-إنه يقترب، يقترب كثيراً، أكره ضحكته البغيظة
ظهر الوجه الأسود ذو العينين المشعتين والإبتسامة الماكرة أمام وجهها تماماً فصرخت بذعر وترنحت ألماً من صداع رأسها الثقيل، أعادته الى الخلف على مهل وهي نادمة على قفزتها العشوائية..
فتحت عينيها بروية هذه المرة وأخذت معالم الزهور الجميلة على المنضدة أمامها تتضح أكثر فأكثر فبتسمت رغم دموعها، حمدت الرب بسعادة حقيقة أنه لم يكن سوى كابوس مزعج إنضم الى قائمة الكوابيس التى لم تبرح تراودها في كل مرة تغمض عينيها بها مؤخراً
إنها ترقد بأمان في مشفى المدينة الحضارية المتطورة وتشعر بالضعف الشديد من طول النوم، لم يمضى الكثير من الوقت حتى طرق الباب ودخل إيروس حاملاً زهوراً حمراء جميلة، مبعداً بذلك تفكيرها عن أحداث تلك الليلة.
إعتدلت في جلوسها بتمهل وهي تبتسم بسعادة:
- توقف قبل أن تتحول الغرفة الى متجر بيع للزهور
إقترب منها وطبع قبلة على جبينها:
- صباح الخير زهرتي
حنت رأسها بإحراج وأجابته:
- صباح الخير
وضع الزهور بالقرب من سحابتها الطبية وجلس بالقرب منها ويديه تحتضن يديها بحرارة
-كيف أصبحتِ اليوم؟ هل تشعرين بتحسن؟
لم تعلم أين أتقنت الكذب هكذا وهي تجيب:
- أجل إيروس أنا بخير، توقف عن القلق بشأني وأشحن إنتباهك هذا لمنافسك
ترك يديها ليحاصر وجهها ويثبته بإتجاهه:
- أخبرتك بالأمس ليديا، لا أريد نقاش هذا الموضوع مجدداً، الحملة بخير وأنا مُتقدم جداً.. كل ما يهم الأن هو أنتِ حبيبتي لا شيء أخر
-عانقني أرجوك
قالتها لتمنعه من رؤية دموعها وهي تحررها أمام دفء قميصه وقريباً من ضربات قلبه الموسيقية الساحرة، لم تستطع النطق بكلمة واحدة بأول يومين لها بعد الحادثة ولو لم يكن إيروس متواجد بقلبه وعقلها معها لم أستطاعت الحديث وتخطى الصدمة حتى الأن.
قُرع الباب مجدداً فأبعدها عنه برفق وذهب لتفقد هوية الطارق، فتحه وراء هيئة الغاضب أمامه فحياه بإحترام وأفسح له الطريق.
أسرع نوثانيل الى الداخل وقلبه يحثه على التحلى بالرزانة والسكينة ولكن كل وعوده أصبحت من الماضى حين رأها بتلك الحالة.
لم تكف عن البكاء كالأطفال الصغار وهي متعلقة برقبته ومتشبثة به بقوة شعر بها من خلال قبضة يدها الشديدة على قميصه، راحت يده تمسح على رأسها وظهرها بحنان حتى هدأت ضربات قلبها ومن ثم أعاد فرد ظهرها على السحابة حتى لا تجهد قدمها المُجبّرة.
-كل شئ بخير صغيرتي لا داعي للقلق بعد الأن، أنا هنا الأن
أشاحت بعينها بعيداً عنه وقالت معاتبة إياه:
- كيف يكون بخير وأنا أقضى يومي الرابع هنا ولم أرك قبلها؟
كان على علم من أنها غاضبة منه ووضع ذلك بالحسبان فقد كان يبعد ألوف الأميال عن المملكة حين علم بالأمر وكان أول شيء قام به بعد ذلك هو شق طريق العودة دون توقف:
- أعتذر صغيرتي، حاولت القدوم بأسرع وقت ممكن ولكن أعاقني الكثير
نظرة إليه بطرف عينيها ورأت القلق في عينه فآلمها تصرفها الأناني:
- أنا من يجب علي الإعتذار، ماكان يجب على قول ذلك، أردت فقط رؤيتك بعد كل هذه المدة، والحديث معك عما جرى
قطع حديثهما دخول الممرضة وطلبها فحص فخذها، تمسكت به ورجته أن لا يغادر حيث أنها لم تكاد تشعر بأنها قد إستيقظت أخيراً والمسكن سيجبرها الى النوم مجدداً، طمئنها على وجوده وغادر منضماً الى إيروس خارج الغرفة.
نوثانيل بجدية:
- علينا التحدث
تبعه إيروس بصمت ولم يكف الجميع عن الإنحناء بإحترام للورد نوثانيل الذي كان ممتلئ الذهن مشتعل الفؤاد لما رأى
~~~
إحتل أحد المقاعد المتوفرة بكثرة على إمتداد الممر البرح بإطلالته الزجاجية على المدينة الحديثة الذكية، مرت لحظات صمت وعيني نوثانيل تراقبان الجسر الناقل يتحرك كما لو كان معلقاً في الهواء ومن ثم
- أكان أنت من وجدها، أهذا صحيح؟
-كلا سيدي، لم أعلم بالأمر سوى باليوم المقبل بعد أن تم أخذها الى المشفى فعلاً، ريفيان آعلمتني بالأمر.
-وهل قمت بالتحقيق في الحادثة؟ أعنى كيف من الممكن أن يقع غصن الشجرة بتلك الطريقة المريبة! ألم تكن جميع الأشجار بصحة
جيدة خلال الفحص العام قبل ذلك اليوم بمدة قصيرة؟
-التحقيق لا يزال قائماً سيدي وجميع أعشاب وأشجار الغابة تخضع للفحص من جديد
أسند ظهره الى الخلف مظهراً القليل من الرضا، ومن ثم أردف
-كيف كانت حتى الأن؟
علم أنه سيسأله هذا السؤال وكان قلقاً من عواقب إجابته:
-ليست بالأخبار الجيدة سيدي، فخلال الثلاثة الأيام الأولى ظلت تهذي خلال نومها وتستيقظ مذعورة ثم تعاود النوم من جديد، ولكنها تبدو أفضل بكثير اليوم، لم يتسنى لي سؤالها عم حدث ولن أفعل حتى تشعر بالقليل من التحسن.
أبعد المقعد الى الخلف بغضب وهو يهب واقفاً من عليه:
- فليعلم مسؤول الجامعة أنني لن أسمح بمرور هذا الأمر بدون محاسبة شديدة لمن يثبت عليه الخطأ، لا أصدق إخفاقه في الحفاظ على صحة غابات منطقته بهذه الطريقة المخلة.
ترك إيروس وتوجه الى غرفتها من جديد، كان غاضباً من كونها سقطت ضحية إهمال كان من الوارد أن يؤدي بحياتها، وجدها تغط في نوم عميق عند رؤيتها مجدداً وأعزاه الى شعورها بالراحة بعد أخذ المسكن، طبع قبلة على جبينها وتركها محلقاً خارج الغرفة لتسوية بعض الأمور.
~..~..~..~..~..~..~..~
المفضلات