شدة على قبضة يديها بألم ودقات قلبها في تسارع مستمر، لقد تعمد تجاهل حديثها ولا تدري مالذي يُفترض أن يعنيه فعلُه هذا:
-مالذي تقصده بقولك؟! أعلم جيداً من أنني كنت مُخطئة فاريوس، لقد أتيت لإصلاح أخطأي والسعي في استحقاق غفرانك، أرجوك لا تقل بأن الأون قد فات فلن يكون هنالك أي مُستقبلٍ لي إذا لم تكن فيه معيِ هل تفهمني
أخرسها عن متابعة حديثها المندفع استدارته نحوها ثم تثبيته لرقبتها بالجدار من خلفها بقساوة خلال أجزاء من الثانية، عينيه كانتا حادتين وتعكسان آلماً رهيباً بينما تنبعث من حوله هالة غريبة لم تستطع تمييزها:
-الويل لكِ إن أذيته ليديا، لن أغفر لكِ حرماني منه مجدداً فأحرصي على أن تبقى على قيد هذه الحياة طويلاً أهذا واضح؟
توقف فجأة عن متابعة تهديداته الزاجره و حرر رقبتها تبعاً لذلك إلا أنه لم يبتعد عنه قدر بوصة واحدة، بل كان يتأملها بشفاه مطبقة وعينين مجفلتين غارقتين في الذهول من فعله تواً، لا ارادياً أخذت أنامله تتحسس ببطء شفاهها الطرية ثم خدها وأهداب عينيها قبل أن يريح جبهته على جبينها ويهمس بإرهاق:
-لا تزيدي من عذابِ فقلبي آثم كفايةً لوقعه في شراكك وميله اليك بذاك النوع من الرغبة والعاطفة، لطالما شعرتُ بأنه من الخطأ السماح له بذلك وكأن عقلي كان على علمٍ سراً بهويتك الحقيقة .
أبعدها عنه بغلظة بينما ازدادت به ملامح الضيق وبدا كمن يتخبط في غمار الرغبة وصوت العقل الناهر، ناظرها سريعاً فقرأ الحزن والإنكسار في عينيها، أخفى وجهه خلف إحدى كفيه وهو يتمتم بندم:
-آسف ليديا، لم أشاء إذاءك مطلقاً .
تابع وهو يفرض مزيداً من الإنضباط على نبرته ولغة جسده:
-أنا فقط لا أعرف كيف أواجهك بعد الأن !
تحدثت بإنفعال وبها رغبة مُلحة في البكاء:
-لا تقلها أرجوك، لست أبالي بما قاله اللورد دايفييل فأنا لن أكون سوى ليديا التى تعرف، لذا أرجوك لا تُخرجني من حياتك فاريوس بل وأتوسل إليك أن لا تفعل، أعدك من أنني لن أترك جانبك لأي رجُلٍ كان ولن أسمح لأحدٍ بالعبث في قلبي فأ…
قاطعها بنبرة هادئة ونظرة مستقرة راضية تجتاحه لحظة شروده الى مراقبة الطبيعة خلف زجاج النافذة اليتيمة بالمكان :
-هل بإمكانكِ التصديقُ من أن كُل ما يحيط بنا الأن هو محض خيال شيده هيدس وحده وحتى أدق التفاصيل
أنستها دهشتها حقيقة مقاطعته لحديثها المليء بالمشاعر وجحظت عينيها كما تشنج جسدها الذي يشعر جيداً بمدى صلابة الجدار خلفها وقساوة الأرض من تحتها حين تابع وابتسامةٌ جميلة تنضم الى قائمة انفعالاته المتزايدة في الغرابة:
-كلُ شي ليديا، الماء والطبيعة وهذا الكوخ الذي نقف فيه، حتي الحيوان الذي هاجمك قبل قليل وأرجوا أن لا أقلقك حين أطلعك على أن هنالك الكثير والكثير منهم بالخارج
خرجت الحروف من حلقها بحيرة بالغة وقد نجح في تغيير كفة الحديث ببراعة تامة:
-لكن لماذا؟!
ناظرها بعينين حليمتين وأردف:
-عندما كُنت صغيراً، لم يسمح لي ولدي بمغادرة القصر كثيراً فقد كنت شقياً ومتهوراً من الدرجة الأولى دائم الوقوع في المتاعب، لطالما حاول هيدس الوقوف الى جانبي وإقناع والدي بالتنفيس عني ولو بالقدر القليل إلا أنه كان متحجر الرأس كما لم يكنٌ أحدٌ من قبل وأجاب مبادراته بالرفض القاطع، عندها اهتدى هيدس الى علم الفضاء والخيال ووجد فيه امكانية واسعة لتحقيق رغباتي في الذهاب واستطلاع المجهول دون الحاجة الى انتقال جسدي فيزيائي، ومنذ تلك اللحظة أنفق الكثير من الجهد والوقت كي يتمكن من خلق العالم الخيالي الأدق في محاكاة الواقع بمختلف أوجهه، لربما لم ينجح في مسعاه عندما كنا صغاراً ولكنني لا أزال أقف عاجزاً عن تصديق مدى روعة ما حققه في هذا العالم الإفتراضي عندما أُتي بي الى هنا في بادئ الأمر.
ظلت مشدوهة أمام حديثه الرزين بشأن شقيقه وهي لا تكاد تصدق ما تسمعه، وكم كانت مطيعة حين أخذ بيدها نحو الأريكة الوحيدة بالمكان لتجلس عليها وتنصت له عندما تابع حديثه الشغوف من جديد:
-لقد قضيت أيامي هنا في حالة من التعجب الشديد مع كل جديدٍ يصادفني في هذا العالم، ولم يزدني يقينِ من كوني أدور حول نفسي في حجرة ما من حجرات القصر سوى انبهاراً، لقد أوجد تلك الكائنات الضارية لكي يضمن قيام جسدي بالتحركات اللازمة حين أحاول الهرب منها حتى لا أفقد لياقتي وأقع طريحاً للمرض إذا ما قبعت في بقعة واحدة، وجعل لكل يومٍ من أيامِ مغامرة شيقة حتى في أبسط الأمور كطعامِ، فأنا لا أحصل عليه سوى بعد القيام ببضع مطاردات للصيد هنا وهناك، ما رأيك الأن؟.. أليس السجن الأكثر إبتكاراً من الذي سمعتِ عنه من قبل
تأخرت إجابتها كثيراً فأردف بشيء من الحزن الذي جاهد لدفنه في جوفه:
- لربما لن تتمكني أبداً من إدراك هويتك الحقيقة ليديا وهذا ما أؤمن من أنه عقابي الأشد قساواة على جميع ما أقترفته في حقك منذ ذلك الزمن وحتى الأن، لكنني أشعر بسعادة عظيمة رغم ذلك، معرفة أنك تتنفسين الهواء بسهولة ويسر هو مصدر سرور لا ينضب في قلبي، وأن لك جسداً صحيحاً لا يمنعك من الإستمتاع بالحياة أو يُذقك الويل من شدة الألم حتى تفقدي وعيك يعنى لي الدنيا برمتها
اراحت إحدى يديها فوق حلقها المتيبس لتهمس بصعوبة وهي تجتر الحروف إرغاماً، فحديثه يرسلها الى عالمٍ من القنوط المُجزع:
- حتى وإن كنت إليون في ما مضى فأنا لا أكترث لذلك بتاتاً، رجاءاً أن لا تنظر الي كما تنظر إليه فلا أريد أن أكون سوى ليديا في عينيك، لذا دعنا من ذلك ولنمضى قدماً فاريوس
أجابها ببرودٍ مُريب:
- ما كنت أتصور بأن في أمكاني قولها لك يوماً وها أنا ذا أفعل، يؤلمني أن ذلك لن يكون ممكناً ليديا، سوف لن أتمكن من مسامحة ذاتي إذا ما تخليت عن ذكرى صديقي وتجاهلتها لتحقيق رغباتي الأنانية منكِ، لن أكذب.. لقد أردتك أكثر من الحياة قبل عشرة أيام من الأن وكنت على أتم الإستعداد لقتل من يقف في طريقنا ولكن اتضح لي من أن لا حياة لنا بتلك الطريقة بل هو هلاك شاملٌ لأعوامٍ من الصداقة الحقيقة وما تبقى من عمرنا
أجفل حين أندفعت نحوه وأرتمت في حضنه فاضحة لشوقها وحنينها وهي تنحب بأنين حزين، لم يبادلها العناق أو يخفف عنها شيئاً من أحزانه فهو واثقٌ من أنه سوف يفقد السيطرة آن ذاك واكتفى بشده على قبضتيه وعضه لشفاهه مع أطباق عينيه بأقصى ما يمكنه، وفي المقابل، أزداد تشبثها بقميصه وهمست بحروف متقطعة:
- ألست صديقك كما تدعى فلماذا لا تلبي رغباتي إذاً؟ ألا يمكنك النظر الى عودتي في جسد أنثى كحلٍ يربطنا سوية و الى الأبد فاريوس
أجابها بهدوء خالف اشتعاله من الداخل:
- لأنني صديقك فأنا أدرك من أنها رغبةٌ ليست نابعة من القلب، بل هي طريقتك الدائمة في مواساة أحزاني بمنحي ما أريد وإن كان ذلك يعنى جسدك الخاص في هذه الحالة، سوف لن أسامح نفسي إذا ما أهنت ذكراكِ وأهنت صداقتنا بمساسك ليديا
أبعدت وجهها المحمر عن صدره لتتخاطر عينيهما بعد أن فشلت الحروف في هذه المهمة، هنا كان صوت العقل بفاريوس يتلاشى تدريجياً كتلاشى شعوره بالمكان من حوله، همس بوهنٍ وعينيه لم تتزحزحان عن حدقيتها البراقة لأبعد من شفتيها ذات الطلاء الدموي من شدة البكاء:
-هل أنتِ واثقة؟!
المفضلات