ظلت تراقب غليان الحساء على الموقد أمامها و ذهنها شاردٌ بعيداً عن واقعها الباهت، لقد إنقضت ثلاثة أيام ولم يعد فاريوس الى المنزل بعد، شعور القلق يتعاظم بداخلها مع كل ليلة تقضيها وحيدة و راودتها نفسها مراراً في أن تفتح الباب وتخرج للبحث عنه وعن البقية وترى ما حل بالمدينة ولكن الغلبة تكون للخوف دائماً عندما تقترب من البوابة مما زاد تعاستها، لكنها أستمرت في تحضير الطعام خلال تلك الأيام عله يعود خلال أي حظة ما ولكن
أجفلت حين صرخ أحدهم بها وأجترها بعيداً عن الموقد قبل أن ينفجر الحساء ويذيب وجهها:
- إنتبهي..!
لم يتمكن الحساء منها ولكنه تمكن من طرف ثوبها، إلا أن ذلك لم يكن ليهمها بعد أن علمت هوية المنقذ وتعلقت برقبته كما أعتادت أن تفعل:
-إيروس .. حمداً للرب على سلامتك
تمسك بها أكثر وشعرت بمقدار قلقه حين أعتصر جسدها بين يديه وهو يتمتم:
- إنه أنا.. لا داعي للقلق
فاجئته حين دفعته بكل ما أوتيت من قوة وهي تهذي بخوف بالغ:
- أين فاريوس؟ مالذي حدث له إيروس لماذا لم يعد حتى الأن
أوقفت إندفعها حين رأت خيبة الأمل التى إعترته والحزن الذي تجلى في بريق عينيه الكسيرتين:
- إنه بخير ليديا لم يصبه سوء مطلقاً
تنهدت برتياح بينما أغلق إيروس الموقد وأبعد القدر الفائر عنه:
- كان هذا وشيكاً ليديا، أرجو أن تبتعدي عن الأشياء الخطرة مستقبلاً
-أعتذر إيروس.. دائماً ما أسبب لك القلق
نظر إليها وآلمه رؤية جسدها الهزيل ووجهها الشاحب
-مالذى أتي بك الى هنا؟ هل كل شيء على مايرام بالخارج
إقترب منها وأمسك بيدها المرتعشة رغم محاولتها إظهار التماسك في تصرفاتها وتمنى لو أنها تركن إليه وتلقى بخوفها وقلقها عليه ولكنها لم تفعل فأردف بعد أن ترك يديها:
- لقد توقف الهجوم والجميع يعودون الى منازلهم، سيتم إلغاء حالة الطوارئ بعد التأكد من خلو المملكة من أي خطر
إبتسمت بسعادة:
-هذا رائع، ولكن أين هم أخبرني فاريوس أنه سيعود برفقة الجميع إذا ما إنتهى الأمر
-لهذا أنا هنا ليديا، لقد طلب مني اللورد نوثانيل إحضارك الى قصر المتحكمين الخاص هو والبقية ينتظرونك هناك
أرابتها نبرة صوته ولكنها أجابته سريعاً:
- سأتجهز فوراً إنتظرني قليلاً رجاءاً
هرعت بعد ذلك لتغيير ثيابها وهي تتوق شوقاً لرؤية والدها من جديد والتأكد من سلامة فاريوس والبقية
~..~..~..~..~..~..~..~
قصر المتحكمين الخاص ~ حيث ترعرعت ليديا
أنزلها بحرص على شرفة القصر الرئيسة ولم تنتظر قدومه فقد هرعت الى الداخل تبحث عن والدها، تجمدت مكانها برهبة لدى رؤية أوجه الجميع الشاحبة بمن فيهم فاريوس داخل صالة المعيشة وينقصهم اللورد دايفييل
كانت مذهولة وخائفة بالوقت ذاته، إن هذه ليست الأوجه التى توقعت رؤيتها لمن قد خرجوا للتو من أزمة خطيرة كتلك، تحدثت بخوف:
-أبي .. مالذي يحدث هنا؟
تنبه من شروده على وجودها و أعتراها الذهول الشديد حين انتصب واقفاً وغادر الغرفة فأسرعت من فورها نحو أنجلا الحزينة والتي رفضت أن تبادلها النظر هي الأخرى فرجتها وهي توشك على البكاء:
- مالذي يحدث أنجلا؟ أرجوكِ أخبريني
وجدت نفسها مرغمة على النظر إليها وسرعان ما احتضنتها وهي تدمع وتقول:
- سامحيني صغيرتي. مالذي أفعله فهو ليس ذنبك حتى
أبعدتها عنها وتفحصت وجهها النحيل بآسى:
- هل أنتِ بخير ليديا؟ لماذا تبدين هزيلة هكذا
أومأت برأسها وهي ترتعش:
- لا تقلقي علي فأنا بخير، مالذى جري لأبي ولماذا لا يريد رؤيتي؟ هل قمت بإرتكاب خطأ ما؟
إبتسمت لها وهي تمسح على رأسها:
- كلا جميلتي إنه يريد رؤيتك وإلا لما أقدم على طلب إحضاركِ الى هنا ، إنه فقط
أدمعت وهي تكمل:
- يعاني كما نعاني جميعاً
لم يتسنى لها طرح المزيد من الأسئلة حيث أقتحم نوثانيل الغرفة مجدداً وقبضته تشتعل ناراً، كان جديداً على ليديا رؤية هذا الجانب الثائر منه فرتعدت فرائضها وازداد عليها الأمر حين أكمل بغضب:
- لن نقف مكتوفي الأيدي، يجب أن نساعده جميعاً
صرخت أنجلا للمرة الأولى وهي توجه حديثها له:
- تمالك أعصابك نوثانيل، أنت ترعبها بتصرفاتك الحمقاء هذه
نظر الى ليديا المرتعشة وهي تراقبه بذعر وشعر بدلو من الماء البارد يطفأ حموته فقترب منها بهدوء وأعانها على القيام من الأرض ليعانقها
-آسف صغيرتي، ما كان يجب عليكِ رؤية ذلك
حاصرت وجهه بيديها الصغيرتين وأخذت تحدق في عينه وتمتص بذلك غضبه شيئاً فشيئاً:
- لا بأس أبي، أنا سعيدة من أنك لم تصب بأذى
تابعت أنجلا حديثها بعد أن هدأت هي الأخرى:
- لن يفيده تدخلنا الأن بل سيزيد الأمر سوء على المملكة برمتها ومن ثم لننتظر حتى يحين موعد المحاكمة ونرى مالذى ستؤول إليه الأمور
إنتظرت حتى أنهت أنجلا حديثها ومن ثم أردفت بتعجب:
- من الذي ستتم محاكمته؟
-لقد تم إعتقال اللورد دايفييل وهو الأن بسجن قلعة السلام حتى يتم تحديد موعد لمحاكمته
كان هذا أخر ما سمعته قبل أن تدخل في نوبة بكاء هستري..
~..~..~..~..~..~..~..~ نهاية الجزء الثالث عشر
المفضلات