أبعدت الفراش عن جسده الملتهب سريعاً وأخذت ترشف وجهه ورقبته بما احتواه ابريق الماء الزجاجي خاصتها حتى هدأ قليلاً وأصبح لأنفاسه إيقاعٌ أكثر إنتظاماً، فتح عينيه على مهل والألم لا يزال يدب في أطرافه وأوصاله ليبصرها جالسة قربه تحاول كتم شهيقها بقبضة يديها التى تطبقان على أنفها وفمها بغلظة
حاول الإبتسام إلا أن ذلك كان صعب المنال مع حالة عقله المتصلب لكنه مع ذلك الألم أرغم ذراعه على الإمتداد وصولاً الى رأسها ثم عمد على إرخاءه تدريجياً حتى أستقر فوق كتفه وسمح له بالشعور بإنتفاضة جسدها عليه..
-توقفي عن البكاء كالأطفال ليديا، أنا لم أموت بعد ولا أخطط لتركك قريباً
أخفت وجهها خلف إحدى يديها بينما تسلل شيء من أنينها من بين أسنانها رغماً عنها لتسارع بتبرير موقفها بحروف مقطعه:
-أنا السبب في معاناتك هيدس، قلبي تعيسٌ الى درجة خانقة انها المرة العاشرة خلال هذه الأعوام القصيرة ولا أظن من أنها ستكون الأخيرة
ابتسم أخيراً و أصابع يديه تلاعب شعرها بحركة بطيئة:
- و تحصينها.. يالك من امرأة! إلا أنك مخطئة بشأن بعض الأمور وهي أنكِ وراء كل ما هو سعيدٌ في حياتي وليس العكس، كما أنه ليس ذنبك قمرِ، سأتقبل ما هو أشد وجعاً من هذه الصرعات في سبيل الحفاظ على من أحب
لم يهدأ بكائها ولو بالقدر القليل حين أجابت:
- لكنني خائفة، أخاف أن أفقدك بسببها وأفقد روحي تبعاً لذلك، مالذي سيحدث لأطفالنا عندها؟!
ربت على ظهرها وهو يستعيد تحكمه بجسده تدريجياً مع خروج عقله من أثار نوبة الصرع الذي أصابته قبل لحظات:
- أشششش كُفى عن قول ذلك، سأكون بخير طالما أنام قربك هكذا كُل ليلة، طاقتك الفريدة تُخفف من حدة هذا الألم الى النصف، وأظن أن بوسعي تحمل الباقي فأنا لست بهذا الضعف حبيبتي
هدأت قليلاً حين أخذت حرارته في الإعتدال ثم أردفت بصوت خفيض:
- سأحرص على أن تُشفى من هذه النوبات تماماً هيدس، لن أسمح لها بسرقتك مني ومن أطفالنا وشعبك مهما طال الأمر..
احنى رقبته قليلاً ليقبل رأسها المستقر فوق كتفه:
-أعدك، لن أذهب الى أي مكان، فلتنامي الأن بسلامٍ ليديا
لاءمت بجسدها وضعية رأسها لتصبح ملاصقة له إلا أن النوم تجافى مع أجفانها بعد أن طار من عقلها الذي تمكنت منه الهواجس كما يحدث في كل مرة ومع كل نوبة مشابهة سبقت، إن قلبها لم يتمكن مُطلقاً من التأقلم مع هذه الصرعات التى أستمرت في الهجوم عليه وعلى روحها من قبله رغم عمر السنين التى أنقضت منذ أن أصيب بها للمرة الأولى دون سابق إنذار، فأن تراه يتألم بهذه الطريقة في كل مرة تثور فيها ذكريات ماضيها المبعثر داخل عقله هو عذابٌ مستمر لقلبها وضميرها الذي يُحملها قِسطاً وافراً من الملامة..
هي لم تشاء أن تصدق اللورد دايفييل حين أخبرها عن الإحتمالية الكبيرة لحدوث ذلك كنتيجة لتلاعب هيدس الخطير بما سبق كتابته في الصُحف، و لكم دعت برجاءٍ خالص خلال غيابه الطويل عنها كيعود لها سالماً دون أذى، إلا أن فزعتها البالغة لم تكن كفزعة من تم انذاره قِبلاً حين تدهور وسقط أمامها متلوياً من شدة الألم خلال النوبة الأولى، لقد وقع ما أُنذرت به بعد كُلٍ وبكت ليلتها حتى الصباح بعد أن أوشك قلبها على التوقف عن الحراك
أرغمت ذكرياتها المؤلمة عن حادثة تداعيه الأول الدموع على التسلل من جديد وصولاً الى جسده، عقد حاجبيه بقلق وهو يتحدث بشيء من الوهن:
- مابك ليديا؟ لماذا لا تنامين؟
أجابته بصوتِ مخنوق وهي تفرض سيطرة قهرية علي انفعالاتها:
- لا تبالي بي هيدس أرجوك فلتنم قليلاً، أطفالك يتطلعون الى رحلة الصيد معك في الغد بفارغ الصبر
- ساعديني عليه بأن تُطلعيني عن ما يدور بخلدك ؟
اكفهر وجهها وازداد تدفق دموعها لتجيب بعد برهة:
-أنا فقط أشعر بالذنب لأنني سعيدة من أن هذه الصرعات لم تهاجمك سوى ليلاً حين أكون معك وبقربك، لا أدري مالذي سيحدث لي إن ثارت عليك ونحن منفصلان عن بعضنا البعض
أستلقى بتجاهها لتتقابل أعينهما وترى كمية الحب الذي يكنه لها من خلال نظراته الشغوفة، إنها لا تكف عن إيقاعه في شباكها بحيث يتعذر خلاصه أمد الدهر:
- لا تقلقي فلا يمكن أن أصاب بها بعيداً عنك على أية حال، أنا أدرك تماماً مواقيت ثورانها علي، هذا لأنها دائماً ما تتزامن مع جشعي بك فأنا لا أكتفى أبداً من ذكرياتنا سوية وأرغب بحماقة في تحليل ما سرقته من ذكريات الغير الخاصة بك حتى أراك من خلال أعينهم في ذلك الزمن الذي لم أعرفك فيه، لذلك أرجو أن توقفي شعورك بالذنب فأنا السبب خلف ما يصيبني ولن أكف عن المحاولة حتى أنجح في دمج الذكريات مع بعضها البعض بطريقة أو بأخرى، عندها لن يراك أحد في هذا العالم بقدر ما رأيتك وهذا مطلبي..
ما كان حديثه الذي قاله تواً ليفلح أبداً في منعها من متابعة ذرف الدموع الحارقة، مراقبتها تبكى بهذه الطريقة جعلته يضحك رُغماً عنه وهو يردف بشيء من السخرية:
-من بوسعه التصديق بأن امبراطورة مملكة الشياطين الوقرة والأم الودود يمكن أن تكون كثيرة البكاء هكذا، أرى قليلاً من أين أكتسبت تلك الصغيرة الفاتنة طباعها الصاخبة
ضحكت من بين دموعها فتابع إلقاء التعليقات الساخرة حتي هدأت وقد خارت قواها، استسلمت للنوم بعد ذلك قُبيل الصُبح بساعاتِ قلائل..
~..~..~..~..~..~..~..~
المفضلات