استدار الى مصدر الصوت المستنكر من خلفه بعد أن أراح جسدها وأنحنى بإحترام لرؤية المتحكمة كاميليا والتى لا تبدو عليها ملامح السعادة خاصة بعد رؤيتها له فقد تثبتت عينيها عليه وأخذت تحملق به بمشاعر مبهمة، تقدمت نحوهما وأخذت تتفحص ليديا الشبه غائبة عن الوعي غير أن عينيها لا تزالان تبصران الضوء
كاميليا:
- إنه يحدث إذاً
فاريوس وقد فاجئه حديثها:
- مالذي ترمين إليه سيدتي؟
رمقته بنظرة حادة وتابعت بحنق بالغ:
- لا تستحق نسيان الماضي فقد سببت الكثير من الألم للعديد ولا تزال تفعل
كان حديثها الغير ودود كفيلاً بإثارة ريبته منها فأسرع بحمل ليديا والإبتعاد عن دائرة كاميليا التى فاجئتها سرعته:
- من أنتِ حقاً؟
إنتصبت قائمة بعد أن كانت منحنية بالقرب من الأريكة وأخذت تتقدم نحوه وهو يعود أدراجه ودفعاته على أهبة الإستعداد
-توقف عن لعب دور البريء فاريوس، أنت تعلم تماماً من تكون وأنك لا تنتمى إلا هنا
أخيراً توقف عن متابعة التراجع وقد أثارت كلماتها وتر حساس في قلبه، وأخذت حدقت عينيها تتمكن منه بسيطرة تامة:
- هذا الحديث..، ماهو أصله؟
عقدت يديها أمام صدرها وهي تتابع بصرامة:
- هذا يعني أنك تعي ما أقوله
-ليس تماماً، مالذي تقصدينه من أنني لا أنتمى الى هنا؟
رسمت أطراف شفاهها إبتسامة ساخرة :
- هيا الأن فاريوس، إعتقدت أنك أذكي من ذلك، هذا الشعر وهذه العينين أتجد لهما مثيلاً هنا؟
-ليس حقاً !
بدى الشكك جلياً في صوته فشعرت بمدى تأثير حديثها عليه وتابعت غزوها لفكره:
- وماذا عن أبوين أو أشقاء؟
أراد أن يجيبها بلا لكن لسانه أنعقد لحظتها وعقله يخبره عن تفاصيل جديدة عليه قديمة من ماضيه، فهو يرى بكل وضوح وجه أمرأة حسناء تداعبه بين يديها ومن ثم طفل جميل يشبهه كثيراً وهو يحوم حوله بسرور ويحاول إسعاده، إن عينيه تضيق شيئاً فشيئاٍ مع كل ذكرى تعرض أمامه ... من هؤلاء؟ ومن يكونون بالنسة اليه؟
جثى أرضاً أمامها وليديا لا تزال بين يديه ولربما كانت السبب وراء ظهور هذه الذكريات بواقعية يكاد يلمسها دون أن تُرديه صريعاً، كان لا يزال يتعرض لومضات عن ماضيه وحلقات وصل تربط الذكريات بعضها ببعض، وأخيراً تفجر الجدار الحائل بينه وبينها حين همست في أذنه:
- وماذا عن إليون، صديقك الوسيم، أنسيت بشأنه بهذه السرعة فاريوس، أو كما يجب أن أقول الأن، فولكــــان..!
تركها تنسل من بين يديه و تتمدد على الأرض أمامه وعينيه تكادان أن تشاركانها الموضع من شدة جحوظهما، سرعان ما حاصرت يديه رأسه وأخذت تضغط عليه بقوة لتخلصه من الصداع الرهيب الذي أصابه، صداع و ألم كان علتهما عودة عُمُر ظن أنه فقده وأصبح من الماضي بالنسبة إليه إلا أنه عاد بقوة أكبر وبأدق التفاصيل.
في تلك اللحظات، ولج المتحكمون الى الغرفة ترقُباً لعودتها وأعتلت الدهشة الجميع من المشهد أمامهم فهذا أسرع نحو صغيرته الغائبة عن الوعي والأخر نحو من كان له أكبر نصيب من المعاناة بالغرفة
أنجلا وهي تنفض جسد كاميليا من كتفيها:
- مالذي فعلته به كاميليا؟
أجابت وعينيها تعومان بعيداً عن النور:
- فعلت ما كان يجب علينا فعله منذ وقت طويل مضى،فبعد كُلا، إنه لا ينتمى الى هنا أليس كذلك؟
أفاقها من قوقعتها صفعة أنجلا المدوية وقد تركت أثر بارز على وجهها الحاد الجميل:
- كيف تجرُأين ؟!
صرخت بها كاميليا بغضب وآسى :
- بل لماذا يجب أن ينعم هو بالسلام هنا ويزوال حياة طبيعية في حين يعرض حياة الجميع حوله للخطر ؟
دمعت عينيها وهي تجيبها بحزن وعتاب:
- لأنها كانت رغبة إليون التى كلفته حياته الغالية ولم تكن رغبته هو، كان يجب عليكِ إظهار إحترام لذلك
أسرع نوثانيل بوضع ليديا بعيداً حين انتصب فاريوس واقفاً بعد أن ترنح قليلاً وقد تغيرت هالته تماماً إلا هالة ملكية عظيمة وأحتدت نظرة عينيه:
- أين إليون؟ لماذا لم أره حتى الأن؟
أجابه الصمت فما كان بمقدور أحدهم الإقدام على إجابته فأعاد سؤاله بزمجرة أقوى وعندها فقط تقدمت أنجلا منه وأحتوته علها بذلك تخفف من حدة ما ستقوله له:
- لقد فعلها بك وفارق الحياة، لم نستطع منعه رغم محاولاتنا وحتى أخر رمق، أرجو أن تصدقني عزيزي فولكان
لم يمضي الكثير قبل أن يتغلب على الطامة التى حلت فوق كل خلية من خلايا جسده ويدفعها بعيداً عنه بعنف وهو يصرخ -"كـــــــاذبة"
إنه الأن في أشد غمار ثورته وفي أعمق جوف لنكبته، أسرع كلاً من نوثانيل ويوريال بتثبيته أرضاً وهو يزمجر بغضب ويحاول إبعادهم عنه بشتى الوسائل:
- هذا غير صحيح؟ لقد أقسم أن لا يفعلها وأن يتماسك حتى أجد حلاً لمساعدته
تابع عراكه وهو يصرخ ويلقى بالشتائم حتى خارت قواه وبات يأن ويعتصر آلماً بين دموعه، تقدمت أنجلا منه وأرسلته الى عالم النيام رغم مكافحته كأفضل خيار لإخراجه من واقعه ذاك.
ظلت كاميليا تراقب الموقف برهبة بل وتشارك الجميع ذهولهم حيال تصرفها الأرعن، فقد أيقظت لتو الشق الأخر القديم من روح فاريوس المميزه في أسوء توقيت ممكن بعد أن بذل إليون حياته ليُعِد صديقه الأقرب إليها ويترك له مجال عيشها مجدداً، إن الذي أصابها لحظة عودتها و رؤية الشبه الكبير الذي يجمعه بمن تكن له الكره الشديد أخرجها عن طورها وأفقدها السيطرة على أعصابها
-رباه إنها مصابة بحمى سيئة
قالها ستاداريوس بهلع من جنون أحداث الليلة وهي تتواتر فوق رؤسهم، فجسدها النحيل يتنافض من شدة الحرارة ولا تقوى ثيابها على إمتصاص كميات العرق أكثر من ذلك، هرع الجميع نحوها وصرخت بهم كاميليا قبل أن يقدم أحدهم ويحاول مساعدتها
-لا تلمِسوها
المفضلات