظيمٍ منه أيضاً كما تعلم.

    لامست أنامل فاريوس موضع الوشم وعينيه تكادان أن تنفذان من محجرهما من شدة الجحوظ وسرعان ما تمتم بريبة وهلع:
    -إذا كان ما تقوله صحيحاً، فهذا يعنى من أنني لم أكن على علمٍ بما تخبئه الأقدار لي وحادثة عودتي هذه، فلماذا يكون لدي شِق من ذلك الوشم أنا الأخر؟

    أتى جوابه سريعاً وكأنه توقع السؤال وجهز للإجابة سلفاً في حين كان عقله يسترجع حديث صديقه المُقرب بشأن مقدرة ليديا على قراءة الأفكار في طفولتها:
    -ذاك لأن التعويذة التى قمت بكتابتها قد شملتك في تلك الدائرة المتمحورة أساساً على ضمان جهل إليون عن ماضيه منذ اللحظة التي يعود بها في جسدٍ جديدٍ أخر، وليس ذلك فحسب لقد تضمنت أوامر تلك التعويذة القيام بسحق أي قدرات يطورها عقل ليديا، بالإضافة الى تشويش ذاكرة أي عقلٍ أخر لمن هم حولها من الأشخاص في حال لاح لهم شيءٌ من بوادر ماضيها القديم والذي من شأنه أن يقود الى تفجر الحصن الذي بنيته حول ذلك الشطر من ذاكرتها الماضية، زواجك منها في أي وقت يعنى إرغام الوشم على سحق طاقاتها الشفائية الحديثة جنباً الى أي قدرات أخرى يُحتمل أن تظهر لها في المُستقبل حتى لا يمتصها جسدك تحديداً ويُصبح قادراً على فك شفرات الماضي الخاصة بك.

    أصبح حديثه أقرب الى فحيح الأفاعي من شدة تغير طبيعته و ثقل شهيقه:
    -وماذا في أن أتمكن من استرجاع تلك الذكريات، ألست تقولها لي الأن بدقة؟!

    -لكن هذا لا يعني أن يتمكن عقلك من إقرار صحتها بتذكرها إطلاقاً، أخشى أن هذا لن يحدث مهما استبسلت في المحاولة عزيزي فاريوس فحتى أنا لا أستطيع العبث في تعويذة اُستُخدمَ في كتابتها القوى المحرمة، استرجاعك لتلك الذكريات تحديداً يعني قيامك بالعبث في التعويذة مجدداً ومحاولاتك لتحرير الجزء المتعلق بذكريتكما معاً في عقل ليديا حتى ترى فيها شيئاً من ذاتها القديمة، لذلك سوف لن تذهب الى أي مكان أو تتمكن من فعل أي شيء بتلك الطاقة الشفائية وستنتهى بتجريد ليديا منها كما سبق وأن تجردت من الكثير قبلها دون إدراكها لذلك..

    -كيف يُعقل أن تطلب مني تصديق حديثٍ كهذا دون أن تمنحني دليلاً واحداً على صحته؟ إن جل ما قلته الأن هو محض تحليلات أخشى أن عقلي لا يتقبل شيئاً منها لورد دايفييل

    - إذاً لعلك تذكر بعضاً من حادثة فقدانك للوعى عندما ظهر شِقٌ من وشمك الفريد خلف رقبتك للمرة الأولى وأنت طفلٌ تبلُغ الرابعة من العمر، من السهل جداً أن أُثبت لك من أنه قد وقع في أول يوم غادرت فيه ليديا حاضنتها الخاصة، هل تظن أن ذلك محض مصادفة؟



  12. #171

    الجزء الرابع والعشرون ~ ماقبل الأخير


    هيدس وقد أسترعاه قدر التفاصيل التى يسردها اللورد دايفييل عليه فهو الأخر لم يكن على علم بها بهذه الصورة الدقيقة:
    -ولماذا لم تعمل التعويذة منذ خروج ليديا الى قيد هذه الحياة؟


    أجابه برزانة بالغة:
    -وهذا دليلاٌ أخر كنت على وشك إضافته من جملة الأدلة بحوزتي، حدث ذلك لكونها قد تشاركت الحاضنة التى حملت فولكان طيلة العامين الأولين من حياته دون تخطيط مسبق، لطالما سهر إليون على حماية تلك الحاضنة وأمدادها بما تبقى من طاقاته المهدرة حين كانت روح صديقه ترقد بداخلها في سلام، مما نتج عن تغيُر معالمِ تلك الزهرة حتى صارت فريدة في لونها وقوتها، ولربما كان ذلك سبب ولادة فولكان بذات الهيئة التى كان عليها من ذي قبل دون تغيرات جوهرية كما حدث مع إليون، فعلى عكس فولكان الذي استحدث القوة المحرمة بطرائق مجهولة، كانت تلك القوة تنبع من جسد وأنامل إليون كونها ترعرت في خلاياه، ليتضاعف حجم تأثيرها على الزهرة مع كل مرة يزورها بها، عندما آن أوان احتضان ليديا لم تتمكن التعويذة من اختراق تلك الزهرة القوية فقد تدرعت بطاقة منيعة من حاميها ولكن سرعان ما تلبس الوشم جسد ليديا ذات العامين وأستمر معها حتى الأن كما يُمكن اثباته.


    ابتسم اللورد دايفييل وهو يتابع بصوت رخيم:
    -لقد ساعد كلاكما الأخر من حيث لا يعلم بأقصى ما يمكنكما فعله، لم يكن من السهل جداً علي تقبل أن إليون قد بذل جُل طاقته فداءاً لفولكان مُسبقاً وكان من الصعب اكتشاف ملابسات حقيقة كون إليون وليديا وجهان لعملة واحدة فقد برع ذلك الوشم في حمايتها طيلة الأعوام المنصرمة من عُمرها كأنثى
    عقد هيدس حاجبيه وهو يقول:
    - إلا أن هنالك حلقة ناقصة لا أفهمها، إن ما جلب الدمار الى العالم في ذلك العهد الأسود هو التصادم الدموي بين مستخدمِ القوى المحرمة رغماً عن إرادتهم، فحامل القوة لا يستطيع أن يتوقف عن القتال حتى يصبح المستخدم الأوحد لها، وبرؤية الأمر في سلالة الفدائيون فقد كان العبء يقع على عاتق طفل واحد من بين أقرانه حتى لا تثور القوة إذا ما كانت موزعة في أجسادٍ متعددة، كما أنها لا تنتقل لأحدٍ غيره حتى يلاقى حتفه مما يثبت تلك الحقيقة، إذا كان جسد ليديا لا يزال حاملاً للقوى المحرمة وإن كانت خامدة وفولكان يُعد أحد مستخدميها السابقين .. ألا يعني هذا محاولة أحدهما سحق الأخر؟!.


    تنهد بشيء من الضيق ويده تمسك بذقنه:
    -هذا ما عجزت عن إيجاد الإجابة له حتى الأن، فإذا ما تم الأخذ بعين الإعتبار من أن التعويذة التى صنعها فولكان أوصدت الأبواب أمام القوى المحرمة في جسد ليديا لتغرق في سُباتٍ طويل المدى إلا أن ذلك لا ينفى أن يُقدم فاريوس على محاولة التخلص منها بدوره، لقد تم ابادة جميع مستخدميها خلال نهايات ذلك العهد وهذه كانت الطريقة الوحيدة التى خولت قادة العالم من السيطرة عليها وحبسها في جسد الفدائي الأول حاكم مملكة النور العظيم.


    هوي فاريوس على ركبتيه حين وصل أخيراً الى مرحلة التيقن من حقيقة ما قالوه عنهما فهو بالتأكيد لن ينسى أبداً رغبته الملحة في تعذبيها وقتلها مراراً ولو لم ينجح قلبه من تمكين حبه لها على تلك المشاعر الشاذة لأقدم على قتلها منذ وقتٍ طويلٍ مضى.. شعر اللورد دايفييل بتغير الهالة التى تُحيط بالمكان حين تحدث فاريوس من بين دموعه بإبتسامة ساخرة وعقله يعرض أمامه تلك اللحظات التى تحدثت بها بلسان إليون أو بما قاله له بالحرف الواحد في ذلك الزمن:
    -هكذا اذاً.. يالسخرية!، أن أقع في حب الفتاة التى حاولت تدميرها وقتلها لعدة مرات ثم اكتشف لاحقاً من أنها صديقي الحميم من بذل حياته من أجلي!..كيف يمكن لحياتي أن تكون أكثر إثارة من ما هي عليه الأن


    أجفل الرجلان لحجم الإعتراف الذي أدلى به تواً وهما يتابعانِ الإنصات لحديثه اليائس بإهتمام:
    -لقد قررتُ إخفاء الحقيقة عن الجميع والإحتفاظ بها لذاتي خوفاً من فُقدها بعد أن منحتني الغفران دون تفسيرٍ أو مقابلٍ عن جميع ما اقترفته في حقها، كيف أمكنني أن أُخطأها بغير شخصه وهي شديدة الشبه بصفاته وأفعاله كيف كنت بهذه السذاجة؟!


    هنا تنبه اللورد دايفييل لحقيقة استعادة ليديا وعيها من أجفانها المنزعجة وقبل أن يقوم بردة فِعلٍ مناسبة كانت قبضة هيدس تنهل على بطن فاريوس لترسله بعيداً عن عالم اليقظة في طرفة عين، وماهي الى سويعاتٌ حتى آقتحام عشرات من الحرس المتلثمين المكان حيثُ أسرعوا بتطويق جسد فاريوس الخائر بكل إحكام، حملوه فوق أكتافهم ثم انحنى أحدهم أمام الأمبراطور الذي سلمهم إياه شخصياً و أردف بإحترام:
    -سنأخذه الأن مولاي.


    أومأ لهم بالإيجاب فأستداروا من فورهم ليشقوا طريقهم نحو الخارج، كل هذا وليديا المستيقظة حديثاً تراقب بذعر أوقف الشعر في بدنها، وقبل أن يخرجوا به من المخدع هرعت نحو هيدس متخطيةً الحاجز الذي أخذ بالتلاشي لحظة تلقى فاريوس الضربة المباغتة من قِبل أخيه وهي تصرخ بإنفعال وتلكم صدره بقبضتيها:
    - تباً لك مالذي تريد أن تفعله به، أوقفهم فوراً وإلا


    قاطعها بغلظة للمرة الأولى في حياتهما وهو يرمقها بنظرة حادة بينما ثبتت قبضتهُ العنيفة معصميها وأرغمتها على التوقف:
    - وإلا ماذا ليديا؟!
    انكمش وجهها باكياً من فعله فخفف من قوة قبضته على مرفقيها وكذا فعل مع صوته الذي تبنى نبرة أكثر هدوءاً حين اختفى الحرس من أمامهما:
    -إنه في وضعٍ عقلي مضطربٍ الأن ولا يمكن التنبؤ بتصرفاته، ثقي بي هذا للأفضل


    أخفت عينيها الدامعة حين طأطأت برأسها نحو الأرض:
    -مالذي ستفعله به إذاً؟
    أفلت يديها وأشاح لها بظهره وهو يبتعد عنها قاصداً باب المخدع:
    -سأُبقيه في مكانٍ أمنٍ بعيداً عن أعين كُلٍ من أفراد الحاشية وجواسيس المجلس حتى يحين موعد عودته المقرر


    استدارت بجسدها نحو اللورد دايفييل دون أن تُظهر استنكاراً من كيفية انتهاءه الى هذه البقعة وما يبقيه عاجزاً أمام فِعل هيدس الخطير فكل شيء يبدو جنونياً من حولها:
    -لورد دايفييل، أتوسل إليك أن تفعل شيئاً
    أشاح الأخر بوجهه بعيداً عنها وهو يشعر بالأسى لما حدث ولطبيعة فهمها للأمور من حولها:
    -أعتذر صغيرتي، أخشى من أن هذا أفضل حل ممكن ريثما تسلُك الأمور


    أحنى هيدس رأسه بتجاههما قليلاً قبل أن يخرج من ذلك الباب:
    -لم يعد بوسعي ترك أبولو يخوض وحده في غمار الفضوى العارمة بالطابق السفلى سأبدل ثيابي ثم أنضم إليه، أكون مديناً لك مرة أخرى إذا أبقيت صحبتها لورد دايفييل
    أجابه بوقار:
    -هذا ما كنت أخطط لفعله امبراطور هيدس، أذهب الأن ولا تقلق بشأنها فهي في أيدي أمينة..


    تركهما أخيراً فسقطت على المقعد من خلفها وفي عمقها صراخ مكتوم، لماذا يجب عليها خوض هذه المحن مع الأخوين وبينهما؟،إن كل شيءٍ يحدث الأن يفوق طاقتها بطريقة مجزعة تجعلها تتمنى التبخر والإختفاء عن التخبط فيه.. أقترب اللورد دايفييل منها و احتل المقعد المجاور لها، تنبهت له فمسحت بقايا الدموع من وجهها و تحدثت بشيء من التماسك:
    -يبدو وأنك على علم بما يجرى هنا لورد دايفييل


    تنهد وأجاب بندم:
    -هذا صحيح، آسف لأنني لم أتمكن من الوقوف بجانبك ليديا
    عضت على شفاهها المتدلية حتى لا تستسلم للبكاء مجدداً وهي تتابع بأكبر قدرٍ تحصلت عليه من رابطة الجأش:
    -إذاً أنت تدرك ما مر به فاريوس مؤخراً ولا يزال


    لم تحصل على إجابة فستدرات بكامل جسدها تجاهه وبجدية مطلقة:
    -لن أُتم زواجي بهيدس لا أستطيع أن أُدمره بهذه الطريقة لورد دايفييل، لن أفعلها وسأقدم على مساعدته دون عون أحد كل ما عليك فعله هو الوقوف بجانبي أرجوك
    أمسك بإحد يديها وأراح كفه فوقها:
    - وكيف ستفعلين ذلك عزيزتي ليديا؟


    سحبت نفساً عميقاً قبل أن تجيب برجفة حقيقة تبنتها في صوتها وجسدها:
    -إن كانت قصة إليون حقيقة فهذا يعني من أنني تمكنت من مساعدته مرة وسأتمكن من فعلها مرة أخرى عن طريق تنفيذ خطة هيدس وحدي


    أطبق عينيه بهدوء وشفاهه ترسم بسمة الخسارة مجدداً، فهو لم يشك ولو لدقيقة واحدة من أنها كانت تتظاهر بالنوم قبل قليل، فشله في الإحساس بوعيها يذكره بإخفاقه في الإحساس بهالتها منذ نعومة أظافرها وهذا لا يمكن أن يزيده سوى إيماناً من أنها هي ذاتها ذلك الفتى الفريد إليون، لقد قضى أشهراً في البحث الدؤوب عن حلٍ لجميع تلك الأحاجي التى سرعان ما حُلت وأصبح لوجودها معنى لحظة توصل الى هذا الإستنتاج:
    - أعلم أن ذلك كان كثيراً عليكِ صغيرتي وأعلم أنه ليس بوسعك تذكر شيءٍ مما قُلته فلا داعي للقلق بشأن وقوعك ضحية ذلك القدر مجدداً، فقط أخبريني قبل أي شيء، هل هو صحيح ما قاله فاريوس بشأن محاولاته لقتلك في السابق؟


    أومأت له إيجاباً وقد فقدت السيطرة على دموعها المتغرغرة في عينيها فتابع بحلمٍ مضاعف:
    -الجميلة ليديا، سأكون كاذباً إن قلت بأنني أشعر بشيءٍ من الذي مررتِ به مؤخراً و ليس هنالك خلافٌ على طاقتك الفريدة، إلا أن تخليص فولكان من مصيبته وانتزاع ذكراه من عقول الخلائق يعني انتقال الجسد الى حيزٍ بعيدٍ من الكون الفسيح، حيث فيه تعوم الصُحف التى تحوى سيرة حياة المرء فينا بأدق تفاصيلها منذ لحظة ولادته وحتى اللحظة، من هناك سيُقدم ذلك الجسد على فرز تلك الصحف واحدة تلوى الأخرى و من ثم سيعمل على انتزاع جميع ما حوته من ذكريات تتعلق بفولكان صغيرة كانت أم كبيرة ليضمها الى صحيفته الخاصة، فما خُط بها يُستحال أن يُمحى كما لو لم يكن له وجود من قبل حتى لا يتزعزع اتزان هذا العالم.. ولتحقيقها بنجاح فإنه يستوجب قوة جسدية جبارة وهذا ماينقصك عزيزتي، أنت أرق من أن تتحملِ ذلك العبء، ولكِ أن تتصوري كيف أن العقل سيعاني الأمرين بعدها من نوبات تكدس الذكريات المبعثرة والغير مترابطة، بل وهنالك فرصة كبيرة بأن يفقد المرء السيطرة أو أن يصاب بحالة من الصرع بين الحينة والأخرى، إن الأمر ليس بالسهولة التى تتصورينها.


    أخفت وجهها خلف إحدى يديها لتخفى بشاعة اكفهراره عن عيني اللورد دايفييل وهي تنحب بلا صوت وتلعن عجزها المقيت فهي تتذكر جيداً مكوث زوجها طريحاً للفراش مايُقارب الشهرين بعد قيامه بتطبيقٍ بسيط لهذه الخطة، تطلب الأمر بعضاً من الوقت قبل أن تهدأ نسبياً لتُعاود سؤاله بأكبر قدرٍ تحصلت عليه من الهدوء والسكينة:
    -إذاً.. مالعمل الأن؟




  13. #172

    الجزء الرابع والعشرون ~ ماقبل الأخير



    طبع قبلة على كف يدها التى لم تزل أسيرة بين يديه:
    -لربما كان هيدس قاسياً معك في الكثير من الأمور إلا أنه لم يُخلف وعده لي في القيام بحمايتك بأقصى ما يمكنه حتى الأن، و أقسم من أنني جاهدت كي أتمكن من إيجاد طريقة مغايرة لحماية العزيز فاريوس ولكن مع الأسف الشديد يزعجني اقرار أن جُل ما بوسعك تقديمه هو منح زوجك جُل ما تستطيعين من الطاقة حتى يتمكن من العودة بأقل قدرٍ من الأضرار..

    سحبت نفساً عميقاً ساعد على تنظيم ضربات قلبها المُنفعل وأعاد معدل جريان الدم في عقلها المختنق:
    -لورد دايفييل هل بإمكانك إراحتي من اليقظة لهذا اليوم، أشك في مقدرتي عقلي على تنفيذ هذه الخدمة من أجلي بعد كُل ما سمع وأشعر من أنني سأموت إذا ما استمريت على هذه الحالة

    أومأ لها بالإيجاب وأعانها على الذهاب الى سريرها حتى أستلقت فوقه، أراح بعد ذلك يده فوق رأسه فهمست بصوتٍ واهن:
    -هل لك أن تُخبر والدي من أنني على ما يرام ومن أنني آسفة لأنني لم أتمكن من رؤيته ومراقصته اليوم

    تمتم:
    - بكل تأكيد

    ثم تأكد من انضمامها الي عالم النيام حتى ينهى حصتها من المعاناة لهذا اليوم وقد أخذت كفايتها منه، راقب حركة صدرها المنتظمة و انقشاع شيء من شحوبها لبعض الوقت قبل أن يخرج جناحيه وهو يتمتم داخلياً
    -" أنا واثق من أن هذا ما أردته عزيزي إليون، اصمد قليلاً وسيعود كُل شيئاً كما كان عليه من قبل"


    ~~~


    مملكة الملائكة ~ يومان بعد حادثة الزفاف

    هبطت اللورد دايفييل على شرفات قصر المتحكمين الخاص وقد وصل تواً من رحلته التى أنطلقت من أرض الشياطين سابقاً، إنه مُجهدٌ ومُثقل بالمخاوف من الفوضى التى خلفها وراءه و كُله رجاءٌ من أنه قد قام بالتصرف الصحيح ولم يخسر بذلك أعز طفلين على قلبه بعد أن ساهم في قلب حياتهما رأساً على عقب

    لم تكن خيوط الفجر قد نُسجت بعدُ فالمملكة لا تزال تغط في نومٍ عميق، سار الى الأمام قاصداً بوابة الشرفة ولكن استوقفه وجود صديقه وانتظاره له بهذه الساعة المتأخرة
    - كيف هي أحوالها دايفييل؟

    تفاجئ اللورد نوثانيل وسرعان ما تملكته مشاعر الإحراج حين عانقه صديقه دون مقدمات، تركه على هذه الوضعية ما شاء حتى تراجع وابتسم في وجهه:
    -إنها بخيرٍ نوث وتوصل لك سلامها واشتياقها، لقد قبض هيدس على المُتسبب بتلك الحادثة ومع ذلك لا يزال متشدداً بشأن الحماية من حولها.

    زفر بإرتياح وهو يُجيب:
    -من الجيد سماع ذلك، حقاً لقد كان يوماً عصيب بالنسبة الى الجميع، ولنا تصور مشاعر المسكينة التى لم تكتمل سعادتها بذلك الزفاف

    ربت على كتف صديقه وهو يسبقه الى الداخل:
    -أثق من أن هيدس سيعمل على تعويضها لاحقاً حين يستتب الأمن، سأتركك الأن صديقي لأنال قسطاً من الراحة قبل حلول الصباح، يبدو وأنني قد أصبحت عجوزاً على هذه الرحلات الطويلة فهي تمتص طاقةِ بلا رحمة

    ابتسم له بأريحية وتابع هو الأخر طريقه قاصداً سور الشرفة، هناك أطبق على عينيه وصر على أضراسه في محاولة لكبت انزعاجه الداخلي البالغ، إنه واثقٌ تمام الثقة من أن صديقه قد كذب عليه تواً، وأنه يخفى أمر عظيماً خلف تلك الإبتسامة الهادئة.

    وصل اللورد دايفييل الى غرفته الخاصة وسرعان ما خلع عنه عباءته وقميصه ليجلس على طرف سحابته وتعمل أنامله على تدليك جبهته المصابة بالصداع الحاد في يومه الثالث..

    ترى مالذي سيحدث منذ الأن وهل سيوفّق هيدس في احكام قبضته على زمام الأمور لديه، لقد تفاجئ حقاً من مشاعر فاريوس حيال ليديا فلم يكن لديه أدنى تصورٍ من أن طبيعة العلاقة بينهما قد تجاوزت كونها محض صداقةٍ الى حبٍ متين ولكنه أفلح في إخفاء تلك الدهشة ليتمكن من التركيز على الأولويات آنها .. بالتفكير في الأمر بروية الأن، يُستحال أن تبادله ليديا ذات المشاعر التى يكنها لها فتركيبة الوشم لن تسمح بهذا النوع من التقارب من قِبلها للإبقاء على صلابته وقوته أمام ما هو مدفونٌ في جسدها من قوى محرمة وأمام الذكريات، هذا يجره الى إستنتاج كونها كانت تفعل ذلك كنوعٍ من الشعور بالذنب أو الشفقة الخالصة تجاهه! السؤال هنا هو لماذا عساها لا تمانع أن تجعل حياتها متمحورة حول رجُلٍ لا يمكن لها أن تحبه إذا لم تكن على علمٍ بحقيقة كونها إليون في مامضى والى أي مدى يمكنها أن تصمد على موقفها تجاهه؟!

    تنهد وهو يراقب خيوط النور الأولى من نافذة حجرته ويبدو من أنه لم يصل بعد الى نهاية كاملة تجعله قرير الذات مرتاح البال.


    ~~~


  14. #173

    الجزء الرابع والعشرون ~ ماقبل الأخير



    الليلة العاشرة بعد الإحتفال ~

    تغيرت الكثير من الأمور داخل القصر الملكي الذي لم يتشافى بعدُ من تبِعات حادثة الزفاف الذي أضحى ذكرى كارثية في عقول الجميع خاصة بعد أن أعلنت محكمة القضاء من أن المُتهم بتلك الحادثة لم يكن سوى ابن عم الأمبراطور اللورد آريز بذاته، وسرعان ما عجت الصحف بالأخبار والتحليلات عن دوافعه الدفينة حين تقرر موعد حُكم الإعدام الصادر بحقه كعقوبة لجريمته الشنعاء، بينما خيمت موجة سوداء فوق قلوب أفراد العائلة المالكة حزناً على شبابه المهدر وازدراءاً لفعله الهمجي المُشين..


    بداخل القصر الخاص

    طرقت الباب ثم ولجت بتهذيب داخل المخدع الخاص بالأمبراطورة المنعزلة عن العالم أجمع فقد كانت الوحيدة التى تم السماح لها بالدخول عليها وابقاء صحبته منذ ليلة الحادثة وحتى يومها هذا، انحنت بإحترام فور ولوجها الرزين الى داخل الحجرة الواسعة ثم كررت انحناءها اللبق حين أضحت على مقرُبة من سيدتها الجالسة بجمود قرب أحد الأعمدة الشاهقه.

    - جلالتك .. أعتذر عن تأخري في إحضاره، إنه ينتظر الأذن للدخول عليك الأن

    همست لها ببرود تام ناسب هيئتها الشاحبة و عينيها الغائرتين:
    - أدخليه رجاءاً ..

    أمتثلت لأوامرها دون تردد وتركت المخدع بدروها لتمنح سيدتها الخصوصية التى تريد، هُنا انحنى أبولو بتهذيبٍ بالغ ثم أردف :
    -مولاتي؟

    لم تتزحزح شبراً من مقعدها أو تحنى رقبتها بإتجاه ولو لثانية واحدة وهي تقول:
    -بلغني بأن اللورد آريز سيلاقى حتفه في الغد أهذا صحيح؟
    -أجل جلالتك، سيتم تنفيذ الإعدام بالمقصلة في ساحة المملكة الرئيسية و على مرأى من الشعب خلال ساعات الظهيرة

    أطبقت أجفانها بألم و سالت دمعة دافئة على خدها وهي ترغم عقلها على تذكره كذلك الشاب اللطيف ذو الطباع المرحة ومراقصها الأول في المملكة، تابعت بإتزان:
    -أرجوا أن تحرص على أن لا تحضر شقيقته أو أيُ فردٍ من أفراد عائلته المقربين الى الساحة، لا يجب أن يشعروا بالإهانة وسط تلك الأجواء المفعمة بالكراهية ضد شقيقهم كما أشدد على ضرورة إبقاء صورتهم ومراكزهم الأجتماعية غير متضررة، أهذا مفهومٌ أبولو؟

    انحنى وهو يجيب:
    -بكل تأكيدٍ مولاتي، أهنالك شيء أخر تأمرينني به؟

    استقامت ليديا حين انتهى من حديثه واستدارت بتجاهه ليفاجئه مقدار التعاسة الجلية في عينيها المُظلمتين:
    - فاريوس.. أين هو الأن؟!

    أبعد عينيه بصعوبة عن المجال المغناطيسي لعينيها وشعر بسؤالها يجوب عقله باحثاً عن الإجابة حتى وجدها وترجمها لسانه الى حروفٍ تتدافع لتخرج من فاهه وتصل الي مسمعها بسرعة عجيبة:
    - في القاعة الخامسة على الجانب الأيمن من مساحة الأمبراطور الخاصة

    أطبق على فمه بذهولٍ من فعله الذي كان خارجاً عن السيطرة تماماً وقبل أن يعاود شعوره بالواقع أحس بها تعبر قربه بخفة وتتجاوزه الى خارج المخدع في حين لم يكن من الصعب استنتاج الوجهةٍ التى تقصدها، استدار من فوره وأرد اللاحاق به قبل أن يصله أمرٌ قاطع بترك ذلك، تراجع برهبة والتفت الي مصدر الصوت ليجد سيده وقد ارتدت مشاعره ثوباً غليظاً بحيث لا يمكن لأحد التنبؤ بحقيقتها:
    -أتركها تذهب أبولو، إنها عائدة لي لا محال

    انحني له بتهذيب ثم غادر الى مخدعه الخاص حتى يستفرد بذاته المشدوهة من غرابة ما حدث له قبل قليل.



  15. #174

    الجزء الرابع والعشرون ~ ماقبل الأخير



    أخذت تقطع أروقة القصر وممراته بهالة قوية تجعل جميع من يصادفها يتراجع وهو ينحى لها برهبة وإجلال، تجاهلات النظرات المستنكرة والأعين المتفحصة لخروجها المفاجئ من قوقعتها العالية فجُل ما تريده ذاتها الأن هو رؤيته والحديث معه عن كُل ما خالج فؤادها في الليالي المنصرمة، كانت تسير على نحو طبيعي في طوابق القصر إلا أن سرعتها أخذت تتزايد مع أقترابها منه على غرار تزايُدِ نبض قلبها وتدفق الدماء في عروقها.

    تلاشت دلائل ذلك الإندفاع لحظة وصولها أمام البوابة المقصودة كما تجمد عقلها عن العمل برهة من الوقت، ترى هل من الصواب أن تنفذ ما أتت بصدده أم أن الأون قد فات منذ خانه قلبها وعشق من يشاركه في الدم؟!، بأي صفة ستقابله الأن ومن ثم مالذي ستقوله له وهل سيرغب في رؤيتها أو سماع صوتها حتى؟، لقد تمكنت من إدراك شيءٍ من حديث اللورد دايفييل عن كونها ذلك المدعو إليون ولكن عقلها يرفضُ فرضيته قطعياً فهي واثقة تمام الثقة من أنها لم تكن سوى ليديا منذ البداية الأولى وإن كانت أدلته قوية وفي محلها .

    أرهقها التخبط في الضياع فأراحت رأسها على سطح بوابة القاعة لتخفف شيئاً من حدة ذاك الطنين المُهلك الذي أفترس عقلها بلا شفقة أو رحمة، و دون أن يكون لجسدها أي تدخُلٍ في الأمر وجدت ذاتها تتعرقل في الجهة المقابلة من بوابة القاعة وصوت انغلاق الباب يدوى من خلفها، تحسست يديها ملمس الأرض العشبية من تحتها لبعض الوقت وهي عاجزة عن التعبير لمدى واقعية كونها قد وقعت على أرض خضراء رطبة، رفعت رأسها سريعاً وأجفلت كونها تتوسط غابة خضراء شاخصة لا ترى لها نهاية، أبعدت يديها عن العشب ومسحتها في ثوبها قبل أن تنتصب واقفة بتمهل وهي لا تكاد تُصدق عينيها لما تراه، شدها صوتٌ كصوتِ جريان الماء فأمسكت بثوبها الطويل وأخذت تتبع مصدر الصوت حتى أنتهت الى مجرى نهرٍ صغير .
    -"حباً في الرب أين أنا؟"

    ترددها عقلُها وهي تجوب بعينيها بين النهر وتمايل الأغصان و أوراق الشجر مع شعرها إثرَ هبوب رياحٍ لطيفة ، ترى هل أُصيبت بالجنون؟! .. هذا ما تبادر الى ذهنها قبل أن يشلها قهقاع دُبٍ وحشي من خلفها، استدارت على وجل لتشخص عينيها أمام ذلك الحيوان الذي حجب عنها الأفق من شدة ضخامته وكثافة فروه، صرخت حين أرتفعت مخالبه نحو السماء وأوشكت أن تهوى عليها قبل أن تُسرع ذراعٌ قوية بلتقاطها من الأرض واجترارها نحو رحابة السماء.

    أبعدت يديها عن عينيها وشهقت حين كانت تبعد عن الأرض ما يزيد عن آلاف الأقدام وسرعان ما تحولت تلك الشهقة الي صرخةٍ حين هوت مجدداً نحو الأرض بسرعة جنونية منعتها من الرؤية بوضوح لبعض الوقت، ولم تشعر بجسدها بعد ذلك حتى استقرت أقدامها فوق أرضٍ خشبية صلبة داخل حجرة ما حيث تمكنت أخيراً من رؤية مُنقذها ذو الأجنحة الذهبية البراقة .

    أفلتها من بين ذراعيه وأبتعد عنها في تحرك مُريب وكان من المحال أن يكون شخصاً غير فاريوس حين قال بصوتٍ خافت:
    -مالذي أتى بكِ الى هُنا ليديا؟!

    بلعت ريقها بهلع من برودته اللاذعة وظهره الذي أختار مقابلتها به عوضاً عن وجهه، طأطأت رأسها وهي تجيب بندم:
    -أردت رؤيتك فاريوس، هل أحتاج الى سببٍ أقوى من ذلك لأراك وأتحدث إليك؟

    لم يتغير كثيراً ولم يقابلها بوجهه بعد حين أجاب بهدوء بالغ:
    -كان هذا وشيكاً ليديا، أرجوا أن تفكري بالهرب إذا ما وقعتِ في موقفٍ مُشابهٍ مستقبلاً


  16. #175

    الجزء الرابع والعشرون ~ ماقبل الأخير




    شدة على قبضة يديها بألم ودقات قلبها في تسارع مستمر، لقد تعمد تجاهل حديثها ولا تدري مالذي يُفترض أن يعنيه فعلُه هذا:
    -مالذي تقصده بقولك؟! أعلم جيداً من أنني كنت مُخطئة فاريوس، لقد أتيت لإصلاح أخطأي والسعي في استحقاق غفرانك، أرجوك لا تقل بأن الأون قد فات فلن يكون هنالك أي مُستقبلٍ لي إذا لم تكن فيه معيِ هل تفهمني

    أخرسها عن متابعة حديثها المندفع استدارته نحوها ثم تثبيته لرقبتها بالجدار من خلفها بقساوة خلال أجزاء من الثانية، عينيه كانتا حادتين وتعكسان آلماً رهيباً بينما تنبعث من حوله هالة غريبة لم تستطع تمييزها:
    -الويل لكِ إن أذيته ليديا، لن أغفر لكِ حرماني منه مجدداً فأحرصي على أن تبقى على قيد هذه الحياة طويلاً أهذا واضح؟

    توقف فجأة عن متابعة تهديداته الزاجره و حرر رقبتها تبعاً لذلك إلا أنه لم يبتعد عنه قدر بوصة واحدة، بل كان يتأملها بشفاه مطبقة وعينين مجفلتين غارقتين في الذهول من فعله تواً، لا ارادياً أخذت أنامله تتحسس ببطء شفاهها الطرية ثم خدها وأهداب عينيها قبل أن يريح جبهته على جبينها ويهمس بإرهاق:
    -لا تزيدي من عذابِ فقلبي آثم كفايةً لوقعه في شراكك وميله اليك بذاك النوع من الرغبة والعاطفة، لطالما شعرتُ بأنه من الخطأ السماح له بذلك وكأن عقلي كان على علمٍ سراً بهويتك الحقيقة .

    أبعدها عنه بغلظة بينما ازدادت به ملامح الضيق وبدا كمن يتخبط في غمار الرغبة وصوت العقل الناهر، ناظرها سريعاً فقرأ الحزن والإنكسار في عينيها، أخفى وجهه خلف إحدى كفيه وهو يتمتم بندم:
    -آسف ليديا، لم أشاء إذاءك مطلقاً .

    تابع وهو يفرض مزيداً من الإنضباط على نبرته ولغة جسده:
    -أنا فقط لا أعرف كيف أواجهك بعد الأن !

    تحدثت بإنفعال وبها رغبة مُلحة في البكاء:
    -لا تقلها أرجوك، لست أبالي بما قاله اللورد دايفييل فأنا لن أكون سوى ليديا التى تعرف، لذا أرجوك لا تُخرجني من حياتك فاريوس بل وأتوسل إليك أن لا تفعل، أعدك من أنني لن أترك جانبك لأي رجُلٍ كان ولن أسمح لأحدٍ بالعبث في قلبي فأ…

    قاطعها بنبرة هادئة ونظرة مستقرة راضية تجتاحه لحظة شروده الى مراقبة الطبيعة خلف زجاج النافذة اليتيمة بالمكان :
    -هل بإمكانكِ التصديقُ من أن كُل ما يحيط بنا الأن هو محض خيال شيده هيدس وحده وحتى أدق التفاصيل

    أنستها دهشتها حقيقة مقاطعته لحديثها المليء بالمشاعر وجحظت عينيها كما تشنج جسدها الذي يشعر جيداً بمدى صلابة الجدار خلفها وقساوة الأرض من تحتها حين تابع وابتسامةٌ جميلة تنضم الى قائمة انفعالاته المتزايدة في الغرابة:
    -كلُ شي ليديا، الماء والطبيعة وهذا الكوخ الذي نقف فيه، حتي الحيوان الذي هاجمك قبل قليل وأرجوا أن لا أقلقك حين أطلعك على أن هنالك الكثير والكثير منهم بالخارج

    خرجت الحروف من حلقها بحيرة بالغة وقد نجح في تغيير كفة الحديث ببراعة تامة:
    -لكن لماذا؟!

    ناظرها بعينين حليمتين وأردف:
    -عندما كُنت صغيراً، لم يسمح لي ولدي بمغادرة القصر كثيراً فقد كنت شقياً ومتهوراً من الدرجة الأولى دائم الوقوع في المتاعب، لطالما حاول هيدس الوقوف الى جانبي وإقناع والدي بالتنفيس عني ولو بالقدر القليل إلا أنه كان متحجر الرأس كما لم يكنٌ أحدٌ من قبل وأجاب مبادراته بالرفض القاطع، عندها اهتدى هيدس الى علم الفضاء والخيال ووجد فيه امكانية واسعة لتحقيق رغباتي في الذهاب واستطلاع المجهول دون الحاجة الى انتقال جسدي فيزيائي، ومنذ تلك اللحظة أنفق الكثير من الجهد والوقت كي يتمكن من خلق العالم الخيالي الأدق في محاكاة الواقع بمختلف أوجهه، لربما لم ينجح في مسعاه عندما كنا صغاراً ولكنني لا أزال أقف عاجزاً عن تصديق مدى روعة ما حققه في هذا العالم الإفتراضي عندما أُتي بي الى هنا في بادئ الأمر.
    ظلت مشدوهة أمام حديثه الرزين بشأن شقيقه وهي لا تكاد تصدق ما تسمعه، وكم كانت مطيعة حين أخذ بيدها نحو الأريكة الوحيدة بالمكان لتجلس عليها وتنصت له عندما تابع حديثه الشغوف من جديد:
    -لقد قضيت أيامي هنا في حالة من التعجب الشديد مع كل جديدٍ يصادفني في هذا العالم، ولم يزدني يقينِ من كوني أدور حول نفسي في حجرة ما من حجرات القصر سوى انبهاراً، لقد أوجد تلك الكائنات الضارية لكي يضمن قيام جسدي بالتحركات اللازمة حين أحاول الهرب منها حتى لا أفقد لياقتي وأقع طريحاً للمرض إذا ما قبعت في بقعة واحدة، وجعل لكل يومٍ من أيامِ مغامرة شيقة حتى في أبسط الأمور كطعامِ، فأنا لا أحصل عليه سوى بعد القيام ببضع مطاردات للصيد هنا وهناك، ما رأيك الأن؟.. أليس السجن الأكثر إبتكاراً من الذي سمعتِ عنه من قبل

    تأخرت إجابتها كثيراً فأردف بشيء من الحزن الذي جاهد لدفنه في جوفه:
    - لربما لن تتمكني أبداً من إدراك هويتك الحقيقة ليديا وهذا ما أؤمن من أنه عقابي الأشد قساواة على جميع ما أقترفته في حقك منذ ذلك الزمن وحتى الأن، لكنني أشعر بسعادة عظيمة رغم ذلك، معرفة أنك تتنفسين الهواء بسهولة ويسر هو مصدر سرور لا ينضب في قلبي، وأن لك جسداً صحيحاً لا يمنعك من الإستمتاع بالحياة أو يُذقك الويل من شدة الألم حتى تفقدي وعيك يعنى لي الدنيا برمتها

    اراحت إحدى يديها فوق حلقها المتيبس لتهمس بصعوبة وهي تجتر الحروف إرغاماً، فحديثه يرسلها الى عالمٍ من القنوط المُجزع:
    - حتى وإن كنت إليون في ما مضى فأنا لا أكترث لذلك بتاتاً، رجاءاً أن لا تنظر الي كما تنظر إليه فلا أريد أن أكون سوى ليديا في عينيك، لذا دعنا من ذلك ولنمضى قدماً فاريوس

    أجابها ببرودٍ مُريب:
    - ما كنت أتصور بأن في أمكاني قولها لك يوماً وها أنا ذا أفعل، يؤلمني أن ذلك لن يكون ممكناً ليديا، سوف لن أتمكن من مسامحة ذاتي إذا ما تخليت عن ذكرى صديقي وتجاهلتها لتحقيق رغباتي الأنانية منكِ، لن أكذب.. لقد أردتك أكثر من الحياة قبل عشرة أيام من الأن وكنت على أتم الإستعداد لقتل من يقف في طريقنا ولكن اتضح لي من أن لا حياة لنا بتلك الطريقة بل هو هلاك شاملٌ لأعوامٍ من الصداقة الحقيقة وما تبقى من عمرنا

    أجفل حين أندفعت نحوه وأرتمت في حضنه فاضحة لشوقها وحنينها وهي تنحب بأنين حزين، لم يبادلها العناق أو يخفف عنها شيئاً من أحزانه فهو واثقٌ من أنه سوف يفقد السيطرة آن ذاك واكتفى بشده على قبضتيه وعضه لشفاهه مع أطباق عينيه بأقصى ما يمكنه، وفي المقابل، أزداد تشبثها بقميصه وهمست بحروف متقطعة:
    - ألست صديقك كما تدعى فلماذا لا تلبي رغباتي إذاً؟ ألا يمكنك النظر الى عودتي في جسد أنثى كحلٍ يربطنا سوية و الى الأبد فاريوس

    أجابها بهدوء خالف اشتعاله من الداخل:
    - لأنني صديقك فأنا أدرك من أنها رغبةٌ ليست نابعة من القلب، بل هي طريقتك الدائمة في مواساة أحزاني بمنحي ما أريد وإن كان ذلك يعنى جسدك الخاص في هذه الحالة، سوف لن أسامح نفسي إذا ما أهنت ذكراكِ وأهنت صداقتنا بمساسك ليديا

    أبعدت وجهها المحمر عن صدره لتتخاطر عينيهما بعد أن فشلت الحروف في هذه المهمة، هنا كان صوت العقل بفاريوس يتلاشى تدريجياً كتلاشى شعوره بالمكان من حوله، همس بوهنٍ وعينيه لم تتزحزحان عن حدقيتها البراقة لأبعد من شفتيها ذات الطلاء الدموي من شدة البكاء:
    -هل أنتِ واثقة؟!


  17. #176

    الجزء الرابع والعشرون ~ ماقبل الأخير




    طأطأت رأسها لتخفى بريق الحزن الذي أجتاح عينيها كنتيجة لصراخ قلبها الثائر في صدرها عليها، إلا أن أنامله أسرعت في رفع ذقنها نحوه ليُعيد التخاطر بين أعينهما فلن يسمح لها بحرمانه من حدقتيها المتراقصتين بقلق في هذه اللحظات بعد أن أفقدته السيطرة، تراجعت الى الخلف حين أخذ يسير الى الأمام حتى لا تصتدم ساقهما ببعضها البعض وأطلقت شهقة قصيرة حين تعثرت فوق الأريكة خلفها.. انحنى بتجاهها سريعاً دون أن يسمح لها بأن تُصلح وضعية جسدها المستلقى بإهمال، خلال دقائق، كان عقلها يقوم بإطلاق جميع تحذيرات الخطر من شخصه بينما راح قلبها يخفق بجنونٍ خوفاً من القادم..
    -"مالذي يحدث لي؟!"

    ترددها عقلها المنقبض بضيق شديدٍ حين كان أنفه يشتم شعرها ويهبط تدريجياً الى ما دونه وصوت شهيقه وزفيره الواضح يتعالى داخل رأسها حتى كاد أن يُغشى عليها من حدته وصخابته، سرعان ما حبست أنفاسها والروع يتشرب خلاياها التى تمثلت في ارتعاش جسدها حين أقتربت أنفاسه الثائرة من رقبتها المكشوفة.

    في تلك اللحظة، اختفت كل تلك المشاعر الخانقة المتضاربة بداخلها وعاد لها احساسها ببرودة الهواء على بشرتها فأسرعت بفتح عينيها المطبقتين بإحكام ليتحرر سيلٌ من الدموع المكبوتة و تجده يهوى مطأطأ الرأس فوق الأرض قربها وظهره في مواجهتها..

    أخفت وجهها خلف يديها و هي تصرخ داخلياً وتتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعها من سوء الموقف الذي ظهرت به أمامه، لقد فضح جسدُها حقيقة مشاعرها أخيراً له ولها رغماً عن أنفها وأفشل بذلك محاولاتها المُجهدة في إجهاض تلك الأحاسيس بشتى الطرق والوسائل.. بينما لم تُفلح خطتها ولم تساعدها في التخلص من عقدة الذنب التى تكبل رقبتها بفاريوس بعد أن أصر قلبها على موقفه بأنه قد وجد الحب الحقيقي في مكانٍ أخر، حُبٌ يجعله يرفضُ قطعاً تدنِسه و مشاركته مع طرفٍ ثالث وإن كان شقيقه الأصغر الذي لا تزال تخطأ تعلقها الشديد به فيما مضى بالمحبة، لقد كان فاريوس صادقاً عندما قال من أنها لم تكن رغبتها الحقيقة وأنها لم تقل أو تفعل ذلك سوى حزناً وشفقة عليه من ماضيه المقرون بالمآسي
    -قولي لي ليديا، هل وقعت في حبه؟!

    أّنا لها منحه إجابةٍ أبلغ وأقوى من إجابة جسدها الذي رفضه بجزعٍ قبل قليل فكتفت بالصمت وتابعت ذرف الدموع الحارة حين ابتسم بهوانٍ وأردف:
    - غبيٌ أنا، أُثبت السكين في صدري بسؤالك مرة أخرى، بالتأكيد ستفعلين ومن لا يفعل، أثق من أنه حبيبٌ رائع كما كان شقيقاً مثالي.

    رفع رأسه وسحب نفساً عميقاً قبل أن يُكمل تفريغه وذاكرته تُعيد عرض ما قاله لإيروس في احدى المرات" ثق من أنني سأشاركك الكثير في المستقبل":
    - وها أنا ذا أدفع ثمن فداحاتي واحدة تلوى الأخري، لقد سلبت صديقي المخلص حب حياته وكنت على وشك تدميره بذلك كوني كنت أقرب الأشخاص منه بلا رحمة

    ابتسم بسخرية وهو يتابع:
    - شقيقي من بين الجميع؟!، لا أدري كيف تجرأت على إستنكار حدوث ذلك وأشعر كما لو أنني أهنته بقولي هذا، لطالما كنتِ بعيدة المنال بالنسبة الى شيطانٍ عديم القيمة مثلي ولكن غروري أبى أن يرضخ الى هذه الحقيقة دون نضال

    همست له وهي تعانق رأسه بيديها وتقربه منها:
    - كفى فاريوس، توقف عن إستسصغارك لنفسك، لن أنسى لك إنقاذي مراتٍ عدة وإسعادي في تلك الأوقات التى أوشكتُ فيها على الإستسلام لليأس، لربما يرفضك جسدي ولكن ثق جيداً من أن روحي هوتك منذ اللحظة التى صافح بها اسمك مسمعي للمرة الأولى، أرجو أن تتمكن من مسامحتي في يومٍ ما صديقي الروحي

    احتضن يديها بحزنٍ بالغٍ والألم يعتصر فؤاده على خسارته الفادحة:
    - لا يوجد ما أسامحك عليه ليديا بل يجدر بي طلبها منكِ بعد الذي بدر مني في حقك مراراً، أنا لم أكن قط شاباً نبيلاً يكترث لمشاعر من حوله أكثر من مشاعره الخاصة وعندما فتح إليون قلبه لي من بين الجميع أتخذته كعبدٍ أكثر منه كصديق، لقد سبق وأن أرغمتك على مُعظم الأمور في حياتك كإليون ولم أتعلم درسي سوى الأن وبأقسى طريقة ممكنة، أتسائل إن كنتِ تذكرين .. طعامك وشرابك، أصدقائك ومحيطك، كل شيء يخصك كان يخضع لسلطاني أولاً، كُنت طاغوتاً الى الدرجة التى تجعلني لا أسمح لأحدٍ بالإقتراب منك لأكثر من بضع دقائق كما كنت أرفض قطعاً أن تتناولي طعاماً لا أأكله، أو تنعمين بالنوم لأكثر من ساعات نومي القلائل، كنت مكبلاً بعقدة النقص التى تركتني أترعرع بلا أصدقاء وعندما قدمتي من مملكة النور في ذلك الوقت وجدت فيكِ حلاً للخلاص من تلك العقدة لذلك أحكمت قبضتي عليكِ خوفاً من تركك لي .. لم أرحم جسدكِ الهزيل آنها وتسببت في إضعافه أكثر فأكثر بأنانيتي وقساوتي المفرطة، أنا المتسبب الأول والأخير فيما نحن عليه الأن وعليه لا أستحق حتى أن أشفى من هذه الجراح ما حييت

    أخذت أناملها تخلل شعره الأسود الكثيف بحنان وهي تُتمتم بصوتٍ ناعم:
    -بلى ستشفى فاريوس، سأحرص على ذلك وإن كان أخر شيء أقوم به في حياتي

    تحررت دمعتين دافئتين من عينيه بينما أراح رأسه المُثقل فوق الأريكة قربها وهو لا يزال في مكانه:
    -ساعديني على التكيف مع واقعنا الجديد بأن تكوني سعيده حقاً، هذا جُل ما أحتاجه لأتابع عيشي بسلام

    ابتسم حين أخذت تترنم بألحان لطيفة حاول من أجل سماعها مقاومة موجة النعاس الذي أصابه إلا أنه أستسلم إليه أخيراً أمام عينيها التى كانت تراقبانه ببريق إنكسار، فهاهي نهايات قصة حبهما النقي تكتب سريعاً لتُبقى على نقاوة عُمرٍ من الصداقة الحقيقة التى تشاركُها سوية فيما مضى

    أقتربت منه وطبعت قبلة على جبينه قبل أن تنسل من فوق الأريكة بخفة وتجد طريقها خارج الكوخ الحميم، لم تقطع مسافة طويلة بعيداً عنه حين ظهر لها باب القاعة من العدم، مسحت دموعها بكف ثوبها وألقت نظرة مودعة الى الوراء والى جميع الذكريات الرائعة والمغامرات الشيقة التى خاضوها معاً، لقد قدِمت بنية تحقيق رغباته دون الإكتراث بالعالم وهاهي تتركه وترحل دون تحقيق ذلك لكنها وأخيراً تستطيع القول من أنها قد عثرت على السلام الداخلي في جوانبها وروحها رغم نزيف الجراح، جُل ما يمكنها فعله الأن هو العمل على منحه حرية كاملة وعالماً حقيقاً يبتسم فيه بسرورٍ صادق كما فعل وهو يتأمل طبيعة هذا المكان، والزمن كفيلٌ بتضميد جراحها الخاصة.. تنهدت بعمق وأدارت مقبض الباب مجدداً لتنهى ذلك الفصل من حياتها الى الأبد ..


    ~~~


  18. #177

    الجزء الرابع والعشرون ~ ماقبل الأخير





    طُرق الباب فألقت عينيه الضبابيتين نظرة على عقارب الساعة، إنها تُشير الى الخامسة فجراً، ولا يمكن أن تطول لائحة الأشخاص المتوقع زيارتهم بهذا الوقت في مكان لم يطأه سوى ثلاثة أشخاص، منح الإذن بالدخول فولجت وتقدمت بهالة هادئة ووجهٍ لا تكثر فيه التعابير ..

    وقفت على مقربة من مكتبه الضخم وقلبها يخفق بجنونٍ من شدة تدافع الذكريات الدافئة عليه والتى رسمت لها صورة الحب الحقيقي لتجده في الرجل الذي يحتل المقعد الفاخر أمامها في حين أخذت آلم تجريحات الماضي القريب بالتلاشي أمام تلك العاطفة الجياشة، رفعت رأسها لتتصادم أعينهما كما لم تفعل منذ وقت طويل مما جعل للشوق صوتٌ كنحيب الأرامل وأنين الثكالى، لقد لعنه عقلها بقدر ما أحبه قلبها وطال الصراع والهجران بينهما حتى أهتدى العقل أخيراً من أنه لا حياة له دون نبض القلب ودمه، وأن معاناته الحقيقة لم تكن سوى لوقوفه في وجه القدر الذي يأبى أن يفرقهما مهما تشابكت الأمور أو تعقدت، المعضلة الأن تقبع في الطريقة التى يجب على العقل أتباعها لكي يقنع هذا الرجل من أنه من ترغب فيه سيدته وتريد من بين الرجال بعد أن أذنب كثيراً في استخدام سلطته على باقي الأعضاء ليظهر له خصيصاً معانى البغض بأقصى درجاته سابقاً..

    - أنــ..ـــا.. موافقة على إتمام زفافنا هيدس

    يبدو وأن صوتها مرتعش النبراتِ لم ينجح في اجترار شيء من عاطفته فقد ناظرها ببرود وهو يعقد يديه فوق سطح الطاولة ليشكل مثلثاً قائم الزاوية:
    -من الجيد سماع موقفك بكل وضوح عزيزتي، إلا أنني لم أتأخر عنك سوى لإرضاء غروري بالوقوف شاهداً على من حاول سرقة عذاريتك مني ظهيرة اليوم وأرى كيف تُسلب منه روحه ثمناً لذلك، إنها قضية مبدأ كما أتصور..
    آلمها أسلوب حديثه ولكنها لا تمانع قضاء ما تبقى من عمرها في محاولة إصلاح ما تهدم عن تركه يضيع من بين يديها بصدها الكاذب:
    -لدي شرطٌ واحد قبل ذلك

    احتدت نظراته على نحوٍ أخافها قليلاً لكنها أحسنت إظهار تماسكها وتابعت سريعاً:
    -عندما تحصل على القدر الذي يكفيك من الطاقة للصمود، أريدك أن تعمل على محو وجودي كليديا و إليون من عقول الجميع عوضاً عن فاريوس.. فبعد كُلٍ، أنا التي كُنت وراء جميع ما حل به منذ البداية الأولى ولم يجلب له المتاعب سوى تورطه وسعيه لحمايتي وإنقاذي، هل هذا ممكن؟..

    طأطأ برأسه قليلاً حتى يتمكن من إخفاء ذهوله عنها فلم يكن بالشرط الذي توقع سماعه يخرج من فمها ولو بعد ألاف من السنين،" إذاً فقد كانت متيقظة آنها!!"..

    بالتفكير في الأمر، فعلها هكذا سيُنقص معدل خطورة المهمة الى النصف ويضمن عودة المياه الى مجاريها حين تختفي رغبة شقيقه
    في استحداث القوة المحرمة مع اختفاء من أرادها من أجله، غير أن ذلك يعنى أن تختفى أيضاً من عقول جميع من أحبها بمن فيهم عائلتها من المتحكمين السبع و صداقتها ومغامراتها الشيقة، بل أن حياته كإليون ستختفى من ذاكرة فاريوس كما لو لم يلتقيان أبداً!، سوف لن يعرفها أحدٌ ولن تنتمى الا أحدٍ سواه وكل ما خاضته سيكون موجوداً في ذاكرتها وذاكرته فقط بعد أن يعمل على نقلها من مُختلف الصُحف الي صحيفته الخاصة:
    -سأنفذه إذا ما أطلعتني على العلة خلف رغبتك هذه، فيبدو وأنك على علمٍ بما يعنيه جيداً، ستنضم جميع ذكريات من صادفك في حياتك الى صحيفتي الخاصة، و ستختفين من حياتهم تماماً كما لم يسبق لهم رؤيتك من جديد، هذا يشمل فولكان أيضاً !


    أجابت بثقة رغم سكون الحزن في صوتها:
    -جُل مافي الأمر هو أني أريد أن أمنحه السلام الداخلي كي يتمكن من مسامحة نفسه والمُضى قِدماً كما منحني إياه من قبل وأنساني ذاكرتي كأليون، هذا أقلُ ما يمكنني فعله من أجله بعد المعاناة التى فرضتُها على مُختلف مراحل حياته

    واصل هيدس:
    -وماذا بشأن اللورد دايفييل وبقيتهم؟ هل ستتمكنين من التماسك لدى رؤيتهم مستقبلاً دون أن تكون لديهم أدنى فكرة عمن تكونين سوى كونك امبراطورة مملكة الشياطين؟


    ناظرته بلوم لطرحه كل هذه الإستفسارت التى تزيد من حدة شعورها بالألم:
    -ولماذا عساك تبالى هيدس!، ألا يكفيك أنك ستكون مُطلعاً على جميع ما خضته في السابق وحتى تلك اللحظة، كما أنني أنوي تنفيذ رغبة فاريوس بالبقاء على قيد الحياة طويلاً وعندها سأحرص على بناء علاقاتِ جديدة مع جميع من سبق وكان له ماضٍ معي فأرجو أن تضع حداً لقلقك علي بشأن هذا الصدد وتمنحني كلمتك الأخيرة

    ناظرها بمشاعر يصعب وصفها ثم أردف بجدية:
    -لكِ ذلك، أعدي نفسك جيداً سأزورك الليلة في مخدعك

    -سأكون بالإنتظار ..



    ~..~..~..~..~..~..~..~
    نهاية الجزء الرابع والعشرون

  19. #178

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية


    25

    الجزء الخامس والعشرون

    ~ ترى من تكونين ! ~




    تنقضى الليالي ليلة تلوى الأخرى جامعةً بين روحى عاشقين أساءت لكليهما الكلمات والأفعال في إطارٍ من النقاء الخالص، وهاهي الشهرين تمر كلمح البصر لتشحذ من قوة التعلق والشوق في قلب ليديا وتزيد من ألم الإفتراق وإن لم يطُل عن بضع ساعات

    تنبهت من نومها على صوت وقع خطواتِ أقدامٍ لطالما أيقظتها قُبيل كل فجرٍ وأزعجتها حتى النخاع رغم خفتها فهي تنبأ عن استيقاظ الوجه الأخر لزوجها المُحب مساءاً الى البارد والجافِ صباحاً وعودته الى طبيعته التى لم تتغير منذ ذلك الوقت الذي تشوبت فيه صفوة المحبة مع تدمر حاجز الإحترام الذي أعتاد أن يكون سبباً خلف إبقاء عواطفهما في أوجه صورها

    فتحت عينيها بتمهل لتبصر مشهد إنتهاء هيدس من وضع ثيابه وهو يهم بترك مخدعها مُتسحباً قُبيل خيوط الشفق الأولى في سكونٍ وحرص على أن لا يخلف وراءه شيءٌ يُثبت وجوده طيلة ساعات الليل المنصرم، شعرت بقليلٍ من الدوار فلم تُرغم ذاتها على التظاهر بالنوم حتى يغادر لتحفظ بذلك شيئاً من كرامتها المهدرة في كلُ الأحوال، أعتدلت في جلستها وهي تضم غطاء السرير إليها وتلفه حول مقدمة جسدها.
    -هل أيقظتك حركتي؟!

    أومأت بالنفي وهي تضغط على رأسها وتعبس بإنزعاج من حدة الصداع الذي تلبسها مبكراً هذا الفجر، بينما راحت يدها الأخرى تتحسس المنضدة قربها بحثاً عن كوبِ الماء الذي تحرص أورا على تركه مملوءاً لها قبل حلول كُل مساء، رفعت عينيها لتناظر يده التى حملت الكوب و ناولتها إياها:
    -هاهو ذا، هل أنتِ بخير؟!

    أشاحت بنظرها بعيداً عنه بعد أن أخذت الكوب وردت ببرود:
    - أجل شعرتُ ببعض الجفاف هذا كُل مافي الأمر

    -حسناً إذا، يبدو وأنك متعبة قليلاً لذا سوف أعود لزيارتك بعد عدة أيام، أرجو أن تحافظي على صحتك جيداً وتنالي قسطاً من الراحة حتى ذلك الوقت

    قالها وهو يشق طريقه خارج المخدع ليخلف وراءه أنثى كئيبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يقتلها كل صباحٍ ببروده الذي يتناقض مع دفئه الحاني قبلها!، إنها تخلد الى النوم قربه في كل ليلة وهي يقينة من كونها تعشقه أكثر من أي شيء أخر في هذه الحياة وتستيقظ وحيدة لتدرك وتتذكر من أنها لن تترقى أبداً لما هو أبعد من كونها وسيلةً يستخدمها لتحقيق ما يصوب إليه وأن لا وجود لما يُدعى بالعاطفة بينهما، ومن ثم تستهلك ما تبقى من اليوم وهي أسيرةً للهواجس التى تصور لها كيفية الهجران الذي ستحصل عليه بعد انتهاء دورها في هذه المسرحية الهزلية الساخرة، شعور التناقض بين يومها وليلتها يجعلانها كمن يتنفس تحت الماء حتى يغرق بعد أن تمتلاء رئته به دون خلاص.

    -"سوف أتي لزيارتك بعد عدة أيام"

    عضت على شفاهها بآسى، فهاهي أمرات النهاية ومقدماتها، يهجرها لبضع ليالٍ ثم لعدة أسابيع وهكذا الى أن يطويها الثرى ومن قبله النسيان.

    كيف أمكنه أن يتحدث ببرود قاتل حيال شأنٍ تشعر وكأنه يمتص عنها روحها بعنفٍ وحشي، إنها لا تزال ترفض الرضوخ الى أن جُل ما خاضوه سوية في مامضى هو محض خِداعٍ مُتقن وقعت ضحية له بكل سذاجة!، الحب الذي لفح عينيه مِراراً و إقرار قلبه بذلك من خلال تحديقاته الطويلة الخاشعة كان حقيقياً الى الدرجة التى يُستحال عليها نسيانها مهما طالت بها الأزمان، بل وستظل تسلى ذاتها بعرض طيف تلك الذكريات عليها حتى وإن وصلت الى ذروة الإختناق.

    أطلت الشمس بهيبتها على الوجود وتسللت الى داخل مخدعها البارد لتدرك ليديا من أنها قبعت على الوضعية ذاتها بلا حراكٍ منذ أن فارقها وحتى اللحظة التى ولجت بها كُلٌ من ريفيان و أورا وهما مفعمتين بالنشاط والحيوية.



  20. #179

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية



    ريفيان ببشاشة ومرح:
    - لم أتمكن من النوم ليلة الأمس من فرط الحماسة عزيزتي الأمبراطورة إن …….

    أورا وهي تكشر عن حاجبيها تزامناً مع زمها لشفاهها:
    - من غير اللباقة أن تغرقي في الأحاديث دون قول صباح الخير أولاً مهما بلغت درجة تقاربك من جلالتها، كما أنها لم تضع ثيابها بعد آنسة ريفيان
    أشتعلت ليديا خجلاً وأسرعت متدثرة بغطاء السرير جيداً فضحك الفتاتين وأسرعتا بتجهيز الحمام وهناك .


    أورا وهي الوحيدة التى لا تزال تعين الأمبراطورة في حمامها الخاص من بين جميع الوصيفات:
    -جلالتك

    كانت ليديا غارقة في عالمها ومُشكلاتها الخاصة إلا أن صوت أورا المميز نجح في سرقة انتباهها:
    - همم

    ضحكت برقة تورد لها خدي ليديا ثم أردفت:
    -يُقال بأن الأنثى تزداد جمالاً عندما تقعُ في الحب، لم أصدق هذه المقولة حتى عايشتك مولاتي، إنك تزهرين في كل يومِ أراكِ فيه ولا أعلم الى أي درجة سينتهى إليه جمالك الأسر
    إبتسمت لإطرائها وربتت على يدها التى تمسح على كتفها بليفة ناعمة:
    - عينيك الجميلتين هي اللتين تُبصران الجمال في الفراغ وحتى في أبشع المستنقعات، إنها نعمة أحسدك عليها عزيزتي أورا

    غسلت ظهرها بالماء وانتصبت لإحضار ثوب الإستحمام بتحرك مضطرب لكنها سرعان ما عاودت الجلوس و عينيها الزرقاء تكشفان عن قلقٍ مُستتر:
    - في الحقيقة هنالك ما أود سؤالك عنه جلالتك، إذا كان يؤذن لي بالطبع

    زمت شفاهها بشيء من الفضول وهي تناظرها بشفافية:
    - أي شيءٍ أورا، تعلمين كم أنتِ عزيزةٌ على قلبي

    تلعثمت قليلاً وقد اختفت ابتسامتها وتحولت الى نظرات مضطربة وعينين توشكان على ذرف الدموع:
    - انه يخص جلالته مولاتي، فهو لا يشاركك المخدع بصورة كاملة، فقط…….

    أكملت عنها بحزنٍ بالغ:
    - في الليل، هذا صحيحٌ أورا، وليس لي حُكمٌ في هذا الأمر مع الأسف الشديد

    أجابت بإندفاع وقد لمست ضياعاً في كلام سيدتها:
    -لكنك زوجته الأن ولا يجب عليه معاملتك كالعشيقات، هذا يسيء لكِ كإمبراطورة ومن قبلها كأنثى فالزواج يعني المشاركة في كل شيء ومن جملتها غرفة النوم

    هدأت قليلاً وهي تشعر بمدى تأثير الأمر على سيدتها فقد فضحت عينيها انكساراً جلياً:
    - آسفة مولاتي، لقد غضبت جداً حين أخذت الأفواه بالقصر تتحدث عنك بسوء ومن أنك نذير شؤوم منذ ليلة الزفاف فكما يبدو بأن الأمبراطور لا يعترف بكامل حقوقك كزوجة له ولا يختلف الأمر عن كونك معشوقة يتردد على مخدعها ليلاً وسرعان ما يترك فراشها حين يقضى وطره

    أطبقت بأطراف أناملها على فاهها حين شعرت بتماديها في الحديث دون قصدٍ منها وبتأثيره البالغ على ليديا المُجفلة:
    -أوه سيدتي لم أقصـ..ــد ســ….

    أشارت لها بالسكوت فأتمت عملها بصمت مطبق و ندمٍ كامن لكونها المتسببة في تبديل ملامح الأمبراطورة الى الدرجة التى أصبحت لا تُعرف فيها من شدة الغضب.



  21. #180

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية



    وضعت سفرة الأفطار ثم رفعت دون أن تنقص محتوياتها ولو بالقدر القليل أمام تلك الشابة البائسة، إذاً هذا ما يُقال عنها من أفواه الحاشية الذين تهتم بأمرهم وتبادلهم أصدق مشاعر المحبة والود، ترى مالذي يتداوله بقية أفراد الشعب مذ تزامن الإعلان عنها كأمبراطورتهم الجديدة مع قرار إعفائها من واجباتها الإجتماعية حرصاً على سلامتها وحتى إشعارٍ أخر!، إضافة الى تتويج تلك الذكرى بخسارة المملكة لأحد أقوى فرسانها اللورد آريز، ثم كيف بوسعها قطع حبل هذه الأقاويل وتجفِف البئر الذي تنبع منه وهي االتي فشلت في حمل زوجها على مبادلتها ذات الحب الذي عايشوه وارتشفوا من كأسه مراراً فيما مضى؟

    الأمور تتعقد أكثر فأكثر في عقلها مُضعفة بذلك روحها المحاربة ومجهضةً لمعانى التفائل والنضال التي ترعرعت عليها.. شهقت حين أراحت إحداهن كلتا يديها فوق كتفيها فجأة وسرعان ما تحولت الى ابتسامة رزينة بعد سماع صوت ضحكات ريفيان المحببة

    - أوه عزيزتي لكم أشتاق لرؤية ابتسامتك النابعة من القلب كما في الأيام الخوالي، تلك الإبتسامة التى لا يجترها من شفاهك سوى كعك الفراولة الخاص بمقهى النبلاء
    اتسعت ابتسامة ليديا ولمعت عينيها ببريق الحنين الى تلك الأيام الدافئة وهمومها التى لا تكاد تُقارن مع ما تعايشه اللحظة:
    - أدفع روحي ثمناً للعودة بالزمن الى الوراء فقط لأكون هناك برفقتك ريفي
    تجهم وجه الصديقة بقلق وعقدت حاجبيها سريعاً:
    - ماذا هنالك مولاتي؟!، ظننتك سعيدة مع الأمبراطور فهو شاب صالح ويحبك كثيراً؟!

    أجابت بضيق جلي فلا يبدو وأن هنالك من تستطيع مشاركة همومها معه بشأن هذا الصدد:
    -وأنا أحبه أيضاً إلا أن ذلك لا ينفى اشتياقي الى مملكة الملائكة أبداً، رائحتها، أهلها وبالتأكيد والدي الحبيب

    ابتسمت وهي تمسح على يدها وقد احتلت المقعد المجاور لها:
    -لكم أنتِ وفية ليديا، لقد علمتِ بشأن والديك المرحُمين وعن انتمائك الى العائلة المالكة لمملكة الشياطين ولا تزالين تُقدرين حياتك الشاقة هناك، سأطير من السعادة إن كان لي حظ كحظك في يومٍ من الأيام

    شعرت ريفيان بالخجل الشديد حين نهرتها ليديا بصوتٍ مهزوز:
    - لاتقولي ذلك ريفي، لديك والدان مُحبان وهي نعمة لا يجب أن تتمنى زوالها أو أستبدالها بكنوز الدنيا !

    عانقتها بسرور وهي تبتسم ملء شدقيها:
    - أنتِ ملاكُ رحيم مولاتي، حتماً كنت سأتزوج بكِ إذا ما خُلقت ذكراً

    ضحكت ليديا وهي تبعدها عنها بخجل:
    - هذا صحيح، أردتِ قول شيءٍ صباح اليوم قبل أن تُسكتك أورا، ما كان ذلك؟

    تصنعت ريفيان مظاهر التعجب ببراعة وهي تجيب مازحة:
    -أ حُلب الثور أم أن ما أسمعه حقيقي، لقد تذكرت العاشقة السارحة حديثي ترى مالذي جرى للعالم اليوم؟

    ضحكت ليديا مجدداً حتى أخرسها هبوط تلك الأجنحة القوية فوق الشرفة المنفرجة أمامها وشهقت بتفاجئ حين أختفى ذلك الريش الناعم خلف ظهره ليكشف عن هوية الرجل الوسيم الذي وقعت في حبه منذ النظرة الأولى، تبادلت نظراتها المكذبة بين ريفيان وإيروس وهي لا تكاد تصدق عينيها الجاحظتين

    - أظن أنكِ ذكرتِ شيئاً عن اشتياقك لشعب مملكة الملائكة، مارأيك؟ .. إنه مُمثلٌ جيدٌ لهم وأثق من أن رائحته تشبههم كثيراً أيضاً




الصفحة رقم 9 من 11 البدايةالبداية ... 7891011 الأخيرةالأخيرة

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter