الصفحة رقم 5 من 11 البدايةالبداية ... 34567 ... الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 81 الى 100 من 206
  1. #81

    الجزء الرابع عشر


    استدار الى مصدر الصوت المستنكر من خلفه بعد أن أراح جسدها وأنحنى بإحترام لرؤية المتحكمة كاميليا والتى لا تبدو عليها ملامح السعادة خاصة بعد رؤيتها له فقد تثبتت عينيها عليه وأخذت تحملق به بمشاعر مبهمة، تقدمت نحوهما وأخذت تتفحص ليديا الشبه غائبة عن الوعي غير أن عينيها لا تزالان تبصران الضوء

    كاميليا:
    - إنه يحدث إذاً

    فاريوس وقد فاجئه حديثها:
    - مالذي ترمين إليه سيدتي؟

    رمقته بنظرة حادة وتابعت بحنق بالغ:
    - لا تستحق نسيان الماضي فقد سببت الكثير من الألم للعديد ولا تزال تفعل

    كان حديثها الغير ودود كفيلاً بإثارة ريبته منها فأسرع بحمل ليديا والإبتعاد عن دائرة كاميليا التى فاجئتها سرعته:
    - من أنتِ حقاً؟

    إنتصبت قائمة بعد أن كانت منحنية بالقرب من الأريكة وأخذت تتقدم نحوه وهو يعود أدراجه ودفعاته على أهبة الإستعداد
    -توقف عن لعب دور البريء فاريوس، أنت تعلم تماماً من تكون وأنك لا تنتمى إلا هنا

    أخيراً توقف عن متابعة التراجع وقد أثارت كلماتها وتر حساس في قلبه، وأخذت حدقت عينيها تتمكن منه بسيطرة تامة:
    - هذا الحديث..، ماهو أصله؟

    عقدت يديها أمام صدرها وهي تتابع بصرامة:
    - هذا يعني أنك تعي ما أقوله
    -ليس تماماً، مالذي تقصدينه من أنني لا أنتمى الى هنا؟

    رسمت أطراف شفاهها إبتسامة ساخرة :
    - هيا الأن فاريوس، إعتقدت أنك أذكي من ذلك، هذا الشعر وهذه العينين أتجد لهما مثيلاً هنا؟
    -ليس حقاً !

    بدى الشكك جلياً في صوته فشعرت بمدى تأثير حديثها عليه وتابعت غزوها لفكره:
    - وماذا عن أبوين أو أشقاء؟

    أراد أن يجيبها بلا لكن لسانه أنعقد لحظتها وعقله يخبره عن تفاصيل جديدة عليه قديمة من ماضيه، فهو يرى بكل وضوح وجه أمرأة حسناء تداعبه بين يديها ومن ثم طفل جميل يشبهه كثيراً وهو يحوم حوله بسرور ويحاول إسعاده، إن عينيه تضيق شيئاً فشيئاٍ مع كل ذكرى تعرض أمامه ... من هؤلاء؟ ومن يكونون بالنسة اليه؟

    جثى أرضاً أمامها وليديا لا تزال بين يديه ولربما كانت السبب وراء ظهور هذه الذكريات بواقعية يكاد يلمسها دون أن تُرديه صريعاً، كان لا يزال يتعرض لومضات عن ماضيه وحلقات وصل تربط الذكريات بعضها ببعض، وأخيراً تفجر الجدار الحائل بينه وبينها حين همست في أذنه:
    - وماذا عن إليون، صديقك الوسيم، أنسيت بشأنه بهذه السرعة فاريوس، أو كما يجب أن أقول الأن، فولكــــان..!

    تركها تنسل من بين يديه و تتمدد على الأرض أمامه وعينيه تكادان أن تشاركانها الموضع من شدة جحوظهما، سرعان ما حاصرت يديه رأسه وأخذت تضغط عليه بقوة لتخلصه من الصداع الرهيب الذي أصابه، صداع و ألم كان علتهما عودة عُمُر ظن أنه فقده وأصبح من الماضي بالنسبة إليه إلا أنه عاد بقوة أكبر وبأدق التفاصيل.

    في تلك اللحظات، ولج المتحكمون الى الغرفة ترقُباً لعودتها وأعتلت الدهشة الجميع من المشهد أمامهم فهذا أسرع نحو صغيرته الغائبة عن الوعي والأخر نحو من كان له أكبر نصيب من المعاناة بالغرفة

    أنجلا وهي تنفض جسد كاميليا من كتفيها:
    - مالذي فعلته به كاميليا؟

    أجابت وعينيها تعومان بعيداً عن النور:
    - فعلت ما كان يجب علينا فعله منذ وقت طويل مضى،فبعد كُلا، إنه لا ينتمى الى هنا أليس كذلك؟

    أفاقها من قوقعتها صفعة أنجلا المدوية وقد تركت أثر بارز على وجهها الحاد الجميل:
    - كيف تجرُأين ؟!

    صرخت بها كاميليا بغضب وآسى :
    - بل لماذا يجب أن ينعم هو بالسلام هنا ويزوال حياة طبيعية في حين يعرض حياة الجميع حوله للخطر ؟

    دمعت عينيها وهي تجيبها بحزن وعتاب:
    - لأنها كانت رغبة إليون التى كلفته حياته الغالية ولم تكن رغبته هو، كان يجب عليكِ إظهار إحترام لذلك

    أسرع نوثانيل بوضع ليديا بعيداً حين انتصب فاريوس واقفاً بعد أن ترنح قليلاً وقد تغيرت هالته تماماً إلا هالة ملكية عظيمة وأحتدت نظرة عينيه:
    - أين إليون؟ لماذا لم أره حتى الأن؟

    أجابه الصمت فما كان بمقدور أحدهم الإقدام على إجابته فأعاد سؤاله بزمجرة أقوى وعندها فقط تقدمت أنجلا منه وأحتوته علها بذلك تخفف من حدة ما ستقوله له:
    - لقد فعلها بك وفارق الحياة، لم نستطع منعه رغم محاولاتنا وحتى أخر رمق، أرجو أن تصدقني عزيزي فولكان

    لم يمضي الكثير قبل أن يتغلب على الطامة التى حلت فوق كل خلية من خلايا جسده ويدفعها بعيداً عنه بعنف وهو يصرخ -"كـــــــاذبة"
    إنه الأن في أشد غمار ثورته وفي أعمق جوف لنكبته، أسرع كلاً من نوثانيل ويوريال بتثبيته أرضاً وهو يزمجر بغضب ويحاول إبعادهم عنه بشتى الوسائل:
    - هذا غير صحيح؟ لقد أقسم أن لا يفعلها وأن يتماسك حتى أجد حلاً لمساعدته

    تابع عراكه وهو يصرخ ويلقى بالشتائم حتى خارت قواه وبات يأن ويعتصر آلماً بين دموعه، تقدمت أنجلا منه وأرسلته الى عالم النيام رغم مكافحته كأفضل خيار لإخراجه من واقعه ذاك.

    ظلت كاميليا تراقب الموقف برهبة بل وتشارك الجميع ذهولهم حيال تصرفها الأرعن، فقد أيقظت لتو الشق الأخر القديم من روح فاريوس المميزه في أسوء توقيت ممكن بعد أن بذل إليون حياته ليُعِد صديقه الأقرب إليها ويترك له مجال عيشها مجدداً، إن الذي أصابها لحظة عودتها و رؤية الشبه الكبير الذي يجمعه بمن تكن له الكره الشديد أخرجها عن طورها وأفقدها السيطرة على أعصابها

    -رباه إنها مصابة بحمى سيئة
    قالها ستاداريوس بهلع من جنون أحداث الليلة وهي تتواتر فوق رؤسهم، فجسدها النحيل يتنافض من شدة الحرارة ولا تقوى ثيابها على إمتصاص كميات العرق أكثر من ذلك، هرع الجميع نحوها وصرخت بهم كاميليا قبل أن يقدم أحدهم ويحاول مساعدتها

    -لا تلمِسوها

    " وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى "


  2. ...

  3. #82

    الجزء الرابع عشر



    تقدمت نحوها من بينهم ووضعت أصابعها الوسطى والسبابة فوق عروق يدها اليمنى لتقيس معدل ضربات قلبها:
    - سيزداد الأمر سوءاً إذا ما حاول أحدكم مد يد العون لها فهاذا خارج عن نطاق قدرتنا

    نوثانيل بنفاذ صبر:
    - مالذي تهذين به كاميليا، أخشى أنني سأطلب منك الإبتعاد عنها فوراً

    كاميليا بصرامة:
    - ستقتلها محاولتك نوث، هذا ما أراد دايفييل أن أخبرك به حرفياً

    أعد يديه التى إمتدت نحو صغيرته إليه والقلق يتملكه فين حين تابعت بتعاسة:
    - بما أن الأمر قد بدأ معها فهذا يعنى أنه قد سبق وتم إرساله الى غرفة التجريد من القوى

    أكملت وهي تتجنب النظر الى ردود أفعالهم:
    - يُخشى أنه قد يحاول الفرار من مقر جلسة محاكمته التى ستعقد بعد غد لذلك سيتم تجريده من قواه أولاً بعد إجماع أغلبية أصوات أعضاء المجلس على هذا القرار
    -تباً لهم، هذا كثير جداً

    قالها بغضب تشاركه معه الجميع في حين تابعت كاميليا المسح على رأس ليديا حتى هدأ جسدها من جديد

    -آسفة جميعاً، أردت مساعدة دايفييل بأي وسيلة ممكنة فحاله سيء جداً ولا حليف له بين أعضاء المجلس، خُيل لي أنه بوسعنا إيقاف إنتقام هيدس حين يعلم أن أخاه لا يزال على قيد الحياة!

    - ولماذا لم نريد القيام بذلك في المقام الأول عزيزتي كاميليا ونحن نعلم الحقيقة أيضاً؟ صحيح أن الفرصة لم تكن لتسنح لك بمعاصرته ولكن معرفة أن فولكان طائش لا يبالى بأحد صفة لا تخفى على الجميع، ماذا لو أقدم على قلب موازين عالمنا رأساً على عقب بعد أن يعلم عن حقيقة أن إليون ليس على قيد الحياة بعد الأن؟ لقد كان الوحيد القادر على كبح جامحه في حين لم يتمكن غيره من فعلها

    أكمل فابيان عن أنجلا:
    - إنه قوى جداً كوالده الإمبراطور زيوس، ولربما يفوقه بكثير، حقيقة أنه كان على ذلك القرب الوشيك من إستخدام القوة المحرمة وحده هي ما أرعب الجميع من ما قد يُحدِثُه من دمار بكل تلك القوة

    كاميليا:
    - إذا كيف أستطاع إليون أن يجعله في هيئة طفل ويقوم بحبس ذكرياته هكذا؟

    نوثانيل:
    - هذا مالم يجد دايفييل إجابة عنه حتى الأن، فعائلة إليون كإليون نفسه، يلف بهم الغموض من كل مكان

    ستاداريوس:
    - التفسير الوحيد لقدرته على إستعمال قوة مماثلة هو إستخدامه للقوة المحرمة

    أنجلا:
    - صحيح ولكن هذا الإستنتاج لا يزال محض ظنون وتوقعات، فإليون لم يطلعنا على شيء قبل وفاته، ولم نتيقن من أن فولكان وفاريوس هما وجهان لعملة واحدة سوى بعد إرساله الى الأكاديمية الكونية بقليل، لكن السؤال الذي طُرح بعدها هو كيف أقدم إليون على إستخدامها دون أن يُخل بتوازن العالم

    نوث:
    - النظر الى أن القوة المحرمة يمكن أن تكون طوعاً لإرادة أحدهم دون أن تخرج عن السيطرة هو إحتمال لا يرغب مجلس السلام العالمي ولا حتى سائر مماليك التحالف أخذه بعين الإعتبار بعد الدمار الذي حل في ذلك العهد الأسود، فالمخاطر مهلكة ونسبة النجاح ضئيلة جداً بل وتكاد تكون معدومة

    كاميليا وقد بات جلياً لها حجم المصيبة التى ألقتها على عاتق الجميع حين عبثت بعقل فاريوس:
    - هذا خطير، ومالذي سنفعله به الأن

    -ليس بالكثير فلا يمكننا التعامل معه وحدنا دون وجود دايفييل، وحتي ذلك الوقت سنُجبر على حبسه وإبقائه بعيداً عن الأعيون..


    ~..~..~..~..~..~..~..~



    في صباح اليوم التالي


    ظل يراقبها تغطِ في نوم عميق مسالم وقد هبطت حرارتها بشكل ملحوظ بعد العناية البالغة التى أولها إياه طيلة ساعات الليل المنصرم، بينما كان عقله يُقلب في صفحات الماضي وتحديداً حادثة فاريوس حين أقدم على مهاجمتها في صغره، ومن ثم إصابة دايفييل البالغة عندما أراد تخليص جسدها من هجوم الوشم وهي في بلورة الإنعاش

    إنه نادم جداً على عدم تقصيه المزيد من الحقائق آنها وإنصياعه لرغبة دايفييل بترك ملاحقة الحادثة وجعلها من الماضي، فهنالك الكثير الأسئلة التي لا يجد لها إجابة بعقله الأن، أسيعاود الوشم هجومه على صغيرته مذ تحرر من جسد دايفييل؟ ولماذا أمره صديقه بعدم التدخل في حين يعلم أنه سيشكل خطراً يهدد حياتها؟؟ لقد وصل الى درجة من التشتت الذي لا يسمح له برؤية السببية وراء قرارات صديقه وهذا يؤرقه كثيراً، فُتح الباب بإندفاع شديد أيقظ معه ليديا فزعه

    فابيان وهو يلتقط أنفاسه:
    - لقد إستيقظ فاريوس، وهو في حالة هياج شديدة، نحن بحاجتك نوث

    هب نوثانيل واقفاً من فوره ووجدت ليديا نفسها تهرول خلفه بقلق دون إحساسه بها رغم تعاظم حدة وحجم الثقل الجاثم فوق قلبها وشهقت لرؤية فاريوس مكبل اليدين والقدمين ويتوسط غرفة نائية بالقصر لا يصلها ضوء الشمس ولم تراها من قبل فقد كانت عبارة عن زنزانة داخلية بقصر الحكم

    كان فاريوس يصرخ بغضب ويأمرهم بحل وثاقه ليبحث عن إليون في حين لم يتجرأ أحد على الإقتراب منه فهالة سوداء عظيمة تحول بينهم وبينه، أخذ عنفوانه يتصاعد وليديا لا تكاد تصدق عينيها، ركضت نحوه لتحول بينه وبين والدها حين أراد مباغتته لمنعه من التحرر من القيود:
    - لا تفعــــــــــل أبي..!


    صرخ بها نوثانيل لتوقف تقدمها نحوه وهو متفاجئ من تواجُدها في المكان ولكنها سبق وأصبحت داخل نطاق هالته السوداء، خلال أجزاء من الثانية أصابتها قبضة فاريوس اللاواعي في صدرها وقعت إثرها أرضاً وهي تتأوه بشدة

    ماحدث بعد ذلك أخذ يمر ببطء شديد وكأن عقارب الساعة توشك أن تعود الى الوراء، فرؤيتها ممددة أمامه وهي تتلوى من الألم والضجيج الذي عم المكان أعاد له بعضاً من صوابه، تجمد مكانه يراقب نوثانيل وهو يكاد يصاب بنوبة قلبية وأنجلا تأمره بالإبتعاد عنها حتى لا تتهشم عظامها بين يديه أكثر مما حدث والبقية يحمون حولها بذعر جلي ويسرعون بحملها بعيداً عنه وماهي إلا دقائق حتى عم المكان صمت رهيب، أصبح فيه صوت ضربات قلبه العنيفة تسود المكان وهو في حالة من الذهول التام لما قام به تواً.


    ~~~


    أسرع نوثانيل بتمديدها على السحابة الطبية الخاصة بالقصر بينما ثبتت كاميليا يديها بإحكام وكذا فعل فابيان مع قدميها لتقوم أنجلا بإصلاح ما تضرر من فقرات قفصها الصدري، أطلقت ليديا لذلك صرخات مدوية صافحة مسمعه وأعظمت عليه مصيبته.
    لقد تمكن أخيراً من نبش قبر الماضي وتعرف على ملامحه ليصعقه نبأ وفاة صديقه الأكثر قرباً منه وقد تلقى النبأ وأدرك واقعه بعد عدة سنوات مضت والأن يوشك أن يخسر من لامست شغاف قلبه بفعل يديه، شيئاً فشيئاً .... شعر بذاته تُجر إلى عالم الجنون ..


    ~..~..~..~..~..~..~..~


  4. #83

    الجزء الخامس عشر

    Screen+shot+2013-04-25+at+10.23.10+PM



    الجزء الخامس عشر
    ~ مضى وقت طويل ~




    - هذا غير معقول ..!

    أطبقت بيديها على فاهها وهي تذرف الدموع الصامتة شفقة على فاريوس عند إنتهاء نوثانيل من سرد الأجزاء الأكثر إيلاماً من حياته عليها وصولاً إلى حاله الوضيع باللحظة التى يتحدثون بها بعد أن كان توجسها لأمر تكبيلهم له بتلك الطريقة كبيراً.

    ما أنصتت له تواً يُمثل المعانةِ بشتى أصنافها و أوجُهها ليتوج بالوقت ذاته الصداقة الحقيقة والتضحيات التى بذلها الصديقين في سبيل بعضهما البعض

    طلبت الإختلاء بذاتها فستجاب لرغبتها وترك المخدع الذي لم تغادره منذ ليلة إصابتها نظراً لتعليمات أنجلا الصارمة بالبقاء ممدة على السحابة الطبية وحتى تتمثل للشفاء.

    خرج و أغلق الباب خلفه بهدوء تصادف معه مرور أنجلا بالرواق ذاته وهي تقصد غرفتها لتخبرها عن المفاجئة التى حضرتها من أجلها قبل أن يصدها نوثانيل عن المتابعة
    - دعيها للأن

    أجابته حاجِبيها المعقودين بتعجب فأضاف:
    - رجاءاً أنجلا
    ~..~..~..~..~..~..~..~



    أخذت عينيها تسبحان في فساحة السماء من خلال النافذة الطويلة وصدرها يضيق شيئاً فشيئا، الألم الذى يعتصر قلبها لا يقارن بالتعاسة التى حلت عليها وتلبستها جراء رغبتها الحمقاء في معرفة المزيد، ولوهلة .. تمنت الموت صادقة فلم يعد هنالك شيء يُرَغِبُها في الحياة لكنها سرعان ما وضعت حداً لسوداوية فكرها وأعلنت لذاتها أنها لن تفعل ولن تستلم حتى ترى جميع من تحب سوية ولو لمرة واحدة على الأقل

    لم يتسنى لإبتسامة العزيمة التى أعترتها أن تكتمل على شفاهها حتى تبعتها شهقة سعادة و صديقتها ريفيان تلج الى الغرفة بعد طرقها الباب بخفة

    ريفيان وهي تقبل يد صديقتها بشغف وتقربها من قلبها وهي تبكى كما الأطفال :
    - أقسم أنني لن أتركك وحيدة بعد الأن، حباً في الرب هل لا توقفت عن تعذيب نفسك لإفتقادي وتأكلي شيئاً

    ما استطاعت كبح ضحكتها التى انتهت بعودة الألم الجسدي من جديد و عبوس وجهها اِثرهـ

    ريفيان بقلق :
    -هل أنتِ بخير ليديا؟

    أحكمت ربطة جأشها وفردت وجهها مبتسمة:
    - كيف لا أكون بعد سماع حماقاتك ريفيان؟

    تكور وجهها بغضب سرعان ما تفجر بضحِكات تشاركتها الأثنتين وأنتهت بدموعهما وعناق حار يحمل في طياته راية السلام والصلح دون تبريرات أو إعتذارات مسبقة.

    إنقضت ساعات اليوم و ريفيان تلُاعب شعرها وتستمتع بتسريحه كما اعتادت أن تفعل وهي تقص عليها أدق التفاصيل التي مرت بها خلال فترة إنقطاعهما بطابع فكاهي أعاد البسمة الى وجه ليديا على الرغم من أن قلبها لا يزال يغوص في أحزانه وأخيراً .. أستسلمت الفتاتين للنوم بجانب بعضهما البعض بعد أن استنفذ الحديث طاقتهما لأخر رمق.


    ~..~..~..~..~..~..~..~

    اخر تعديل كان بواسطة » moon child في يوم » 25-04-2013 عند الساعة » 12:28

  5. #84

    الجزء الخامس عشر





    مجلس السلام العالمي


    أنعقدت الجلسة الأولى لمحاكمة دايفييل ولم يتم السماح لأحد من المتحكمين بالتدخل أو الحضور مما جعل صديقه المقرب يستشيط غيظاً وغضباً من أفعال المجلس الغير مبررة، فالتشديد الأمني حول دايفييل يجعله كما لو كان مجرماً من الدرجة الأولى


    كانت ليديا تسير في الأروقة بمساعدة ريفيان التى قبعت في القصر لتشرف على تمريضها شخصياً بعد أن طلبت أنجلا منها ذلك ورحبت هي بالفكرة بل وتهللت أساريرها لها فقط عانت بما فيه الكفاية من الجفاء الذي طال بينهما، أستوقفهما نقاش المتحكمين الحامي داخل غرفة المعيشة وسط القصر


    فابيان بجدية يحفها القلق وقد فارقته طباعه المرحة منذ زمن:
    - لقد أقدم اللورد دايفييل على اقناع المجلس مبدئياً بجعلها قضية شخصية لكي يبعد دائرة الخطر عن شمول المملكة
    أنجلا بوهن وهي تحتل المقعد قربها:
    -ربـــاه، كنت أعلم ذلك، سيتحمل الذنب وحده لهذا لم يعترض على قرار منعنا من حضور المحاكمة و مؤازرته


    أكمل حديثه فقد كان المتطوع الوحيد لقراءة التقرير الذي سربه له أحد أنصارهم من قلعة السلام:
    - لكن يبدو وأن هيدس يطالب بهجوم مضاد ضد المملكة ويوافقه على ذلك أقلية من المجلس


    نوثانيل:
    - تباً لذلك الوحش لا أصدق أنه هيدس نفسه الذي أعرفه


    ستداريوس بإندفاع:
    - لربما كانت كاميليا على حق ، يجب علينا اعلامه بالحقيقة ليوقف حقده ويعود الى رشده!! .. أعنى كيف لم يتمكن أعضاء المجلس من رؤية نيته الحقيقة بعد؟، بالتأكيد لن يوقفه الإنتقام من دايفييل وحده بل هو كبش الفداء الأول للكثير من الأهداف التى ينوى الفتك بها ولا يمكننا مشاهدة ذلك والسكوت عنه


    نوثانيل ساخراً:
    - عندها سيكون لدينا الأخوين في صفوف المواجهة، وصدقني عندما أقول أنه لا يمكن للأمور أن تصبح أكثر جنون و سوءً من ذلك


    كاميليا بقلق جلى:
    - لايزال .. لا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي، بربكم سيصدر القرار في الجلسة القادمة وان استمرت الأمور على هذا النحو فستكون حياة اللورد دايفييل في خطر حقيقي..!


    ~~~


    من خلف الأبواب


    استمرت يديها في عملية طحنٍ لعظام ريفيان حتى تملكها التوعك فهمست لها والرجفة تُسد صوتها:
    - أعديني الى الغرفة رجاءاً


    امتثلت ريفيان لطلب صديقتها والخوف يعصف بقلبها لخطورة ما سمعته تواً
    -" صحيح، .. انه لمن المريب حقاً إنعدام بروز اللورد دايفييل في ساحات المملكة بعد الأحداث المشؤومة؟! كيف غاب الأمر عن أذهان الجميع ياترى؟"


    هذا ما كان يدور بخلدها وهي تراقب عيني صديقتها وقد ودعها البريق الذي كان يشع منها سابقاً




    أجلستها على مقعدة سحابة طبية خاصة، لها طبيعة ناعمة وتتخذ شكل الجسد الذي تحتويه


    ريفيان وهي تتوجس خيفة مما ستسمعه بعد السؤال الذي تنوي طرحه:
    - مالذي يجري ليديا؟ وأين هو اللورد دايفييل ؟


    أشاحت بنظرها بعيداً لتهرب من تكرر وقع الحقيقة على أذنها:
    - أنها قصة طويلة ولا أشعر بالرغبة في الحديث الأن، أعتذر ريفي


    إبتسمت لها وهي تمسح على رأسها:
    - لا حاجة للإعتذار ليــ
    قطع حديثهما صوت صيحة غاضبة وضوضاء خارج المخدع .. أرغمت ريفيان صديقتها على التزام مقعدها قبل أن تتهور وتؤذي قفصها الصدري اذا ما أرادت أن تستطلع عن السبب وتفاجأت الصديقتين لدى دخول المتحكم يوريال عليهما و أمره الصارم بالمكوث في الغرفة وعدم الخروج منها لأي سبب كان، في حين استمرت الجلبة في التصاعد قبل أن تهدأ تدريجياً وتخمد بعد برهة من الزمن


    ليديا وذلك السكون النسبي الذي عم المكان لم يشمل قلبها الذي بات يخفق بشدة و ينذر عن بداية مرحلة جديدة من العصيان:
    -ريفيان، خذني إليه سريعاً إنه فاريوس وهو يعاني كثيراً


    استدارت نحوها بدهشة وهي لا تصدق ما تسمعه:
    - هل أظن أن هنالك خطب ما بسمعي أم أنك جننتِ بحق لتطلبِ أمر مستحيلاً كهذا؟ قطعاً لن أفعلها، أنتِ لم تشفي بعد من أثار ضربته السابقة .. إنه خارجٌ عن السيطرة وخطيرٌ جداً


    -أرجوكِ صديقتي، لم يكن بوعيه والا لما فعلها، أتوسل إليكِ يجب علي التحدث معه، حياة اللورد دايفييل على المحك


    ابتعدت عن مواجهة عيني ليديا المتوسلتين لكي لا تعلن هزيمتها وتستسلم لرغبة ليديا وخاصة بعد تصريحها الخطير فأكملت
    متلعثمة وبتردد كبير:
    - لــ .. لن أفعل وهذا نهائي، ،على الأقل ليس في ظل الظروف المعاصرة، لتهدأ الأوضاع أولاً
    - سيكون الأون قد فات ريفي


    لم تجبها فأخذت ليديا تستجمع قواها لتنتصب واقفة على قدميها وحدها دون طلب المساعدة، عندها هرعت إليها ريفيان والدموع معلقة في عينيها:
    -أكرهك عندما تفعلين هذا، أوقفي عنادك و كفى عن تحجير رأسك ليديا


    إبتسمت لها وهي تتمسك بها:
    - وأنا أحبك ريفي ولن أنسى لك هذا المعروف ما حييت




    نجحت ريفيان في إقناعها بالإنتظار حتى يخيم الليل ومن ثم توجهت الأثنتين بخطوات خفيفة خشية أن تشعر بهم الأعين الساهرة وهما تقصدان زنزانته القابعة في جوف القصر.



    ~..~..~..~..~..~..~..~





  6. #85

    الجزء الخامس عشر




    بعيداً عن أجواء التوتر والخوف وحيث مملكة الشياطين الهانئة وامبراطورها الشاب يراقب بإبتسامة رضا تمايل الراقصة أمامه على أنغام الألات الموسيقية في خيمة باذخة بزخرفها، تنيرها الفوانيس الزاهية ولهب الشموع


    شعور النشوة يتعاظم في قلبه ويكاد أن يفجره من فرط تدفقه فقريباً وقريب جداً سيشعل شرارة الدمار الأُولى دون أدنى نية للتراجع بإرسال غريمه الأول وليس الأخير لمواجهة المصير ذاته الذي واجهه صغيره فولكان بكل وحشية وقسوه، غير أن هنالك خطب ما يكدر قرارة باله وصفوة سريرته، خطبٌ أقام لتجاهله هذه الجلسة ولكن يبدو وأن خطته الصغيرة بأت بالفشل فهو لا يزال يتربع على عرش تفكيره دون منازع


    عادت به ذاكرته الى الوراء قليلاً حيث جلسة المحاكمة، كيف يمكن أن يكون اللورد دايفييل بهذه السكينة وهو يعلم أن قضيته خاسرة لا محال؟، بالتفكير في الأمر، هو يدافع عن حياة طفلة لها دم شيطاني، بل ويدفع حياته ثمن لهذه الحماية، في حين قام امبراطور الشياطين ذاته بإدانته لحمايتها؟
    هنالك شيء خاطئ في هذه المعادلة مهما أعاد حسابها لتخرج بالنتيجة التي يريد وهذا ما يؤرقه ويحرمه النوم ليلاً، لماذا يتمسك بطبيعته النبيلة في أحلك الظروف وأشدها وطأة عليه؟ فالشخص الذي وقف يشاهد إعدام صبي في ريعان شبابه دون أن يحرك ساكناً لا يجب أن يتصرف على هذا النحو على الإطلاق..!


    ضرب الطاولة بغضب للتساؤلات التى أدلى بها ضميره في محاولاته الأخيرة للإستيقاظ وقلب كفة الموازين بقلبه وعقله مما جعل الريق يجف من أفواه الحاضرين وأنصرفوا دفعة واحدة بإشارة من أصابع يده ليسمعوا عُقب خروجهم صوت إرتطام الطاولة بالأرض وتحطمها وما كان عليها بعد أن دفعها وهو يصرخ:
    - اللعنة عليك دايفييل


    ~..~..~..~..~..~..~..~






    هناك في أعماق الجحيم بالنسبة الى فاريوس حيث الظلام يتغشاه ويكبله من كل حدب وصوب




    أجهدته محاولاته في التحرر من القيود الحديدية والضوئية معاً وقد شارك في صنع تعويذتها المتحكمين الست مجتمعين حتى يتمكنوا من كبح قوته الجبارة وإبقائه تحت صولجانهم في ظل فورانه داخلياً بل وتخطيه مرحلة الغليان فلا يبدو على أحدهم الإكتراث لحالته المثيرة للإزدراء وهو يقاسى الأمرين من ذكرى ماضيه ويرفض أن يرضخ لحقيقة أن صديقه الأقرب قد فارق الحياة.


    كان يجلس مستنداً على أحد الحوائط وهو منكوس الرأس بينما دعمت أحد ركبتيه المُنثنيةُ نحو جسده يده الممتدة بإهمال عليها حين فُتح الباب وولج أحدهم الى الداخل، لم يكلف نفسه عناء النظر .. فقلبه يُكن أعلى درجات الحقد والنقمة بينما يعانى جسده من الإنهاك والإجهاد في أقصى درجاتهما


    وقفت مكانها تتأمل حاله ويديه المغطاة بالجروح والكدمات إثر محاولاته العنيفة للتحرر وأدمى قلبها مشاهدته بهذه الهيئة الرثة، لقد تغيرت ملامح وجهه الجميل وصارت أكثر حدة من ذي قبل وهي لا تنذر بالخير البته، أشارت بعينيها لريفيان المصابة بالذهول منه أيضاً فستدارت وتركت المكان على مضض لتعمل على حراسة البوابة بينما تابعت ليديا تقدمها نحوه والجدار يحُل مِحل صديقتها ويقوم بمهمتها في توفير الدعامة لها حتى تستطيع متابعة السير


    دنت منه على مهل وأخذت تبلل المنشفة النظيفة بماء مورد لتعقيم جِراحه و ما إن لامست جسده حتى هب معتدلاً في جلسته
    وشُلت عينيه لرؤيتها أمامه تناظره بعينين رحيمتين:
    -لــيديا..!


    إبتسمت له براحة حقيقة اجتاحت قلبها بعد سماعها لصوته العميق و الحاني:
    - تماسك، سيؤلمك هذا قليلاً


    إمتعض وجهه لشعور الألم الذي لسعه وهي تعمل على مسح الدم وتعقيم جراح معصمه و تَفاجئ قلبياً من رغبة عينيه الصارمة بالإشاحة بعيداً عنها وإظهار عدم الإكتراث المطلق لوجودها، في حين أرغمت ليديا عقلها الذي أصيب بخيبة أمل كبيرة على تجاهل برودته تجاهها وتابعت ما تقوم به بصمت تام حتى فاض بها الكيل ..ألقت بالمنشفة أرضاً وبشيء من الإنفعال الحزين:
    - يكفيك ظلماً لنفسك فاريوس، أرجوك عد الى رشدك وإلينا


    أجابها ببرود حاد:
    - لا يوجود ما أعود إليه ليديا، دعيني وشأني وأبتعدي عني حتى لا يصيبك الأذى مجدداً
    -لا تتجرأ على إبعادي فاريوس فلست أخشى مواجهتك ولم تعد تخيفني، أرجوك بل وأتوسل إليك أفعل شيئاً ولا تترك اللورد دايفييل يصاب بالأذي
    احتدت عينيه وبادلها نظرة ثاقبة:
    - بل يجب عليكِ الخوف والرهبة أيضاً ليديا، إذا كان هذا ما تصبين إليه بقدومكِ الى هنا إذاً فلتذهبي معهم الى الجحيم


    لم تتمالك أعصابها وأرادت تسديد صفعة تُفيقه من جنونه ولكن الرغبة تبخرت عندما أمسك بيدها قبل أن تهم بذلك فصرخت به:
    -توقف أنت تؤلمني فاريوس
    -لست فاريوس الذي تعرفينه بعد الأن، أبتعدي عني و فري بحياتك وإلا أُحرقتِ مع البقية


    أطلق سراحها وقلبها يخفق بشدة خوفاً منه، إنه حتماً صادق في حديثه فهو لم يكن أبداً ذلك الفاريوس الذي ألِفته وأشعرها قربه بالأمان في وقت ما مضي، بل هو في أجمل هيئة يمكن للوحوش أن تتصور بها، لعنة نفسها ألف مرة لأنها لم تستطع منعه من رؤية ضعفها الذي تمثل في تنافض جسدها لحديثه و عينيها اللتين تسلحتا بسلاحهما الوحيد وسمحت للدموع بالإنهمار رغماً عن إرادتها.


    ردةُ فِعلها تلك وعينيها اللتين لم تبرحانه وقد كساها الخوف أتت كحد السيف الذي أوقف عقارب الساعة عن الحراك بالنسبة إليه، مالذي أصاب عقله ليكشف لها عن مدى بشاعة الشر الذي يتأرجح في صدره و هي التى أعادت تعريف الرقة في قاموسه فأصبح
    يراه ويسمعه في أي فعل تقوم به أو حديث تقوله، ومن حيث لم يشعر وجده يتقرب منها ويده امتدت لتحملها إليه وتدفنها في صدره بلطف


    فاجئها بفعله ولكن مفاجئتها العظمى أتت من نفسها فقد أطبقت عينيها فور استقرارها قربه وأصفت ذهنها لتستمع و تشعر بضربات قلبه العنيفة في جسدها


    أبعدها عنه بحرص ويده لا تزال تفرض الحماية على جسدها وتسيطر عليه ككل، ولكن بهذه المرة، .. ظل يحدق بها بعينين ناريتين لها لهب فريد .. لهب أحرق جميع الأوجاع بجسدها النحيل وخلق زهرة ناضجة من أشد براعمها ضعفاً فما عادت تشتكي من شيء تماماً كالسحر، هي لا تعلم .. أهو بسبب عودة ذاكرته المفقودة واستيقاظ الروح الملكية به لتزيد قوة جاذبية الهالة التى تحيط به أم أنها لم تعرفه حق المعرفة من قبل وغاب عنها هذا الجانب الساحر من شخصيته المتلحفة بالغموض والتي لا تكف تُشعِرُها بضعفها كأنثى وقوته كرجل، ضعف لم تلعنه ولن تكرهه أبداً فهو من نوع أخر وفريد الى حد تعجز عن وصفه الكلمات.


    سكت عنها البكاء وعادت الطبيعة الإنسيابية الى تنفُسِها تدريجياً وتبع لمقدار الراحة التي أجتاحت جوانبها وجدت نفسها تريح رأسها على كتفه دون تصريح مسبق، لقد عانت كثيراً بالأونة الأخيرة وحتماً ستتمسك بمصدر الراحة قدر ما يمكن


    بتلك اللحظات، أيقن أنه أضعف من أن يحدث الدمار في العالم الذي تعيش فيه وتعشق زهوره وطبيعته وتحب أفراده، إنه واثق من أنه سوف لن يسامح نفسه أبداً إذا ما كان السبب وراء زعزعت شعورها بالأمان بل وسيحرص على أن يسهر على راحتها وحمايتها، قرب رأسه من أذنها وهمس لها بالكثير من الندم:
    -ليديا أنا ... أعتذر، أقسم أنني لن أقدم على إخافتك مجدداً




  7. #86

    الجزء الخامس عشر

    رفعت عينيها صوبه وبادلته نظرة كادت أن تفقده صوابه:
    - ذاك أصبح من الماضي بالنسبة لي فاريوس، لا تقلق لست غاضبة منك


    بحديثها زادت عليه أوجاعه وهو يسترجع لحظات سقوطها أرضاً وتأوهاتها الحزينة وكأنه يراها الأن، كيف يمكنه نسيان الماضي وهو يحاصر عقله بإحكام تام فالذكرى سلطان لا حدود لمملكته ..!! ولا زمان لسلطته ..!! سحقاً لضعفه وحماقته المذلة


    استدارت بجسدها نحوه ولامست يدها الناعمة خده ثم أردفت بصوت خفيض وعينيها ترسل رجاءاً صادقاً:
    - أرجوك .. اترك الماضي خلفك ولنبدأ صفحة جديدة لا تشوبها بقعة حبر واحدة
    أجابها بعينين ساخرتين وشفاه ترسم إبتسامة كسيره :
    - وهذا هو المستحيل بأم عينه، لا يمكن أن أنساه ليديا، لا أقوى على الغفران!


    -لا تقلها، فما المستحيل إلا نسيج تهرب به ذواتنا الخانعة من مواجهة الحاضر، أؤمن أن هذا ما أراده إليون حين أختارك أنت لتعيش، أراد لك أن تتحرر من الماضي وتجد السلام الداخلي لذاتك وتعيش حياة أفضل


    سماع اسمه مجدداً جعله يعض على شفاهه و الكمد يفتت كبده، لماذا هو من الصعب جداً التعايش مع فكرة عدم وجوده على قيد الحياة ..!، لربما لأنه كان الشخص الوحيد الذي تقبله كما هو وواجهه بكل شجاعة عن مواطن عيوبه وحماقاته دون أن يخشاه أو يخافه وهو الثور إذا غضب


    فقدانه كارثة لا يقوى على تخطيها فهذا يعنى عودته الى عالم الوحدة والإنعزال وهذا يقوده الى ذاته القديمة، ذاتٌ تتوق الى الدمار والتخريب كوسيلة للتعبير عن نفسها، وحده إليون من علمه كيف يعبر عنها برقى ونبل، إنه لا يريد العودة الى الحيوان الذي كان عليه قبل لقائهما والذي يطعنه الجميع بألسنتهم لحظة التفاته عنهم دون أدنى إكتراث لطفولته البريئة، هو ببساطة .. لا يثق بمقدرته على السير على ذلك النهج الفريد دون وجوده لإرشاده والأخذ بيديه.


    أمسك بيدها الناعمة وهي لا تزال تريح خده بلمساتها وأشتمها بشغف عل ذكراه ترأف به قليلاً، لكن هيهات فالتناقض بات سمته الرئيسية والحرب بين كفتيه شعواء، فهذا أسير الماضي لا يقدر على منح الغفران ويريد للعالم أجمع أن يذهب الى الجحيم، وذاك يصمه بالخيانة بعد أن أيقن أنه لا يستطيع تسليم حياته بعد الأن والتخلص منها فقد أصبح لديه سبب قوي يجعله يتشبث بها ويعض عليها بالنواجد


    أرادت أن تريحه قليلاً وهي ترى التخبط في عينيه فأسندت جبهتها على جبينه وهمست له من القلب:
    - أثق بك .. فولكان


    إبتعدت عنه عندما هرعت ريفيان المضطربة الى الداخل وسحبتها من بين يديه وهي على عجلة من أمرها فيبدو وأن أحدهم قادم، وتركته في صدمة و فوضى داخلية يرثى لها فقد كانت المرة الأولى التي تنطق شفاهها باسمه الحقيقي وقد ترك صداها الأثر الملائم في نفسه.



    ~..~..~..~..~..~..~..~




    بالعودة الى غرفتها ~


    ريفيان بصرامة:
    - لن أجعلك تذوقين طعم النوم حتى تطلعيني على طبيعة العلاقة بينكما يافتاة

    حاولت أن تتجنب النظر الى عينيها مباشرة فقد كانت غارقة في خجلها:
    - رجاءاً ريفيان أخفضي صوتك، إنه ليس كما تتصورين

    ناظرتها بمكر وهي تردف:
    - الرب وحده يعلم مالذي كنتم ستقومون به أكثر إذا ما تدخلت في اللحظة المناسبة وأخرجتك من بين براثمه

    صرخة بها لا إرادياً:
    - قلت لك إنه لا شيء من هذا القبيل، إنه صديق حميم لا أكثر وهو يمر بظروف سيئة، أنا أقوم بواجبي نحوه والذي لم تقومي به بدورك أنتِ أم أنك نسيت؟
    برزت فظاظتها لتغطى عن حقيقة مشاعرها المضطربة والمبهمة.. لا يمكن أن تكون ريفيان محقة بشأنهما فهي تبادله الشفقة ليس إلا أليس كذلك نفسي؟، دفنت رأسها بالوسادة عندما لم تتلقى إجابة صريحة تريحها وأحست بيد ريفيان تمسح على شعرها بلطف

    - أسفة ليديا، أعلم أنني أذيتك كثيراً ولا تعلمين كم أتمنى العودة بالزمن الى الوراء والوقوف الى جانبك آنها

    رفعت رأسها من على الوسادة و وضعته على راحة صديقتها وهي تجيبها:
    -لا بأس عليكِ صديقتي، مهما قلبت الأمر في رأسي أجد أنه كان للأفضل، أعني أنني بفضل ذلك تمكنت من اكتشاف أن فاريوس ليس بالشخص السيء كما تصورته من قبل

    ريفيان مستنكرة:
    - لا زلت أجد صعوبة في هضم أفعالك تجاهه ليديا، كيف يمكنك مبادلته ثقة عمياء على الرغم من محاولته القضاء عليكِ و لعدة مرات؟
    -وأنا لا أصدق نفسي أيضاً، لكنني واثقة من أن هنالك سبب وجيه خلف أفعاله و آمل من أنه سيطلعني عليه عندما يحين الوقت المناسب

    ~..~..~..~..~..~..~..~



  8. #87

    الجزء الخامس عشر



    جفاه النوم في تلك الزنزانة البيضاء وتصميمها الذي يجعل العقل يسقط في وهم أن أمتدادها الى الأبد، كانت عينيه تحمل حزناً دفيناً ويجرى بعقله الكثير، لقد أستطاع بدهاء الإحتفاظ بالقدر الأشد خطورة من وشهما في جسده وأحكم إخفائه عن أعين مستشعرات القوة وهي تجوب جسده وتجرده من قواه لكي لا يتحرر منه دفعة واحدة ويقضى عليها ولكنه وصل الى الحد الذي سيتوجب عليه إطلاق سراح ماتبقى منه بداخله وكله أمل أن تستطيع صغيرته النجاة بعدها، همس في الفرغ بصوت حنون مشفق

    -ستكون ليلة طويلة بالنسبة إليك صغيرتي، أعتذر .. يجب علي الوفاء بوعد حمايتي لك حتى وإن كان ذلك سيتسبب في إيلامك، أصمدي وسينقشع البلاء عما قريب

    تنبهت من نومها وهي تتعرق بجنون ورأسها يكاد ينفجر من شدة الطنين والصداع، مالذي يقصده اللورد دايفييل بحديثه في الرؤيا؟ ولماذا تشعر بأنه تعدى كونه مجرد حُلماً من شدة واقعيته ووضوح صوته والأغلال التى كانت تكبله، فغر فاهها و عبست وهي تعتصر قميصها ناحية القلب بعد أن شعرت بسوط يلسع صدرها وثقل حارق يهوى عليه كالمطرقة، وبجهد بالغ كشفت عن صدرها وشهقة لرؤية الوشم يتحرك أمام عينيها وصوت شرخه لحمها يُدوي كطبول الحرب في أذُنها ليوسع مدى رقعته ويزيد من بشاعته.

    تيقظت ريفيان من نومها بعد أن لسعتها حرارة جسد ليديا فهما تتشاركان سحابة واحدة، أطلقت صرخة مدوية بعد رؤيتها لصديقتها وقد تغير لونه وبدى وكأن جلدها يذوب ويوشك على السقوط من شدة سخونتها

    صرختها تلك لامست مسامع الجميع وأيقظتهم من نومهم المضطرب وسرعان ما توجهوا الى مصدر الصوت ليجدوا ريفيان تهرع خارج الحجرة بشهيقٍ ثقيل، أشارت بسببتها المتنافضة الى الداخل وقد فقدت مقدرتها على النطق، ولج المتحكمون الى الغرفة وشُلت حركتهم عند إضاءتها ومشاهدة ليديا ممددة بإهمال تناهج وهي تتنفس الصعداء

    تقدموا نحوها وهم في حالة من الذهول التام لما تراه أعينهم للمرة الأولى والعجز يكبل أيديهم عن الحراك

    أنجلا وقد أمسك بها يوريال حتى يعينها على الوقوف:
    - ربـــــاه .. إنها مودعــة

    حديثها جعل الكل يصوب أنظاره نحو نوثانيل الذي سقط على ركبتيه وعيناه زائغتين من محجرهما، لقد أصيبت حواسه بشللً كُلي ولم يعد بوسعه توجيه أي أوامر حيوية إليها بعد الطامة التى حلت عليه، المشهد يتكرر للمرة الثالثة، إنها تموت وليس بوسعه فعل شيء..!

    كاميليا وهي في ذروة إنفعالها وقبضتها تشد على قميص أنجلا المصابة بالجمود أيضاً:
    -أتوسك إليك افعلي شيئاً
    حركت أنجلا رأسها نفياً بأنه لا فائدة من المحاولة فهرعت هي الأخرى خارج الغرفة حتى لا تشهد على موت أحد أخر ولمفاجئتها وجدته يجر جسده نحو مخدعها جراً و ريفيان تحثه على الإسراع بعد أن أجتث الأغلال من الحائط وتركها تتراقص خلفه.

    أكمل المبعوث من مجلس السلام تدوين تقريره من خلف بوابة الشرفة الزجاجية للغرفة وقد كان يراقب المشهد منذ البداية الأولى، وأمعن النظر بحركة صدر الفتاة المعنية وهو يتوسع وينقبض بهدوء كمن هو على شفير الموت، عندها فقط عاد أدراجه وأختفى في لمح البصر

    بتلك اللحظات، ولج الى غرفتها بمساعدة كلاً من كاميليا وريفيان والإجهاد يتملكه ويغلبه لمقدار القوة التى بذلها حتى يتحرر بعد اندفاع ريفيان المفاجئ وتوسلتها لينقذ حياة صديقتها

    أصابه الجمود للحظات وهو يراها كالجثة الهامدة فوق السحابة، لم يعبء بأعين المتحكمين المكذبة لوجوده حين أقدم على خطوته الأولى الى الأمام وقبل أن يهم أحدهم بمهاجمته همس بصوت خفيض:
    - لا تفعلوا رجاءاً

    على نحو مفاجئ وجد كلً من ستداريوس وفابيان نفسيهما وهما يزيحان له الطريق ليكمل تقدمه نحوها والجميع يصلى لحدوث معجزة داخل قلبه، دنى من السحابة ثم أحتلها ليحمل جسدها ويقربها منه بحرص تام أمام أعين الجميع المترقبه

    بتلك الأثناء رفع نوثانيل جسده عن الأرض وأعتدلت أنجلا في واقفتها وعينيها تشارك الجميع ذهولهم !! فهاهو لونها يعود الى طبيعته والدم يأخذ مجراه في عروقها والأن، تبدو كمن يغط في نوم عميق مسالم

    كاميليا بعينين جاحضتين:
    - لـ لكن .. كـ كيف؟؟

    أجابها بهدوء وليديا لا تزال بين يديه:
    -حدث هذا من قبل .. حيث أخمد قربها مني نار الذكريات عندما أُضرمت بعقلي للمرة الأولى وكادت أن تفتك به، وليس هذا فقط

    تابع وهو يقوم من مكانه ويمدد جسدها بلطف فوق السحابة مجدداً بينما عينيه تتفحصانها بحب:
    - لا أعلم كيف أحسن صياغة الأمر ولكن منذ لقائي بها للمرة الأولى وقدراتي تتخطى حدود الطبيعة، ولم أعلم أنني أمتلك القدرة أيضاً على مبادلتها ذات الطاقة الروحية الشفائية إلا عندما انهارت للمرة الأولى قُبيل عودة كاميليا من زيارتها للمجلس، .. تلاحُمنا بذلك الوقت أعادها الى حالها الطبيعي وجعلها تغط في النوم من فورها وكأن شيئاً لم يكن

    انتصب واقفاً ليواجههم بجسده كمال البنية وعلى نحو زاد من غرابة أحدث الليلة سقطت عنه أغلاله وأحدثت جلبة تشير الى مقدار ثقلها وقوتها بعد أن اختفى مفعول التعويذة الضوئية تماماً، عندها تيقن الجميع من صدق حديثه
    نوثانيل وقد تخطى غرابة الأمر أسرع من البقية :
    - ومالذي أنت بصدد فعله الأن فولكان؟
    إبتسم:
    - أظن أن الوقت قد حان للقيام بزيارة عائلية مفاجئة، هل لا قمت برعايتها لحين عودتي صديقي؟

    بادله التبسم والكل يترقب إجابته:
    - أهلاً بعودتك فولكان ، حقاً ... مضى وقت طويل


    ~..~..~..~..~..~..~..~
    نهاية الجزء الخامس عشر

  9. #88

    الجزء السادس عشر

    Screen+shot+2013-04-25+at+10.41.37+PM



    الجزء السادس عشر

    ~ حقاً ~ أنا بخير ~







    هدأت سريرة الأب وهو يراقب صغيرته تأكل بشهية ممتازة طعام الأفطار وقد استيقظت مفعمة بالحيوية والنشاط بعد أحداث ليلة عصيبة مرت بسلام..

    إنه صباحٌ يشع ببريق الأمل والترقب، فالمحاكمة العظمى ستعقد بالغد وأختار المتحكمين الوثوق بفاريوس الذي انطلق محلقاً من فوره تاركاً قلبه وديعة بين أيديهم وواضعاً هدف السلام نصب عينيه .

    أطل من الشرفة وأنضم الى حيث تقف أنجلا وعينيها تُراقبان الصديقتين وهما تقضيان وقتاً ممتعاً تحت أشعة الشمس الدافئة في حدائق القصر المبهجة وعبقها الأريجي الفواح
    -لم أرها بصحة مماثلة من قبل، أنظر كيف تشتعل وجنتيها بحمرة جميلة

    لم يجبها بل أكتفى بالمراقبة الصامته لصغيرته المعنية بالحديث

    اختفت ابتسامتها وتابعت بصوت قلق:
    - أنت قلق ايضاً من تبِعات المحاكمة أليس صحيحاً؟


    أغمض عينيه فقد لمست للتو جراح قلقه بيديها ومن ثم أجاب:
    - لنأمل للأفضل



    ~..~..~..~..~..~..~..~


    مملكة الشياطين ~


    وقف أمام المرآة الضخمة بغرفته الفسيحة الخاصة وعن يمينه يقبْع أبولو بسكون بينما مد يديه برشاقة ليكمل الغلام الخادم عمله في تجهيز سيده بحلة لامثيل لها، كان قد انتهى من وضع الحلية الثمينة فوق كتفيه لتبرز بنيته الكاملة ويكون بوضعها قد أنهى أخر مكملات ردائه الفاخر قبل أن يعكر صفوة مزاجه صوت جلبة شديدة بالخارج

    لم تنطق شفتاه بكلمة واحدة فهو لا يزال يعاني من آثار معركته الداخلية في الأونة الأخيرة والأستياء يتملكه حتى آخمص قدميه ولكن حركة واحدة من حاجبيه المستنكرين فعلت التأثير المطلوب فهاهو أبولو ينحنى برشاقة ويتراجع الى الخلف ليستعلم عن السبب إلا أنه تأخر فعلاً فجواب العلة يفتح الباب على مصرعيه دون طرق مسبق ويتقدم بخطى واثقة مُحدثاً علة أكبر وذهول مضاعف أصاب أخاه الأكبر بالخرس والرعشة فأخذ يتأمله بعينين جاحظتين وقبضة مشدودة أبرزت عروق يده المزرقة من هول ما يرى.

    أوقف فاريوس تقدمه هو الأخر وتلاشى احساسه بالواقع من حوله ليقتصر على هيئة الأمبراطور ذو الهالة العظيمة أمامه وشقيقه المحب هيدس.. ما كان يختبره الأن ولا تستطيع الحروف ترجمته هو حنين الدم وما أقواه من حنين

    عادت به الذكريات الى أخر لقاء جمعهما سويةً في قاعة بيضاء شاسعة والأصداف تكبل كليهما لأسباب مختلفة، كيف امكنه نسيان حالته التى أبصره بها للمرة الأولى في حياته ونحيبه كما الأطفال وهو يتوسل ويطلب الرحمة بشقيقه الصغير بل ويضع روحه فدائاً له .

    تلك الذكرى جعلت قدماه تتابع تقدمها الأقرب للزحف نحو هيدس المُجفل وأخيراً، جثى على ركبتيه أمامه وأخذ يقبل يديه وعينيه تبللها بدموع حارة صادقة:
    - أرجو أن تسامحني أخي

    خلال أجزاء من الثانية بل وأقل من ذلك، جثى الأخر على ركبتيه ودفن فاريوس بصدره المتنافض في عناق أخوي حار تحررت خلاله مشاعر جياشة من ألم وشوق


    ~..~..~..~..~..~..~..~





  10. #89

    الجزء السادس عشر



    مجلس السلام العالمي ~ صباح يوم المحاكمة ..


    توافد حُكام مماليك مدن التحالف وبقية المتحكمين السبع الى مقر مجلس السلام تلبيةً للأوامر التي وردتهم على وجه السرعة باليوم السابق ليكونوا شهوداً على محاكمة المتحكم الأول لمملكة الملائكة وأحد أبرز رموز وقادة العالم، كان الضجيج يلف بالساحة البيضاء المهيبة وهو إن تم التلاعب في وضوحه لوجد مترجماً للتساؤلات المستنكرة ذاتها وواضعاً الذهول والتعجب نفسه في صياغات مغايرة من أفواه مختلفة


    تضاءلت الأصوات تدريجياً حين ولج أعضاء مجلس السلام وأحتلوا مقاعدهم التي تتوسط الصالة وعن يمينها وشمالها امتدت مدرجات الحضور، بينما عم المكان صمت خاشع تشوبه قشعريرة سرت بأبدان الحاضرين حين فُتح الباب وتقدم المُتهم يسير منتصب الظهر بثوبه الأبيض ويديه المكبلتين بالفولاذ الضوئي.


    قُرعت المطرقة مُنبّئة عن بدأ المحاكمة ووقف رسول المجلس يتلوى على مسامع الحاضرين التهم الموجهه بحق اللورد دايفييل وبعد أن أنتهى


    زيوس رأس المجلس:
    - لورد دايفييل، هل تُقر على جميع الإتهامات الموجه في حقك؟؟
    قالها بهدوء وبصوت أقرب الى الود منه الى الغلظة، و كأنه يشفق على حاله


    أجابه دايفييل بوقار:
    - نعم سيادتكم
    علا الضجيج مجدداً وهذه المرة بحدة متصاعدة بينما آثر بقية المتحكمين الصمت وهم في غم وكرب عظيم


    زيوس:
    - أنت تعلم جيداً ماهي عواقب فعلتك لورد دايفييل، لقد أويت مهاجراً غير قانوني بل و ساعدته حتى يتملص من العدالة دون جزاء والأدهى من ذلك .. أقدمت على رعاية هجين ضارباً بأحد أبرز بنود معاهدة السلام عرض الحائط ومهدداً بفعلتك الأمن العالمي
    - أعُود لأكرر إقراري بالتهم مجدداً


    زيوس والتعجب بات جلياً على محياه:
    - هل لنا بمعرفة سبب حمايتك المستميته لذلك الهجين و رغبتك المُلحة في التستر عنه؟
    - لأنها وببساطة مطلقة .. لا تشكل خطراً أبداً


    عاد الضجيج مجدداً وتطلب الأمر عدت طرقات بالمطرقة حتى يعود النظام الى الأجواء


    أسند زيوس ظهره الى الخلف وأجابه:
    - تابع رجاءاً


    أكمل دايفييل الحديث بصوت جهوري وتواصل بصري أشعر الحضور بحديثه معهم فرداً فردا وحروفه تتشرب الثقة وتحاصر العقول بمنطقها وسحرها في الإقناع:
    - عندما أقدمتُ على توقيع معاهدة السلام قُبيل عدت قرون مضت فعلتها كضمان لقسم أقسمته على نفسي عندما توليت مقاليد الأمور للمرة الأولى وهو أن لا تزهق روح مُسالمة بريئة أبداً بعد عصر الدمار ذاك، و قُبيل عدت سنوات مضت، أتخذت قراراً خطيراً بحفاظي على طفل المهاجر الشرعي وحمايته من التعرض الى قرار الأبادة الذي ما كان المجلس سيتردد في إصداره بحقه إذا ما عُلم بوجوده على قيد هذه الحياة.


    قاطعه أحد أعضاء المجلس بإستنكار:
    - ولماذا أقدمت عليه إذاً؟ .. تعلم جيداً أن الغرض من بنود المعاهدة هي خدمة المصلحة العامة أولاً وأخيراً




    ابتسم بثقة:
    - تراك قلتها بفمك، المصلحة العامة وهذا في منظور المجلس يبرر القيام بمعاقبة طفل لا ذنب له تخوفاً من ما يحتمل أن يصير إليه في المستقبل وأحب أن أشدد هنا على كلمة "يحتمل"


    -بالطبع يبرر..!، من يريد العودة الى عصر الدماء والخراب إذا ما أقدم هجين على استخدام القوة المحرمة مجدداً؟


    تابع الجدال بهدوء والجميع يستمع بإهتمام:
    - ولكننا هكذا ننفي احتمالية ان يقوم غير هجين بذلك، وهي احتمالية واردة ولا تخفى على أحد، بل ونقوم بصب اهتمامنا على طرف واحد من معادلة لا تتم إلا بطرفين


    زيوس:
    - مالذي ترمي اليه بحديثك لورد دايفييل؟


    - أنا لا أقف هنا اليوم مؤيداً لكسر بند حرمانية التزاوج من فصيلة مغايرة فالإحتمالية لا تزال موجودة وكذلك المخاطر المهلكة، ولكن وبما أن الأمر وقع، أرفض أن يكون الإبادة هو الحل الوحيد لهذه المعضلة، بل وسأوجه اتهاماً شديد اللهجة بحق المجلس ان فعل وسأشكك في مصداقية اسمه فبعد كل هو مجلس للسلام، وسفك الدم دون خطر كوضوح الشمس هو بلا ريب مرفوض بصورة قاطعة
    - وكيف تستطيع الجزم بأن ذلك الهجين لن يتسبب بالدمار مستقبلاً؟

    ابتسم وصورتها تحضر خياله:

    - لأنها أضعف وأرق من أن تقوم بذلك، لا يتطلب المرء عين ثاقبة لرؤية الأمر فقد كانت هكذا منذ البداية الأولى وما تزال، إنها طفلة كسائر الأطفال لها طبائعهم واهتماماتهم ولربما أقل منهم حظاً في الكثير من الأمور


    أكمل من وراء قلبه ومجرد الحديث عن الأمر يزعجه :
    - وإن اتضح مستقبلاً أن وجودها يمكن أن يسبب خطراً حقيقياً فسأقدم على إخماد ذلك الخطر شخصياً.
    -لن يكون هنالك حاجة لذلك


    قالها رأس المجلس زيوس وابتسامة رضا تستقر على طرف احدى شفتيه:
    - أقدر شجاعتك لورد دايفييل في معارضتك لتوجهات المجلس وأحترم سمو ونُبل أخلاقك بشدة، لقد قضيت وبقية الأعضاء الأسابيع الفائته في تقصى الحقائق وقد اتضح لدينا أن الهجين دون أن يشكل خطراً يهدد الأمن والسلام، وبناء عليه ...


    توقف عن الحديث في حين كان الجميع يتطلع لسماع التتمه وعلى رأسهم دايفييل نفسه والذهول يعصف بجوانبه من تصرفات أعضاء المجلس الغامضة، فجميعهم يتبسم له على نحو مفاجئ


    - يعرض المجلس عليك مقعداً مع بقية أعضاء مجلس السلام ووسام شرف لتصرفك الحكيم وحيولك دون وقوعنا جميعاً في
    خطأ جسيم آنها.




    انعقد لسانه عن الحديث وازدادت دهشته حين وقعت الأصفاد عن يده وعاد حراً طليقاً من جديد في لمح البصر، أيقظه من دهشته صوت المطرقة وهي تفض المحاكمة وتعلن براءة ساحته من جميع التهم بل تشريفه على رأسها.


    كانت العناقات التي تهافتت عليه بعدها من بقية المتحكمين صادقة ويحفها الكثير من الشوق وأستمر أحدهم أكثر من البقية لغلاء قدر المبادل بالعناق حتى ابعده نوثانيل وقد تملكه الأحراج وهو يهمس بتوعد:
    - سحقاً، ألن تكف عن الاعيبك وحتي في مواقف مماثلة


    ابتسم له بإبتسامته المميزة المعتادة:
    - بل هُنا تُنتهز الفُرص صديقي


    انجلا من خلفهما:
    - حقاً لا يمكن أخذكما على محل الجد....، عزيزي دايفييل يجب عليك الذهاب الى مكتب اللورد زيوس الأن هنالك مايريد محادثتك بشأنه على وجه الخصوص


    اعتلته الجدية وأخذت مجراها على ملامحه الدقيقة، شق طريقه نحو قاعة زيوس الخاصة ليجد الأب وابنه في انتظاره


    زيوس بعد أن تقدم داييفيل الى الداخل وأغلق الباب خلفه:
    - آسف لجميع ما مررت به بني، انها اجراءات تقليدية لا مفر منها
    - لا بأس لورد زيوس، سعيد أن الأمور جرت على مايرام الأن
    - طلبت من كلاكُما الحضور لإطلاعِكُما على قرار المجلس بشأن الهجين


    تسرب الى نفس دايفييل قدر من القلق فلماذا عساه يكون وجود هيدس مطلوباً في أمر يخصها؟ ولكنه تابع الإنصات بصمت حين أكمل:
    - بحق الأبوة الأقوى ولأسباب أمنية أخرى يجب إرسال الطفلة الى موطنها الأصلى وهو مملكة الشياطين وهناك سيحرص الأمبراطور هيدس على أن تتمتع بجميع حقوقها كمواطنة شرعية في مملكته


    هب مقاطعاً حديثه بإعتراض قوي :
    - لــكن ؟
    زيوس متجاهلاً سماعه لمقاطعة دايفييل:
    - لست في موضع يسمح لك بالأعتراض لورد دايفييل ووجودها تحت امرتك أصبح مكشوفاً لدى الجميع، سأطلب منكما الأحتفاظ بهويتها الهجينية طي الكتمان فالمجلس لا يرغب بالتعامل مع المزيد من الحالات المشابهة، و كذا الحال مع مكان إقامتها الجديد بعيداً عن مملكة الملائكة


    دايفييل في محاولة يائسة أخيرة:
    - وبحق الأمومة هي من مملكة الملائكة وبالتالي لا يجوز إقصائها منها إلى الأبد إضافة الى أنها لا تعلم غيرنا عائلةً لها
    زيوس:
    - لقد سبق وأن أستوفت حقوقها لدى مملكتك منذ الولادة وحتى الأن ولم يعد هنالك ما تبقى لأجله، لا تعقد الأمور أكثر لورد دايفييل و ثقي بي عندما أقول أن هذا أفضل حل أوجده المجلس بحيث يُبقىِ جميع الأطراف في تناغم وسلام


    هيدس برحابة صدر :
    - لا مانع لدي


    رمقه دايفييل بنظرة مؤنبه ومشككه وهو لا يزال متوجساً من جانبه فلا علم له بمستجدات الأمور خارج أسوار حصن السلام وأراضيها ولكنه لم يملك سوى الإذعان للأوامر والتوقيع على وثيقة الموافقة على مضض.












  11. #90

    الجزء السادس عشر




    مقهى النبلاء ~ قلب المدينة الحضارية


    -ماهذا يا فتاه؟ أيسكن متسول في معدتك ..؟! حباً في الرب .. انها قطعتك الثالثة من كعك الفراولة أين تخفين كل هذا
    الطعام ياترى؟
    بادلتها نظرة حادة وهي تتلذذ بكعكتها الطازجة:
    - توقفي عن احصاء طعامي والا سأصاب بالإمساك


    تجهم وجهها وأعادت حديث ليديا بسخرية:
    - توقفي عن احصاء طعامي وإلا سأصاب بالإمساك ~ أصبت به أنا من مشاهدتك فقط
    غرقت ليديا في الضحك وأجابتها :
    - الرب وحده يعلم كم أحبك يا فتاة


    شعرت ريفيان بالإحراج وبالسعادة تجتاحها وهي ترى ليديا القديمة و المحبوبة تعود الى ما اعتادت عليه، لقد مرت بها فترة عصيبة وحرجة وهي لا تزال صامدة صابرة وكأن شيئاً لم يكن .. لم تعلم لماذا وجدت نفسها تقول:
    - ليديا.. أنتِ فريدة من نوعك أتعلمين؟
    ابتسمت لها بتواضع:
    - بالتأكيد ريفيان وأنتِ أيضاً كذلك في نظري، بل وأكثر فأنت جميلة، طويلة ، أنيقة وجذابة
    -أوه توقفي سيكبر رأسي كثيراً وحينها سيصعب على جسدي الرشيق هذا حمله بكل تأكيد


    ليديا بنظرة غباوة:
    - هذا ليس مضحكاً


    أخرس حديثها ريفيان المُحرجة ولكن سرعان ما غرقت الفتاتين في الضحك حتى البكاء
    ليديا ساخرة:
    - ربااه، لن أمل من رؤية تعابير وجهك المحرج ذاك، الرحمة..!


    ريفيان ووجنتيها تشتعل مجدداً:
    - حسناً ربما نلتِ مني هذه المرة ولكن ثقي تماماً بأني لن أكون رحيمة البته في المرة القادمة
    -لن أترك لكِ المجال، سأحرص على أن أكون حذرة منذ الأن فصاعداً
    -هييه .. أحقاً؟ .. سنرى


    توقفت الإثنتين عن متابعة الحديث وهما تراقبان عدد من النواقل تعبُر على مرأى من عينيهما بسلاسة مذهلة وهي معلقة دون حوامل وكأنها تتحدى الجاذبية الأرضية مراراً وتكراراً مع عدد رحلاتها اللامتناهية ، لطالما سلب تصميمها الذكي والجميل الألباب وبذكر الأمر، فالمدينة الحضارية برمتها تعد خلية من الذكاء الإصطناعي في أبهى تناغم له مع الطبيعة .. ترتيب البنايات وتخطيط الطرقات وحتى توزيع الأضاءة هنا وهناك، هي حلم كل شاب من أبناء الجيل الصاعد للعيش بها وارتياد جامعتها لإيجاد فرص عمل مستقبلي مرموق


    تفقدت ريفيان صديقتها تلقائياً بعد أن ظهر إيروس بحلته الجميلة على شاشات المدينة الضخمة في حفل افتتاح مركز أبحاث جديد بها وهو يقوم بعمله كنائب متحكم بكل تألق وخاصة عندما يكون المتحكم غائباً عن الأرجاء


    أعادت ليديا نظرها نحو ما تبقى من قطعة الكعك أمامها بعيداً عن الشاشات وتبسمت بالقليل من الحنين:
    - لن أخفي الحقيقة، أنا أشتاق إليه فعلاً ريفيان، أشتاق اليه جداً ولا أعلم متى سيخبو بقايا حبه المتشبث بقلبي
    ريفيان بجدية ولطف:
    - ليس من الضروري أن تقتلي حبه ليديا، لماذا لا تمنحيه فرصة أخرى؟ الجميع معرض للخطاً


    نفت برأسها سريعاً وهي تجيب بحيوية لتبعد تسلل الحب القديم:
    - هذا غير وارد أبداً، لقد طردني من حياته ريفيان وقتل ثقتي به بل فقد أيضاً مقدرته على منحي الأمان مجدداً، أنا لا أعلم متى سيضيق ذرعاً بي مرة أخرى ويلقيني في قارعة الطريق
    -على الأقل، تحدثي معه وليكن ختامها مسك، أفعليها لأجلي ولأجل ذكرياتكما الجميلة معاً ليديا، كلاكما تستحقان نهاية أفضل ألا تظنين؟


    تنهدت بإستسلام وهي تستحسن تصور أن تكون على وافق معه دون أن تشعر بتأنيب الضمير لصده بعنف في كل مرة يتصادفان بها:
    - حسناً سأفعل .. ولكن ليس في الوقــ


    ريفيان وسماعة الهاتف معلقة على أذنها:
    - أجل .. لقد وافقت أسرع قبل أن تبدل رأيها
    -مقهي النبلاء، تعرف معشوقها هههه
    -هو كذلك.. سنكون بالإنتظار، وداعاً


    ليديا وهي تبل ريقها من سرعة ما حدث ولا تزال تأبى الأذعان الى الواقع:
    - لا تقولي لي أنه هو ريفيان، حتماً لن أراه الأن، أحتاج الى مزيد من الوقت
    ريفيان بمكر:
    - وقع الفأس في الرأس ، ولامجال للهرب الأن


    ليديا بإرتباك:
    - ااااه .. أكـــــــــرهك


    أجفلت بحق وسرت القشعريرة في بدنها حين جائها صوته من خلفها:
    - أرجوا أن لا يكون بسببي وإلا حتماً سأشعر بالسوء الشديد
    أغمضت عينيها وهي تتوعد ريفيان المتبسمة ببراءة أمامها، استدارت إليه وتصنعت البشاشة:
    - أوه إيروس.. مضى وقت طويل حقاً


    ريفيان :
    - احم، أظن أنه من الأفضل أن أترككما الأن


    إيروس سريعاً:
    - لا داعي لذلك ... نحن سنغادر إذا لم يكن هنالك مانع ليديا، أود اصطحابك الى مكان ما
    أستسلمت للأمر وبها قليل من الفضول :
    - لا مانع لدي..




    أجابها سعيداً وهو يمسك بمعصمها ويسحبها معه سريعا:
    - إذاً هيا بنا
    -اقضوا وقتاً سعيداً لكن لا تمرحوا كثيراً بدوني




    ليديا وهي تجاهد لتتجارى مع اتساع رقعة خطواته وتناظر بخجل كل تلك الأعين التي تابعت ابتعادها مع نائب المتحكم نوثانيل البارز:
    - إيروس تمهل قليلاً سأقع على هذا المعدل


    إبتسم لها قبل أن يجترها نحوه ويحملها محلقاً نحو الأفق وبعيداً عن أجواء المدينة الساحرة ، فهو بعد كُلٍ دبلوماسي ويمتلك حق التحليق في الأجواء المحلية دون أدنى مخاوف


    استمر في تحليقه عالياً وللصمت السيادة بينهما حتى أجتاز المدينة وابتعد عنها:
    - "إنه لا يزال في حلة الإحتفال كما ظهر في الشاشة قبل قليل!! هذا يعني أنه هرع إلينا سريعاً بعد محادثة ريفيان؟"
    احمرت خجلاً وهي تربط الوقائع في رأسها بينما كانت حواسها تتلذذ برائحة طيبه المحببة الى قلبها، كانت غارقة في أحلامها الوردية حين هبط في قرية صغيرة رائعة تجرى فيها الجداول الصغيرة بين المنازل المتباعدة وعلى أطراف الطرقات المعبدة بقرميد أحمر جميل


    جالت عينيها المسحورة في طبيعة الأرض العذراء مع جمال المنازل ونقاء الهواء .. من يقدر على كبح رغبته في الإبتسام بسعادة وبيئة مماثلة تزخرف ناظره وتدلل حواسه، استدارت نحوه بسرور وأحسنت إخفاء تفاجئها حين علمت انه كان يراقبها طيلة هذا الوقت بعينين يملئها الشوق والحب :
    - ماهذا المكان إيروس؟ إنه حميم بحق


    ابتسم لها وهو يشق طريقه بين المنازل وقد شارفت الشمس على المغيب:
    - انه حيث ترعرعت ليديا


    استمر في مفاجئتها أكثر فهي تمتلك أدني فكرة عن طبيعة حياته السابقة قبل لقائهما سويةً ولم تتذكر سؤاله عن تفاصيل مماثلة من قبل، كيف يعقل أنهما كانا مقربين من بعضهما البعض؟ إنها حقاً لا تدري..


    توقف أمام منزل رائع يتكون من طابقين وتنبت حوله الأغصان المتسلقة وورودها الملونة بألوان الطيف الجميلة وعن جانبه حقول زراعية على مد البصر، لم يتسنى لها الأطراء وهي التي حبست أنفاسها كي تترك لعينيها العنان في الإمعان بكل ذلك الجمال الخلاب حولها فقد فُتح باب المنزل الأمامي وخرج منه سيد وسيدة خمسينية وهما يبدوان في صحة ممتازة، أسرع إيروس إليهما وتبادلا عناقاً حاراً ذُرفت به الدموع


    السيدة بين دموعها:
    - أنا فخورة بك صغيري، حقاً فخورة بك


    أضاف السيد وهو يربت على كتف ابنه بخشونة وكله حماسة وسعادة:
    - أنت نجم العائلة يا رجل
    ظلت مكانها تراقب لقائهم الحميم وشفتيها ترسمان إبتسامة رقيقة قبل أن يسرع إيروس نحوها ويقدمها الى العائلة
    -أمي أبي، أعرفكما بصديقتي المقربة ليديا


    لمفاجئتها لم يثر تعريفه لها كصديقة استيائها ابداً وحينها علمت أنها يقينة من مشاعرها تجاهه، صافحتهما بحرارة و من ثم ولجوا جميعاً الى الداخل ..




  12. #91

    الجزء السادس عشر




    ~~~


    كان طعام العشاء بعدها شهياً جداً وقد نال إستحساناً بالغاً وإطراءاً جماعياً فطهي السيدة فيرونكا والدته لا يقاوم ومن ثم أُتبع بمشروب أعشاب عطِرة سهلت عملية الهضم وأفرطت في تدليل المعدة مما جعل ليديا قريبة جداً من البكاء لطيبه وأخيراً أنتهى الأمر بالأثنين وحيدين في فناء المنزل الخارجي بعد أن جنى الليل وغادرهما والدي إيروس للنوم مبكراً كعادتهما...


    أخرجت ليديا زفيراً عميقاً وهي تراقب السماء الصافية ونجومها المتلألئة من فوق الكرسي الخارجي المريح:
    - لديك عائلة رائعة إيروس، لقد أحببتهما حقاً
    -وهم أحبوكِ كثيراً أيضاً
    -لا يُخيل لي أن بوسع أحدهم الشعور بالملل وهو يراقب سماء صافية وجميلة كهذه أليس هذا صحيح؟


    ابتسم:
    - معك حق إنها ملاذ الجميع هنا للهروب في الشدة وفي الضيق


    أطلت السيدة فيرونكا بجسدها من أحد النوافذ ذات الأطلالة الخلفية للمنزل من الطابق العلوي :
    - همم .. لقد جهزت لك المخدع بنيتي، اقضي الليلة هنا فالمسافة بعيدة وسنسعد بإستضافتكما سوية على مائدة الإفطار غداً


    عادت أدراجها سريعاً وتركتهما وحيدين من جديد


    إيروس:
    - لا تقلقي بشأنها ليديا، بوسعي إعادتك متى ما تشائين والعودة مرة أخرى لتناول وجبة الإفطار معهما
    نفت برأسها سريعاً وهي تجيبه بدلال شحن شوقه إليها :
    - لا داعي لذلك، أشعر بالراحة والسكون ولا مانع لدي من المكوث لهذه الليلة فالقصر فارغ وكنت سأبيت لدى ريفيان على اية حال


    لم تعلم أنها بتصريحها العفوي ذاك، كانت قد أعطت له الضوء الأخضر ليمضي قدماً فيما طال مكوثه في جوفه وبات يصعُب قوله يوماً بعد يوم، اقترب منها على نحو سريع وانحنى على ركبتيه أمامها بعد أن حاصر يديها بين يديه:
    - ان كان وجودك هنا يسعدك ليديا فسأشيد منزلاً .. لا بل قصراً أيّن تكن رغبتك ومن ثم بإستطاعتنا العيش هنا وتنشأت أطفالنا سويةً
    اعتدلت في جلستها المهملة سريعاً ومعدلات ضربات قلبها في تزايد متصاعد الوتيرة:
    - مالذي ترمي اليه إيروس؟


    أخرج شيئاً ما من جيبه على عجل ومن ثم فتحه أمامها وقدمه لها ببريقه الجذاب وهو يضيف:
    - عزيزتي ليديا، أنا متيم بك وعاشق، هل تتزوجينني؟


    شعرت بحرارة في خديها وأُذنيها وبتنميل مقيت في أطراف يديها وقدميها، لم تكن هذه المشاعر الجميلة التي تخيلتها مراراً وتكراراً في أحلامها الوردية لحظة تتويجه حبهما بطلب الزواج، بل هو فزع ورعشة وأستياء شديد وبصراع داخلي لم تتأخر توابعه عن الإنعكاس:
    - مالذي قلته إيروس؟
    -فلنتزوج ليديا، ولنكون أسرة معاً، هنا أو في أي بقعة تشائين، أرجوك ليديا أعلم أنني كنت حقيراً جاً معك بل وأقل بكثير ولكنني أقسم على تعويضك حُبي والبقاء مخلصاً لكِ وفياً ما حييت


    أطبقت بيدها على فمها وأسرعت مبتعدةً عنه وحتى سياج المنزل الخلفي وهو يحد مساحة شاسعة من الأرض الخضراء خلفه بينما تنام بداخله عدد من الأبقار المتناثرة هنا وهناك.


    لقد رأت الصدق في عينيه وهي تعلم جيداً أنه شاب صالح بادلها الحب منذ اللحظة الأولى، كيف بوسعها صياغة الرفض الذي نطقت به كل خلية من جسدها كجواب مباشر لطلبه المباغت، أتخبره أن قربه الأن لم يعد يثير في جوانحها كل تلك العواطف الجياشة و أن هالته ماصارت تمد عينيها بالضياء الكافي الذي يُشبعها عن النظر الى هالة أخرى؟، أو تقول له عن كيف برع في إيلامها مرة تلوى الأخري عندما حاولت جاهدة الحفاظ على علاقتهما رغم كل المصاعب بل وتنازلت عن أمور شتى لأجله كان من أصعبها كرامتها..! ، كيف ستُخرج نفسها من المأزق دون أن يدمره صدها فكما يبدو لها انها قادرة على فعل أكثر من ذلك؟


    شعر بألم شديد ينهش قلبه بعد أن كان هذا ردُ فعلها الأول، ولكن لا يجب عليه الإستسلام الأن، خاصة وأن مناسبة مماثلة يستحال أن تحدث مرة أخرى، قام من مكانه وأسرع نحوها


    أحست بتقدمه فستدارت نحوه وشلت عزيمته بدموعها ونظراتها الحادة والخالية من أية عواطف.
    - أكرهك إيروس، أكرهك بقدر ما أحببتك بلا حدود في يوم ما


    قالتها معاتبةً إياه وهي تقترب منه وكلها رغبة في أن توسعه ضرباً جٌراء فعلته ولكنها سيطرة على أعصابها في اللحظة الأخيرة واستقرت على مقرُبة منه ثم أكملت تفريغ ملامتها:
    - لماذا الأن؟؟ .. وبعد كل ما حدث، أتعلم كم حلمت بهذه اللحظة وهذا اليوم، ليست لديك أدنى فكرة صحيح؟ لأنه ما كان ليشغل بالك إيروس لا أصدق كم كنت غبية لأقع في غرامك كالساذجات و أؤمن أنه لن يفرقنا سوى الموت


    أراد أن يتحدث ولكنها لم تسمح له:
    - أعلم يقيناً أن ما كان بيننا حقيقي الى درجة ما، ولكن هل أردت حقاً أن نمضى قدماً الى هذا القدر؟ أم أنك خشيت على مظهرك أمام والدي اذا ما علم بإنفصالنا بتلك الطريقة البشعة


    تفاجئ من تصريحاتها الخطيرة ومن شعورها بهذه الطريقة رغم جديته المطلقة معها منذ بدايتهما الأولى:
    - مالذي تهذين به، ليديا؟ بالطبع كنت أرغب أن تتطور علاقتنا ونستمر الى الأبد، هل حقاً تظنيني بهذه الوضاعة؟!
    - لهذا أكرهك إيروس، لماذا هدمت كل شيء قلي؟ .. رباااه كم كنت غبية لأتصور أطفالنا وابحث عن اسماء لهم أيضاً، لقد أردت أن تكون هذه اللحظة أجمل ذكريات عمري معك


    توقفت عن الحديث لتترك مجالاً لدموعها وتراجعت خطوتين الى الخلف حين حاول معانقتها وهي تنهره:
    - لا تجرأ حتى..!
    - حسناً لكن أرجوكِ توقفي عن البكاء، لم يكن هذا مقصدي من اصطحابك معي الى هنا
    -إذاً لماذا أحضرتني الى هنا خصيصاً إيروس؟


    أجابها بتلقائية:
    - أردت أن تري ما كان يوماً ما ماضي الخاص، شيء لا يعلمه أحد سواك ليديا
    -أعلم مالذي تطمح إليه إيروس لكن أرجوك أوقفه أيّن يكن، لا تجعلني أندم قراري بالحديث والقدوم معك فقد كان يومي جيداً حتى الأن


    أبعد عينيه الكسيرة عنها وأجابها على مضض:
    - أتفقنا إذاً، لطفاً أنسى ما حدث ولنتابع أمسيتنا وكأن شيئاً لم يكن
    -فالحقيقة أشعر بالصداع قليلاً، هل لا أرشدتني الى الغرفة رجاءاً
    -بالتأكيد


    قالها بصوت خافت أقرب الى الهمس وقلبه المقهور يشتعل من الكمد، تبِعته بصمت داخل المنزل إلى أن أشار الى باب ركني له اطار أبيض جميل في الطابق العلوي:
    - تلك هنالك، غرقتي في الإتجاه المعاكس من الرواق، لا تترددي في طلبي اذا ما أردتِ شيئاً


    لم تجبه واتجهت نحو المخدع وقبل أن تلج استوقفها حديثه:
    - أعتذر ليديا، أعدك لن أعيد الكرة مرة ثانية .. أقلها لنكن على وفاق مجدداً
    ابتسمت رغماً عنها و شعرت بالراحة لكونها قد أخرجت ما يثقل صدرها تجاهه، همست له دون أن تبادله النظر:
    - لا عليك إيروس، أسامحك من أجل ذكريتنا الجميلة معاً، تصبح على نهار سعيد




    ابتسم وقد اختار الرضا بعد أن سمع صوت اغلاق الباب وتمتم:
    -وأنتِ كذلك


  13. #92

    الجزء السادس عشر



    -مرحباً بعودتك دايفييل، أشرقت الدار بقدومك مجدداً

    بادل الجميع نظرات إمتنان ومحبة لحفاوتهم الدافئة به بعد أن عادوا جميعاً بسلام الى أرض الوطن ومن ثم تركهم و أكمل طريقه يتفقد أروقة القصر وأركانه، لا يمكنه الأنكار .. لقد أحرقه الشوق الى مملكته وشعبه ومنزله ولولا تملك الأجهاد منه لطاف المملكة قرية قرية ومدينة تلوى الأخرى ليتفقد رعاياه و يشبع رئتيه من رائحة أجواء مختلف بقاعها المميزة العطرة

    عبر من أمام غُرفتها وأستوقفه شعور غريب، حدس جعله يختار الدخول ليتقصى الحقائق أو لإزالة الأوهام .. كانت الغرفة خالية وهي نظيفة و مرتبة، تابع ولوجه الى الداخل وذلك الشعور الغريب لا يزال يراوده ويثير بعقله الكثير من التساؤلات
    -أوه .. أنت هنا، كنت أبحث عنك

    استدار الى حيث يقف مصدر الصوت الذي شتت انتباهه وسمح لضالته بالهرب ووجد نوثانيل ينضم إليه بوجه طلق بشوش :
    - ليست هنا دايف، لم نكن نعلم مالذي ستؤول إليه المحاكمة وبالتالى أرتأيت أن تبقى مع صديقتها ريفيان ريثما نعود

    -هكذا إذاً، قرار حكيم

    اقترب منه أكثر وبادله نظرة المشكك القلق:
    - مالذي تخفيه دايفييل، أنت لم تكن صريحاً جداً بالأونة الأخيرة وهذا يسبب لي من الإنزعاج والقلق الكثير

    -لن تكون سعيداً جداً إذا ما أخبرتك بالحقيقة نوث ولكنك ستعلمها ولو بعد حين فلماذا تستبق الأحداث؟
    -جربني

    تحولت ملامحه الهادئة الى جدية مطلقة:
    - حسناً إذا كنت تصر .... سأعمل على إرسال ليديا الى موطنها صديقي، وأخيراً ستعود الى حيث تنتمي

    عقد حاجبيه مستنكراً:
    - ترسلها الى أين؟ و عن أي موطن تتحدث؟ أنت بالتأكيد تحتاج الى قسطاً من الراحــ

    قاطعه بنفاذ صبر ليلجمه عن الحديث برهة من الزمن:
    - الى مملكة الشياطين نوث، تعلم تماماً أنه موطنها

    استمر صمته لبضع ثوان قبل أن يتملكه الغضب ويسرع نحوه ليقبض على عنقه :
    - تباً لك دايفييل، هل تريد الإنتقام منها لكونها سبب حبسك بهذه الطريقة، تأكد جيداً من أنني لن أسمح لك!

    أبعده عنه بنظرة ثاقبة من عينيه المضيئتين:
    - لا تكن سخيفاً نوثانيل، إنه قرار المجلس والحل الأمثل للحفاظ على سلامتها

    جحظت عينيه في ذهول من حديث صديقه المقرب:
    - وأنت وافقتهم الرأي..!، مالذي تهذي به دايفييل هل جننت؟ حقاً لم أعد أفهمك بتاتاً، إنه المجلس ذاته الذي ما كان سيتوانا عن قتلها إذا ما علم بشأنها مسبقاً .. أنت قلتها بنفسك أتذكر؟

    -متى ما أختل توازن المرء في الحكم على الأمور بين قلبه وعقله فأصبح يرجح هذا على ذاك، عندها حتماً سيخسر مقدرته تدريجياً على إطلاق الأحكام والقرارات الحكيمة المتزنة، لم يكن الأمر سهلاً علي أبداً كما تتصور ولكنها الحقيقة وما ستؤول إليه الأمور في القريب العاجل نوث، تقبله وسيكون المستقبل أخف إيلاماً
    -لــ ..لكن لماذا؟!

    - خبر وجود هجين سينتشر بسرعة البرق بعد المحاكمة وسيثير بلا ريب الرعب في قلوب العديد بل وسيسعى المتطرفون الى البحث عنها للتخلص منها، لا تنسى أنه لم يسنح للجميع رؤية الصورة كاملة كما هي لديك وتصور أن الهجين مخلوق يبعث بالدمار هو الأساس في جميع الأذهان، سرعان ما ستصبح ليديا هدف يبغضه الكثيرون ويريدون التخلص منه.. والأن، أتريد الشهادة على حدوث انقسام بين المواطنين أم تتركها لتعود الى حيث تنتمى مع فرصة لبداية مشرقة وماضً محفوظ؟

    ما كان بمقدروه الإجابة على سؤاله وقلبه يعصف بغضب لمجرد تصور صغيرته مستهدفة من قبل أحدهم ولم يشأ دايفييل المستاء هو الأخر من الزيادة عليه فتركه وحده يتأمل فراشها بعد أن تمتم
    - لديك 3 أسابيع كأقصى تقدير، أستغله جيداً صديقي..


    ~..~..~..~..~..~..~..~


    مضى زمن طويل والأمبراطور السعيد لا يزال ينتظر أخاه على سفرة طعام العشاء الفاخرة، لقد حرص على أن يتم إعداد جميع أطباق فولكان المفضلة بعناية خاصة ولكن لا آثر لضيف الشرف منذ لقائهما الأول، أشار بإصبع يده فتقدم أبولو منه وهو من كان يقف بموازاة خادم السفرة عن يمينه

    -أين هو الأن ومالذي كان يفعله طيلة النهار؟
    قالها بنبرة روتينية تخفي قلقاً دفيناً بداخله

    -ليس بالكثير سيدي، سوى أنه مكث بجناح السيد إليون القديم ولم يخرج منه حتى الأن

    أبعد الكرسي الى الخلف بهدؤ نسبي وأكمل:
    - انتهيت الأن، لا تلحق بي أبولو

    ثم شق طريقه خارج قاعة الطعام قاصداً مساحة إليون القديمة ومخدعه الشخصي وبحثاً عن شقيقه الذي لم يكد يشعر بالسعادة لعودته مجدداً إلا أنها تآبى مِلأ وتسوية الفجوة التي أحدثها غيابه عنه طيلة هذه السنوات بفؤاده وقلبه.



    ~..~..~..~..~..~..~..~


  14. #93

    الجزء السادس عشر




    تسللت أشعة الشمس الدافئة لتداعب وجهها وتنبهها من نومها الهانئ فستفاقت مبتسمة وهي تشعر براحة سحرية وحرية مطلقة، لقد سوت حساباتها أخيراً مع إيروس وما بات هنالك حِمل يُثقل كاهلها ضد أحد ما، أبعدت الغطاء وتدثرت به قبل أن تفتح النافذة وتطل برأسها منها


    السيد جيروم وهو يحمل دلو من الحليب الطازج ويتقدم نحو المنزل:
    - صباح الخير آنسة ليديا، هل أشبعتي رغبة نومك للأسبوع القادم يابنتي؟


    أشتعلت وجنيتها بحمرة جميلة وماتت خجلاً حين انضم إليه ايروس وهو غارق في الضحك، كان يبدو فتياً ومُهملاً برداء المزرعة ذاك بعيداً عن هندامه المعتاد


    السيد جيروم:
    - أمازحك يا فتاة، هيا تعالي انضمي إلينا حتماً ستكون فيرونكا قد أنتهت من تجهيز طاولة الأفطار مع الأن
    ابتسمت له من بين خجلها:
    - حاضر سيدي ..


    قامت بمساعدة السيدة فيرونكا في غسل الأطباق بعد وجبة البيض الشهي الطازج رغم اعتراضها في مبدأ الأمر، ومن ثم أصرت على إظهار مهاراتها المتواضعة وقامت بإعداد كوب من الشاهي الأحمر للسيد جيروم كي يشربه خلال قراءته الصحيفة الصباحية، تقدمت منه ووضعته أمامه ثم أخذت تتلفت حولها وتبحث في أركان غرفة المعيشة عن شيء ما
    -إن كنت تقصدينه فهو في غرفته بالطابق العلوي


    شكرته وتسللت هاربة من الإحراج الذي أشعرها به قبل قليل وقد نالت كفايتها منه اليوم .. طرقت الباب وهي تصلى أن تكون الغرفة المنشودة وأسرعت بالولوج حال ما أتاها الأذن بذلك


    تفاجئ حقيقة من وجودها في غرفته المتواضعة وقام تلقائياً من مقعد مكتبه الصغير لبرهة، اقتربت منه وجلست على طرف سحابته المتوسطة الحجم وعينيها تجوبان الغرفة بإهتمام بالغ .. الكثير من قصاصات الورق العتيقة لمقولات تاريخية تخص متحكمين سابقين بينما تفرد جدار كامل بخريطة للمملكة برمتها شعرت بالدور من مشاهدتها فقط


    -أوه إيروس لا أصدق أنني هنا الأن وأرى ما أراه
    - ليس بالكثير كما أتوقع لكنها كانت طفولة رائعة بحق


    -أتمزح، ليس بالكثير!!؟ ..لا أزال في ضلالٍ عما أرغب بفعله مستقبلاً وأنت كنت تدرس خطة أن تصبح متحكماً منذ نعومة أظافرك
    -هيا الأن، بالتأكيد كان لديكِ هدف أو حلم تطمحين إليه؟


    -اممم، دعني أرى، فالحقيقة كنت أطمح أن أمتلك مكتبتي الخاصة، مكتبة ضخمة لا حصر لكتبها وموسوعاتها وأن أمتلك القدرة على معرفة مكان كل كتاب تحتويه بل ومعرفة محتوى كل الكتب بدقة متناهية
    ابتسم وتعابير وجهه تحسن اظهار مشاعر المبالغة:
    - هذا أدق وأعقد هدف سمعته في حياتي


    ناظرته بنصف عين:
    - أرأيت


    شعر داخلياً بما أرادت أن توصله بقدومها إليه وهي تحمل رايات السلام البيضاء فنغمس معها في أحاديث متنوعة استمرت في تناغم دون جدال حتى أعادها الى مدخل القصر وطار عائداً إلى أعماله



    ~..~..~..~..~..~..~..~





    بداخل القصر ..




    كانت الأجواء المشحونة بين دايفييل ونوثانيل رغم إلتزام كليهما الصمت محور تعجب الجميع وبدا جلياً أن حرب باردة تدور بينهما.. دخلت القصر وهرعت قاصدة صالة المعيشة وكلها شوق لرؤيتهم مجتمعين من جديد، توقفت قليلاً لتستجمع أنفاسها وتهذب مظهرها وهندامها ثم همت لتطرق الباب ولكن أستوقفها حديث أنجلا الجاد والمستاء
    -حباً في الرب ما خطبكما؟، انتما لم تنظران الى بعضكما البعض منذ الصباح الباكر


    نوثانيل وهو يهم قائماً من مقعده:
    - لم لا تسأليه انجلا اما انا فسأنصرف الأن


    صده عن المضى قدماً يوريال وفابيان في حين أكلمت أنجلا بصرامة:
    - لن تتزحزح عن مكانك حتى يحل كل منكما خلافه مع الأخر .. لطفاً نوثانيل لقد تضررت سمعة المجلس بما فيه الكفاية في الأونة الأخيرة فلا تجعلونا نتداعي من الداخل ايضاً


    دايفييل بلا مبالاة:
    - دعيه فهو لا يريد تغيير ما برأسه المتحجر، لكنه في قرارة نفسه يعلم جيداً أنه القرار الأنسب ولكن لا يزال يرفض الإذعان والرضوخ للواقع


    شد نوث على قبضة يديه بحنق وجلس سريعاً ليغير من وضعيته حتى لا ينقض عليه ويشعل حرباً بينهم:
    - أتهزأ بي؟ بأي حق تريدني أن أرضخ الى قرارك أنت في إبعاد ابنتي عني وإرسالها الى من أراد قتلك والتخلص منك بسبب حمايتك لها في المقام الأول؟


    أوشكت ليديا أن تعود أدراجها وتكف عن استراق السمع وإن لم يكن هذا هدفها الحقيقي ريثما ينتهون من تصفية حساباتهم قبل جملته الأخيرة، ولكن يبدو وأنها المعنية بالحديث فقبعت مكانها ويدها مطبقة على قلبها خوفاً من الأتي


    -الكل هنا يعلم جيداً أنها ليست ابنتك نوث إضافة الى أنها أصبحت محمية من قبل مجلس السلام الأن ولا يوجد سبب يجعل هيدس مصدر خطر بعد أن عاد إليه شقيقه الأصغر


    نوثانيل وهو يفجر انفعاله عليه:
    - تباً لك وللمجلس دايف، وكأن حمايتهم تعني شيئاً، لن تبعدها عني وإن كان هذا يعني تركِ لهذه المنصب اللعين


    أنجلا صارخةً بكليهما:
    - كفــــــــى، أرجوكما يكفي هذا، لا أصدق كيف وصلنا الى هذه الدرجة من انعدام التناغم بيننا وزوال الإحترام


    تمالكت ربطة جأشها وأكملت :
    - نوث، لا تفكر حتى في إعادة حديث تركك لمقعدك كمتحكم في أوقات حرجة كهذه بل والى الأبد هذا غير مقبول البته، وأنت دايفييل .. أنا أثق بك وأثق بنظرتك الحكيمة صديقي، هل يوجد حل اخر تستطيع به ليديا البقاء هنا؟


    أشاح بنظره بعيداً:
    - مع الأسف الشديد، أخشى أن هذا هو الحل الوحيد الممكن


    بللت ريقها وأكملت بثبات:
    - إذاً فأنا أدعم قرارك دايف


    جوابها ذاك سدد طعنة أخرى في قلب نوثانيل فقام من فوره وقصد الشرفة محلقاً بعيداً عن أجواء القصر بينما أمسكت أنجلا برأسها المصاب بصداع رهيب وجلست من فورها


    دايفييل متمتماً بسخط:
    - الغبي، يحسب أنه يعاني وحيداً


    حينها فقط، تراجعت ليديا الى الخلف وشقت طريقها خارج القصر بصمت مطبق وسكون عميق .
    -"هذا كثير، فاريــــوس .. أرجوك عد سريعاً" .

    ~..~..~..~..~..~..~..~
    نهاية الجزء السادس عشر







  15. #94

    الجزء السابع عشر

    Screen+shot+2013-04-25+at+10.56.05+PM



    الجزء السابع عشر

    ~ إفطار الوداع ~




    هبط بأجنحته الضخمة قرب البحيرة التي لا تبعد عن قصر الحكم إلا مسافة وجيزة بعد أن بلغته رسالتها المختصرة .. رأها تحتل أحد الصخور الكبيرة الوافرة حول المكان بسكينة تراقب القمر وانعكاسه الساحر على ماء البحيرة الساكنة أمامها

    تقدم نحوها وشيء ما أخبره بأنها على علم بما تخبئه لها الأيام، استقر قربها فوق تلك الصخرة الفريدة المهذبة السطح وهي أقرب في شكلها المميز الى هضبة رضيعة، أمسك بيدها المستقرة قربها وطبع قبلة على ظهرها بحنان بالغ للأداء التحية، ناظرته بإبتسامة صافية:
    - سعيدة بعودتك سالماً
    -السعادة برؤيتكِ أكبر

    أسندت رأسها على طرف كتفه العريض وبات انعكاس التفاوت بين أجسادهما على سطح الماء عظيماً فهي تبدو كطفلة صغيرة لم تتجاوز العاشرة مقارنة ببنيته الرجولية العريضة، تابع حديثه بهدوء يشوبه بعض الإستياء وكثيرٌ من الحزن:
    - لقد كنت هنالك ظهيرة اليوم حيث أنا و والدك ... أليس كذلك؟


    أومأت برأسها إيجاباً بينما تسللت دمعة يتيمة من احدى عينيها:
    -آسفة لجعلك تعاني لورد دايفييل أنا حقاً لم أكن أعلم، أدفع حياتي ثمناً لتعويض معاناتك

    فاجئها بعناق حار عميق رغم اعتيادها على عناقاته الحنونة الدائمة، وذلك لأن مشاعره الأن اختلفت عن السابق، إنه كمن يطلب الصفح والغفران عن جريمة ارتكبها بحقها رغم انه لم يُقدم سوى على حمايتها منذ المقام الأول

    أبعدها عنه ولزيادة دهشتها رأت دمعة معلقة في عينيه الكسيرتين فأجهشت باكية ودفنت رأسها في صدره وهي تشهق بين حروفها
    - أنا خائفة .. خائفة جــداً

    لقد وعدت نفسها بعد أن تركت القصر ولجأت الى البحيرة من أنها ستقابله وتطلب منه المزيد من الإيضاح عن الصدمات التى توالت علي مسامعها ظهر اليوم كشابة ناضجة ولكن ذلك تبخر بعد رؤيته فهي لا تُجيد تقمص شخصية ليست حقيقتها ولن تكون

    انقضى زمن و دموعها تُحدث عن ما بقلبها وهو يمسح على شعرها المتموج بعطف ويتمتم
    - هون عليكِ صغيرتي، كل شيء سيكون على ما يرام
    حتى هدأت وعاد التناغم الى تنفسها المضطرب فمسحت دموعها وأعتدلت في جلستها بعد أن أعادت شعرها الى الوراء
    -كلِ أذان صاغية، مالذي تريدين معرفته ليديا؟

    شكرت له قلبياً اختصار المقدمات وقالت:
    - بداية بمن أكون؟ أريد معرفة كل شيء لورد دايفييل أرجوك
    -إذاً ستمتد هذه المحادثة الى مالا نهاية، لكن مارأيك بالعودة الى هناك و رؤيته على أرض الواقع


    سرعان ما أسند راحة كفه على جبينها حين أومأت له إيجاباً .. أغمضت عينيها لِتخفيف الضغط على عقلها بينما انعقدت حاجبيها بإنزعاج لحظة استردادها ذكريات غابرة لكنها بوضوح الحاضر وهي تقف شاهدة على حياتها بنفسها.

    لقد أعاد لها ما أحتفظ به من ذكرياتها كطفلة و أراها مخزونه الخاص بها منذ لحظات لقائهما الأولى وهي ابنة السادسة ربيعاً حين أتت متعلقة بقميص والدها لتلتحق بالأكاديمية وتفقده الى الأبد، ثم حضرت حادثة فاريوس الصغير وكيف ترك خلفه جسدها الهزيل يسبح في بلورة عديمة اللون تطفو فوق سطح الأرض و أنتمائها الوحيد للفراغ

    تذكرت والدها يراقبها بحب و والدتها تمشط شعرها القصير آنها قبل أن تخلد الى النوم لأخر مرة في أحضانها وكيف باتت نصائحها تتردد في أذنها عن الفتاة المثالية المهذبة وكيف يجب أن تحسن التصرف في مدرستها الجديدة وتذكرت جيداً تشديدها الدائم على عدم الإغتسال مع أحدهم حتى لا ينكشف السر القابع فوق قلبها ويسبب لها المتاعب.

    شاهدت الكثير والكثير وفوقها رأته يتألم وهو يتمسك بالوشم مراراً حتى لا ينقض عليها مرة واحدة ويرديها قتيلة و لمست قساواة الأمر عليه وشدة وطأت المحاكمة على الجميع وأهم من ذلك، سمعت قرار المجلس بأذنها.. الجميع في تاريخها يعاني أو يتضرر دون استثناء .. تاريخ حافل رأته في ومضة واحدة لم تدم طويلا.


    خَبا الوميض فأبعد يده عن رأسها وتطلب الأمر بضع دقائق حتى تستعيد توازنها ويتركها صداع عودة الذكريات فقالت بهدوء بعد أن فتحت عينيها على مشهد البدر وهو يتوسط البحيرة :
    - إذاً .. فأنا هجينة؟
    -هذا صحيح

  16. #95

    الجزء السابع عشر




    - هذا يجعل الأمور أكثر منطقية الأن، بقائي بالقصر بينكم، عدم مقدرتي على الطيران؟، وحتى عدم اتقاني مهارات استخدام الطاقات الروحية والأرضية رغم محاولاتي الجاهدة

    لم يقاطعها فتابعت وعينيها تزداد اتساعاً:
    - كل شيء كان يرفض التناغم معي منذ البداية كما لو كان يعلم عن حقيقة عدم انتمائي الى هنا كل شيء الا هو....!
    -من تقصدين؟

    استدارت نحوه وكأنها عثرة على ضالتها وقضت بذلك على بعض من تساؤلاتها حياله:
    - انه فاريوس .. لقد كان الوحيد الذي أشعرني وجوده بالإنتماء وبقدرة أخرى لا أستطيع تسميتها شعرت بذلك وأنا طفلة كما أجزم أنني شعرت به مجدداً في الأيام القلائل التي قضيتها في منزله

    سكتت قليلاً وهي تتذكر حادثة عنق فاريوس وكيف أنه يشبه الى حداً كبير الوشم الواضح بقلبها والذي أبقت أمره سراً حتى الأن بعد أن أكتمل وتوقف عن النمو، لحظة واحدة ...لقد علمت تواً أن الوشم أمر رافقها منذ نعومة أظافرها وليس كما يظن دايفييل من فعل فاريوس، لكن هذا لا يفسر كل شيء؟؟ لماذا هاجمها وهي طفلة وكذا فعل بعد نضوجه؟ ولماذا يتشارك جسدهما الوصمة ذاتها .. لا شك بأن هنالك خطب ما غفل عنه اللورد دايفييل نفسه ولكن للأسف تجهله هي أيضاً وهذا يضاعف من تعقُد الأمور برأسها الذي يكاد ينفجر.

    تمتمت وهي تخوض في أفكار معقدة بأبعادها المتناقضة:
    - أريد رؤية أمي

    هي بالتأكيد لم تبالى برابطة الأمومة والدم التي تجمعهما والتى يكاد يكون الإحساس بها معدوماً في قلبها عندما قالت ما قالته تواً ولكنها الشخص الوحيد الذي تصدر قائمة أفكارها والذي من الممكن أن يُفيدها في الإستعلام عن ماضيها ويكشف لها عن ستارِ غموضه ..

    لم يتمكن من سماعها فناظرته بجدية وأعادت تكرار طلبها بثقة أكبر:
    - أريد رؤية أمي لورد دايفييل أريد أن أعرف الكثير من التفاصيل هذا غير كافٍ البته

    أشاح بنظره بعيداً وهو يُجِبُها:
    - هذا غير ممكن ليديا، انها لا تعلم من تكونين منذ وقت طويل مضى وكذا جميع من شهد حادثة اعتراف والدك بالأكاديمية وجميع أهالي القرية التى تنتمى إليها والدتك

    جحظت عينيها بذهول.. بعبارة أخرى يقصد أنها الأن بلا جذور؟!، هي فقط بمثابة مخلوق يتنفس ويأكل وينام بماضى لا يشاركها فيه أحد، بلعت ريقها وهي تردف:
    - و ماذا عن أبي؟ هل أستطيع الوصول اليه اذا ما عُدت الى مملكة الشياطين؟

    -ليس هو أيضاً صغيرتي، أعتذر .. لقد تسلمه مجلس السلام العالمي ويستحال الوصل إليه بعد الأن

    -ومالذي سيحدث لي إذاً؟
    قالتها وهي تشعر بمرارة شديدة في معدتها.

    - سيتكفل الأمبراطور هيدس بمنحك كامل حقوقك كمواطنة من شعبه دون الأفصاح عن هويتك لأحد حتى لا تتعرض حياتك للخطر، أنا وأثق من أنكِ تعين ما أقصده بالخطر هنا ..

    اجابته بإبتسامة باهته:
    - من يرغب بوجود هجين على قيد الحياة، أعيه جيداً سيدي

    أمسك طرف ذقنها وأرغمها بلطف على النظر إليه:
    - ليديا صغيرتي، و جودكِ منح السعادة للكثيرين من حولك، لا تجعلي من تراهات البعض سبب يعيق اندماجك واستمتاعك بالحياة

    كيف لا تجعله وهي تذكر جيداً أنه تم تنشئتها وتنشئت الجميع على حرمانية التزاوج من مماليك مغايرة حتى لا يقعون شركاء في إنجاب خطيئة قذرة غير مرغوب فيها، "رباه .. إنها ذلك الوحش الأن !! كيف يمكن أن ينتهى بها المطاف الى نهاية مماثلة؟ .. " غرقت في خيبة أملها الذي مات وليداً بعد أن أوصد بحديثه جميع الأبواب أمامها لمعرفة الماضي وتركها عالقة في الزمن ذاته، هذا يزيد من إثبات نظرية سير أمورها عكس التيار دائماً وأبداً طالما لا تزال تُزاول حياتها في موطن وأرض يرفضانها
    -إذاً أرجوك أعدني الى حيث أنتمي لورد دايفييل

    تبادل النظر مع عينيها الدامعتين والصارمتين لبرهة ثم أردف:
    - إذا كانت هذه رغبتك، سأعمل على البدأ في الإجراءات الليلة هل أنتِ أكيدة من عدم رغبتك في البقاء هنا لمدة أطول؟ سيكون من الصعب جداً العودة مجدداً

    -أجل، أنا بخير

    -إذا لتكن هذه أخر ليلة لك هاهنا أتريدين قضائها في مكان محدد؟

    -أجل لورد دايفييل، لطفاً خذني الى والدي أود البقاء معه

    ابتسم:
    - لكِ ذلك، دعينا لا نضيع مزيداً من الوقت ..



    ~..~..~..~..~..~..~..~



    مملكة الشياطين..


    - هذا غير معقول البته، سيقتل نفسه اذا استمر على هذا الحال؟ ماكان يجب على الموافقة على طلبه واحترام رغبته في البقاء وحيداً لمدة من الزمن، هذا يصيبني بالجنـــــون..!

    ألقى بالأوراق والأقلام الموضوعة على مكتبه أرضاً وهو يفرغ غضبه ويعكس قلة حيلته على حال شقيقه الذي يراه يستسلم للهلاك دون مقاومة ويصوم عن الطعام والشراب حداداً على صديقه

    أغمض أبولو الذي لا يبعد عن سيده المستاء كثيراً عينيه لتلقى خاطرة ما مع أحدهم ثم قال:
    - أوه سيدي أخشى أن هنالك تغيير في الخطط يجب عليك سماعه

    ناظره بعينين حادتين:
    - و هل أبدو لك في مزاج يسمح لي بسماع تراهاتك الفارغة؟

    تجاهل رد امبراطوره وتابع برسمية:
    - يبدو وأن اللورد دايفييل يخطط لإرسال الطفلة الى هنا في موعد أقرب من الموعد النهائي لتنفيذ القرار

    عقد هيدس حاجبيه مستنكراً فعل خصمه القديم و متجاهلاً عصيان أبولو لرغبته .. هو يعلم جيداً ان دايف ضد القرار ولم يرضخ له إلا على مضض فمالذي يدفعه لتقديمه الأن؟ :
    - مالذي يعنيه حديثك أبولو ؟ و أقرب بمتى؟
    -بالغد مولاي


    ~..~..~..~..~..~..~..~


  17. #96

    الجزء السابع عشر



    قصر المتحكمين السبع، مخدع نوثانيل وجناحه الخاص ~




    -كلا وألف كلا، لن تذهبي الى أي مكان لا أكون متواجداً فيه وهذا نهائي
    -لطفاً أبي لا تُعقد الأمور وتصعبها علي، سأذهب الى حيث أنتمي أخيراً لماذا لا تكون سعيداً من أجلي؟


    جلس على طرف سحابته المرنة وقدميه تهتزان بتوتر وهو يتحاشى النظر اليها بعد أن أعلمته بمعرفتها عن الأمر وأفصحت عن نيتها في بالمغادرة، إنه يجاهد للتحكم بأعصابه فلا يريد أن يقسو عليها هو الأخر بعد قساوة القرار ذاته، جلست أمامه وتشبثت بيده:
    - رجاءاً أبي لا أريد لوداعنا أن يكون هكذا


    ما كان بوسعه اخفاء وجهه المكفهر وعينيه المستاءتين أكثر فبادلها النظر وهو يكافح دموعه:
    - بل أنا من أرجوكِ صغيرتي، لا تحرمينني و جودك في حياتي ولا تقرري الذهاب، اذا كان ولابد فسأترك هذه المملكة التى لا تستطيع الحفاظ عليكِ و نذهب لنعيش سوية في مكان أخر




    ناظرته وهي تحسن التماسك حتى الأن وأردفت بصوت دافء تغشاه السكينة:
    - تعلم أنني لن أرضا بذلك ماحييت ثم بوسعك زيارتي أليس كذلك؟ لا شئ يمنعكم من التزاور الأن بعد أن عاد للأمبراطور شقيقه الأصغر


    احتدت نظرته وهو يجيبها:
    - انه دايفييل دون شك، بالتأكيد أرغمك على تقبل الفكرة واقناعي بالمثل، ذلك الوحش


    صرخت به وهو يهم بالقيام قاصداً إياه:
    - توقف أبي أرجوك، لماذا لاتشعر بي فأنا أعانى هاهنا؟


    ناظرها بتفاجئ وعاد أدراجه وهو أقرب الى الهذيان من الغضب:
    - هل هنالك من يؤذيك ليديا؟ من يجرأ على فعلها؟ أخبرني من هو؟


    حاصرت يده مجدداً ووضعتها على قلبها وهي تهزه مع كل حرف تنطق به:
    - هذا ما يسبب معاناتي ابي وليس هو فقط، بل كل شيء حولي لا يفتأ يخبرني عن عدم انتمائي الى هذا المكان، أتشعر بالألم الذي يعتصر قلبي عندما يحلق الجميع وأنا أنظر إليهم بحسرة وكل ما بوسعي فعله هو تمنى التحليق في يوم ما بأجنحتي الخاصة دون أن أكون محمولة أو متعلقة بأحدهم؟، ألديك أدني تصور عن كيف يقتلني عدم كفائتي في أي مجال أريد الإنجاز به حتى انتهى بي المطاف في صف للحالات الخاصة؟! .. أنا لست حالة خاصة انما حالة شاذة


    التقطت انفاسها وتحكمت في انفعالها وهي تكمل:
    - أعلم أنك فعلت ما بوسعك لتعويضي النقص الذي اعاني منه ولكن وحتى محاولاتك أصبحت تزيد من تعاستي على قدر ما أسعدتني في يوم ما، فأنا أرى بوضوح كيف أن عبئي يكبُر أكثر فأكثر مع نضوجي ولا أجد حيلة أستطيع الحيولة بها دون تحميلك هذا العباء إلا بهلاك روحي، هل تشعر بي الأن أبي؟
    -ليديا أنا ...


    -ليس هنالك داع للأعتذار فعدلاً من المفترض أن تكون هذه جملتي، أريد منك فقط دعمي في هذا القرار، فلربما أجد نفسي هناك من يدري؟


    -لكنني أخاف عليكِ ليديا؟ كيف أستطيع كبح قلقي وانتِ تبعدين عني ملايين الأميال


    - لا تقلق سأكون بخير كما أن فاريوس هناك وهو صديق جيد


    أخفى وجهه مجدداً بين يديه وهو يشعر بالعجز ولا يملك سوى الإنكسار لرغبتها، إنه القرار الأمثل وإن كان كثيراً عليه
    - هذا ليس كل شيء أبي


    رفع رأسه إليها مجدداً وكاد ان يموت كمداً وهو يرى دموعها الصامته تجرى على خديها بوقار:
    -سأغادر غداً، فلست واثقة من شجاعتي على فعلها اذا ما تأجل الأمر أكثر ولا أريد أن تطول معاناتي لعدة أسابيع قبل أن يصير المحتوم.



    ~..~..~..~..~..~..~..~





    استيقظ ساكنوا القصر صباح اليوم المقبل وشدهم جميعاً دون استثناء وجود بطاقة دعوهـ الى وجبة الأفطار في حديقة القصر الخلفية فوق المنضدة قرب سُحبهم كتبت بخط جميل و وُقعت بإسمها


    كانت مشغولة بوضع اللمسات الأخيرة على السفرة التى أشرفت على إعدادها منذ وقت السحر وحتى شروق الشمس بعد أن جفاها النوم وأخذت الأفكار الجنونية تراودها حتى أستقرت على هذه


    لقد صنعت أنواع عدة من البيض والفطائر المالحة والمحلاة، فواكه طازجة .. أجبان ومشروبات ساخنة جميعها لتظهر لهم بعضاً من امتنانها وعرفانها للذكريات الجميلة التي حفروها في ذاكرتها، ابتسمت بسعادة وفخر وهي تراقب سفرتها الأنوثية الجميلة وقد راق لها توزيع ألوان الطعام فيها
    -" رائع .. تماماً كما تصورت"


    استدارت بإحراج حين شعرت بوجودهم واعترتها مشاعر سرور وبهجة لدى رؤيتهم مجتمعين يناظرون صنيعها بتعجب ودهشة، انه فطور ملكي منذ الصباح الباكر


    أسرعت تأخذ بيد أحدهم تلوى الأخر وتقودهم الى حيث خططت بشأن توزيع المقاعد ومن ثم أمسكت بيد نوثانيل وقد كان أخر الواصلين ويبدو على وجهه التجهم الشديد، ناظرته بدلال ثم أردفت:
    - أنت في قلب السفرة وبجانبي
    ابتسم رغماً عنه:
    - لي الشرف آنستي


    بدأ الجميع طعامهم ولم يكفوا عن مديح أطباقها المُعدة بقدر كبير من الحب بينما لم يتطرق أحد الى وداع اليوم حتى لا تتعكر انسيابية الأجواء، تلى ذلك كعكة طازجة خبزتها أيضاً بيديها و صاحبها مشروب الأعشاب العطرة الدفئة من يدي أنجلا، ضحكت وتبادلت المزاح وتشاكسة قليلاً .. فقط كما لو عاد الزمن الى الوراء حيث تمتعت بطفولة جميلة برفقتهم.


    انقضى زمن غادر خلاله غالبية المتحكمين الى أعمالهم بعد تقبيلها ومعانقته للمرة الأخيرة بينما ظل هو مع ابنته لقضاء الساعات المتبقية القلائل تحت سقف هذه السماء وفوق سطح هذه التربة، تعلقت يديها بمعصمه حين أخذا يتجولان سوية في أرجاء الحديقة الشاسعة


    -لقد تركت بعض الرسائل فوق مكتبك أبي، إنها تخص ريفيان وإيروس
    -سأحرص على أن يتسلموها لا تقلقي


    ابتسمت بإمتنان:
    - أتعلم ابي، أنت أجمل شيء حدث لي في هذه الحياة، أردت منك أن تعرف طالما أستطيع قولها بقربك هكذا


    تلعثم محرجاً وهو يجيبها:
    - أنتِ كذلك صغيرتي، ويجب أن تعلمي أنك ستبقين طفلتي التي سأفتخر بها ما حييت


    ساد الصمت لبرهة ثم عاودت حديثها
    - هل ستأتي معنا لأخذي الى هناك؟
    -كلا .. لا يمكنني و دايفييل ترك المملكة في آن واحد في ظل الظروف المعاصرة كما أنه من الآمن لكِ الذهاب دون أن يشعر
    أحد ما بالأمر


    عقدت حاجبيها وكذا فعلت بشفاهها بتصنُع بالغ يعشقه وهي تقول:
    -لكنك ستعمل على زيارتي في أقرب فرصة ممكنة، رجاءاً عدني أنك ستفعل؟


    توقف وطبع قبلة صادقة على جبينها:
    - بالتأكيد ليديا، أقرب مما تتصورين


    هبط أمامهم اللورد دايفييل بوجه بشوش يحكم إخفاء ما بمكنونه:
    - أعتذر عن المقاطعة، لكن الآنسة ليديا ستغادر الأن


  18. #97

    الجزء السابع عشر

    نوثانيل بجزع:
    - أبهذه السرعة..؟!
    -أخشى أنه كذلك، سيغلق المعبر في تمام الرابعة ويجب أن نكون قد انطلقنا بحلول هذا الوقت


    قلبت الأجواء سريعاً حين قالت مازحة:
    - أووه بدأت أشعر بالإثارة، أراهن من أنها ستكون تجربة فريدة من نوعها دون شك
    -لــكن ...


    أسكته عناق ليديا الحار حين ألقت بنفسها عليه قبل أن تبتعد عنه باسمة وتنضم الى اللورد دايفييل:
    - أحبك أبي، دآئما ما كنت وأبدآ ما سأكون
    ابتسم لها قبل أن يحلق بها اللورد دايفييل عالياً ويختفى في الفراغ :
    - وأنا كذلك صغيرتي، كوني بخير من أجلي ..



    ~..~..~..~..~..~..~..~





    في أعماق الجبال.. هنالك مكان لا يمكن أن تطأه قدم دون أن يعُلم بشأنها.. هنالك حيث مملكة الشياطين ~


    هبط بهيبة مُشعة نحو الأرض من خلال القبة التى فُتحت لحظة وصوله وعادت أدراجها مجدداً لتحجب ضوء القمر عن تلك القاعة المتوسطة قلب القصر الخاص وتبقى مجريات الأمور تحتها طي الكتمان


    كانت جناحيه لا تزالان مطبقتان حولها وحول جسده حين وجد الأمبراطور هيدس في مقابلته و مرافقه الدائم أبولو بالقرب منه، لم تكن الإضاءة حولهم بالغة السطوع في القاعة بل كانت خافته نسبياً والهدوء يعم المكان فعقارب الساعة تشير الى ما بعد منتصف الليل حيث الجميع وقد خلد الى النوم سلفاً


    الأمبراطور هيدس:
    - مرحباً بك مجدداً في مملكتي لورد دايفييل، أعتذر عن الإستقبال الغير لائق بجلالتك ولكن ما باليد حيلة


    لم يرد الإبتسامة له وأجابه برزانة:
    - لا داعي للإعتذار امبراطور هيدس، تعلم جيداً أننا لسنا بصدد الإحتفال بهذا الشأن كما أنه لا يجب أن يصل الى مسامع أحدهم كما جرى عليه الإتفاق
    -لا تقلق سبق وأعطيتك كلمتي، الفتاة ستكون بخير، الجميع هنا بالقصر يتوقع قدوم قريبة للعائلة أجبرتها ظروف صحية على البقاء في أرض الملائكة كل هذه المدة


    -هذا جيد، من المستحسن أن تظل الأمور هكذا
    -يبدو وأن المسافة الطويلة قد انهكتك لم لا تقضى الليلة هنا وتعود بالغد فبعد كل، أنا أدين لك بواحدة


    -أعتذر عن رفض ضيافتك ولكن هذا لمصلحة الجميع لا يجب على أحد ملاحظة غيابي عن المملكة وخصوصاً بقدومي الى هنا، سيتوجب علي المغادرة الأن
    أبعد جناحيه قليلاً عنها ليجدها وقد فاقت تواً من نومها الطويل على صدره


    -هل وصلنا لورد دايفييل؟


    قالتها بصوت يملئه النعاس، ابتسم لها:
    - أجل، لقد فعلناها سوية آنتِ بأمان الأن


    لمست نغمة الفراق في حديثه ونظرة عينيه فتمسكت به سريعاً وقد أعتراها القلق والخوف:
    - حباً في الرب لا تخبرني أنك ذاهب بهذه السرعة؟


    طبع قبلة وداع على جبينها وأبعد جناحيه التى كانت تطبق عليها بإحكام .. نظر إليها هيدس بشفقة صادقة فقد بدت ضئيلة جداً وشعرها الكثيف يغطى وجهها الشاحب، أشار لأبولو بعينيه فتقدم إليها وعرض عليها معصمه لمرافقته بعيداً عن اللورد دايفييل حتى يتسنى له التحليق مجدداً:
    - آنستي


    أسرعت بالإحتماء خلف اللورد دايفييل وقد تملكها الذعر من هالته الغريبة عنها وسرعان ما أخذت عينيها تجوبان المكان بإستنكار وذعر أصبها بهبوط حاد في الضغط لكن كل ذلك تلاشى حين وقعت عينيها المذعورتين عليه وهو يراقبها بعينين صامته وشفاه حلوة مبتسمة ..


    تقدم نحوها حين ارتأى فشل أبولو في كسب ثقتها بينما تسمرت عينيها عليه وكأنما هنالك ما يُثبِتُهما نحوه بصرامة وأجزمت قلبياً من أنها لن تمانع أن تلقى بروحها عليه وتسلمها له بخشوع حين مد يده إليها داعياً إياها مشاركته ..


    أمتدت يدها بتلقائية إليه ولكنها سرعان ما ضمتها إليها بعد أن عاد إليها صوت العقل مما أفاقها من الهالة الساحرة التي تغشتها إثر رؤيته ودفع إليها بأهم تساؤل يجب عليها أخذه في الحسبان
    -" ترى من يكون؟؟"


    تبادلت نظرة عميقة مع اللورد دايفييل الذي أومأ لها بالموافقة وأعط لها تصريح الأمان فتقدمت على وجل من خلفه وأمسكت بيد الأمبراطور التي سرعان ما سكنت شعورها بالخوف والذعر


    لورد دايفييل:
    - أخشى أنه يجب على الذهاب الأن، هيدس


    تبادل الرجلين نظرة ثاقبه انتهت بإحناء دايفييل رأسه وإغلاق عينيه بوقار:
    - أرجوك، أعتنى بها جيداً
    - لا تقلق سأفعل


    فُتحت بعد ذلك قبة السقف و رد تلوحيها الصامت له ثم أنطلق كالشهاب نحو عنان السماء


    أخذت عينيها تراقبان القبة تعود الى حيث كانت وتسللت بضع دمعات على خدها حين حُجبت السماء تماماً..




  19. #98

    الجزء السابع عشر


    شعرت بوخز داخلي خفيف حين أعادت نظرها الى مستواه الطبيعي وشهقت حين رأت فاريوس يتقدم الى القاعة و يتجمد مكانه مراقباً إياها بعينين جاحظتين وتفاجئ بالغ، أنطوت الأرض وأختفت المسافة الفاصلة بينهما ووجدت نفسها تطوقه بشدة ليعانقها هو في المقابل ويسحق جسدها بين ذراعيه المطبقتان عليه بإحكام تام، انه الشوق الخالص وقد تمكن من كليهما دون إذن مُسبق...



    أبعدها عنه بلهفة ليتأملها لبرهة وهو لا يكاد يصدق عينيه ثم أعاد اطباق يديه حول جسدها وأنفه يستنشق رائحتها بشهيق ثقيل:
    - أقسم من أنني شعرت بالجنون حين شعرت بوجودك هنا


    ابتعدت عنه وقد تمكنت منها الدموع:
    - أنت بخير فاريوس، أنا سعيدة


    عانقها للمرة الثالثة وهو يتمتم:
    - هذا انتِ، هذا حقاً أنتِ ليديا أنا لست بواهم
    سددت ضربة ضعيفة من قبضتها الخائرة القوى وهي تعاتبه:
    - لماذا رحلت دون اخباري فاريوس، كدت أموت قلقاً عليك
    -أعتذر، أرجوك سامحيني أنا هنا الأن


    كان يراقبهما بحاجبين معقودين و دهشة حقيقية تملكته حتى النخاع، مالذي يحدث أمامه الأن؟ ومتى خرج فاريوس من حبسه الأنفرادي لذاته وفوق كل هذا .. انه برفقة أنثى؟! وليست أية أنثى ... إنها الهجين !..هذا حتماً تطور غريب الأطوار


    أسرع فاريوس بعدها نحو أخيه وهو لا يزال يُمسك بها بإحكام:
    - مالذي يحدث أخي ولماذا ليديا هنا؟


    توقفت عن اظهار اية تعابير مجدداً بعد تلاقي أعينهما للمرة الثانية وكأن عقارب الساعة ما عادت تبالى بإحصاء الزمن .. كانت تناظره بعمق لم تعرف له سبباً


    - انها قصة طويلة فولكان .. لماذا لا تأخذها لترتاح قليلاً وتنضم الي بعدها وسأحدثك بالأمر


    تبِعت بعد ذلك فاريوس دون اعتراض و لكن عينيها لم تبرحان الأمبراطور ذو الهالة العظيمة والحضور الفريد.



    ~..~..~..~..~..~..~..~




    بعد مرور يومين ~


    أقلق نومها صوت كصوت خربشة القطط إلا أنه يزداد إزعاجاً مع مرور الوقت، فتحت عينيها على مهل وأبصرت فتاتين ترتديان ثياب متطابقة جميلة لم يسبق وأن رأت تصميم مشابه لها من قبل وهما تناظرانها وتتهامسان مبتسمتين من على بعد


    تجاهلتهما لوهلة بعد أن رفعت رأسها وأستقرت جالسة لتناظر الجناح الذي قضت ليلتها به والسرير الخشبي الفاخر الذي تحتله .. طال صمتها فتقدمت الفتاتين نحوها وأسرعت إحداهن في الكلام بلغة تتقنها ليديا جيداً لكنها غير شعبية في مملكة الملائكة ويكاد استخدامها أن يكون منقرضاً:
    - صباح الخير أنستي لقد عانقت الشمس كبد السماء وأنتِ لا تزالين في الفراش لليوم الثاني، يبدو وأنها كانت رحلة شاقة بحق


    قاطعتها الفتاة الأخرى وهي تلكزها :
    - أنتِ تزعجينها بثرثرتك الفارغة، يجب أن تلتزمِ حدود الأدب و إلا أنتهي بنا المطاف في قارعة الطريق


    صدر منها صوت ضحكة حاولت كبتها ولكنها انتهت الى مسمعهما رغماً عنها وهما تراقبانها بتعجب، لقد كان حديثهما غريب بحق بالنسبة إليها ولم تمتلك سوى الضحك لكنها سرعان ما كتمته مجدداً حتي لا تشعران بالإهانة ولكنها تفاجأت من ضحكهما أيضاً .


    انحنت الأولى بعد نوبة الضحك تلك وصاحبتها الأخرى:
    - أنا نِينا وهذه شقيقتي تتيانا، نحن في إمرتك مولاتي


    زاد تعجبها من تحول مزاحهما الى الجدية المطلقة وتعجبت من اللقب الذي أطلقاه عليها تواً ..
    - "مولاتي .. مهلاً إنه مضحك بعض الشيء!"


    ما كانت قد نطقت بحرف واحد بعد حين باغتها طرق مهذب على الباب ولج اثره فاريوس بحلة فريدة هو الأخر قبل أن تتمكن إحدى الفتاتين اللتين انحنيتا بتهذيب من الإستعلام عن هوية الطارق، أشار لهما بالإنصراف ومن ثم شق طريقه نحوها


    - هل أيقظوكِ من نومك لقد طلبت من المدبرة أن لا ترسل أحد لإزعاجك، يبدو وأنني لم أكن واضحاً بما فيه الكفاية
    ناظرته بتعجب فقد تغيرت طريقة حديثه هو الأخر:
    - هل هذا أنت حقاً فاريوس؟


    تبسم ولسانه يعيد تبنى أسلوب الحديث الذي تألفه:
    - انه انا
    بحركة مفاجئة تحسست يديها خده ثم هبطت الى قلبه:
    - أوه .. هذا حقيقي


    ابتسم لها:
    - لقد أخطأت، أنتِ لا تزالين تحلمين، عودي الى النوم ليديا


    لم تجبه ولم ترضخ له لكنها ابعدت الغطاء عن قدميها وأسرعت نحو أحد نوافذ المخدع ثم استقرت مكانها بعينين جاحظتين لما ترى ..
    تقدم نحوها و وضع ردائه الفاخر على كتفيها فالأجواء باردة بعض الشيء و هي لا تزال في ثوبها التقليدي الذي جأت به من مملكة الملائكة وهو عبارة عن قماش أبيض خفيف ذو طبقتين ويزين خصره حزام ذهبي عريض، استدارت بعينيها الضائعتين في عظمة مملكة الشياطين وهمست له:
    - أنـ..ا في مدينة الشياطين


    لمس قليلاً من الحزن في حديثها:
    - هل أنتِ بخير؟
    أطلقت تنهيدة عميقة:
    - أعتقد أنه يجب على أن أكون


    أدار جسدها نحوه ليشعرها بالأمان بين يديه أكثر وهو يقول:
    - لربما لا يحق لي قول ذلك ولكن .. أنتِ حيث تنتمين ليديا والأهم من ذلك أنتِ بأمان الأن
    ابتسمت له رغماً عنها:
    - شكراً لك فاريوس.. حديثك يعني لي الكثير
    -سيتوجب علي تركك لإنهاء بعض الأمور المستعجلة ولكنني سأكون هنا بحلول المساء ومن ثم سنتناول طعام العشاء سوية.


    ودعته حين سلك طريقه عبر الباب ورحل ثم عاودت النظر من خلال النافذة ويديها تمسح على عضدها فوق ردائه الناعم،
    - "لا يوجد أحد يحلق في السماء"
    تبادر ذلك الى ذهنها الذي يقبع تحت سحابة رمادية تثقلها الكأبة إثر غرابة المحيط حولها.


    لقد جفاها النوم في أول ليلة لها فوق هذه الأرض و وجدت نفسها شديدة التشبث بفاريوس آنها بإعتبار أنه الشخص الوحيد الذي يمكن أن تشتم منه رائحة تألفها .. وهو بدوره قضى نهار الأمس كاملاً في المخدع الذي جُهز لأجلها ولم يغادرها سوى حين خارت قواها واستسلمت للنوم أخيراً بعد صراع طويل بين مشاعر الأمن والخوف


    تابعت عينيها تجوالهما في المحيط عبر نافذة الشرفة المفتوحة، لم تكن لديها رغبة حقيقة في فعل اي شيء بالأمس ولكن اليوم تبدو أكثر تقبل لفكرة عدم تواجدها في مدينتها بعد الأن .. كانت الحدائق الخلابة تغطى مسافة شاسعة من الأرض تلى ذلك بوابة ضخمة بدت صغيرة جداً من زاوية وقوفها .. عوضاً عن ذلك فلم يكن بمقدورها رؤية الكثير من مكانها فالمدينة بدت بعيدة لكنها ليست بعيدة جداً


    فقزت من مكانها بخوف حين تحدثت عن يمينها احدى الشقيقتين البشوشتين وقد عادتا الى الغرفة مجدداً:
    - ذاك هو قصر الحكم الرئيسي بالمدينة
    وأشارت نحو صرح عظيم يخرق الأفاق


    أجابتها وهي تتأمل الصرح بذهول وقد لفتتها إليه:
    - هذا ... مُذهل
    جاءها صوت الفتاة الأخرى عن يسارها ليكون أقل إفزاعاً :
    - هو كذلك مولاتي، الأمبراطور هيدس مهندس عظيم .. لم يكن من السهل تصديق أنه أتى بتصميم خارق كهذا وحده خلال بضعة أيام ولكن برؤيته، كان من الصعب تصديق أن بمقدور أحد غيره الإتيان بفكرة عبقرية مماثلة، يقولون أن الإهتمام بأدق التفاصيل داخله عبقري ويسلب الأنفاس ..


    ليديا وقد استرعاها حديثهما :
    - الإمبراطور صممه بنفسه؟
    ابتسمت الفتاتين وهما تسحبانها نحو منضدة تقف عليها مرآة كبيرة ويقبع أمامها كرسي صغير أنيق أُجلست عليه ثم شرعت إحداهن بتسريح شعرها بينما احتلت الأخرى مقعداً أخر بجوارها:
    - انه فخر المملكة برمتها، ذكي.. حاذق، لبق وجذاب، رؤيته وحدها تجعل المرء يرغب في البكاء


    أردفت الأخرى من خلفها:
    - مع الأسف لم يتسنى لك رؤيته قبل النكبة ولكنك محظوظة كفاية بقدرتك على رؤية مملكة الملائكة .. آه لكم أتمنى زيارتها
    ليديا بتعجب:
    - النكبة ؟..




  20. #99

    الجزء السابع عشر

    شعرت بموجة من الخوف تسيطر على الأجواء بعد أن رأته حاضر في أعين الفتاتين وهما تتلفتان يمنة ويسره لتتأكدان من خلو المكان ثم تابعت إحداهن بصوت خفيض أقرب الى الهمس:
    - لا يسمح لنا بالحديث عنه ولكنه يعرف بعام النكبة، حين اعتقد الأمبراطور أن شقيقه قد أُعدم في ذلك الوقت من قبل مجلس السلام، ظلت السماء مظلمة و ملبدة بالغيوم لستة أشهر لم تسطع الشمس خلالها أبداً أو يُرى طائر محلق


    أصابتها مشاعر غريبة بعد سماع وصفهم، مشاعر تكاد تفسرها بالحزن، إنها لا تعرف الكثير عن تفاصيل الحادثة وماضي فاريوس الخاص لكن معرفتها المحدودة من قِبل حديث نوثانيل معاها كانت كفيلة بإعلامها عن مدى فداحة الأمر على شقيقه وعلى الجميع فقد كانت قصة مؤثرة بحق


    تابعت الفتاة رواية الأمر :
    - لقد كنت في الرابعة آنها وأقسم أنني رأيت الوحوش تطوف السماء دون رادع .. لقد كانت أشهر سوداء، ناهيك عن ذكر أنها كانت المرة الأخيرة التي نرى فيها فرداً من أفراد مملكة الملائكة ومماليك التحالف من قسمها، كان الأمر محزناً جداً فنحن نساء مملكة الشياطين نذوب لرؤية جمال رجال مملكة الملائكة الفريد


    تغيرت الأجواء تماماً مع تغير اتجاه كفة الحديث ووجدت ليديا نفسها تبتسم بسرور بصحبة هاتين الفتاتين اللطيفتين، لقد نسيت قليلاً حزنها و لوهلة شعرت من أنها مع نسخة مضاعفة من صديقتها ريفيان


    ~..~..~..~..~..~..~..~





    في ذات المساء بقصر الأخوين الخاص


    سمحت له نينا بالولوج الى جناح سيدتها الصغيرة الذي لم تغادره منذ قدومها:
    - مرحباً بك مولاي فولكان، انها جاهزة وفي انتظارك


    دخل فاريوس وتوقف مكانه لبرهة يراقبها بإبتسامة ذهول، تسريحة الشعر وثيابها .. انها بالتأكيد تنتمى الى هذه المملكة
    المولعة بالفخامة وأسلوب الحياة الرفيع فهي تعكس الأثنين دون استثناء ولربما أكثر، تمكن منها الإرتباك حين أطال الصمت فتحدثت متلعثمة:
    - لا يلائمني صحيح ..؟


    اقترب منها وطبع قبلة على ظهر كفها:
    - على العكس آنستي، لم يكن ليكون أفضل


    أستردت يديها من بين قبضته وشعور الإحراج يتضاعف بعقلها .. مالذي جرى له، انه مختلف تماماً عن فاريوس الذي عهدته .. انه أكثــر .. لباقة و رجولة .. تماماً كما النبلاء ..!


    مد مرفقه إليها وهو يضيف:
    - أثق أنك تتضورين جوعاً، لنكمل حديثاً ريثما نتناول طعام العشاء


    خرجت بعد ذلك برفقته تجوب القصر العظيم للمرة الأولى وعينيها تتأملانه بذهول تام .. كل شبر منه ينطق بالفخامة المفرطة ناهيك عن الجواهر الثمينة هنا وهناك، حضور الذهب والفضة في التحف واطارات الصور الضخمة أشعرها بغصة في حلقها، انه لا يماثل شيئاً سبق وأن رأته من قبل وحتى قصر المتحكمين ذاته ..


    وصلا أخيراً الى سفرة الطعام الفاخرة وأيقنت عندها من أنها مأخوذة تماماً بسحر هذه الحضارة الجديدة عليها، توزيع الأطباق والفضيات الحاملة للشموع كلها تنم عن ذوق رفيع
    ابعد لها الخادم ذو اللباس الفريد مقعداً مذهباً كسائر مقاعد السفرة بينما فعل أخر المثل لفاريوس في الإتجاه المقابل لها
    انقضى بعض الوقت ولاحظ فاريوس عدم لمسها للطعام بتاتاً
    -هل كل شيء على مايرام ليديا؟


    أومأت له إيجاباً ثم أضافت:
    - انه فقط .. جديد علي، أظنني أحتاج الى بعض الوقت لإعتياد الأمر


    ابتسم لها:
    - بالتأكيد لكن يجب عليك تناول القليل الأن ثم سأخذك في جولة في انحاء القصر


    شرعت في تذوق الطعام بتردد و تفاجأت من شهيتها حين استمرت في تذوق جميع الأطباق علها تجد ما يثنيها عن متابعة الأكل ولكن ذلك لم يحدث حتى اثقلت معدتها المتضورة قِبلاً بالطعام وأسكنت جوعتها.


    فاريوس وهما يمضيان قدماً بعد تلك الوجبة:
    - سعيداً من أنها أعجبتك


    ابتسمت بحرج فقد كانت أعين الخدم المنتشرين في كل مكان تراقبها بإنتباه:
    - إذاً فاريوس من أكون الأن هنا؟


    عقد حاجبيه متعجباً:
    - أنتِ ليديا بالطبع!!


    ناظرته بإستنكار:
    - أعلم ذلك لكن أعني ماهي الصفة التي تخولني البقاء معك في القصر، ألن يسبب ذلك الإزعاج للأمبراطور ؟
    -لا أعلم كيف غاب الأمر عن ذهني، بالتأكيد سيتبادر لك هذا السؤال .. الجميع هنا يتصور أنك قريبة للعائلة ولذلك لن يكون من المستنكر توجدك بالقصر كما تتصورين


    -هذا يبعث بقليل من الإرتياح
    -أخبرتك ليديا، لا داعي للقلق سترين كيف أن أمورك تمضي بسلاسة هاهنا


    -آمل ذلك
    أخذ بعد ذلك يريها غرف القصر وقاعاته المتعددة الضخمة حتى توقفت قليلاً عن السير بعد أن أعياها كثرته


    -هل قلت تواً من أنه أحد القصور فقط، بالتحديد كم قصر تمتلكه العائلة الحاكمة؟
    -اووه سيكون من الشاق حتماً احصائها جميعاً لكن هذا هو الرئيسي و الأكبر من بينهم


    -اعني كيف تمكنتم من بنائها مجتمعة وما حاجتكم لها؟
    -بالتأكيد لم نقم ببنائها في آن واحد، انها في الأغلب تعود الى أسلافنا منذ قديم الزمان ولها قيمة معنوية وحسية عالية لذلك لا يمكن التخلص منها فقط


    كانت قد تناست تماماً حزنها وهو يقص عليها كل تلك الأساطير والحكايات المثيرة عن أجداده وبشأن المملكة، انها ليست كما تصورت على الإطلاق، فهي تاريخ عريق حافل ومثير، لفتتها بوابة بيضاء تختلف عن باقي أبواب القصر المنقوشة خلال سيرهما فقد كانت ملساء ولا تكثر بها التفاصيل، انها حتماً تذكرها بمملكة الملائكة وان كانت فريدة عن أبوابها حتى
    -وماذا بشأنه؟


    أخفى عينيه حين أشارت لذلك الباب وأشاح بنظره بعيداً عنها:
    - انه جناح إليون الخاص


    كتمت تفاجئها الكبير قدر المستطاع ..
    - " هل يعقل أنه كان يعيش هنا؟ وماذا بشأن قصره ذاك في مملكة الملائكة"
    تابع فاريوس حديثه وهو يدفع الباب برفق ويلج بها الى الداخل:
    - كل شيء بهذه الغرفة لن تجدي له مثيلاً في أرض الشياطين فقد أُتي به خصيصاً من مملكة النور .. موطنه الأم


    اقتربت منه وأمسكت بيده حين خبت ابتسامته وهو يتأمل السحابة الفارغة وباقي محتويات المهجع الميت :
    - آسفة فاريوس، ماكان يجب علي سؤالك وتذكيرك بالأمر


    ناظرها بنصف ابتسامة:
    - لا داعي للأسف ليديا، لقد أوفيت حدادي عليه قبل قدومك وهذا ما كان يجب علي القيام به منذ زمن طويل مضى .. إذا كان سمح لي بذلك


    -انه ليس ذنبك فلم تكن على علم بما جرى فاريوس
    -انه عقابي لعصيان رغبته في المقام الأول، أظن أنه سيكون على التعايش مع هذه الحقيقة فقط
    استدار إليها بجسده وهو يتابع حديثه ويكمل طريقه نحو شرفة الغرفة:
    - والأن، ما رأيك ببعض من الهواء المنعش


    شهقت بسعادة حين فرد جناحيه وانطق بها سريعاً نحو السما،
    -"على الٍأقل .. هنالك من بوسعه الطيران "


    ابتسمت وهي تتمسك بقميصه جيداً وصرخت سعيدة لحظة اضاءة طرقات المدينة المبهرة شارع تلوى الأخر أمام ناظريها ..كانت دقائق جميلة والهواء يداعب شعرها بحرية بينما لا شيء يقيد أقدامها على الإطلاق، على الرغم من أنها يومين فقط ولكنها تشعر بالحنين منذ الأن





  21. #100

    الجزء السابع عشر

    أعادها بعد ذلك الى شرفة غرفتها الوحيدة، فالشرفات تكاد تكون محصورة على الغرف الرئيسية رغم مساحة القصر الشاهقة على عكس كونها عنصراً اساسياً في العمارة بجميع المنازل في مدينة الملائكة، انحنت برقة وأردفت:
    - أشكرك فاريوس سأتذكر هذه الليلة جيداً
    أمسك بيديها وناظرها بعمق:
    - أقر من أنكِ تبلين بلاء حسناً في تماسكك حتى الأن، أعلمي جيداً أنه لا يوجد شيء يحول بينك وبين البكاء، ان كان هذا سيساعدك على تخطى هذه الأيام فلتبكي قدر ما تشائين


    ابتسمت:
    - صدقني فعلتها كثيراً مؤخراً حتى ما بت أقدر على ذرف الدموع، ثم أنني أفرغت حزنِ جيداً على صدر اللورد دايفييل دون خجل قبل قدومِ بليلة ولم يتبقي هنالك سبب لأبكي عليه
    فتحت الفتاتين باب الشرفة حين شعرتا بوجودهما فتراجع فاريوس وطبع قبلة على ظهر كفها:
    - إذاً، تمنياتي بليلة سعيدة لك ِآنستي


    قفز بعد ذلك من سور الشرفة برشاقة و صحب فعله شهقت الفتاتين بفزع بينما ضحكت ليديا على فعلهما

    تتيانا:
    - أوه مولاتي أنا حقاً أحسدك على كسب مودة مولاي فولكان انتِ تحظين باحترام جميع حاشية القصر بفعلك هذا
    ليديا متفاجئة:
    - أ لهذه الدرجة كان فاريوس سيئاً في ما مضى


    نينا بإستنكار:
    - عذراً .. من يكون فاريوس مولاتي؟
    ابتسمت:
    -تستطيعين القول من انه سرٌ خاص بيني وبينه، هل بإمكانكما اخباري عنه وعن البقية أكثر رجاءاً ؟
    -بالتأكيد ولكن بعد تبديل ثيابك، انها العاشرة مساءاً وأنتِ لا تزالين في حلة العشاء ستوبخنا مدبرة القصر الرئيسية اذا ما رأتك على هذه الحالة


    ابتسمت مجدداً وهي تشعر كما لو أنها شخصية في أحد كتب الخيال التي كانت تكثر من قراءتها في السابق .. بالتفكير في الأمر .. تحدثت لهما مجدداً وهي تشق طريقها نحو المخدع:
    -وماذا بشأن مكتبة القصر.. لم أرى واحدة حين أرشدني فاريوس الليلة بالتأكيد هنالك مكتبة اليس كذلك؟
    تبادلت الفتاتين نظرة قلقة ثم عاودتا النظر إليها:
    - هذا لأنها خاصة جداً


    عقدت حاجبيها بإستنكار:
    - خاصــة ..بمن؟
    -بالأمبراطور مولاتي



    ~..~..~..~..~..~..~..~
    نهاية الجزء السابع عشر












الصفحة رقم 5 من 11 البدايةالبداية ... 34567 ... الأخيرةالأخيرة

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter