الصفحة رقم 10 من 11 البدايةالبداية ... 891011 الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 181 الى 200 من 206
  1. #181

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية



    استقامت من مكانها دون أن تمنح ريفيان جواباً وهي التى لا تزال في طور الإستيعاب.. تقدم منها بإبتسامته التى تعرفها جيداً ثم انحنى أمامها وطبع قبلة على ظهر كفها بنل:
    - سمو الأمبراطورة

    أراحت يدها سريعاً فوق كتفه كدلالة له ليعاود الوقف وقضت بعضاً من الوقت في تأمل قسماته دون خجل أو وجل من نظرات الوصيفات التي تسمرت على ملامحه الفريدة بإعجاب:
    - لقد أتيت!

    ناظرها بعينيه الواسعتين وشعره الفضي الكثيف وهو يبتسم بإنشراح:
    - لم يكن الأمر بهذه السهولة، لكنني فعلتها ووصلت ليلة البارحة


    رفعت يديها ولامست خده ليتأكد عقلها المتخدر من كونه حقيقة ملموسة ثم أستردتها الى قلبها ببطء متذبذب لتهمس:
    - أنت حقاً هنا إيروس!

    ضحك بخجل:
    - وأنا الذي كُنت قلقاً من نسيانك لي، لاتزالين ليديا التى أعهد إلا أن على الإقرارُ من أنك أصبحتِ فاتنة الى درجة لا تُقاوم

    قاطعت ريفيان حديثهما الودود بجفاف:
    - قليلاً من الرسمية لن تضر أحداً ولكنها بالتأكيد ستخفف شيئاً من حدة جحوظ الأعين حولنا، كما أتصور أن نائباً مرموقاً في مقامك يدركُ أنه من غير اللائق إلقاء التحية على الأمبراطورة قبل المرور على جلالته أولاً وخاصة أنه بالقصر الأن..

    لم تتزحزح عيناه بعيداً عن ليديا قدر أنمُله وهو يجيب بصدق أبهج سريرتها:
    - ما كان بوسعي الإنتظار لدقيقة أخرى قبل الإطمئنان عليها، سأذهب لإلقاء التحية على جلالته الأن ثم سأحرص على العودة إليك بعد الإنتهاء من مهمتي معه مولاتي

    هنا ابتسمت ليديا في وجهه بوقار و تحدثت بدماثة امبراطوره:
    - لك أن تذهب لورد إيروس وسأقابلك بالحديقة الغربية عصر اليوم لتناولِ بعضٍ من الكعك سوية ولتحدثني عن أحوال مملكة الملائكة وشعبها الحبيب، أمل أن ذلك لا يتضارب مع مهامك لدينا خاصة وأنك ستكون ضيفاً على المملكة لوقتٍ قصيرٍ كما أظن
    - هذا صحيح، سيتوجب علي المغادرة صباح الغد وأخشى أنه من غير الوارد تمديد إقامةِ هاهنا لأكثر من ذلك، لذا سأكون سعيدٌ جداً بقبول دعوة جلالتها

    انقبض قلبها بألمٍ حين ذكر موعد الفراق وهي التى لم تتمالك بعد سعادتها لرؤيته وقد أتى محملاً برائحة الأحبة، أومأت له بسكونٍ فأخرج جناحيه العريضين وغادر شرفتها التى أحتفظت بشيء من ريشه المتساقط، أمرت بعد ذلك بجمعه وإستخدامه في تزيين الغرفة ثم ذهبت لتفقد زينتها وقلبها يستعرض لائحة الأشخاص الذين ترغب بالسؤال عنهم والإطمئنان على أحوالهم منه وغصة الحنين لا تزال عالقة في حلقها..


    ~~~


    في عصر اليوم ذاته ~

    أعادت وضع الكوب الذي راق لها محتواه على الطبق المخصص له وقد وجدت كفايتها منه بينما كانت تُنصت لأحاديث الفتيات المشبعة بالفضول وإجابات إيروس عليهن بلباقة وخجل أمام الحديقة الغناء أمامهم، تأملته لبرهة بسرور وانشراح.. ذات العينين والشفتين إلا أنه يبدو أنضج وأكثر رجولة مما عهدته من قبل.

    شعر بنظراتها له وقد كان مشغول البال بها أساساً منذ انضمامه اليها وسط هذه الجنة المزهرة، وأخيراً وجد الشجاعة ليطلب رفقتها في نزهة بين الأزهار، أبدت موافقتها بدماثة حين مدت يدها إليه ليعينها على الوقوف ويقود الطريق بخطوة أسبق، في حين سارت الوصيفات من خلفِهما على بعد مسافة ضئيلة .
    -مالذي يشغل بالك ليديا، لم أتمكن من سؤالك قبل قليل وأنتِ مُحاطة بهذا الكم من الشابات

    ابتسمت:
    - أليس من البديهي جداً عزيزي إيروس، بالأمس كنت فتاةً أكبر همومها هي مشكلاتها الخاصة والأن أصبحت امرأة لديها واجباتٌ ورعية لترعاها، القلق الدائم من الإخفاق أو إتخاذ القرارات الخاطئة أضحى لا يفارقني، أتصور من أنه سيلازمني بعضاً من الوقت حتى أتكيف مع واقعي الجديد هذا
    ناظرها بعمق قبل أن يخرج من سكر خياله الخاص بها ويجيب:
    -أرى قليلاً من حذاقة الأمبراطور الأن فقد ظفر بك من بين النساء وأحسن الأختيار لنفسه ولمملكته، لربما لم أمتلك الشجاعة من قبل لقولها ولكنني أتمنى لكِ السعادة من أعماق قلبي وأرجو صادقاً من أن لا تفقدي ابتسامتك وطباعك الدافئة مع مرور الوقت

    أراحت بيدها الأخرى فوق عضده في محاولة لتغيير كفة الإهتمام في حديثهما وهي تبتسم بخجل:
    -وأنت إيروس، ألن تجد لنفسك فتاة لطيفة بعد؟ أراهن أن الشابات يتقاتلن عليك الأن وقد أصبحت النائب اللامع للورد نوثانيل.

    توقف عن متابعة السير واستدار بجسده في اتجاهها، فاجئها قليلاً لكن مفاجئتها الحقيقة أتت فيما أردفه بتلعثمٍ وخجل:
    - في الحقيقة ليديا هذا ما أردت رؤيتك من أجله جنباً الى تهنئتك بالزواج، أتيت طالباً الأذن منك في الإرتباط بإحداهن



    " وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى "


  2. ...

  3. #182

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية




    أراحت يدها على صدرها لتعكس التفاجئ السعيد الذي أنعكس في حدقيتها التى سرعان ما اتسعتا بإشراقة لامعة:
    - إيروس هذا رائع، كما أنا سعيدة لسماع ذلك بالتأكيد أنا موافقة ولم يكن من المفترض أن تنتظر أذني للمضي قدماً في أمرٍ كهذا على الإطلاق، أنت حُرٌ فيما تقوم به صديقي

    رفع احدى يديها وطبع قبلة طويلة عليها قبل أن يردف برنة حزينة:
    - بلى ليديا، لطالما شعرت بوجب القيام بذلك، إنه من غير اللائق قولها وقد أصبحت في عُهدتِ رجُلٍ أخر ولكن قلبي لم ولن يعشق امرأة سواك مدى الحياة، إن كان الأمر لي فأنا واثقٌ من أنني لن أفكر في الزواج أبداً حتى لا أظلم ذاتي وأجحد الفتاة حين أُدرك جيداً في قرارة نفسي أنه من المستحيل أن تحُل محلك مهما بلغنا من العمر، إلا أنها على علمٍ بشأننا وعلى أتم الإستعداد للمضى قدماً في هذه العلاقة دون توقعات أو مطالب.

    سحبت يدها من بين يديه وعينيها تعكسان ألماً عميقاً فقد رأت ذاتها في تلك الفتاة، زواجٌ لا يمت الى العاطفة بصله ولا يُبقى عليه سوى قداسة النذور التى قطعوها على نفسيهما في بداياته، كيف أمكنه أن يكون بهذه القساواة وعن أي حياة يتحدث:
    - ثق جيداً من أنني سوف لن أسامحك إيروس إن أنت فعلت هذا بها؟ أرى في الموت رحمة أجُل من بيت لا تسكنه عاطفة ومودة، أرجوك أن تدع الماضي وتمضى قِدماً في حياتك، لم يكن من المقدر لنا أنا نعيش سوية ولست نادمة على قراراتي السابقة فأرجو أن تقوم بالمثل

    احنى رأسه قليلاً ليخفى مشاعره وهو يجيبها بلباقة:
    - سأبذل مابوسعي ليديا، ثقي من أنني سأفعل وهذا جُل ما أستطيع وعدك به

    -إذاً، هل حصل لي شرف معرفة العروس من قبل ياترى، الفضول يقتلني منذ اللحظة؟

    قالتها ببشاشة ومرح وهما يتابعان المسير بين ممرات الأزهار المتفتحه:
    - بلى مولاتي، إنها سينا مساعدتي القديمة إن كُنت تذكرين، وهي توصل لكِ أصدق التهاني والمباركات

    ناظرته بشيء من المكر:
    - أوه إيروس بالطبع أذكُرها جيداً، مرحى لك فهي جميلة جداً وعلاوة على ذلك لطيفة ورقيقة، أشعر بالراحة لمعرفة أن صديقي المحظوظ في أيدي أمينة، أيمكنني أن أسأل عن كيف حدث هذا.. أعنى كونكما على علاقة جيدة ؟

    ضحك وهو يشيح بنظره الى الإتجاه المعاكس:
    - تغارين؟

    ناظرته بشفاه مبتسمة ثم أردفت بعفوية:
    - آسفة إيروس ولكن لا فرصة لديك أمام هيدس

    أشتعلت خجلاً حين أخفى عينيه من شدة الضحك بعد تصريحها العاطفي الجريء، لكزته بقدمها وهي تتصنع الجمود:
    -توقف عن إحراجِ قبل أن أوقعك في المتاعب والأن، تناسى فضولي بشأن حياتك الخاصة وأريدك أن تخبرني عن أحوال والدي وعن البقية بأدق التفاصيل


    أذعن لأوامرها بإستلام كفة الحديث في حين أكتفت هي بالإستماع له بإستمتاع وسعادة، شارقت الشمس على المغيب فعاد بها الى المجلس الذي تم نصبه في الهواء الطلق وتزويده بمختلف أنواع الفاكهة والمشروبات الباردة إكراماً له بعد توصيتها وأوامرها، هناك قضى معها بضع ساعات أخرى وهما يخوضان تارة في نقاشاتٍ متنوعة وتارة أخرى في استرجاع ذكريات الماضي الجيدة دون أدنى إعتبارٍ للعالم من حولهما..


    ~..~..~..~..~..~..~..~



    لاحقاً في مخدعها بعد أن ودعته بحرارة و حزن، استبدلت ثيابها الى قميصٍ حريري ناعم إستعداداً للنوم ثم جلست على أحد الأرائك وحيدة تقرأ ما خطه لها والدها المحب في أجواء خافته ساعدتها على إظهار مشاعرها بحرية أكبر، تسللت بضع دمعات مسحتها سريعاً حتى لا تبلل ورقتها الثمينه، طبعت قبلة عليها حين أنهتها ومن ثم قربتها الى صدرها المختنق من شدة الإشتياق
    - آمل من أنني لا أقاطع حدثاً هاماً الأن

    تجمدت مكانها من عنصر المفاجأة وأختارت البقاء دون حراك، لاداعي لان تلتفت فهي تعرف من هو فقد شعرت بحضوره بكل عصب وكل نبض في جسدها، أقترب من ظهر الأريكة التى تحتلها وتوقفت عن التنفس حين رفع شعرها الطليق ليشتمه ويقبله، تحدثت بتلقائية وهي تفرض قدراً يسراً من السيطرة على مشاعرها المختلطة:
    - لم أكن أتوقعك الليلة؟!



  4. #183

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية




    استدار عنها قاصداً منضدة مرتفعة بها مُختلف أنواع العصائر، سكب لهما كوبين قبل أن ينضم إليها ويناولها احداهما ليجعل قلبها يتسارع بجنون لما يقوله وهو يحتل مقعداً قريباً:
    - هذا كان قراري حتى شدني قضاء مبعوث مملكة الملائكة وقتاً سخياً برفقة زوجتي في أجواءٍ من الألفة والسرور، أهنالك سرٌ ما ياترى؟

    تظاهرت بالامبالاة في حين يدوي قلبها بصخب لمجرد التفكير من أن حديثه يمكن أن ينم عن شعوره بالغيرة تجاهها، شدة على الكأس بين يديها بخوف وهي تتلاعب بخطورة في نبرة اجابتها الباردة :
    - ستكون على علمٍ بجميع ما قد أسلفتُ في حياتي فلم العجلة؟

    احتدت نظراته وتغيرت الهالة من حوله على نحوٍ فاجئها حتى النخاع إلا أنه تابع بذات البرود:
    - هذا صحيح عزيزتي، إلا أنني لست صبوراً كما أُظهِر ولا أحبذ ترك الأمور التى تمسني دون إيضاحات

    تباً له لماذا يتظاهر بالإكتراث في حينٍ ثم يذيقها كأس التجاهل متى شاء، تمسكت بدموعها جيداً وهي تجيبه بصوتٍ مهزوز:
    - أراد أن يطلُب الأذن مني كي يتزوج، هذا كُل مافي الأمر جنباً الى إجابته عن بعض أسئلتي بشأن عائلتي وأصدقائي القدماء

    عقد حاجبيه تعجباً من حديثها وشعرت من أنها ستفقد صوابها إذا ما استمرا في التحدث معها بأسلوب القاضي والمتهم هذا:
    - ولماذا عساه يطلب إذنك في أمرٍ شخصي كهذا؟



    بلعقت ريقها وهي تضع الكوب الذي لم يمس شفاهها فوق طاولة القهوة أمامهما وتهم بالقيام:
    -هذا لكوني كنت حبه الأول هيدس وشعر بضرورة فعلها لحاجة ما في نفسه لا علم لي بشأنها، سأذهب الى النوم الأن، لقد كان نهاري طويلاً بما فيه الكفاية

    تصلبت حين تحطم الكوب بين يديه وهو لا يزال يناظرها بحدة:
    -وماذا عنك؟ أكان حبك الأول هو الأخر؟

    أتقنت تقمص دور اللامبالاة التى تعلمتها جيداً على يديه رغم احتراق فؤادها قلقاً على ما أصاب كفه:
    -إن كان هذا سينهي أستجوابِ لهذه الليلة فالإجابة هي بلى، لا أظن أنني بحاجة الى التطرق في تفاصيل الماضي خاصة وهي ستكون داخل عقلك قريباً، عمت مساءاً.

    كانت قد اقتربت من سريرها الوافر كثيراً حين قبض على عضدها بغلظة وأرغمها على رؤية عينيه المشتعلتين:
    -لم أنهى حديثِ بعد ليديا

    أبعدت يده عنها بقساواة وهي تجيب بشيء من العنف:
    -ليس هنالك ما نتحدث عنه هيدس، أتركني أنام الأن أنت تؤلمني

    شهقت حين حملها وألقاها فوق السرير بغضب وأجفلت لما شعرت بأنه ينوى القيام به وسط تلك المشاداة فأردفت بهلع :
    - أنت لن تُرغم نفسك على امرأة لا تريدك؟!

    تمتم وهو يدنو منها ليُقبل شعرها ورقبتها بعاطفة هوجاء:
    -ليس إذا كانت زوجتي ..




    أشاحت بجسدها نحو الإتجاه المعاكس من السرير بعيداً عنه وهي تذرف دموعاً صامتة وتصر على أسنانها حتى لا تصدر صوتاً يسمعه، إنها المرة الأولى التى يعاملها فيها بهذه القساواة خلال الشهرين الماضيين لترويض صدها عنه مطلع هذه الليلة، فالطالما أسرها برجولته وسحرها بيده الناعمة ولمساته الحانية التى تخدر عقلها وتخرجها من هذا العالم بالكلية..

    لوهلة شعرت من أن رغبتها في اصلاح ما تهدم بينهما أضحت بعيدة المنال والفجوة بينهما تتسع الى مالا نهاية، قنوطٌ جارفٌ يكسو جمال الذكريات وألوانها البراقة في مخيلتها بأخرى ضبابية يسودها لون الرماد القاتم ليعزز من شعورها بالإكتئاب، سرعان ما تظاهرت بالنوم حين لغى المسافة بينهما وهو يعانقُها من ظهرها بحنان بالغ بينما تلامس جبهته الدافئة كتفها العاري، همس بضعف وتيه سمعته جيداً من بين ضربات قلبها الثائر:

    - سامحيني حُبي، لم أتمالك أعصابي لمجرد تصور طيفك يعبر مخيلة رجلٌ أخر وعاقبتك على ذلك بكل وضاعة وحماقة، لا أدري إن كان قدري أم لعنتي هي ما أوقعني في شباكك بهذه الطريقة المُشلة، فأن تسكنني امرأة الى هذا الحد هو أمرٌ يقف عقلي عاجزاً عن فهمه مهما استبسل في المحاولة، لقد أذيتك كثيراً بأسلوبي الخاطئ في المحبة ولكنني لا أفقه سبيلاً أخر لإظهار مشاعري الهائمة، انه من الصعب علي الإعتراف بذلك لكنني ضائع بين مشاعري وتصرفاتي معك وهذا يغضبني حتى النخاع، أعدك.. سأخلي سراحك قريباً وسأُبقى على مراقبتك من السماء عندما تُحلق روحي بعيداً عن هذه الأرض، وحتى ذلك الحين، أرجو أن تبقى بجانبي لأموت سعيداً وتنعم روحي بالرخاء.


    ~~~


  5. #184

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية



    أستيقظت من نومها فزعة وصدى صوتِه لا يزال يتردد في أُذنها ويهز شرايين وأوردة قلبها المتنافض بهلع، تفقدت فراشها سريعاً لتجد أنها وحيدة عليه ولا أثر لوجوده في المخدع على الرغم من أن الفجر لا يزال ببعيد، هنا أسرعت بوضع ثيابها عليها ثم التوشح بعباءة سميكة لتخفى معالم أنوثتها وهرعت خارج المخدع تقصد مساحته الخاصة بأنفاسٍ صاخبة، تباً لعقلها كيف سمح لها بالغفو بعد سماعه لكلمات الوداع التى نطقت بها شفاه هيدس أخيراً ومن ثم ما أفصح عنه بشأن مشاعره!، كلا.. لا يمكنه الرحيل الأن ، ليس قبل أن يقطع شكها باليقين ويمنحها إجابات مفصلة عن جميع أوجه الحيرة التى طال تخبطها بها، وبالتأكيد ليس قبل أن تصارحه عن مدى محبتها له حد الجنون


    أخذت الدموع تنهمر من عينيها وتشوش عليها وضوح الرؤية وهي تسترجع تفاصيل حديثه المدمر قبل خيانة النوم لها، كيف له أن يتجرأ على التفكير في غير محبتها له مذ وهبته عذاريتها بأقصى ما تملك من عاطفه حتى لا يصيبه خدش من الأذى، أو لم يطلب منها سلفاً أن لا تبغضه كما أبغضت ابن عمه من قبل حتى لا يتحول الى مسخٍ قبيح المظهر أو يموت قبل تحقيق هدفه، إنه لم يزداد سوى كمالاً و وقوة مع كل ليلة يقضيانها سوية فلماذا لم يفهم رسائلها الدفينة بالمحبة؟ لقد فكرت من أنه ذكيٌ بما فيه الكفاية ليدرك حقيقتها دون حاجتها للبوح لا ان يقوده عقله الى الإتجاه المعاكس ويرى أن برحيله عن عالمها فهو بذلك يقدم لها الخلاص الأمثل لجميع همومها ويمنحها بداية جديدة مع من تريد


    كانت قد وصلت الى قاعة الأبواب الثمانية في زمنٍ وجيز وسرعان ما قصدت مكتبه لتقتحمه دون قرعٍ مسبق.


    توقف هيدس عن إملاء رأس مساعده بالأوامر والنواهي التى يجب عليه اتباعها بعد رحيله وأخذ يناظرها بعينين مدهشوتين الى الدرجة القصوى وقد استرعت كامل انتباهه بحيث لم يشعر بتراجع مساعده ومغادرته للمكان.


    راح صدرها يعلو ويهبط وهي تبصره يقف أمامها بهامته التى تعشق قبل أن تكتم أنفها وفمها خلف يديها لتمنع عنه صوت بكائها المرير فرحاً بوجوده، تقدم يقصدها بقلقٍ جلي وسرعان ما ألقت بذاتها بين أحضانه ليغطس رأسها في صدره حين لم يفصلهما عن بعضهما البعض سوى بضعت أشبار.
    -أرجوك قل لي من أنك لن ترحل دون أن تخبرني هيدس و أنك لن تتركني وحدي أبداً


    ضمها إليه بشدة كمن يخاف أن يفقدها من جديد في حين كان من الصعب جداً أن يتفوه لسانه المُكبل بحرفٍ واحد، رفعت وجهها المبلل بالدموع لتتخاطر مع عينيه و تعرف في أي زمانٍ هي الأن، همست وصوتها مرتعش النبرات:
    - كنت ستذهب الليلة دون اخباري أليس كذلك؟


    أومأ لها بالنفي ثم قال:
    - لم أتصور من أنكِ ستبالي بوجودي أو غيابي، لقد كنت ملعوناً حتى لا أرى الحقيقة حتى الأن
    صرخت به وهي تلكز صدره بقبضتيها:
    - أحمق .. هل كنت تنتظر إلا أن أقضى نحبي حتى تتيقن من أنني لطالما كنت متيمة بك وحدك، أم تظنني متبلدة المشاعر لأشاركك الفراش وأنا لا أعدك الرجل الوحيد في عيناي.. تباً لك هيدس وكنت أظنك الأذكى من بين الرجال


    توقفت عن تنفيس انفعالها عليه حين أخذ يضحك بسعادة أمامها كما لم يفعل من قبل واكتفت بتأملٍ خاشعٍ أدته جميع حواسها مجتمعة لحفنة المشاعر التى فُضحت مع فعله ذاك، لا شيء آخر غير الذهول يتملكها جنباً الى سكينة عجيبة تتغشى خلاياها الثائرة لتعيد اليها طبيعتها الموزونة بصُنع قدير


    تمالك رغبته في الضحك ليناظر تلك العينين الجاحظتين وهي لا ترى سواه من هذا المخدع.. تلك النظرات، نعم هي ما أخترقته وأتمت تدمير الحواجز التى شيدها حول قلبه بإحكامٍ مُسبقاً، فقد حُل التشابك الذي سكن عينيها و تمكن أخيراً من قرأت مكنونها ككتابٍ مفتوح، في لحظتها عانقها مجدداً وهو يشبع أنفه من رائحتها بشهيق قوي جعلها تعاود البكاء ندماً على تلك الأيام التى قضوها في تقاربٍ حسي وتنافرٍ روحي في حين كان بإمكانهما تذوق هذا القدر من السعادة بقليلٍ من الصدق وكثيرٍ من الشجاعة، تشبثت أناملها برقبته جيداً وهي تقول:
    - هل ستغادر قريباً؟


    أومأ لها بالإيجاب قبل أن يتكأ برأسه على كتفها ثم قال لها وفي صوته تجمعت كل النبرات:
    - في نهاية هذا الأسبوع


    شعر بالرعشة التى سرت في جسدها النحيل لكنه لم يرفع رأسه بعد فهو أضعف من أن يقابلها بعينيه، طوقها بين يديه وهمس بصوتٍ خفيض:
    - اجعلي دعمك لي يمنحني الشجاعة ليديا، لقد طال مكوث فولكان بعيداً عن مكانه وأهله وأثق من أنني سأتمكن من فعلها الأن لذا أرجو أن تسامحيني على إخفاء الأمر عنك
    أبعدته عنها لتناظر وجهه وتسمح لأناملها بالمسح عليه:
    -لكنك ستعود هيدس، يجب أن تعود إلى فلن يكون لي زوجٌ أخر غيرك أهذا صحيح؟


    ابتسم بإنشراح وهو يقبل جبينها بشغف:
    - لا يترك الرجل النبيل زوجته فوق سريرٍ باردٍ طويلاً، خاصة إذا كانت بارعة الجمال مثلك حتى لا يتخطفها الرجال.. أنتظريني ليديا فأنا حتماً لدي ما أعود إليه الأن حبيبتي
    ألصقت جسدها به وهي رافعة الرأس تناظره بمحبة بالغة ودلال:
    - بل ستعود "إلينا" هيدس، لقد انقطع طمثي منذ أن سكنت الى وأنا أحمل طفلك الأن بين أحشائي.


    جحظت عيناه بتفاجئ ولم يتمالك صدمته حتى أبعدها عنه وانحنى على ركبتيه أمامها ليتقرب من بطنها، أرح أذنه عليها فضحكت برقة:
    - عليك الإنتظار لثلاثة أشهر أخرى قبل أن تتمكن من الإحساس به فهو لا يزال خجولاً جداً ليخبر العالم عن عومه في داخلي
    دفن وجهه في بطنها وراح يقبلها مرات عدة وليديا تضحك فعله حتى انحنت إليه وعانقتها مجدداً:
    - آسفة لأنني أحتفظت بهذه الحقيقة لنفسي، لم أكن أملك الشجاعة الكافية لمواجتك لذلك أبقيت الأمر سراً عن الجميع


    أسكتها عن متابعة الحديث حين أراح سبابته فوق شفاهها المكتنزة:
    - كفى ليديا، دعكِ من الماضي ولا تشغلي بالك به حتى، سيكون لنا طفلٌ هل تصدقين ؟
    أومأت له بالنفي وهي تضحك وتبكي في الوقت ذاته من فرط السعادة:
    - كلا هيدس لا أصدق ولن أصدق حتى أشعر بنبضاته بداخلي ونبضاتك بقربي فلا تتجرأ على التخلي عنا هل فهمت؟


    أعتدل في جلسته أرضاً وقربها منه برفق:
    -أظن انه الخيار الوحيد أمامي، ثقي بي ليديا وسأعود إليكما أقرب مما تتصورين
    انقضت لحظات من السكون قبل أن تعاود حديثها الخفيض:
    - متى ستعود؟
    -لا أعلم حقاً، مارأيك بأن نعيش اللحظة ونتجاهل التفكير في المستقبل الأن؟


    أصلحت زاوية ظهرها المتكأ على صدره وأمالت رقبتها لتريحها قرب قلبه بينما ضمت ذراعه إليها:
    - طفلك هذا يرسلني الى النوم دون سابق إنذارٍ مع نموه بداخلي، إن استغرقت في النوم.. احرص على تقبيلي قبل أن تغادر الى عملك صباحاً
    همس وهو يداعب شعرها الطليق بيده:
    - كنت سأفعل ذلك على أية حال


    كشرت عن حاجبيها وهي تتذكر شيئاً مما زاد من تعاستها مسبقاً:
    - كما أنني لست عشيقتك لتزورني ليلاً وتهرع عائداً الى غرفتك مع أول فرصة سانحة، سأمر بتدمير مساحتك الخاصة حينما تعود وستنتقل الى مخدعك الجديد بالطابق الأخير معي هل هذا واضح؟


    ضحك وهو يحتضن رأسها الملاصق لصدره:
    - سمعاً وطاعة جلالة الأمبراطورة، هل من أوامر أخرى تُرضى جلالتك؟


    ابتسمت بسرور وهي تطبق عينيها تبعاً لشعور الراحة الذي أخذ يجتاحها:
    -هنالك الكثير لنتحدث عنه امبراطوري ولكنني أفضل التريث حتى يكون عقلي أصفى مما هو عليه الأن، سأقلب حياتك رأساً على عقب كما فعلت بحياتي ولن تتخلص مني أبد الدهر.. أووه صحيح، لا مزيد من التلاعب بالعقول سيد هيدس


    عقد حاجبيه يتصنع الإمتعاض وهو يردف بمكر:
    - لكنني نويت إخراج ذلك المدعو إيروس من رأسك كما سأنتزع ذكراك من رأسه قريباً
    تركت يده ورفعت عينيها لتناظره بتهديد:
    - أفعلها وستكون في عِداد الأموات


    ضحك مجدداً واعتصرها بين ذراعيه ليجتر الإبتسامة من شفتيها، كنا يتصرفان كالأطفال الصغار الى أن السعادة التى تحيط بهما لا تُقدر بثمن، أرادت غيظه واختبار غيرته مجدداً فواصلت بثقة:
    - ما رأيك بإيروس كتسميت لطفلي إذا كان ذكراً فمن يدري، لربما يقتبس شيئاً من وسامته الطاعنة تلك
    في لحظتها، وجدت ذاتها مطروحةٌ أرضاً وهو يحاصرها من فوقها بنظراتٍ ملئها الخبث والحنق:
    - خمس دقائق ليديا، خمس دقائق وبإستطاعتي أن أُنسيك اي رجُلٍ على سطح هذا الكوكب، هل تراهنين؟


    شردت بعينيها بعيداً عنه وهي تعض على شفاهها بخجل:
    - أسحب ما قلته
    أبتعد عنها وهو يبتسم ابتسامة غرور وانتصار:
    - جيدٌجداً، سأصفح عنك هذه المرة فقط على أن تكوني فتاة عاقلة هل اتفقنا؟




    أومأت له والخجل لم يفارق خديها بعد وسرعان ما جنحت إليه حين دعتها ذراعيه القويتين، أحتضنته وأغمضت عينيها بسرورٍ أرسلها الى أجملِ نوم تنعم به منذ زمن.

    ~..~..~..~..~..~..~..~





  6. #185

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية



    بعد مرور خمس سنوات ~


    أرخ الليل ستاره على مملكة الشياطين ومنح الإذن للأجساد بالتوقف عن معاركة الحياة لذلك اليوم بسحر سماءِه الداكنة وأجواءه العليلة المسالمة

    تناقصت أعداد متجولِ الطرقات المُضاءة في مُختلف المدن والقرى بشكل ملحوظ حين أخذ الجميع بالعودة الى منازلهم الدافئة طلباً للإسترخاء وتوقاً الى صباح اليوم المقبل السعيد، فهاهو الإنتظار يصل الى ذروته بعد أن أستمر طويلاً وأنقضى ثقيلاً على قلوب التائقين له بين سائر أيام العام المنصرم، حيث أخيراً تسطع أشعة شمس أولى أيام العطلة الربيعية الساحرة وما يصاحبها من احتفالاتِ زاهية فرحاً بقدوم موسم تفتح الأزهار .

    أنهى واجبه الأبوي بخلود صغيريه الى النوم بعد مشاكساتٍ طويلة، عندها غادر متسحباً و عائداً الى مخدعهما وهو يرسم تفاصيل الليلة الحميمة التي يحلم بها طيلة أيام الأسبوع المزدحم لكليهما، ابتسم وعينيه تعكسان الإستقرار والراحة، رباه لكم اشتاق إليها والى حديثها ولمساتها الناعمة، لقد أنقضت خمس أعوامٍ منذ أن أقسم لها بالإخلاص وتذوق كأس الهناء معها إلا أن التخوف من أن جميع ما يعيشه هو محض حلمٍ طويل لا يمت الى الواقع بصلة هي احتمالية لا تكاد تتركه وشأنه لينعم بسلامٍ داخليٍ تام.

    أدار مقبض المخدع الفسيح وولج بتحركه الهادئ كعادته، لم يكن من الصعب إيجادها من شدة الطاقة المشعة التى تنبعث من روحها الشفافه فقد وقعت عينيه عليها لحظة أستقراره بالداخل، كانت تجلس على الكرسي المتحرك المُقابل للسرير حاملةً طفلتهما الرضيعة بين يديها بكل حبٍ وحنان وهي تداعبها بلطف، عبس وجه الطفلة الجميلة وكادت أن تملأ المخدع بصرخاتها الجائعة فأسرعت الأم الرؤم بإنزال حمالة قميصها الرقيق عن أحد كتفيها لتسقيها شيئاً من لبنها

    -توقفي حالاً ليديا ولا تفكري بذلك حتى..

    أستدارت الى مصدر الصوت الجاد وسرعان ما ناظرته برجاءٍ وحب وقد بدأت الصغيرة بالبكاء:
    - أرجوك حُبي لا تحرم الطفلة حليب والدتها، لا يُعقل أن تغار من ابنتك؟

    تنهد بإنزعاج وهو يتابع ولجه الرزين، لماذا لا تسير الأمور كما يريد لها أن تكون ولو لليلة واحدة فقط!:
    - تعرفين موقفي جيداً ليديا فلا جدوى من محاولة إقناعي الأن، سأمنحها مئة مرضعة لتشبع رغبتها بهن، ألا يكفى أنك تكبلتي عناء حملها وإخراجها الى هذه الحياة بعد أن مكثت بداخلك كل تلك الأشهر !

    ازداد بكاء الرضيعة فلم تتمالك ليديا عاطفتها وقلبها يعنفها على تركها تبكى لتلك المدة، تجاهلت أمره وألقمت الصغيرة ثديها التى سرعان ما تشبثت به وأخذت ترضع بسكون:
    - آسفة حُبي، لن أسامح نفسي على حرمانها مني ولو جلبت لها ألف مُرضعة، كما أن ذلك يسعدني ألا يكفيك هذا؟

    استدار ليمنع نفسه من رؤيتها تشارك جسدها أحداً غيره والغيرة تعكر صفوة مزاجه الذي أنقلب رأساً على عقب، إنه يناقض ذاته مع مرور الأعوام فبدل أن يزداد حكمةً وحلماً أصبح كالأحمق الكبير الذي يستشيط غضباً من الهواء إن طال عبثه بشعرها أو ثيابها بعد أن أطلق العنان لذاته التى طال كبتها تحت قناع الرصانة و الهيبة، كما أن أطفالهما في صحة ممتازة بعد أن أغدقت عليهم من طاقتها الشفائية بإفراط الى الدرجة التى تأذى لها جسدُها الهزيل وهذا ما زاد من إنزعاجه:
    - مالذي أتى بها في هذه الساعة، أليس من المفترض أن ترقد في مهدها الخاص الأن؟

    أطلق تنهيدة استسلام حين أجابت بدلال وهي تناغى الطفلة و تعيرها الحيز الأوفر من اهتمامها:
    -كفاك قساواة هيدس، لقد أشتقت إليها كثيراً فأنت لم تسمح بأن تشاركنا المخدع منذ ولادتها، لم أشاء أن تسرقني المهام والمصالح عن زهرتي الأولى إلا أن هذا ما يحدث رُغماً عن أنفي ورغبتي لذا فأنني سأنتهز أية فرصة ممكنة لقضاء بعض الوقت الخاص معها.

    خلاصة القول هو أنها لن تتراجع عن موقفها ولو شارفت الدنيا على الإنتهاء، هذا ما يعنيه حديثها دائماً وأبداً وعليه فإن الحكمة تقتضى التوقف عن إضاعة مزيدٍ من الوقت في الجدال، أستدار ليقصد الحمام وكان عليه المرور بهما أولاً، توقف أمامهما لبعض الوقت بمشاعر مختلطة فشعرت ليديا من أنها اللحظة المناسبة لإستجلاب عاطفته التى تدرك حجمها تجاه أطفاله:
    -أنظر إليها هيدس، إن لها عينيك تماماً، أظنها أكثرهم شبهاً بك وحتى من صغيري فاريوس .

    أقترب منهما على مضض وانحنى ليصبح في مستوى مقارب من زوجته، تمتم وهو يراقب الطفلة الساكنة:
    - إنها الأجمل على الإطلاق مما رأت عيناي، تبدو مستمتعة جداً، هذا ليس عدلاً ليديا



  7. #186

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية



    أطلقت ضحكة خفيضة لتذمره الطُفلي وانحنت عليه لتقبله فبكت الطفلة بإنزعاج بينهما، أسرعت ليديا مبتعدةً عنه بدورها لتفقدها، عندها قال بإبتسامة ماكرة وهو يمسح على شعر صغيرته الأسود:
    - فتاة ذكية، تدرك جيداً أن والدها لن يسمح لها بتذوق لبن والدتها مرة ثانية وتريد أن تستغل الفرصة كاملة لنفسها.

    عبس وجه الطفلة فدنت ليديا قريباً من أُذنها وهمست لها بمحبة:
    -لا عليك منه سأتسلل خصيصاً لإرضاعك كل ليلة حبيبتي

    ناظرها هيدس واحدى حاجبيه مرفوعٌ بحدة:
    - أمن المفترض أن يدل حديثك على قيامك بإرضاع الطفلين الشقيين من قبلُ عزيزتي؟ يُستحسن أن تصدقيني القول حتى لا أحرم الطفلة من بقية حصتها فكما تعلمين، زوجك ماهرٌ جداً في تمييز الكذب من الحقيقة

    عضت على شفتيها وهي تصور المذنب الرقيق:
    - يبدو وأن سر والدتك الصغير قد انكشفت صغيرتي، لكن لا داعي للقلق، جُل ما يجب عليها فعله هو أن تكون أكثر حذراً منذ الأن فصاعداً من أجلك

    عقد حاجبيه بإنزعاج لم يكن يبالغ فيه وأردف بجفاف بعد أن كُشف له جواب علة نُحولها الدائم منذ ولادتها الأولى:
    -ولربما كان والدك مُتساهلاً جداً مع والدتك بشأن نزهاتها وتحركاتها الحرة، لا عجب الأن من أن الصبيين على هذه الدرجة من التعلق بوالدتهما الرؤوم فقد منحتهما صحتها وقوتها وأبقت القليل منها لنفسها فقط، حقاً لا يمكن ليومِ أن يكون أكثر سعادة

    توالت طرقات خِفافٌ على باب المخدع لحظة أنتهى من حديثه فعبست ليديا وهي تراقب الرضيعة الجميلة:
    -أووه ليس بهذه السرعة، أخشى أنه سيتوجب علي وداعك لليلة صغيرتي

    أبعدتها عنها بلطف لم ينجج في استبقاء صفوة مِزاج الصغيرة التي عبست بعدم رضا رغم تعلقها في مكانِ ما بين النوم واليقظة، حملتها بحرص على كتفها وربتت عليها قليلاً لتطمئنها على آمان عالمها وترسلها الى عالم النيام .. تركتها بعد ذلك في وداعة مربيتها الخاصة وعادت أدراجها دخل المخدع الذي خلا بهما.

    هيدس والحدة لم تغادر صوته:
    -والأن، في ماذا كنا نتحدث ؟

    ألجمته عن متابعة توسيع رقعة المشاداة حين سلكت متسارعة الخطو خطاً مستقيماً أنتهى الى أحضانه، تشبثت بذراعيه و مرغت وجهها في صدره كما الأطفال وهي تبتسم بسعادة في حين أوشك قلبه على الإنفجار من شدة الخفقان الذي ألم به، إنها ساحرة، أقتحمت عالمه وجعلته أسيراً لها بجبروت أنوثتها ورقتها البالغين، بل ولا تكف عن مفاجأته بأسلوبها الفريد في الإفصاح عن المحبة، لقد فقدت شيئاً من حماسها وولعها بالحياة بعد تلك الحادثة، إلا أنها لم تخسر يوماً مقدرتها على جعله مجنوناً بها كما لم يفعل أحدٌ من قبل ..


    أشتمها بشغف ثم قبلها وذراعيه تُتابعان إعتصار جسدها الممشوق حتى يتيقن بكل جوارحه من أنها حقيقة وقد نسى انزعاجه تماماً، كانت مستسلمة له بنظراتٍ عميقة و شفاه مبتسمة، بدت مثالية في تجاوبها و ساحرة في جمالها الى الدرجة التى قُرع لها نواقيس الخطر بقلبه فهو لم ولن يتوقف عن الخوف والتفكير من كون حياته محض حُلمٍ بالغ الكمال أو عن كونه وقع أسيراً لأحد تلك العوالم التى سبق وأن برع في نسجها من الفراغ .

    أرتعش جسده رهبةً ورُعباً حين أخذت الهواجس تتملكه وتتلبس عقله بحضورٍ طاغ، سرعان ما أبعدها عنه لتحاصر قبضتيه وجهها الدقيق، شرع يتأملها قليلاً ثم همس بإختناق:
    -أدفع حياتي ثمناً لأتخلص من هذا الشعور اللعين، الى متى سيتوجب على العيش في دوامة الخوف المُجزع هذا ياترى؟

    انكسرت حاجبيها حزناً وشفقة عليه فالطالما أفصح عن معاناته لها دون أن تقدر على مد يد العون له ليجتاز هذه العقبة من حياته، أخذت احدى يديه وأراحتها فوق قلبها الذي كان ينبض بتسارع هو الأخر:
    -قل لي أيُ حقيقة أكبر من نبضي الذي لا يكف عن الإرتعاش في حضرتك، أنا هنا هيدس، لك وبين يديك ولا مكان للخيال هُنا ..

    أطلق تنهيدة عميقة وهو يحنى رقبته على كتفها ليلامس جلدها الدافء:
    - لا أدري كيف أنتهيت الي هذا القدر من الحماقة حتى أشكك في ذلك


    ضحكت لأسلوبه الساخر وسرعان ما غرقت خجلاً حين أجترها الى فراشهما دون سابق إنذار، لقد عشقه قلبها حد الثمالة حين أنكشف أمامها بشخصيته الحقيقة المفاجأة، رجُلٌ يعاني من العديد من المشاكل النفسية التى لا يعلم عنها أحدٌ سواها، مُتملك، مغرور وأناني في ما يخصه الى الدرجة التى تجعله أكثر سواءً من الأطفال حتى، انها لا تدري حقاً كيف تمكن من خداعها وخداع مملكته برداء الرزانة والدماثة الذي يُحسن ارتدائه والمحافظة عليه أمام العالم أجمع ولكنها تقدره كثيراً لتمكنه من إجادة ذلك الدور الذى طغى على حقيقته البعيدة عن الكمال بكل براعة، لربما تغيرت الكثير من الأمور في حياتها حين لم يبقى لماضيها ذكرى في عقلِ أحدٍ سواه إلا أن كونها لا تزال بكامل قدراتها العقلية دون إنهيار يعني أنه قد أفلح في تحصيل محبة مضاعفة عن تلك التى أولتها لجميع من كان له دورٌ في حياتها من قبل مما جعلها تستمر راغبة في هذه الحياة ..

    بقيت أجسادهما متقاربة من بعضها البعض لما تبقى من ساعات تلك الليلة الهادئة، إلا أن دفئه تحول الى سخونة تلذع في حرارتها مما جعلها تتنبه من نومها بقلق لتجفل من تعرقه الجنوني قربها، أسرعت بفتح المصباح القريب من السرير وشهقت حين أبصرت عبوسه الحاد و أعتصاره لرأسه بكل ما أوتى من قوة بينما كان يصر على أسنانه في مجاهدة قاسية للحفاظ على أنفاسه الثقيلة المتقطعة ..



  8. #187

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية



    أبعدت الفراش عن جسده الملتهب سريعاً وأخذت ترشف وجهه ورقبته بما احتواه ابريق الماء الزجاجي خاصتها حتى هدأ قليلاً وأصبح لأنفاسه إيقاعٌ أكثر إنتظاماً، فتح عينيه على مهل والألم لا يزال يدب في أطرافه وأوصاله ليبصرها جالسة قربه تحاول كتم شهيقها بقبضة يديها التى تطبقان على أنفها وفمها بغلظة


    حاول الإبتسام إلا أن ذلك كان صعب المنال مع حالة عقله المتصلب لكنه مع ذلك الألم أرغم ذراعه على الإمتداد وصولاً الى رأسها ثم عمد على إرخاءه تدريجياً حتى أستقر فوق كتفه وسمح له بالشعور بإنتفاضة جسدها عليه..
    -توقفي عن البكاء كالأطفال ليديا، أنا لم أموت بعد ولا أخطط لتركك قريباً

    أخفت وجهها خلف إحدى يديها بينما تسلل شيء من أنينها من بين أسنانها رغماً عنها لتسارع بتبرير موقفها بحروف مقطعه:
    -أنا السبب في معاناتك هيدس، قلبي تعيسٌ الى درجة خانقة انها المرة العاشرة خلال هذه الأعوام القصيرة ولا أظن من أنها ستكون الأخيرة

    ابتسم أخيراً و أصابع يديه تلاعب شعرها بحركة بطيئة:
    - و تحصينها.. يالك من امرأة! إلا أنك مخطئة بشأن بعض الأمور وهي أنكِ وراء كل ما هو سعيدٌ في حياتي وليس العكس، كما أنه ليس ذنبك قمرِ، سأتقبل ما هو أشد وجعاً من هذه الصرعات في سبيل الحفاظ على من أحب

    لم يهدأ بكائها ولو بالقدر القليل حين أجابت:
    - لكنني خائفة، أخاف أن أفقدك بسببها وأفقد روحي تبعاً لذلك، مالذي سيحدث لأطفالنا عندها؟!

    ربت على ظهرها وهو يستعيد تحكمه بجسده تدريجياً مع خروج عقله من أثار نوبة الصرع الذي أصابته قبل لحظات:
    - أشششش كُفى عن قول ذلك، سأكون بخير طالما أنام قربك هكذا كُل ليلة، طاقتك الفريدة تُخفف من حدة هذا الألم الى النصف، وأظن أن بوسعي تحمل الباقي فأنا لست بهذا الضعف حبيبتي

    هدأت قليلاً حين أخذت حرارته في الإعتدال ثم أردفت بصوت خفيض:
    - سأحرص على أن تُشفى من هذه النوبات تماماً هيدس، لن أسمح لها بسرقتك مني ومن أطفالنا وشعبك مهما طال الأمر..

    احنى رقبته قليلاً ليقبل رأسها المستقر فوق كتفه:
    -أعدك، لن أذهب الى أي مكان، فلتنامي الأن بسلامٍ ليديا

    لاءمت بجسدها وضعية رأسها لتصبح ملاصقة له إلا أن النوم تجافى مع أجفانها بعد أن طار من عقلها الذي تمكنت منه الهواجس كما يحدث في كل مرة ومع كل نوبة مشابهة سبقت، إن قلبها لم يتمكن مُطلقاً من التأقلم مع هذه الصرعات التى أستمرت في الهجوم عليه وعلى روحها من قبله رغم عمر السنين التى أنقضت منذ أن أصيب بها للمرة الأولى دون سابق إنذار، فأن تراه يتألم بهذه الطريقة في كل مرة تثور فيها ذكريات ماضيها المبعثر داخل عقله هو عذابٌ مستمر لقلبها وضميرها الذي يُحملها قِسطاً وافراً من الملامة..

    هي لم تشاء أن تصدق اللورد دايفييل حين أخبرها عن الإحتمالية الكبيرة لحدوث ذلك كنتيجة لتلاعب هيدس الخطير بما سبق كتابته في الصُحف، و لكم دعت برجاءٍ خالص خلال غيابه الطويل عنها كيعود لها سالماً دون أذى، إلا أن فزعتها البالغة لم تكن كفزعة من تم انذاره قِبلاً حين تدهور وسقط أمامها متلوياً من شدة الألم خلال النوبة الأولى، لقد وقع ما أُنذرت به بعد كُلٍ وبكت ليلتها حتى الصباح بعد أن أوشك قلبها على التوقف عن الحراك

    أرغمت ذكرياتها المؤلمة عن حادثة تداعيه الأول الدموع على التسلل من جديد وصولاً الى جسده، عقد حاجبيه بقلق وهو يتحدث بشيء من الوهن:
    - مابك ليديا؟ لماذا لا تنامين؟

    أجابته بصوتِ مخنوق وهي تفرض سيطرة قهرية علي انفعالاتها:
    - لا تبالي بي هيدس أرجوك فلتنم قليلاً، أطفالك يتطلعون الى رحلة الصيد معك في الغد بفارغ الصبر
    - ساعديني عليه بأن تُطلعيني عن ما يدور بخلدك ؟

    اكفهر وجهها وازداد تدفق دموعها لتجيب بعد برهة:
    -أنا فقط أشعر بالذنب لأنني سعيدة من أن هذه الصرعات لم تهاجمك سوى ليلاً حين أكون معك وبقربك، لا أدري مالذي سيحدث لي إن ثارت عليك ونحن منفصلان عن بعضنا البعض

    أستلقى بتجاهها لتتقابل أعينهما وترى كمية الحب الذي يكنه لها من خلال نظراته الشغوفة، إنها لا تكف عن إيقاعه في شباكها بحيث يتعذر خلاصه أمد الدهر:
    - لا تقلقي فلا يمكن أن أصاب بها بعيداً عنك على أية حال، أنا أدرك تماماً مواقيت ثورانها علي، هذا لأنها دائماً ما تتزامن مع جشعي بك فأنا لا أكتفى أبداً من ذكرياتنا سوية وأرغب بحماقة في تحليل ما سرقته من ذكريات الغير الخاصة بك حتى أراك من خلال أعينهم في ذلك الزمن الذي لم أعرفك فيه، لذلك أرجو أن توقفي شعورك بالذنب فأنا السبب خلف ما يصيبني ولن أكف عن المحاولة حتى أنجح في دمج الذكريات مع بعضها البعض بطريقة أو بأخرى، عندها لن يراك أحد في هذا العالم بقدر ما رأيتك وهذا مطلبي..

    ما كان حديثه الذي قاله تواً ليفلح أبداً في منعها من متابعة ذرف الدموع الحارقة، مراقبتها تبكى بهذه الطريقة جعلته يضحك رُغماً عنه وهو يردف بشيء من السخرية:
    -من بوسعه التصديق بأن امبراطورة مملكة الشياطين الوقرة والأم الودود يمكن أن تكون كثيرة البكاء هكذا، أرى قليلاً من أين أكتسبت تلك الصغيرة الفاتنة طباعها الصاخبة

    ضحكت من بين دموعها فتابع إلقاء التعليقات الساخرة حتي هدأت وقد خارت قواها، استسلمت للنوم بعد ذلك قُبيل الصُبح بساعاتِ قلائل..


    ~..~..~..~..~..~..~..~



  9. #188

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية




    صباح اليوم المقبل ~ أولى أيام عطلة الربيع الموسمية


    الردهة الرئيسية بالقصر الخاص

    ليديا بصرامة وهي تخاطب صغيريها ذوي الثالثة والرابعة ربيعاً وهما يتقافزان من فرط السعادة والحماس:
    -لا مغامرات جامحة في الغابات ولا تبتعدوا عن والدكم كثيراً، إنه ليس المكان الأمثل لإطلاق العنان دون التفكير أولاً هل هذا مفهوم ؟!
    -هيا الأن ومالمتعة في رحلات الصيد دون القيام بكل تلك الأمور الخطيرة الشيقة، دعيهما يطلقان سراح الحيوان الجامح بداخلهما

    صرخ الطفلان بسرور وأسرعا الى أحضان عمهما ذو الهالة العنيفة وقد هبط السلالم الجانبية تواً منضماً إليهم أمام بوابة القصر الرئيسية:
    -عمي فولكان أرجوك لماذا لا تذهب معنا اليوم؟!

    نهرتهما بستياء:
    - نوث، فاريوس مالذي تحدثنا عنه بشأن إلقاء التحية أولاً ؟!

    فاريوس طفلها الأوسط ذو الأعين الداكنة والأكثر شبهاً بوالده خَلقياً بعد شقيقته آرتوس:
    - أرجوك أمي، أطلبِ منه أن يصحبنا فهو لا يرفض لكِ طلباً أليس كذلك

    غرق فولكان ضاحكاً وأخذ يعبث بشعر الصغير الذي اجتاحته حمرة زادته ظرفاً وجمالاً بينما أرتسمت ابتسامة هادئة على وجه ليديا حين أجاب فولكان عنها:
    -حقاً لا يستهان بك، كيف أدركت ذلك؟، إلا أنني مشغولٌ سلفاً اليوم وسوف لن أفوت فرصة مرافقة والدتك لأي أمرٍ كان فأنا ....


    أقترب منها خلال ثوانٍ وسحب يدها ليطبع قبلة على كفها وعينيه لم تبرحانها للحظة واحدة:
    - وقِعٌ في غرامها منذ زمنٍ بعيد


    ضحكت ليديا بأريحية حين تأوه الشاب الجامح أمامها بعد ركلت بِكرها الأول نوث لساق عمه و من ثم حيوله بينهما بشعره البندقي الفاتح وعينيه الذهبيتين البراقتين وهو يردف بإنفعال:
    - يالك من منحرف، لا تتجرأ على مغازلتها أمامي دون أن تواجهني أولاً

    هبط الأمبراطور درجات السلالم بتألق شد إليه الجميع و زاد من هيبته في قلوبهم:
    -ما كُل هذا الصخب منذ الصباح الباكر، نوث هل لك أن تفسر أنفعالك على عمك الأكبر بهذه الألفاظ المُسيئة، أعتذر له رجاءاً

    أرخى الصغير رأسه أرضاً وهو يعتصر قبضة يديه في بادرة ناضجة منه حتى يتمكن من التحكم في انفعاله، إلا أن طباعه الصارمة ورأسه المتيبس جعلاه يسارع برفع رأسه مجدداً في مواجهة والده الوقور:
    -لكن أبي إن عمي لا يتوب أبداً ولا يتوقف عن مضايقة أمي، دائماً ما أتساءل لماذا لم تقطع رأسه حتى الأن؟

    غرقت ليديا ضاحكة بينما انفجرت أسارير الأب ليخفف من توتر الأجواء، حمل صغيره المنفعل بمحبة صادقة:
    - هذا صحيح، سوف لن أسامح من يتجرأ على مضايقة والدتك ولكن ألا ترى أن قطع رأسه قرارٌ سابقٌ لأوانه؟! لم لا تمنحه انذاراً أخيراً ما رأيك؟

    أستدارت رؤسهما بتجاه سيدة القصر الأولي حين أراح فولكان يده على كتفيها وقربها منه بجرأته المعتادة في حين علق ساخراً:
    -أرى أن لا فائدة ترجى منهما عزيزتي، مالذي ستجديه لدى امبراطورٍ هرِم و خَلفُهُ المتعطشٌ للدماء! .. أليس من الحكيم أن تتركيهما و تتزوجي بي عوضاً عن ذلك



  10. #189

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية



    صرخ به نوث وهو يتحول الى كرة مشتعله وسرعان ما فقد السيطرة فنهمرت دموعه بغضب جعلت والدته تسرع في أخذه بين أحضانها وهي غارقة في الضحك بينما تحدث هيدس ببرود ساخط حين انضمت إليهم الحسناء أورا خطيبة الأمير المُثير:
    -عزيزتي أورا أرجو أن تحرصي على إبقاء رجُلك بعيداً عن زوجتي قدر المستطاع، سأكون شاكراً إن فعلتِ ذلك من أجلي

    تغيرت قسمات فولكان الساخرة الي أخرى جادة و هادئة حين أقتربت منه وطوقت ذراعه برقة أنعكست في صوتها كما في لمستها:
    -لك ذلك جلالة الأمبراطور، أتمنى أن تقضى وقتاً ممتعاً في نزهة اليوم مع الأميرين، رجاءاً بأن لا تقلق على جلالتها فسنحرص على سلامتها خلال تنفيذ مهمة اليوم

    نوث بعد أن هدأ بين يدي والدته:
    - أين ستذهبين اليوم أمي؟

    أبتسمت له:
    - بعيداً الى بلاد الواق واق حيث لم تطأ قدمٌ من قبل ..هل تخاف أن لا أعود مجدداً

    احتدت نظراته وهو يجيب بثقة:
    - بالتأكيد كلا، فأنا دائماً ما سأجدك أين ما تكونين

    ضحكت وهي تداعب أنفه بأنفها:
    -هذا صحيح، سأتطلع الى قدومك دائماً لإيجادي بطلِ الشجاع


    زفر فولكان وهو يتمتم بسخرية:
    - ذلك الفأر، يبدو وأنه يعاني من مشاكل نفسية ومشاعر معقدة حيال أمه، يالخسارته

    رفع الصغير فاريوس رأسه وقد كان بالقرب من عمه الطائش فهو يتبعه كظله:
    - مالذي تعنيه بحديثك عمي؟

    أنتهز فولكان فرصة التحرر من بين ذراعي أورا الرشيقة وعاود حمل الطفل بين يديه ليرفعه الى مستوى نظره :
    -هذا يعنى من أن أخاك يحب والدتك كثــــــــــــيراً جـــــــــــــداً، أكثر مما يجب له أن يفعل

    قوس فاريوس حاجبيه العريضين استنكاراً كما زم شفاهه بتعجب:
    - لكنني أحبها كثـــيراً أيضاً وسأتزوجها عندما أكبر

    فشل كثيرٌ من المتواجدين في المكان من كبت ضحكاتهم الخافته من شدةِ ظُرف حديثه العفوي البريء في حين لم يشاركهم كُلٌ من هيدس وفولكان الذي أنزله أرضاً وهو يتمتم بحنق:
    -اللقيط الأخر

    لكزته أورا لتذكره عن تواجدها قربه، تظاهر بإصابته بالرشاح لبضع ثوانٍ أعاد خلالها قناع الإعتدال الى وجهه ليخفى فوضوية مشاعره، ثم فرض على عقله المشتعل مهمة مراقبة الطفلين المفعمين بالنشاط وهما يركضان سوية خارج بوابة القصر ونجح في ذلك بإبقاء عينيه بعيداً عن مجالها بعضاً من الوقت، إلا أنه ما لبث أن نابته انتكاسته فعاود استراق النظر على زوجة شقيقه الغامضة التى تبطأت ذراع زوجها بسرور ثم تبِعت صغِريها للإطمئنان على ركوبهما عربة النزهات واستقرارهما بأمان داخلها ..

    -"كيف أمكنه أن يكون قاسي القلب وأنانياً بهذه الطريقة المُذلة!"

    هذا ما خالج صدر أورا التى قبضت على مقدمة قميصها بعد الوخز الذي أصاب قلبها بصورة مؤلمة بحيث أخمد بريق عينيها المنكسرتين وهي تُبصره يقوم بما لا يبذل أدنى جُهدٍ في إخفاءه..

    الى متى ستظل تُقنع ذاتها وتكذب عليها لتحول بينها وبين الإستسلام أمام الحقيقة المرة بخصوص زوجها المستقبلي، فكما يبدو من أنه سوف لن يكف عن عادته المدمرة لكبريائها كأنثى في نسيان ذاته هكذا والتحديق في مولاتها بنظراتٍ عميقة لا تعرف لها سبباً لحظة يجتمعان تحت سقفٍ واحد!

    لماذا يرغب في جعلها تشعر بالجنون من تصرفاته المتناقضة، إنها لن تنسى أبداً غرابته التى بدأت منذ ذلك اليوم الذي لحق زواج الأمبراطور بعدة أشهر، فقد فاجئ الجميع حين تهجم على مولاتها في وضح النهار بإجترار خاتم والدته من إصبعها و سؤالها بغلظة عمن تكون وما شأنها في القصر؟!، فظاظته اللاذعة ثم حجم التفاجئ الذي أظهره حين تكرر على مسمعه أنها زوجة شقيقه وأبنة عمه وكأن ما يسمعه للمرة الأولى، مازاد من غرابة الأمر هو أنه خصها وحدها بذلك التهجم وكأنه لم يكن يرها طِيلة فترة مكوثها بالقصر وحتى ضُحى ذلك اليوم المريب

    ...



  11. #190

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية


    أنهت سيل تحذيراتها الأمومية للمرة العاشرة حتى ضج عقل الصغيرين بصوتها فهي المرة الأولى التى يذهبان بعيداً عن أعينها الى مكانٍ مكشوف كالغابة.. تراجعت بعد أن قبلتهما بعاطفة جياشة وقلبها يخفى وجعاً لفراقهما الذي لن يطول لأبعد من هذا المساء، أصتدمت بجسد زوجها من خلفها فتبسمت في وجهه المتجهم الذي لا يراه أحد سواها:
    - هي الأن حُبي، ابتهج قليلاً من أجلهما ولا تصعب فراقك علي أيضاً

    ارخى عضلات وجهه المشدودة قليلاً وقد شعر بالخجل من طفولية استياءه فتابعت في تهدأته:
    -كما أن أهالي القرية ومن قبلهم أطفال الميتم الأحباء ينتظرون افتتاح مقرهم الجديد على أحر من الجمر، لا يمكنني تجاهُل واجبي هناك و الذهاب معكم للإستمتاع بوقتي أليس هذا صحيحُ حبيبي؟

    - وماذا عن الشقي، لماذا طلبت منه مرافقتك؟، إنه لا يزال سليطاً في التعامل وصعب المراس، ألن يعييك الإعتناء به هو الأخر


    عضت على شفاهها بمكر لتجيبه:
    - أووه أحدهم ليس صادقاً هنا، أعترف بأنه أغاظك قبل قليل وأنك لا تحتمل فكرة أنا أبقى معه طيلة ساعات النهار، صدقاً أظنه يستمتع بإغاظتك هكذا وأراه ينجح

    أطلق تنهيدة عريضة قال بعدها:
    - ذلك الفتى الأحمق، إنه يزداد قوة يوماً بعد يوم، أخشى أن يتــمـــ ……

    أسكتته بسبابتها وهي تنفى برأسها وتبتسم لتمحى مخاوفه:
    - كفى هيدس، لا دعى لذكر الماضي الأن أو التخوف من أمر يُستحال له الوقوع، إنه لا يذكر شيئاً مما سبق ومررنا به و تصرفاته خيرُ دليلٍ على ذلك.. أنا لست سوى ابنة العم باخوس وزوجتك في عينيه وعقله، و أنت تدرك جيداً أنه لم يقبل بي كفردٍ من أفراد هذه العائلة سوى مؤخراً وعليه أنوى إستغلال الفرصة لمساعدته حتى يكف عن فعل الحماقات فقد دنى موعد زفافه كثيراً، رجاءاً أرح قلبك بشأن هذه القضية ولنطوى صفحتنا منها الي الأبد هل هذا ممكن؟

    لم تتبدل قسماته كثيراً رغم ما قالته فتابعت ونبرتها تأخذ طابعاً أكثر حدة انعكست في احدى حاجبيها الذي تقوس تبعاً لذلك:
    -أم أنك تتجرأ على التشكيك في محبتي لك وتخاف أن أكون أنا من يتركك لألوذ معه بالفرار حين تكون بعيداً عن الساحة، أهذا ما تفكر فيه لورد هيدس؟

    سرعان ما انشقت ابتسامةُ تثير الضحك على وجهه وهو ينفى سريعاً:
    - بالتأكيد لم يكن هذا ما قصدته قمرِ رجاءاً لنترك الحديث عن هذا الصدد المقيت هل لنا؟ سألحق بالطفلين الأن، أحرصيِ على إيصال قبلاتي لأميرتي الصغيرة حين تستيقظ وسأراكما جميعاً مساء اليوم

    ضحكت مما ألم به وأغمضت عينيها حين تقدم منها ليطبع قبلة على جبينها في مشهدٍ أثار الخجل في قلوب الصغيرين اللذين كانا يراقبانهما عن بعد، لوحت له ولطفليها حين انضم إليهما وأنطلقت العربة مع بضع عربات أخرى محملة بمستلزماتِ جعل الرحلة من الطراز الأول..

    كان مشهد ابتعادهم عنها وعن القصر حزيناً الى درجةٍ فاقت تصوراتها إلا أن الإبتسامة التى أعقبت ردة الفعل المثيرة لزوجها لم تفارق شفاهها فقد سبق وأنا خاضوا غمار ذلك الشجار مُسبقاً وكانت عوائده هجرانها له أمداً كأنتقامٍ لمحبتها التى أهانها بشكوكهِ غيرِ المباشرة، وتطلب الحصول على غفرانها اعتذارً بمختلف اللغات التى يُتقنها


    في سرِرتها تُدرك من أن صدره سوف لن يشفى أبداً من هجوم الهواجس والظنون بشأنهما، خاصة لما رأى من صدق مشاعر فولكان القديمة تجاهها وذاكرته الحميمة الخاصة بها تداعب خياله بين الحينة والأخرى، إلا أنها ستسعى جاهدة حتى يصل الي مرحلة اليقين من أنه هو من تحب بذلك النوع من العاطفة وأنها طوت بصدقٍ صفحة الماضي ذاك فلم تعد رؤية فولكان تسبب لها الأذى أو القلق كما حدث في أولى أيام عودته الى القصر بسجلٍ نقيٍ خالٍ من الشوائب، ما أتعبها بذلك الحين وأخطأ هيدس في فهمه لم يكن منبعه مشاعر حٌبٍ عالقة فقد تمكنت من حل معضلتها حيال مشاعرها المتناقضة بين الشقيقين قبل ذلك بزمنٍ ليس باليسير، إنما تركيبة شخصيته التى أتت لتُصادم أياً مما عهدته عليه في حُلتيه كفاريوس ومن ثم كفولكان قبل أن يتجرد منهما.


    فظاً غليظاً وجامحاً الى حدٍ يصعب وصفه، تلفه هالة عظيمة مُنفرة جعلت الجميع يتحاشى الإقتراب منه أو العبور من أمامه حتى، لقد فهمت أخيراً سر تعلقه الشديد بصديقه إليون في ذلك الوقت، وفهمت ما عناه فاريوس حين قال من أنه كان الوحيد الذي مكنه من السيطرة على جماح نفسه وتهذيبها، إلا أن مقدار الألم الذي تلبسها بعد رؤيته يتخبط وحده بين شخصيته البرية التى تُسيطر عليه ومن ثم عقله الذي فقد الكثير من حلقات الوصل بين أحداث حياته جعلها تبكى لما يكفى عمراً كاملاً، وكان قرار مساعدته بعد ذلك حتى يتغلب على نفسه ويعيش حياة سويه أشبه بالنذر الذي تعهدت للإلتزام به طيلة حياتها

    منذ ذلك الحين وهي في كفاح دائم بين إراحة مشاعر زوجها المتخوفة و بين محاولاتِ ترويض جماح فولكان حتى لا يهيم وحيداً ويتورط في المتاعب بشخصيته الحادة تلك، حتى أن الأمر تطلب زمناً لتهدأ سريرة الأول نسبياً ويذعن الأخر لأمنياتها بطريقة غير مباشرة تحت ذريعة الإعجاب بها أمام العامة ليحفظ على صورته القاسية الصلبة وقيامه في الوقت ذاته بتنفيذ توصياتها له وكأنها نابعة من طوعه الشخصي، لم يكن ذلك ليثير إزعاجها على الإطلاق إذا أنها واثقة من أن تصرفاتهما معاً و الأوقات القصيرة التى يقضيانها سوية لن تسمح له بتطوير مشاعر خطيرة تجاهها بل وحرصت على أن لا تمنحه سبباً لذلك على الإطلاق.

    طال وقوفها في مكانها وبقاء الوصيفات في الإنتظار من خلفها، أستدارت أخيراً لتعود أدراجها داخل القصر وهنالك تفاجأت من استناد فولكان على شرفة الطابق الأول ومراقبته لها بسكون تام، ابتسمت ولوحة له بعفوية فتركها وتراجع الى الداخل دون أدنى تفاعل

    لم تروق لها فظاظة فعله إلا أنها تحملت أكثر من ذلك من قبل وأختارت تجاهله ثم أكملت طريقها الى الداخل لتنهى استعداداتها و تنجز واجبها المدني ذو المقصد النبيل.


    ~~~



  12. #191

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية




    ‎داخل القصر

    ‎سددت يد أورا ذات العينين المشتعلتين غضباً صفعة مدوية على وجه أمير المملكة العظيمة بعد أن عاد أدراجه بعيداً عن الشرفة التى ظل قابعاً بها حتى يتمكن من رؤية امبراطورتها وقتاً مضاعفاً.. كانت تتنافض ووجهها الأبيض تكتسحه حمرة قاتمة حين قالت بصوت مرتعش حاد
    -وماذا بعدها؟! مالذي تظن أنك فاعله، إنها زوجة شقيقك ألا تعي ذلك؟

    تجاهل انفعالاتها الخطيرة وخروجها عن طورها للمرة الأولى بهذه الطريقة ليُجيب ببرود لحظة تخطاها قاصداً باب الحجرة:
    - من الجيد أنه لم يكن هنالك أحد بالجوار، حذاري أن تكرريها ثانية أورا، لن أبالى عندها بكونك مفضلتها من بين الجميع

    بلعت ريقها لتبلل حلقها المتحشرف من شدة الغصة التى تكاد أن تفجره وتحدثت بإنفعالٍ أقل حدة:
    -لا داعي لتهديدي فولكان، لقد ضقت ذرعاً بأفعالك المجنونة التي لن تجلب لك ولها إلا الدمار، سأعود الى عائلتي ظهيرة اليوم لأريحك من عبء تواجدي في الجوار و لتفعل مايحلو لك هنا

    توقف قليلاً حتى أنهت حديثها وسدد الطعنة الأخيرة حين أجاب سريعاً ودون اضاعة دقيقة للتردد:
    - أجل هذا أفضل لكلينا، أتمنى لك رحلة آمنة

    ‎سمعت صوت ارتداد الباب بعدها و غياب هالته عن المحيط فنحنت على جسدها ببطء وأجهشت بالبكاء االمرير، لا يمكن له أن يكون أكثر فظاعة مما كان عليه خلال هذه اللحظات وهي التي كانت ستغفر له فداحة ذنبه بمجرد أن يحاول تهدأتها أو منعها من المغادرة .. هذهِ هي النهاية، سوف لن تضيع روحها وصحتها لاهثة خلفه ومتسولة لحبه الذي لم تتمكن من الحصول عليه مهما بذلت لذلك من سبيل خلال الأعوام الفائته ومنذ أن أصبحت وصيفة للمرأة التى يهتم بأمرها أكثر من أي أحدٍ أخر

    ...


    ‎في زمنٍ مُقارب و بحجرة دافئة بعيدة بالقصر ذاته

    ‎تأوهت المربيات وهن يراقبن جلالتها تلاعب صغيرتها التى تبلغ السابعة دون السنة من العمر فكلتيهما تعكسان ضرباً فريداً من الجمال الأخاذ و تمتلكان سِحرً يجذب الأعين، سرعان ما انحنين برهبة لحظة ولوج جلالة الأمير بإندفاع تفاديا لرؤية عينيه ذوات الحضور المرعب بينما ناظرته ليديا متعجبة و شفاهها ترسم ابتسامة حلوة
    - أوه عزيزتي، أنظري من حضر لزيارتك شخصياً في هذه الساعة

    ‎أظهرت الطفلة انشراحاً عظيماً حين وجهت والدتها جسدها بتجاهه بل و مدت يديها الصغيرتين داعية له كيحملها، اتسعت عيناه ذهولا من ردة فعلها التي هاجمت أقاصي قلبه و استقرت في نواته، تقدم منها بصمت و حملها بلطف من بين يدي والدتها فشبثت قبضتيها الضعيفتين بكتفه ليشرق مبتسما رغما عن ارادته

    ‎راقبته ليديا بمشاعر مختلطة و عقلها يستعيد ذكرى شخصه الودود المُحب في ما مضى، انها واثقة من قدرتها على ايقاظ ذلك الجانب الرائع من شخصيته قريباً فقد احرزت تقدماً عظيماً معه ولا يزال لديها الإصرار والتصميم على تحقيق هذا الهدف، خلال تلك اللحظات، ولجت عرابة الأميرة الصغيرة و صاحبة القرار في شأنها كله بتكليفٍ شخصي من الأمبراطورة التي توليها ثقة عمياء، أدت تحية لائقة ثم قالت وهي تعيد شعرها البني الطويل خلف أذنها
    -جلالتك سوف تتأخرين إن لم تنطلقي قريباً، كما انه وقت اغتسال الآنسة آرتوس و ستكون في رعايتي لما تبقي من اليوم فلا داعي للقلق

    ردة تحيتها بقلبٍ محزون على عُمر الصداقة المنسية بينهما واسترجعت سريعاً كم كانت فاجِعتها عظيمة حين أستيقظت صباح ذلك اليوم الكئيب لتجد صديقتها الحميمة قد نسيت تماماً كونهما كانتا أعز الصديقات في الليلة التى تسبقها بحيث لم يبقى في عقلها سوى أنها وصيفتها المختارة مِن قِبل متحكمِ مملكة الملائكة لخدمة جلالتها.

    ابتدأً من ذلك اليوم، أنحصرت علاقة ريفيان بها على الإحترامٍ الفائق والمهنية العالية إلا أن ليديا لم تكف عن ممازحتها ومعاملتها كما أعتادت أن تفعل بينما واجهت الوصيفة بدورها حيرة بالغة آنها من تصرفات امبراطورتها الودودة تجاهها ومع ذلك فقد نجحت في إبقاء حاجز الرسمية بينهما ببراعة تامة.

    -هذا صحيح، لنذهب سريعاً قبل أن أتكاسل وأبدل رأيي أنا الأخر

    قالها وهو يسير بإتجاه العرابة فيما تمكنت ليديا من لمح احمرار خده حين دنى ليضع الطفلة المتعلقة به بين يدي ريفيان المولعة بها، أجفلت بفزع وهرعت نحو لتفقده:
    -مالذي جرى لك فولكان، هل أنت بخير ؟

    أستدار من فوره بعيداً عن مجال عينيها العشبيتين وعن ما يثير بداخله مشاعر متشابكة و ودوائر مفرغة ثم أردف وهو يهم بالخروج:
    -يبدو وأنني أشعر بالقليل من الحرارة فهذه الغرفة دافئة جداً، سأكون بالإنتظار لذا أسرعي رجاءاً

    سرعان ما تهامست الوصيفات بذهول وإعجاب حين ترك المكان فقد كان يتحدث بلطف وتهذيبٍ بالغين، حتى أنه أنهى حديثه برجاءاً!ترى مالذي أصاب عقله هذا الصباح؟!

    ضغطت ليديا على يديها لتمنع القلق من تلبس كُل من عقلها وقلبها، المسكين .. يجهل أنها تفهمه جيداً و تعرفه حين يكذب!، بالتأكيد إنه يخفى أمراً عنها ولكنها لن تصر على معرفته حتى لا تخسر جسر الثقة الذي بنوه مؤخراً بينهما و واجهوا من أجل تحقيق ذلك شتى الصعاب، أقتربت من ملاكها الصغير لتقبلها وتوصل لها أمانة والدها، قالت بحنية لحاملتها وهي تشتم قبضة احدى يديها الضئيلتين:
    -رجاءاً أن تعتني بها جيداً عزيزتي ريفي وسأكون مسرورة إن أخذتها في جولة نحو الأفق، أثق من أنها في عُمرٍ مناسبة لتحمل المرتفعات

    احنت ركبتيها وهي تجيب بوقار:
    -سمعاً وطاعة مولاتي، رافقتك السلامة


    ~..~..~..~..~..~..~..~


  13. #192

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية




    في طريقِ معبدٍ جميل يشُق الجانب الأخضر من حقول وغابات مملكة الشياطين، جلست ليديا في المقعد الخلفي للسيارة الملكية الفارهة تراقب الطبيعة الأسرة من خلف زجاج النافذة بينما كان مُرافقها الساكن يحتل المقعد المقابل لها في الإتجاه المعاكس وهو يقلب في صفحات كِتابٍ ما بين يديه ليقتل الوقت والمسافة التى هم بصدد قطعها ذهاباً وإياباً..

    راح الوقت يمر ببطء شديد مما جعل ليديا تتثاءب والملل يجد طريقه إليها، تمتمت بحسرة:
    -لا أصدق كيف سأتمكن من إكمال بقية الطريق دون مصاحبة العزيزة أورا لنا، ما كان يجب علي الذهاب دون الإطمئنان عليها، كل هذا من خلف رأسك المتحجر و أستعجالك لي فولكان ..

    رفع حاجبيه دون أن يحرك عينيه بعيداً عن السطور:
    -أنتِ بلا شك تحدثين نفسك كثيراً، هذه ظاهرة سيئة لإمرأة في مكانتك عزيزتي

    ناظرته بحقد مصطنع:
    -فقط لو أعرف أّنا لك هذا البرود حين تعلم أن خطيبتك تشعر بالتوعك وحدها في القصر، كان يجب أن تبقى برفقتها عوضاً عن الذهاب معي، سأكون بخير مع باقي الوصيفات والحرس

    -لا داعي للقلق، ستكون على مايرام، أنا واثق من ذلك والأن

    أطبق الكتاب ووضعه بالقرب منه لتواجهها عينيه بنظرة غير قابلة للتفسير ولكنها ليست مطمئنة أبداً:
    -هل بإمكانك أن تقُصى علي قصة لقاءك بهيدس، لا يهم كم ابذل في المحاولة فأنا لا أستطيع تذكر تفاصيل زفافكما وكل شيء يبدو مبهماً في عقلي حين يكون مُتعلقاً بك وهذا يزعجني


    حاولت أن تبدو طبيعية قدر الإمكان وجعلت تدرس تحركاتها بدقة متناهية حتى لا يصل اليه شيء من توترها و مفاجئتها بسؤاله الصريح و المباشر:
    - كان الوقت متأخراً جداً في الليل والسماء صافية تمكنت من لمحها لمحة سريعة قبل أن تُطبق القبة المتحركة في القصر بعد تحليق المبعوث الذي أصطحبني من مملكة الملائكة عائداً إليها وقد أنهى مهمته، هنالك تقابلت مع هيدس للمرة الأولى حين كان متواجد في استقبالي، لا أستطيع نسيان الأثر الذي تركه بعقلي في تلك الليلة رغم الخوف الذي بيته قبل لقاءه و رؤيته، إلا أن مخاوفي تلاشت لحظة أخذ بيدي وطمأن لسانه قلبي الهلع..

    شعرت بذاتها تنجرف مع تلك الذكريات الخاصة بها وبهيدس وفاجئها مقدار الحنين الذي اجتاحها في تلك اللحظة للقائه، هربت بعينيها بعيداً نحو النافذة مجدداً وهي تبتسم شقاوتها و طفولية أفعالها وتصرفاتها بذلك الزمن ولم تتنبه الى كونها كانت شاردة في عالمها الخاص سوى حين أخترقتها نظراته العميقة وأخرجتها من أحلام اليقظة، تلعثمت بخجل وهي تضيف:
    -تم زفافنا بعد ذلك بوقتِ قصير وكما تعلم بقية القصة ..

    تمتم بغرابة:
    -هكذا إذاً

    أرادت سرقة عقله عن التفكير في هذا الغمار فأسرعت قائلة:
    -حسناً، الأن جاء دوري ..ياترى مالذي يجرى بينك وبين أورا؟ سنحتفل بزفافكما قريباً ولكن حدسي يقول لي من أنكما لستما علي وفاق تام كما أخشى!

    لم يجبها وأشاح بعينيه بعيداً ليخفي ضياع عينيه، تنهدت وأردفت:
    -قل لي فولكان، هل تُحبها؟

    زم شفاهه وهو يسترجع بضع لقطات من طفولته تصورها في حُلة براقة وهي تنحنى أمامه بنبلٍ شديد حين أعلن والده عن خطبتهما وهو ابن الخامسة عشر، لقد كانت بارعة الجمال في عينيه آنها واستطاعت سرقة قلبه بجدارة منذ اللحظة الأولى وحتى صافح مسمعه حديث بعض الجاريات التى أخذن يتأسفن على خسارتها الفادحة بأن تكون شريكة مخلوقٍ قاسيٍ مثله، عندها أقسم على أن لا يدع قلبه يميل لأحدهم حتى لا يُطعن من الداخل مُطلقاً:
    -أنا لا أكرهها

    عقدت حاجبيها بعدم رضا:
    - هي فولكان، صدقني ستشعر بالراحة حين تصدُق نفسك وتقر على أنك تحبها، إنها قطعة فريدة من نوعها كما أرى وهي الوحيدة التى تستطيع تقويم طيشك بنظرة من عينيها البراقتين

    ناظرها بعينين فارغتين وهو يجب بحدة:
    - لا أحد بوسعه ترويضِ ليديا فتوقفي عن قول التراهات

    قاطعته بإنزعاج:
    -فولكان!! ..

    أطبقت على شفاهها بشدة حتى تتحكم في ملافظها وهي تشيح بعينيها بعيداً عنه، متى سيتحكم بالهمجي في داخله ويصبح سيدً على حواسه ومشاعره، لكم هو مؤلمٌ أن تصاب بخيبة الأمل مرة تلوى الأخرى، وأن لا تحصد الثمار مهما زرعت، اكتسح صوتها رنة حزينة وهي تردف بشيء من السكون:
    - أرجو أن تعذر تطفلي، لوهلة أردت لنا أن نكون على وفاقٍ كعائلة واحدة ولم أدرك أنني تجاوزت حدودي بسؤالك عن حياتك الخاصة، سأحرص على عدم إزعاجك لما تبقى من هذه المهمة فتحملني رجاءاً

    وصلا بعد ذلك الى حيث يقصدان دون أن تزيد حرفاً واحداً، ترجلت أولاً من العربة وسرعان ما أرتدت قناع البشاشة والسرور وكأن شيئاً لم يكن بينما انحصر صمته عن الحديث معها على لغة اللسان والأحرف، أما فؤاده فتابع خوضه في محادثاتٍ طويلة وأسئلة معقدة لا يعرف لها جواباً



  14. #193

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية




    راقبها حين ترجلت والحزن لا يزال أسير مُقلتيها، وظل يتابعها بعينيه وقلبه حين أندمجت بوجهٍ بشوشٍ طلِق مع أهالي القرية البسطاء الذين تجمهروا حولها سعادة بقدومها وشهوداً على تدشينها ذلك الدار الذي تكاتفوا على إنهاءه، أعتلت منصة خشبية صغيرة بعد أن قلدوها طوقاً جميلاً حوى مختلف ما تميزت به تلك المنطقة من أزهار وبراعم، ثم ألقت خطاباً خفيفاً ذو طابعٍ فكاهي تقبلته قلوبهم بكل سهولة ويسر، لقد أثار أستيائها قبل قليل فلماذا تحمل ذاتها على التظاهر بالسعادة أم أنها سعيدة حقاً وقد تخطت ما دار بينهما بهذه السرعة؟!، كيف يمكن للمرء أن يكون متمكناً من ضبط انفعالاته بهذه الطريقة المُحكمة والسرعة العجيبة وأيُ تدريبٍ يمكن أن يجعلها كذلك!.

    لم يتوقف عن مراقبتها لدقيقة واحدة وهو يسجل ما يراقبه في المساحات العديدة الفارغة برأسه من مختلف المعانى الحميدة التى تُمثلها و طرائقها في ضبط الذات، لكم تُشعره مرافقتها بالسكينة والراحة كما لم يكن من قبل فهو يدرك معها بأن التغير ليس مُستحيل البلوغ وأن جُل ما يحتاج إليه هو أن يترك ذاته تُساق مع تيار الحياة قليلاً عوضاً عن الوقوف في وجهه ومحاولة فرض أسلوبه في فعل كل شيء، لماذا لا يعترف بخجله من خطأه و يفصح عن حقيقة إنزعاجه من نفسه على مابدر منه في العربة سابقاً!، لاحظ نظراتها المتفقدة له بين الحينة والأخرى وراق له ما كانت تحاول القيام به فهي سهلة القراءة الى درجة يصعب تصديقها والقلق البادئ في عينيها يُشعره وكأنه بمثابة أحد أطفالها المُحببين الى قلبه..

    شارفت الشمس على المغيب فودعت حزينة الأطفال الذين تعلقوا بها كثيراً بعد وعودها لهم بزيارة أخرى تصحب فيها صغارها معها ليلاعبوهم في يومٍ أخر، أستمرت تراقبهم من الزجاج الخلفي للعربة حتى صعُبت الرؤية، عندها فقط أعتدلت في جلستها وأراحت رأسها على إطار النافذة العريض كمن هو مشغول البال

    إنتهز فرصة انفرادهما مجدداً وبادر بكسر حاجز الصمت الثقيل:
    - إنـ..ــها راحلة ليديا، ليس هنالك ما يحملها على البقاء بعد الأن

    رفعت رأسها على مهل وهي تقوس حاجبيها:
    - من عساك تقصد ؟!

    -أورا، أظن أنها قد أوشكت على الوصول الى موطنها بحلول هذا الوقت إذا ما سافرت عن طريق البوابات الهوائية، لقد طلبت مني إيصال اعتذاراتها الصادقة لك في وقتِ سابق

    سكتت لبرهة وهي لا تصدق ما يقول، إلا أن عينيه تُقِران على أنه يتحدث بالصدق، حاولت كبت أعصابها قدر المستطاع وهي تقول بنبرة مرتعشة جراء تفاجئها السلبي:
    - مالذي دفعها الى الرحيل هكذا ؟!

    أجاب بلامبالاة:
    - لم يُلزمها أحدٌ بالبقاء في المقام الأول وأكره أن أكون مسيراً في قرارٍ مصيري كمن أتزوج بها فـ ….

    لم يكن من الممكن أن يكمل حديثه بعد أن باغتته صفعتها الحارة لتبصر عينيه المشدوهتين دموعها التى تجمعت ثم تحررت سريعاً و مقدار الغضب المتفجر في وجهها المحمر:
    - ثق من أنك ستنتهى وحيداً كارهاً للحياة إذا ما واصلت قيامك بإقصاء من كل يُحبك ويهتم بأمرك بعيداً بكل حماقة تحت ذريعة الكِبر والغرور، ليست لديك أدنى فكرة عن مدى نُبل وصدق المشاعر التى بادلتك إياها منذ أن أصبحت الرجل الوحيد في حياتها وعينيها، ولست سوى جبان يخاف التقدم والأخذ بمسؤولية قراراته الى الحد الذي لا يمكنه الإفصاح عن حقيقة مشاعره حيال المرأة التى يحب، كيف تجرأت على إبعادها بهذه القساواة بل وأخفيت الأمر عني حتي هذه اللحظة !! أنت حقاً لا تصدق.

    وجهت حديثها الى السائق بصوتٍ جهوري:
    -توقف رجاءاً

    أذعن لأمرها سريعاً وتوقفت إثر ذلك جميع العربات التي أتت في مصاحبتها، رفعت رأسها بشموخ رغم جريان دموعها:
    - لا حاجة لي بالإبقاء على رفقتك بعد الأن لورد فولكان، أنت وحدك منذ هذه اللحظة فصاعداً

    قوة صفعتها تلك أخرت عنه الإستيقاظ من صدمته حتى تخطته جميع العربات ليجد أنه يقف وحيداً في منتصف الطريق الذي يمتد أمامه الى مالا نهاية والهواء يتراقص فيه بحرية مطلقة فليس هناك ما يقيده، مضت دقائقٌ يتلوها ساعات وهو لا يزال قابعاً في مكانه بدهشة عامرة بينما يعمل عقله في مراجعة أحداث اليوم بقوة لم يعهدها من قبل..



    ~..~..~..~..~..~..~..~


  15. #194

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية




    في ذلك المساء


    وصل الأمبراطور في ساعة متأخرة وقد نام طفليه على يديه خلال طريق العودة بعد قضاء يوم طويل وسط الغابات، لم تكن في انتظاره كما أعتادت أن تفعل حين يعود من ديوان الحكم و تفاجئ من ذاته حين تملكه شيء من الضيق حيال ذلك، تأكد من استقرار الطفلين فوق أسرتهما و هم عائداً الى مخدعه إلا أن صوت بكاء صغيرته الحاد في هذه الساعة من الليل اثار تعجبه وشده بقلق الى مخدعها المجاور لحجرات الأولاد

    انحنت العرابة لحظة ولوج الأمبراطور والطفلة تصارع بين يديها:
    - أرجو المعذرة مولاي، إن مولاتي آرتوس في مزاجٍ عكر الليلة

    عقد حاجبيه وهو يحمل الطفلة ويجرب طرائقه في تهدأتها:
    -لماذا؟ هل تشكو من توعك ما؟

    أومأت ريفيان بالنفي ثم تابعت بشيء من التردد:
    -فالحقيقة إنها غاضبة لأنها لم ترى والدتها بعد تحية الصباح

    في لمح البصر، كانت الطفلة بين يديها مجدداً ولا أثر للأمبراطور في الأرجاء ..


    على بعد طابقٍ من ذاك المشهد، ولج مخدعهما بإندفاع والذعر يجرى في جسده مجرى الدم ويرسله في حالة أقرب الى الإرتعاش خوفاً من وقوع الفأس على رأسه أخيراً، إلا أن الأجواء في الداخل لم تكن شاحبة كشحوب لونه بل دافئة و مسالمة، كحال المستلقية على فراشهما والنوم مُسيطرٌ على أجفانها المطبقة..

    تنفس الصعداء وهو يتابع ولوجه وأقترابه منها ثم ابتسم براحة:
    - "إنها هي دون شك ويبدو وأنها على خيرٍ مما يُرام! "

    خلع عنه حذائه و عباءة الصيد وتخلى عن فكرة الإستجمام في الحمام حتى لا يتأخر عن قربها أكثر، أبعد الفراش قليلاً وأعاده بعد أن حاصرها بين يديه، عبس وجهها بإنزعاج وتمتمت من بين مراحل النوم:
    -هيــــــ ..ــدس أنت تخنقني!

    تبسم لسماع تذمرها ولكن هيهات أن يخلى سراحها وقلبه لم يهدأ بعد من أثار الذعر الذى عايشه قبل لحظات.. أجاب بصوتِ رحيمٍ عميق:
    -تحمليني الليلة فقط

    أستسلمت هي الأخرى وأراحت كفها فوق يده التى تطوقها:
    -لابأس إذاً، فلتنم الأن ..


    ~..~..~..~..~..~..~..~


  16. #195

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية





    هناك في دولة شقيقة لمملكة الشياطين وأحد أبرز وأقوى حليفاتها بين دويلاتِ الجوار

    طرق الحارس العريض القامة للبوابة الفضية الواسعة الأرض برمحه ليصدر جلبة عظيمة ويرفقها بصوته الجهوري مُعلناً عن الوصول المفاجئ للورد فولكان..

    أعتدل أعيان الحاكم الوقور ووزراءه في تشكيلة منظمة عن يمين وشمال كرسيه المتوسط قلب الديوان ليلج الشاب ذو الهالة الملكية الساطعة بعد ذلك بوقتِ قصير و يتابع تقدمه الى حيث يقبع الرجل السبعيني في مقعده العتيق الفاخر.. طال الصمت المُستنكر فبادره الحاكم بالسؤال:
    - لورد فولكان، ماهي المناسبة التى ساقتك إلينا على حين غفلة منا ياترى؟

    أجاب بثقة بالغة أخطئها البعض بالأنفة والكبر:
    -أتيت لأسترد ماهو لي جلالة الحاكم

    أحتدت نظراته كما غلُظ صوته وهو يقول:
    -وماذا أنت فاعلٌ إذا أجبناك بأن لا شيء لك لدينا لتسترده؟!
    -إذاً فالحرب جلالة الحاكم حتى أستعيدها مجدداً

    أرتفع منسوب القلق والرهبة في قلوب الشهود على المعركة البصرية الحامية بين كُلٍ منهما وأصبح الجو بارداً الى حدٍ مجزع حتى أطلق الحاكم ضحكة رنانة فاجأة الضيف الفظ قبل أن تفاجئ غيره من الموجودين، أردف الحاكم من بين دموعه التى ترقرقت من شدة الضحك:
    -أه يالعنفوان الشباب، لا يفقد خصائصه المبهجة مهما طال بنا العمر، مرحباً بك في موطنك وبين أهلك لورد فولكان رجاءاً بأن تمكث لدينا ما تشاء حتى نسعد برفقتك

    أستدار برقبته لليمين و أردف بصوت جهوري:
    -أورا تقدمي من والدك يا زهرتي

    خرجت الحسناء من بين الستار وأخذت تمشى بخُطى خجولة بينما تشد على قبضة يديها لتوقف ارتعاش جسدها الذي هاج لا ارادياً لحظة صافح مسمعها خبر قدومه لرؤية والدها.. استقرت قرب الكرسي وعينيها لم تبرحان الأرض فهي واثقة من فشلها في التماسك إذا ما وقعت عينيها عليه وفوق ذلك هي لن تسمح له برؤية عينيها الحمروان جراء بكائها الطويل منذ افترقا وحتى وقتٍ قصير..

    - هذا ليس كُل شيء حضرة الحاكم

    لا شعورياً وجدت عينيها الجاحظتين متصلبة في مجال عينيه الحادتين لحظة أردف:
    -أريد أن يُعقد زفافنا الليلة، فلا أرى فائدة من تأخير الأمر أكثر من ذلك، ما قول جلالتك؟

    هنا تحرر لسانها من سطوة سيطرتها المحكمة عليه و تبعه صوتها الذي صرخ بإنفعال:
    -هذا مُستحيل
    -أورا!!

    صرخت والدها الناهرة بإسمها جعلت دمعها يجرى من جديد بينما تجاهلت كل شيء بعد تلك الحظة وهرعت بعيداً عن كُل تلك الأعين التى كانت تخترقها بلا رحمة وفي مقدمتها عينيه الكهرومانيتين، إنه غير صادق في رغبته بالزواج منها وهي أكيدة من أنه لم يقدم عليه سوى بعد طلب امبراطورتها لذلك، لكنها لن تسمح بأن تُستغل من قِبله كغطاء على ما يدور في رأسه ولن تترك قلبها يعانى أكثر مما فعل، كما أنها لم تكسبه يوماً لتخشى خسارته فلم العناء؟!

    صرخت بالخادمات من خلفها قبل أن تُغلق باب الحجرة الخاصة بها:
    -لا تسمحوا لأحدٍ بالدخول وهذا يشملكن أيضاً ..

    كانت قد قطعت مسافة تجعلها في منتصف حجرتها حين ضرب بأوامرها عرض الحائط وفُتح الباب فستدارت وعينيها تُطلقان شرراً لتستيقظ جميع دفاعتها أمام هالة المتطفل القوية:
    - لماذا لحقت بي فولكان لم لا تتركني وشأني، سوف لن أتزوجك ولو كنت أخر رجُلٍ على سطح الأرض هل تسمعني؟!

    تأوهت بجزع حين أصتدمت احدى رُكبتيها بحافة طاولة القهوة من خلفها وأسرعت بالجلوس على أحد المقاعد الملتفة حول تلك الطاولة وهي تضغط باكية على مكان الإصابة وتلعن حظها السيء لهذا اليوم ووجهها يتفجر بحمرةٍ قانية..

    تقدم منها صامتاً في تحركِ طبيعي مستغلاً أنشغالها بالألم وأنحنى أمامها بثنى إحدى ركبتيه لتجفل من كونهما على هذه الدرجة من التقارب، أمسك بطرف ثوبها الجميل فأردت تسديد صفعة مماثلة لما فعلت من قبل بعد أن أدرك عقلها ما يهم بالقيام به إلا أن قبضته الأخرى منعتها وأحكمت محاصرة معصمها
    -إنها مسألة وقتٍ قبل أن أراه كاملاً على أية حال فأوقفي مقاومتك حتى لا تتعرضي للأذى مجدداً




  17. #196

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية





    هناك في دولة شقيقة لمملكة الشياطين وأحد أبرز وأقوى حليفاتها بين دويلاتِ الجوار

    طرق الحارس العريض القامة للبوابة الفضية الواسعة الأرض برمحه ليصدر جلبة عظيمة ويرفقها بصوته الجهوري مُعلناً عن الوصول المفاجئ للورد فولكان..

    أعتدل أعيان الحاكم الوقور ووزراءه في تشكيلة منظمة عن يمين وشمال كرسيه المتوسط قلب الديوان ليلج الشاب ذو الهالة الملكية الساطعة بعد ذلك بوقتِ قصير و يتابع تقدمه الى حيث يقبع الرجل السبعيني في مقعده العتيق الفاخر.. طال الصمت المُستنكر فبادره الحاكم بالسؤال:
    - لورد فولكان، ماهي المناسبة التى ساقتك إلينا على حين غفلة منا ياترى؟

    أجاب بثقة بالغة أخطئها البعض بالأنفة والكبر:
    -أتيت لأسترد ماهو لي جلالة الحاكم

    أحتدت نظراته كما غلُظ صوته وهو يقول:
    -وماذا أنت فاعلٌ إذا أجبناك بأن لا شيء لك لدينا لتسترده؟!
    -إذاً فالحرب جلالة الحاكم حتى أستعيدها مجدداً

    أرتفع منسوب القلق والرهبة في قلوب الشهود على المعركة البصرية الحامية بين كُلٍ منهما وأصبح الجو بارداً الى حدٍ مجزع حتى أطلق الحاكم ضحكة رنانة فاجأة الضيف الفظ قبل أن تفاجئ غيره من الموجودين، أردف الحاكم من بين دموعه التى ترقرقت من شدة الضحك:
    -أه يالعنفوان الشباب، لا يفقد خصائصه المبهجة مهما طال بنا العمر، مرحباً بك في موطنك وبين أهلك لورد فولكان رجاءاً بأن تمكث لدينا ما تشاء حتى نسعد برفقتك

    أستدار برقبته لليمين و أردف بصوت جهوري:
    -أورا تقدمي من والدك يا زهرتي

    خرجت الحسناء من بين الستار وأخذت تمشى بخُطى خجولة بينما تشد على قبضة يديها لتوقف ارتعاش جسدها الذي هاج لا ارادياً لحظة صافح مسمعها خبر قدومه لرؤية والدها.. استقرت قرب الكرسي وعينيها لم تبرحان الأرض فهي واثقة من فشلها في التماسك إذا ما وقعت عينيها عليه وفوق ذلك هي لن تسمح له برؤية عينيها الحمروان جراء بكائها الطويل منذ افترقا وحتى وقتٍ قصير..

    - هذا ليس كُل شيء حضرة الحاكم

    لا شعورياً وجدت عينيها الجاحظتين متصلبة في مجال عينيه الحادتين لحظة أردف:
    -أريد أن يُعقد زفافنا الليلة، فلا أرى فائدة من تأخير الأمر أكثر من ذلك، ما قول جلالتك؟

    هنا تحرر لسانها من سطوة سيطرتها المحكمة عليه و تبعه صوتها الذي صرخ بإنفعال:
    -هذا مُستحيل
    -أورا!!

    صرخت والدها الناهرة بإسمها جعلت دمعها يجرى من جديد بينما تجاهلت كل شيء بعد تلك الحظة وهرعت بعيداً عن كُل تلك الأعين التى كانت تخترقها بلا رحمة وفي مقدمتها عينيه الكهرومانيتين، إنه غير صادق في رغبته بالزواج منها وهي أكيدة من أنه لم يقدم عليه سوى بعد طلب امبراطورتها لذلك، لكنها لن تسمح بأن تُستغل من قِبله كغطاء على ما يدور في رأسه ولن تترك قلبها يعانى أكثر مما فعل، كما أنها لم تكسبه يوماً لتخشى خسارته فلم العناء؟!

    صرخت بالخادمات من خلفها قبل أن تُغلق باب الحجرة الخاصة بها:
    -لا تسمحوا لأحدٍ بالدخول وهذا يشملكن أيضاً ..

    كانت قد قطعت مسافة تجعلها في منتصف حجرتها حين ضرب بأوامرها عرض الحائط وفُتح الباب فستدارت وعينيها تُطلقان شرراً لتستيقظ جميع دفاعتها أمام هالة المتطفل القوية:
    - لماذا لحقت بي فولكان لم لا تتركني وشأني، سوف لن أتزوجك ولو كنت أخر رجُلٍ على سطح الأرض هل تسمعني؟!

    تأوهت بجزع حين أصتدمت احدى رُكبتيها بحافة طاولة القهوة من خلفها وأسرعت بالجلوس على أحد المقاعد الملتفة حول تلك الطاولة وهي تضغط باكية على مكان الإصابة وتلعن حظها السيء لهذا اليوم ووجهها يتفجر بحمرةٍ قانية..

    تقدم منها صامتاً في تحركِ طبيعي مستغلاً أنشغالها بالألم وأنحنى أمامها بثنى إحدى ركبتيه لتجفل من كونهما على هذه الدرجة من التقارب، أمسك بطرف ثوبها الجميل فأردت تسديد صفعة مماثلة لما فعلت من قبل بعد أن أدرك عقلها ما يهم بالقيام به إلا أن قبضته الأخرى منعتها وأحكمت محاصرة معصمها
    -إنها مسألة وقتٍ قبل أن أراه كاملاً على أية حال فأوقفي مقاومتك حتى لا تتعرضي للأذى مجدداً



  18. #197

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية




    قالها وهو يرفع ثوبها الى فوق ركبتيها ليكشف عن الجرح الذي تعرضت له، أما هي فكادت أن تفقد وعيها من شدة الغضب والخجل وسرعان ما عضت على يده التى تحاصر معصمها دون فائدة، صرخت به مجدداً:
    -الويل لك كيف تجرأ! سأصرخ وأفضحك على رؤوس الخلائق إن لم تبعد يديك عني خلال هذه اللحظة

    أجاب بمكرٍ بارد:
    -وكأنك لا تصرخين منذ الأن، أوقفي انفعالك حتى أتمكن من مساعدتك هنا رجاءاً
    -لكنني لا أريـ … أه أي أنت تؤلمنــي

    عضت على شفاهها ويده تلامس ركبتها بدفء غريب ولم يكن لألم الجرح الصغير سببٌ خلف تلك الخفقات والدموع بل العلة تُصب رأساً على حقيقة ملامسته لها بهذا اللطف كما لم يفعل من قبل، هدأت قليلاً حين أسدل الثوب على ساقيها من جديد إلا أن يديها لم تتحرر من قبضته القوية ووجدت أنها تستمع إليه بكل جوارحها حين تبنى صوته تلك النبرة العميقة وهو يقول:
    - لربما لم أسمح لك بمعرفة ذلك من قبل أورا، لكنك الفتاة الأولى التي يخفق لها قلبي بولعٍ لم أذق طعمه قط من قبل في حياتي، أذكر جيداً تفاصيل ذلك اليوم حين صحِبتُ والدي في زيارته لكم وكنتِ آنها ابنة الثالثة عشر ربيعاً، أذكر جيداً ملامحك وثوبك ورائحتك، الزهرة الأقحوانية التى زينة شعرك الجميل و شفاهك الحلوة، كنتِ أجمل من رأت عيناي من بين النساء وحقيقة أنني سأحضى بك حين نبلغ سن الرشد جعلتني أطير من فرط السعادة لحظة سماعها تخرج من بين شفتي والدينا.

    خفف من قبضته على معصمها وهو يتابع بشيء من الإنزعاج:
    -إلا أن تلك السعادة لم تدوم طويلاً فقد أفاقني منها تذكر حجم الإختلاف بين طبائعنا المتضادة كالنار والجليد، لقد أستعصى على الخدم تصور أن نكون في إطارٍ متكامل واحد معاً فكيف لا يصعب علي وأنا المتخبط أساساً في غمار من أنا؟، هاجمتني الهواجس بعدها من كل مكان وأجمعت على أنكِ مُكرةُ علي وأنك ستلعنين روحك ألف مرةِ إن انتهى مستقبلك معي ولم أجد عوضاً في تعلق قلبي بك آنها سوى بإرغامه على رفضكِ بشتى الطرق والوسائل لأكثرها دناءة حتى وصلت الى إقتناعٍ زائف من أنني لا أرغب بكِ بعد الأن

    قرب يديها من جبينه وتابع مغمض العينين وهو يتنهد بضيق:
    - لا أستطيع الكذب على نفسي وعليك أورا أكثر مما سبق وسأقولها بكل صراحة .. أنا أريدك ورغبتي بك قوية وشديدة وعنيفة، أريد أن أشاركك الحياة ومن قبلها عيوبي فقد سأمت التعامل معها وحدي!، وكما هو جلي من أنني لم أفلح في التعامل معها أبداً فأنا كما أنا، جبان وأناني ذو لسان لاذع لذا هل تقبلين بي رغم كل هذا؟!

    أخرجت يديها من حصار يديه وسرعان ما حاصرتها بدورها لتثبت شيء ما بمكنونها، كان وجهها مغرق بالدموع الى أقصى درجة ممكنة إلا أنها رسمت ابتسامة مرتعشة وهي تتمتم بصعوبة:
    -وهل حقاً أملك حق الإختيار؟
    ضحكت وهو يقترب منها ويعانق خصرها فقد أوقعت به بفهمها لطبيعة سير الأمور داخل رأسه المتحجر:
    -سأكون كاذباً إن قلت بلى، لذا فالإجابة هي كلا، لن أسمح بأن تصديني عنك أورا بعد أن سرقتِ تعلق قلبي الأول وهذه الأنانية هي أحد عيوبي التى يجب عليك التعامل معها منذ الأن وحتى أخر رمق لنا في هذه الحياة

    أطبقت بيديها على رأسه الملاصق لبطنها وقالت بسكونٍ ساحر:
    - تعلم أن لديك الكثير و الكثير من الإيضاحات التى يجب أن تدلى بها قريباً قبل أن أغفر لك بالكلية

    تمتم بسرور اكتسحه بتملك عجيب بعد الإدلاءات التى تدافعت من لسانه بسلاسة مفرطة:
    -أفعلي ما تشائين بي شرِطة أن نعقد زفافنا الليلة أولاً فقد سئمت البقاء وحيداً والإنتظار ..



    ~..~..~..~..~..~..~..~



  19. #198

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية


    مملكة الشياطين ~

    القصر الرئيسي الخاص

    - أريد رؤية مزيد من باقات الورد في جمع أورقة القصر وأرجو أن يتم تنظيمها بعناية فائقة، لديكم ساعة من الزمن قبل أن يصلوا فباشروا عملكم رجاءاً..

    انحني المسؤول عن حدائق القصر لجلالتها و غادرها لتنفيذ الأوامر المستعجلة، في حين تابعت ليديا المتوترة سيرها الأقرب للعدو هنا وهنالك وهي تتفقد التجهيزات التى عكفت على إتمامها منذ ما يقارب الأسبوع الأن ترقباً لعودة الزوجين الى كنف القصر بعد أن غابا عنه لما يُقارب الشهرين الأن..

    خلال سيرها قرب أحد الشرفات ذات الإطلالة الداخلية لمحت طفليها الجامحين نوث و فاريوس وهما يتقاتلان في الحديقة مجدداً كما يفعلون في كل يوم دون انقطاع وثيابهما تُلطخها الأتربة والأوساخ، أخرجت رأسها ونهرتهما ليعودا الى الداخل و يغتسلا سريعاً، أعادت جسدها بعد ذلك وأكملت طريقها بإستياء وهي تتمتم بسخط:
    -" حقاً لا أصدق كم كنت حمقاء حين أسميتهما تيمناً بأكثر الرجالِ عناداً و أسوأهما في الطباع، مالذي جنيته على نفسي سوى العناء ولا شيء أخر"

    خرجت ريفيان من أحد الحجرات أمامها حاملة صغيرتها أرتوس بين يديها في حُلة نظيفة وجميلة، سرعان ما تهللت أساريرها بسعادة لرؤيتها فهي تكبر يوماً بعد يوم لتصور حُب حياتها هيدس في هيئته الأنثوية الساحقة حتى أجهض حديث ريفيان المنفعل ابتسامتها الأولى منذ صباح هذا اليوم العصيب..

    -أوه مولاتي لما لم تبدلي ثيابك بعد؟ سيصل اللورد فولكان وزوجه خلال النصف ساعة القادمة وليس من اللائق أن لا تكون جلالتك في إستقبالهما

    تملكها حرج شديد من مظهرها الذي لم تشمله في دائرة الإهتمام من شدة انشغالها، طبعة قبلة سريعة على جبين طفلتها ثم هرعت تقصد غرفتها حتى تشرع في تجهيزاتها هي الأخرى وهناك وجدته يقف قرب سور الحديقة المعلقة وهو يحدق في فساحة السماء بسكونٍ زاده جمالاً في عينيها، إنها تدرك جيداً ما يجوب بخلده في هذه الثانية، وكيف لا تفعل وهي من شاركته أدق تفاصيل حياته خلال الأعوام المنصرمة ..

    أقتربت منه بهدوء ولفت ذراعيها حوله لتعانقه من ظهره، ابتسم ثم استدار إليها ليسمح لها بمشاهدة روعة السماء معه، جاورته بإنسيابية وأمالت رأسها على كتفه وهي تقول:
    - تعلم كم أحبك هيدس أليس كذلك؟

    أومأ لها بمكر:
    -إلا أنني لا أمانع من أن تقوليها لي بين الحينة والأخرى

    رفعت إحدى حاجبيها بمكرٍ وهي تطرح استفسارها:
    - هل لك أن تكون أكثر تحديداً مع " الحينة والأخرى" التى تقصدها؟

    تظاهر بالسعال وهو يقول سريعاً:
    -كل يوم ربما

    أحكمت تشبثها بذراعه وهي تضحك فعله وتحمد الرب على وقعها بين يديه من بين جميع الرجال:
    - أنت حقاً لا تُصدق، تذكر إذاً من أنك حكمت على نفسك بالمؤبد وسأحرص بدوري على إبقاء عيني عليك مدى الحياة


  20. #199

    الجزء الخامس والعشرون ~ النهاية




    لاحقاً أمام ردهة القصر ..

    راقبته يترجل من العربة سريعاً ليتحصل على شرف فتح الباب لعروسه الحسناء الباسمة، لم تكد تميزه من شدة اختلافه عليها ابتدأً من بريق عينيه وانشراح ملامحه بإبتسامة واسعة التى شهدت وحدها على نمو بذور التغيير من بين فجوات الصخرة القابعة مكان عقله، أبصرته بأم عينيها يتصرف بنبل وهو يمد يديه ليعين أورا على الترجل من العربة وقرأت السعادة في الهالة التى أحاطت بهما بتناغمٍ جميل ككيانٍ واحد حين جاور أحدهما الأخر..

    ذلك المشهد جعل الدموع تترقرق في عينيها لتسرع قبضتها في التمسك بقبضة رجُلها المستقر بقربها وتتبادل معه نظرة السرورٍ ذاتها ..

    أسرع الطفلين المهندمين بالهجوم على عمهما الذي أنحنى لتلقيهما بين ذراعيه والشوق مفضوحٌ في عينيه المشرقتين بإستقرارٍ وطمأنينة، شعور حنينٍ دافء تغشى عالمه منذ أن فتح الأبواب الى قلبه وسمح لغيره بالدخول إليه ليعينه على خلق التوازن بين أقواله وأفعاله دون أن يجعل ذاته الحكم الأوحد لها..


    أنزلهما أرضاً حين وصل الى حيث يقف والديهما في إنتظاره، انحنى كرجلٍ نبيل ليطبع قبلة على ظهر كف الشُعلة التى أضاءت له أولاً طريق بحثه عن السلام مع ذاته و لم يبدد فرصة منحها الإعتذار الذي طال تأخره عنها لجميع ما بدر منه في حقها بكل ثقة وتواضع وأمام الجميع، تقبلته بسعادة مفرطة سالت لها الدموع حين ختمه بالإفصاح على أنه سيمنح طفله المنتظر اسمها إذا ما كانت أنثى كما يشعر ومنذ تلك اللحظة تحول الإحتفال بعودتهما الى مباركاتٍ صادقة للزيادة التى ستضفى مزيداً من السعادة على حياتهما وحياة باقى أفراد العائلة، سرعان ما غرق الجميع في الضحكات لدى تقاتل الطفلين على الجنين الصغير قبل قدومه بوقتِ طويل بعد سماع الإسم المميز الذي سيُطلق عليها، وكان اليقين واحداً بداخل أذهانهم وهو أن هذه المعركة ستظل قائمة حتى تُتَوج بإنتصار أحدهما على الأخر وفوزه بقلب ليديا القادمة في الطريق ..






    ~ النهاية ~


  21. #200


    والحمد لله رب العالمين


    باب النقاش مفتوح أحبتي smile

الصفحة رقم 10 من 11 البدايةالبداية ... 891011 الأخيرةالأخيرة

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter