الصفحة رقم 3 من 11 البدايةالبداية 12345 ... الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 41 الى 60 من 206
  1. #41

    الجزء الثامن




    -هي بخير، لا تقلق كل ما في الأمر هو أنني أعتقد أن فاريوس أذاها بأشد مما هو ظاهر وأنا تركته ينفذ بذلك
    عقد حاجبيه طالباً مزيداً من الإيضاح فأردف دايفييل مريحاً قلقه على صديقه:
    - خلال تفقدي للصغيرة اليوم وجدت جزء من وشم فاريوس بالقرب من قلبها.
    -مالذى ترمي إليه؟


    قالها بقلق بالغ وهو يلعن اللحظات التى تركها بها وحيدة بتلك الليلة
    -أظن أنها من فعله، فلم يُظهر جسدها أدنى مقاومة له كم فعل جسد فاريوس عندما كان بربيعه الثاني


    مرت لحظات صامتة قبل أن يردف دايفييل:
    - أعلم أنك تشعر بإختلافها كما أشعر تماماً، لها جسد ضعيف، أضعف من أن يتحمل أي هجوم أخر وأكاد أجزم أنها كانت لتكون في عداد الأموات إذا لم تكن ببلورة الإنعاش عندما إستيقظ الوشم بداخلها
    -تباً لذلك الرجل المقيت، لو تركتني أوسعه ضرباً قبل إرساله الى مملكته، أتعجب من مقدرتهم على إنجابها سليمة في المقام الأول دون الإجراءت الطبية اللازمة لمثل هذا النوع من الأزواج، مالعمل الأن؟


    نظر الى السماء من خلال سقف الغرفة الزجاجي وهو يجيب:
    -لا شيء سيتغير سوى أنني سأحرص على أن تكون ذاكرتها سليمة من أي ذكريات سابقة وستكمل أنت مهمة حمايتها ورعايتها حتى تصبح قادرة على الإنضمام الى بقية الأطفال بأقل نسبة ممكنة من المخاطر


    غادره بعد ذلك لينعم بقسط من الراحة بينما شق طريقه إليها من جديد، لم يستطع عقله تخيل حجم القوة التى من الممكن أن تؤثر على صديقه لهذه الدرجة وترديه طريحاً بينما كان من المستحيل المساس به طيلة سنواتهما معاً، أيقن أن دايفييل إحتفظ بجزء من الحقيقة لنفسه ولم يرد الضغط عليه أكثر لمعرفتها، خاصة بحالته تلك، قضى ليلته يحرس بوابتها وعقله يقلب الأمور هنا وهناك.



    ~..~..~..~..~..~..~..~





    - أأأأأه مالذي فعلته، يالغبائي.


    أخذت تركل التربة وهي تصيح بغضب بعد أن غادر أمامها أخر مركب ناقل تستطيع اللاحاق به لليوم رغم ركضها بتلك السرعة الجنونية بعد أن تنبهت وهي تغادر المكتبة الى قدوم الشق الأخر من اليوم، كل هذا حدث بسبب إهمالها للوقت داخل الدور العاشر وسماحها المستمر بدقائق إضافية مع كُتبها الشيقة، كانت غاضبة ومحبطة بذات الوقت فالخيار الوحيد الممكن الأن هو العودة سيراً على الأقدام خلال ذلك الطريق الطويل عبر الغابة.


    - حسناً على الأقل هنالك ضوء القمر


    قالتها وهي تشق طريقها بإتجاه الغابة المجاورة للجامعة بعد أن تيقنت أنه من المستحيل أن توقظ ريفيان من نومها أو أن تطلب من إيروس إيصالها فهى تنوى إبقاء بطاقته السحرية لمدة أطول قليلاً و رؤيته دون إعادتها له مباشرة ستعد سرقة دون شك.



    ~..~..~..~..~..~..~..~



    اخر تعديل كان بواسطة » moon child في يوم » 24-04-2013 عند الساعة » 13:56
    " وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى "


  2. ...

  3. #42

    الجزء الثامن



    قرعت الباب ودخلت بعد إعطائها الإذن بذلك.

    -سيدي تأخر الوقت ولديك الكثير بالغد، أهنالك أمر أستطيع مساعدتك به؟
    -لا سينا، لا شىء، بوسعك الذهاب سأغادر شخصياً عما قريب
    -كما تريد سيدي

    تراجعت وأغلقت الباب خلفها وبقلبها الكثير من المشاعر العائمة، فهي على قدر ما تحبه ولكنه لا يكف يشعرها بأن علاقتهما لن تتعدى كونها علاقة سيد بمساعده، كرهت حقيقة أنه لم يسبق وأن طلب مساعدتها خارج أوقات عملهما المحددة حتى ولو كان بالحالة المزرية التى غادرته بها تواً.

    ضرب الحائط بقبضته المنهكة وعينيه الساهرة لأسابيع تفتش بغضب:
    - تباً أين أختفت، لن أنام هانئاً حتى أجدك


    ثم عاود مشروع البحث عن بطاقته الدبلوماسية من جديد بخطوات متثاقلة، مجرد التفكير في إحتمالية ضياعها منه مستحيل، وإحتمالية تعرضها للسرقة فظاعة لم يرد أن ترواد عقله المجهد حتى، فكل شيء بداية بحملته الإنتخابية ومستقبله كنائب لمتحكم ووجوده بالحقل السياسي سيكون على المحك إذا ما علم أحدهم بإضاعته أبسط رموز إثبات الهوية السياسية الخاصة به.


    ~..~..~..~..~..~..~..~



    ظلت تمشى بتكاسل وملل لمدة من الوقت ويديها تبعد الحشائش العملاقة بإجهاد، صوت معدتها الجائعة وبعض من حشرات الليل هنا وهناك كانت الأصوات الوحيدة المؤنسة بهذا الطريق الموحش.

    إبتسمت وهي ترى القسم الأول من الغابة وقد إنقضى وهاهي تكمل طريقها بعيداً عن تلك الحشائش الطويلة برطوبتها المزعجة، الطبيعة الأن أخذت جغرافية العشب القصير وبعض من المساحات الترابية هنا وهناك، صوت مخلوقات البحيرة كان مسموعاً بوضوح ولكن البحيرة إستقرت خلف مجموعة من الأشجار الشاهقة التى أجادت إخفائها وقتلت فضول ليديا بالذهاب وتفقد المنطقة هناك،

    أخذ شعور الراحة يتفاقم بقلبها شيئاً فشيء مع نسيم الليلة العليل فالرحلة لم تكن سيئة للدرجة التى رسمتها بأول محاولة لها بالسير على الأقدم الى المنزل، تعكُر مزاجها بذلك الوقت كان لوناً رئيسياً عند رسم تلك الصورة المجحفة والباهته.

    تذكرت مفاجأة إيروس الجميلة ليلتها بأخر الطريق وقدومه لرؤيتها فغاصت في عالم من الأحلام الوردية الجميلة، عالم أشعرها بقدر إشتياقها له وحبها النقي رغم كل ما حدث، بغضها لحقيقة عجزها عن الصعود الى حيث يقبع مع نخبة المتميزين في عالمهما لم يتعدى كونه بغضاً لذاتها ولكن لم تصب صورة إيروس الجميلة بقلبها مُطلقاً.

    ذكراه المجردة جعلت قلبها يخفق بشدة كما لم يفعل من قبل وشعرت بجسدها يحلق عالياً متراقصاً مع حرية الهواء وبعيداً عن عقلانية الأرض الصلبة، لحظة واحدة !!، فتحت عينها على مصرعيها وهى ترى الأرض تبتعد شيئاً فشيئاً وكأن قنبلة أجتثتها بقوة نحو السماء.

    لم تكتمل الصورة بعقلها المتجمد عن أي إحساس أو ردة فعل حتى رفعت رأسها بتلقائية ورأت ذهباً شديد البريق حجب السماء من ضخامته ويد تمسك بظهر قميصها الأزرق الناعم، شعرت بهبوط شديد في ضغطت دمها وقبل أن يتجاوب عقلها من جديد أذى عينيها مرور الذهب بسرعة أمامها على ذلك الإرتفاع الشاهق وشفتين تحدثت رغم إبتسامة الحقد التى تعلوها:
    - مرحباً

    شعرت بقلبها يغادر جسدها وهي تهوى الى الأرض بسرعة جنونية بعد أن أفلتتها يده، وكأن الأرض تمتصها بنهم لتسحق جسدها الصغير دون منحها فرصة الدفاع عن حياتها التى أخذت تمر أمام عينيها سريعاً.

    توقف جسدها قبل أن يندمج مع الأرض ببعد ثانية، ولم تعاود الشعور بأعضائها حتى أفلتتها القبضة التى عاودت الإمساك بها من جديد في اللحظات الأخيرة من الهبوط وتتركها لتصتدم بالأرض بلطف.

    رفعت رأسها الملتصق بالتراب وهي لا تصدق ما يحدث، استدارت بجسدها المتنافض سريعاً نحو العدو وجحظت خوفاً لرؤية الظلام الدامس الذى غطى بقعة وافرة من الأرض حولها وحجب ضوء القمر بفعل جناحيه العظيمين مثبتاً بذلك التفاوت الكبير بين قوتهما، لم تستطع تمييز ملامحه مع السواد الحالك الذى كان الإنعكاس السائد بعدسة عينيها المتنافضتين سوى عن عينيه الكهرومانيتين المشتعلتين وهي تبادلها النظر بثبات..

    أخذت تتراجع زاحفة على الأرض ومتجاهلة ألم إحتكاك مختلف أحجام الحجارة بجسدها منهار القوى وعينيها لا تكُفان تراقبان المجهول بذعر جلى

    حنى رأسه الى اليمين بهدوء تمايل رغمه شعره الأسود الفاحم الكثيف وأرتسمت إبتسامة خبيثة من شفاهه الحادة وعينيه ترسم التعجب السعيد:
    - رائع، لا أجنحة أيضاً، حقاً لقد أسأت تقدير قوتي آنها وندمت كوني كُنت رحيماً جداً معك، ولكن بإختبار النتائج فيبدو وأن التأثير تعدى توقعاتي المتواضعة.

    لم تستطع فهم كلمة مما كان يقول فعقلها لم يكف عن إرسال إشعارات الخطر بجنون لتستمر في محاولتها البائسة للهرب من وجوده زحفاً على الرمال، إقترب منها بخطوات واسعة هادئة فأخذت تزيد من سرعة زحفها البائس ودمعة الخوف ترفض التحرر وإراحة هذا الجسد حتى شلها عن ذلك دهس قدمه على فخذها بشدة لم تعكسها صرختها المكبوتة وعينيها الفاغرتين، أنحنى نحوها بقوامه الكامل وقدمه تزيد ضغطها على عظمة ساقها التى أيقتنت أنها تهشمت وأردف بذات الصوت.
    -لن ننتهى هنا فهذه تحية البداية فقط.

    تراجع بعدها وقفز الى السماء التى إبتلعته خلال لحظات، ماحيةً أدلة تواجده بإتقان تام

    ترنحت رقبتها يميناً ويساراً وعينيها الدامعة تبحث عن منقذ، لمحت حقيبتها ملقية بإهمال بعيداً عنها وبات جلياً بأنها كانت ستتعفن هاهنا إذا لم تصل إليها وتطلب النجدة، زحفت وهي تصرخ ألماً من رجلها المقتولة وجثت على الأرض قليلاً بعد أن أمسكت يدها الحقيبة بإجهاد، أخذت يدها تبحث عن المحمول بما تبقى لها من قوة ودموعها تختلط مع التربة تحتها وتنتج طيناً شديد الملوحة شعرت بمذاقه في شفاهها الملوثة، لم يعكس وجهها المتغبر أية فرحة بعثورها المتأخر على الهاتف، نقرة على لوحة الأرقام عدة نقرات من ذاكرتها التى أخذت تخبو وتخبو حتى أظلم كل شيء.


    ~..~..~..~..~..~..~..~


  4. #43

    الجزء الثامن



    -إنه يقترب، يقترب كثيراً، أكره ضحكته البغيظة

    ظهر الوجه الأسود ذو العينين المشعتين والإبتسامة الماكرة أمام وجهها تماماً فصرخت بذعر وترنحت ألماً من صداع رأسها الثقيل، أعادته الى الخلف على مهل وهي نادمة على قفزتها العشوائية..

    فتحت عينيها بروية هذه المرة وأخذت معالم الزهور الجميلة على المنضدة أمامها تتضح أكثر فأكثر فبتسمت رغم دموعها، حمدت الرب بسعادة حقيقة أنه لم يكن سوى كابوس مزعج إنضم الى قائمة الكوابيس التى لم تبرح تراودها في كل مرة تغمض عينيها بها مؤخراً

    إنها ترقد بأمان في مشفى المدينة الحضارية المتطورة وتشعر بالضعف الشديد من طول النوم، لم يمضى الكثير من الوقت حتى طرق الباب ودخل إيروس حاملاً زهوراً حمراء جميلة، مبعداً بذلك تفكيرها عن أحداث تلك الليلة.

    إعتدلت في جلوسها بتمهل وهي تبتسم بسعادة:
    - توقف قبل أن تتحول الغرفة الى متجر بيع للزهور

    إقترب منها وطبع قبلة على جبينها:
    - صباح الخير زهرتي

    حنت رأسها بإحراج وأجابته:
    - صباح الخير
    وضع الزهور بالقرب من سحابتها الطبية وجلس بالقرب منها ويديه تحتضن يديها بحرارة

    -كيف أصبحتِ اليوم؟ هل تشعرين بتحسن؟

    لم تعلم أين أتقنت الكذب هكذا وهي تجيب:
    - أجل إيروس أنا بخير، توقف عن القلق بشأني وأشحن إنتباهك هذا لمنافسك

    ترك يديها ليحاصر وجهها ويثبته بإتجاهه:
    - أخبرتك بالأمس ليديا، لا أريد نقاش هذا الموضوع مجدداً، الحملة بخير وأنا مُتقدم جداً.. كل ما يهم الأن هو أنتِ حبيبتي لا شيء أخر
    -عانقني أرجوك

    قالتها لتمنعه من رؤية دموعها وهي تحررها أمام دفء قميصه وقريباً من ضربات قلبه الموسيقية الساحرة، لم تستطع النطق بكلمة واحدة بأول يومين لها بعد الحادثة ولو لم يكن إيروس متواجد بقلبه وعقلها معها لم أستطاعت الحديث وتخطى الصدمة حتى الأن.

    قُرع الباب مجدداً فأبعدها عنه برفق وذهب لتفقد هوية الطارق، فتحه وراء هيئة الغاضب أمامه فحياه بإحترام وأفسح له الطريق.
    أسرع نوثانيل الى الداخل وقلبه يحثه على التحلى بالرزانة والسكينة ولكن كل وعوده أصبحت من الماضى حين رأها بتلك الحالة.

    لم تكف عن البكاء كالأطفال الصغار وهي متعلقة برقبته ومتشبثة به بقوة شعر بها من خلال قبضة يدها الشديدة على قميصه، راحت يده تمسح على رأسها وظهرها بحنان حتى هدأت ضربات قلبها ومن ثم أعاد فرد ظهرها على السحابة حتى لا تجهد قدمها المُجبّرة.
    -كل شئ بخير صغيرتي لا داعي للقلق بعد الأن، أنا هنا الأن

    أشاحت بعينها بعيداً عنه وقالت معاتبة إياه:
    - كيف يكون بخير وأنا أقضى يومي الرابع هنا ولم أرك قبلها؟

    كان على علم من أنها غاضبة منه ووضع ذلك بالحسبان فقد كان يبعد ألوف الأميال عن المملكة حين علم بالأمر وكان أول شيء قام به بعد ذلك هو شق طريق العودة دون توقف:
    - أعتذر صغيرتي، حاولت القدوم بأسرع وقت ممكن ولكن أعاقني الكثير

    نظرة إليه بطرف عينيها ورأت القلق في عينه فآلمها تصرفها الأناني:
    - أنا من يجب علي الإعتذار، ماكان يجب على قول ذلك، أردت فقط رؤيتك بعد كل هذه المدة، والحديث معك عما جرى

    قطع حديثهما دخول الممرضة وطلبها فحص فخذها، تمسكت به ورجته أن لا يغادر حيث أنها لم تكاد تشعر بأنها قد إستيقظت أخيراً والمسكن سيجبرها الى النوم مجدداً، طمئنها على وجوده وغادر منضماً الى إيروس خارج الغرفة.

    نوثانيل بجدية:
    - علينا التحدث
    تبعه إيروس بصمت ولم يكف الجميع عن الإنحناء بإحترام للورد نوثانيل الذي كان ممتلئ الذهن مشتعل الفؤاد لما رأى

    ~~~

    إحتل أحد المقاعد المتوفرة بكثرة على إمتداد الممر البرح بإطلالته الزجاجية على المدينة الحديثة الذكية، مرت لحظات صمت وعيني نوثانيل تراقبان الجسر الناقل يتحرك كما لو كان معلقاً في الهواء ومن ثم

    - أكان أنت من وجدها، أهذا صحيح؟
    -كلا سيدي، لم أعلم بالأمر سوى باليوم المقبل بعد أن تم أخذها الى المشفى فعلاً، ريفيان آعلمتني بالأمر.

    -وهل قمت بالتحقيق في الحادثة؟ أعنى كيف من الممكن أن يقع غصن الشجرة بتلك الطريقة المريبة! ألم تكن جميع الأشجار بصحة
    جيدة خلال الفحص العام قبل ذلك اليوم بمدة قصيرة؟
    -التحقيق لا يزال قائماً سيدي وجميع أعشاب وأشجار الغابة تخضع للفحص من جديد

    أسند ظهره الى الخلف مظهراً القليل من الرضا، ومن ثم أردف
    -كيف كانت حتى الأن؟

    علم أنه سيسأله هذا السؤال وكان قلقاً من عواقب إجابته:
    -ليست بالأخبار الجيدة سيدي، فخلال الثلاثة الأيام الأولى ظلت تهذي خلال نومها وتستيقظ مذعورة ثم تعاود النوم من جديد، ولكنها تبدو أفضل بكثير اليوم، لم يتسنى لي سؤالها عم حدث ولن أفعل حتى تشعر بالقليل من التحسن.

    أبعد المقعد الى الخلف بغضب وهو يهب واقفاً من عليه:
    - فليعلم مسؤول الجامعة أنني لن أسمح بمرور هذا الأمر بدون محاسبة شديدة لمن يثبت عليه الخطأ، لا أصدق إخفاقه في الحفاظ على صحة غابات منطقته بهذه الطريقة المخلة.

    ترك إيروس وتوجه الى غرفتها من جديد، كان غاضباً من كونها سقطت ضحية إهمال كان من الوارد أن يؤدي بحياتها، وجدها تغط في نوم عميق عند رؤيتها مجدداً وأعزاه الى شعورها بالراحة بعد أخذ المسكن، طبع قبلة على جبينها وتركها محلقاً خارج الغرفة لتسوية بعض الأمور.


    ~..~..~..~..~..~..~..~


  5. #44

    الجزء الثامن





    فتحت عينيها مجدداً وقد أعياها كثرته، أخبرتها شرفة الغرفة عن إطلال الشق الآخر من اليوم بظلامه الذي أضاءته أنوار المدينة الملونة..

    كان يقبع على المقعد المقابل لسريرها ومن خلفه مصباح معلق يعتليه مجسم لملاك صغير وهو يحلق حاملاَ شعلة الضوء نحو السماء، ظل يقلب صفحات الكتاب الذى بين يده بصمت ولم يشعر بمراقبتها له..

    لم تعلم ما تفسير كل تلك المشاعر العميقة المتوجة بالحب وهي تغرو أوردتها وتصل الى قلبها الذى ما كف عن الخفقان لمشهده، هو ترك كل شيء خلفه لأجلها ولم يكن هنالك غيره ليستقبل عينيها متى ما تدب بها الحياة من جديد.


    رفع عينيه عن أسطر الكتاب ليحظى بنظرة تفقد تُريحه قليلاً، وتفاجئ من عينيها الدامعتين وهي تصرح بمشاعرها الجميلة التى عكست له شفافية قلبها الحنون، رباه كم يعشق دلالها الفطري وعينيها الهاربتين لأقل إطراء منه أو نظرة حب يبادلها إياه، لم يتحدث بل قام من مكانه وأقترب منها، أزاحت له حيزاً من سحابتها الوافرة بتمهل، إستلقي بحذر قربها فأراحت رأسها على صدره ووضعت يدها على قلبه مبتسمة بسعادة، إنها حقاً تشعر بالأمان وسوف لن يجرأ على إختراق أحلامها الأن.

    ~~~


    ظل يراقب متعجباً من مكان سمح له الرؤية الواضحة بإبعادها المختلفة، لم يتحدث ولم يبتسم ولكنه علم أن المستقبل يحمل الكثير والكثير من المرح، تمتم بتأن كما لو كان يستنشق عطراً نفاذاً تتلذذ برائحته العذبة:

    - جيدجداً، فقط إنتظري وسترى ليديا.



    ~..~..~..~..~..~..~..~
    نهاية الجزء الثامن




  6. #45

    الجزء التاسع

    Screen+shot+2013-04-24+at+10.58.17+PM

    جزء التاسع

    ~ الكاذب ~


    -مرحباً بك فاريوس من جديد

    إنحنى الشاب بتهذيب أمام سادته السبع ومن ثم أعتدل واقفاً وعيناه تتحاشان النظر إليهم فهو لا يستطيع كبح حقيقة إحترامه لهم رغم محاولته ذلك بشدة ولم يقوى على التغلب على نفسه ومنعها من تنفيذ ما خططته طيلة سنوات الضياع التى عاشها منذ نعومة أظافره.

    أراد اللورد دايفييل ضمه اليه وأشباع قلبه من قرب صغيره الذي نضج بعيداً عن عينيه بعد كل تلك السنين إلا أن رسمية فاريوس أعلمته أن هنالك الكثير ليتحدثوا عنه فهو لم يعد طفله بعد الأن وليس هنالك فسحة للإنكار.

    أنجلا بصوت عميق وهي تتفحص ملامحه المألوفة:
    - سعيدة بعودتك بني، أرجو أنها ساعدتك في تقريب المسافات الى حلمك

    أجاب بهدوء يشوبه الكثير من الإضطراب:
    - كانت كذلك سيدتي والأن، أستأذن فلدي بعض الأمور لأنهياها مع الحصن بصدد إنهاء رخصة تنقلي العالمية

    استدار سريعاً وأسرع محلقاً بعيداً عن تلك الأرض التى أستمرت في غزوها عقله بذكريات ثمينه من شأنها إضاعفه أكثر فأكثر.


    ~..~..~..~..~..~..~..~


    بالعودة الى الداخل

    فابيان متعجباً بعد عودتهم الى غرفة المعيشة بقصر الملائكة:
    -لم يكن طبيعياً البته، بدا وكأنه يكافح أمراً ما

    أجابته بحزن:
    - الذكريات ، هي ما يتألم لمكافحتها، فخسارته كبيرة
    -لماذا؟؟ أيعلم بالحقيقة؟
    - ليس حقاً، وإلا لما رأيته بهذه الحال، بل سيكون النقيض تماماً

    ستداريوس بإهتمام موجهاً حديثه حيث يقف اللورد دايفييل بالقرب من أحد النوافذ الضخمة ويديه منعقدة أمام صدر:
    - على أية حال هل من الصواب منحه منزل إليون القديم؟؟، أؤمن أن هذا سيعذبه أكثر إذا ما أنتهى الى تمييز الحقيقة بعد كلاٍ

    أجابه معترضاً:
    - لا، هذا بالتحديد ما يحتاجه حتى يتغلب على ماضيه

    حول بعدها نظره الشارد في السماء الى البط العائم فوق بحيرة القصر الضخمة وأكمل :
    - على الأقل هذا ما أمله ..

    يوريال:
    - وماذا بشأن نوث لقد إختفى بعد رؤيته فاريوس ولم يبدو لي على مايرام؟
    كاميليا :
    - أو نسيت!! نوث كان دائماً أحد زوايا ذلك المثلث بل وأكثر الثلاثة تضرراً من وجهة نظري، فهو الوحيد الذي لم يحظي بفرصة لنسيان الماضي منذ ذلك الزمن الغابر.


    ~..~..~..~..~..~..~..~


    بعيداً عن الجميع وبحمام غرفته المرفق ~

    وقف تحت رشاش المياه الباردة وجل ما يريده هو إطفاء لهيب جسده الحامي والمتنافض داخلياً.

    إنه يغلى لذكراه ويغلى لرؤيته حياً كما الأموات، إنه هو وليس هو بذات الوقت، لم يصدق الحقيقة عندما قادته الأدلة اليها ولم يتحملها عندما وقف وتحدث أمامه بجسده وعينيه كما لو كان الزمن قد عاد به الى الوراء عشرات السنين، أصبح يلعن لحظات حياته كثيراً بعد لعنته الأولى للحظات التى ترك بها صديقه المتهور بعد أن شب جدال حامياً بينهما، ولم يشفع لديه رجاء إليون ببقائه رغم معرفته بضرورة ذلك.

    ضرب الجدار لتفريغ شحنة الغضب بداخله وندماً على كبريائه آنها، ولم يكن منه الى أن إستسلم لحزنه منكمشاً على ذاته الملتهبة وعينيه تجهشان بالبكاء.


    ~..~..~..~..~..~..~..~


  7. #46

    الجزء التاسع




    توقفت أمام بوابة شقتها وهي تودع صديقتها التى قضت معها الأسبوعين الفائتين بعد خروجها من المشفى


    - تركتُ ملاحظة فوق المنضدة بالقرب من سريرك تضم رقمي ورقم شريكتي بالسكن لا تترددي في الإتصال إذا ماكان هاتفي مغلقاً، مع اني سأحرص على أن لا يكون كذلك .وايـــضاً لا تنسي ...................

    أوقفت ليديا دماغها عن العمل في حين تابعت ريفيان سرد أوامرها وحدة تلوى الأُخرى ولم يوقفها عن ذلك سوى عناق ليديا المفاجئ:
    - شكراً ريفي،لا تعلمين كم أنا غارقة في إمتناني الشديد لكِ

    بادلتها العناق بحنان وسعادة:
    - أجل أعلم ذلك، وجل ما أريده بالمقابل هو أن لا ترعبينني عليكِ حتى الموت مرة ثانية!

    أبعدتها عنها وأخذت تنظر إليها بحزم:
    - إذاً إذهبي الى منزلك الأن وأكملي عملك، أنا بخير بل وبصحة ممتازة وبجانب أن إيروس لا يتركنى حتى يتيقن أنني غفوت على سماعة الهاتف معه
    - حسناً سأفعل ولكن شئ واحد فقط

    أغلقت ليديا الباب أمام صديقتها التى أردفت بصوت مرتفع:
    - لا تترددي بإعلامي إذا ما فوتِ موعد المركب الناقل وسأقوم بإيصالك، أفهمتي؟؟

    أجابتها ضاحكة:
    - لكِ ذلك فقط غادري وإلا ستتسببين بطردي مع صريخك هذا.

    إختفى صوتها فعلمت من أنها قد رحلت أخيراً، تجولت بالمنزل وشعرت بالبرودة مع تأخر الوقت وقدوم الليل فتوجهت نحو النافذة وقبل أن توصدها قفزت الى الخلف بعد أن أطلقت صرخة ذعرِة وهي تراه يقف أمامها فارداً جناحيه العملاقين ومظلماً الشقة برمتها.
    أوصدت الباب سريعاً وأسرعت الى غرفتها متدثرت تحت غطاء السرير، كانت تتنافض كما المحموم وهي تضم جسدها نحو صدرها وترغم عينيها على الإطباق:
    - أنتِ تتوهمين ليديا إنه ليس حقيقة ، ليس حقيقة

    إستمرت في إقناع ذاته بالأمر حتى غلبها النوم


    ~..~..~..~..~..~..~..~



    باليوم المقبل، لم تتحمل البقاء أكثر داخل المنزل فهي لم تعد سقيمة ولا تكاد تفرق بين قدمها المصابة والأخرى السليمة بعد تناول المسكن، إرتدت ثيابها وشقت طريقها نحو الجامعة لرؤية إيروس فلربما يُبقى بالها مشغولً بعيداً عن ذكراه المخيفة.


    هنالك بجامعة المعارف ~

    وقفت مذهولة من الأوضاع والأجواء المكتظة، الجميع يبدو ناشطاً والكثير من الأعلام ترفرف في كل مكان.

    شقت طريقها بين الحشود المتوافدة من كل حدب وصوب متجاهلةً جميع من يحاول إستيقافها لعرض توجههم ومدرستهم السياسية لإقناعها و كسب صوتها.

    وأخيراً إستطاعت تمييز شعار حملة إيروس المُرفرف فتبعته مبتسمة حتى توصلت الى حيث يقبع ركنه الدعائي ولم تتفاجئ لكثرة الأنصار والمتوافدين إليهم.

    إقترب منها شُاب مهندم، يرتدى قميصاً أبيض واسع الكمين تُميز ليديا قماشه المحلي بدقة ومن فوقه وشاح الحملة، حياها بتهذيب أرغمها على الإلتفات إليه والتوقف عن متابعة سيرها، وقبيل أن يهم بعرض فكرهم السياسي إستوقفته سينا الذراع الأيمن لإيروس ولم يكن من الشاق بالنسبة لليديا تذكر امراءة بملامحها الناعمة..
    -بوسعك الإنصراف ، فسبق وأن كسبنا صوتها

    شكر ليديا بإنحناة نُبل وأختفى بين الجموع.
    سينا برزانتها المعتادة:
    - بماذا أستطيع خدمتك آنسة ليديا؟؟

    فقط وبعد سماعها لصوتها المهذب والجميل ولباقتها، شعرت بالخجل من موقفها العدائي تجاهها في المرة السابقة بعدما لمست الرقي في حديثها:
    - فالحقيقة كنت أبحث عن إيروس إذا ما حدث ورأيته؟؟

    أجابتها:
    - هو في الحصن السياسي بالجامعة يراجع خطابه قبل الإلقاء بعد قليل في قاعة المؤتمرات المجاورة، بوسعي إرشادكِ إليه إذا أردت

    نفت لغة جسدها سريعاً قُبيل أن تردف:
    - لا داعي لذلك لا أريد إشغاله أكثر، جُل ما أردته هو منحه صوتي شخصياً

    سينا بصدق ألمها :
    - بل أظُن أنه من المناسب جداً رؤيته الأن، سيشعره ذلك بالكثير من السعادة إذا ما أخبرته أنتِ بقرارك هذا

    شكرتها بإنشراح فهو السبب وراء قدومها الى هنا في المقام الأول وكلمات مساعدته الرقيقة شجعتها ونفت قلقها وتخوفها من إشغاله بيوم مهم كهذا، شقت طريقها نحو الحصن وبعيداً عن زحام المنطقة وهي تبتسم بسرور وتشعر بالفخر كونها رفيقة شابٍ مثله..


    ~..~..~..~..~..~..~..~


  8. #47

    الجزء التاسع



    - أأنت مستعد؟

    قالها وهو يعقد الأزارير السوداء لقميصه الأبيض ويستعد للخروج برفقة صديقه القديم، جميع من بالحملة يرتدى ذات القميص مع إضافة مختلفة هنا وهناك، كانت رسالة غير مباشرة تفيد بوطنية الحملة ودعمها الإقتصادي لمنتجات ممكلة الملائكة المحلية.

    تنهد بثقة :
    - لم أكن مستعداً لشيء في حياتي أكثر من إستعدادي لهذا اليوم
    -جيدجداً أُحب روحك المقاتلة صديقي

    استدار ليواجه صديقه الحميم بعد أن تأكد من زاوية إلتفاف الشعار على صدره بحرص، كان يبدو وسيماً وسياسياً من الدرجة الأولى :
    - تعلم أن وجدك دعم كبير لي وأنا سعيد بذلك ولكن، ألم نتشارك الحلم ذاته مرة؟ فلماذا تراجعت عنه الأن؟؟ صدقاً أشعر بقليلٍ من الإحباط فلقد إستثمرت كل دقيقة ممكنة منذ ذهابك إستعداداً لمنافسة شرسة بيننا
    ربت على كتفه بحرارة:
    - أرى ذلك بوضوح فما فعلته مذهل بحق، ولا تقلق صديقي سأشاركك الكثير في المستقبل و بما فيه الكفاية، ولكن ليس هذا، تستطيع القول من أنه لم يعد حلمي بعد الأن كما في السابق

    خرج الإثنين من المكتب بهالتهما المميزة وتألقهما الساطع وهما يتجاذبان أطراف الحديث وتفاجئ إيروس من إستقامة ليديا مذعورة أمامه ومن ثم جذبِها لهُ بعيداً عن صديقه بأكبر قوة تحصلت عليها وهي ترتعش بجنون.

    إيروس بإندهاش :
    - ماذا هنالك ليديا؟ أأنتِ بخير

    أخذت دموعها بالإنهمار ويدها تضغط على معصمه بشدة بينما أرتفعت ذراعها الأخرى موجهة سبابتها المتنافضة نحو فاريوس الساكن:
    - إنه هو، إنه هو إيروس، أنا لست واهمة إنه حقيقة

    استدار إليها وأغلظ قبضته على جسدها فارضاً الأمان عليه ومجبراً إياها على تمالك أعصابها:
    - تمالكِ أعصابك ليديا أنا لا أفهم شيئاً

    ليديا صارخة وطنين رأسها يزداد بصورة مماثلة لم حدث بذلك اليوم:
    - لقد حاول قتلي إيروس هذا المجنون حاول قتلي بأبشع طريقة، إنه مجرم خطير

    أفلتها بتلقائية متراجعاً بضع خطوات عنها وقد صعقه حديثها الغير مألوف:
    - ليديا حباً في الرب مالذي تتحدثين عنه ومن الذي حاول قتلك؟

    أشارت إليه بإشمئزاز مصحوب بالكثير من الإحتقار:
    - ذاك هناك إيروس ألا تراه، هو من حاول قتلي بتلك الليلة وبدماءٍ باردة

    أجفل وهو ينقل عينيه بينها وبين صديقه ذو التعابير الصامتة:
    - فاريوس!
    ذُعرت ليديا لدى سماعه ينطق بإسمه وتذكرت محادثتها مع صديقتها بمقهى النبلاء من قبل عمن يكون شخصه فلتحمت الصورتين سريعاً.

    أخذت تراقب ردة فعل إيروس بقلة حيلة وأصابها دوار رهيب شعرت كما لو أنها ستفقد وعيها إثره حين أردف:
    - لكن فاريوس لم يصل سوى قبل يومين من الأكاديمية الكونية ليديا!

    صرخت بألم مما أصابها ببحة في صوتها:
    - بربك لقد أراد قتلي متعمداً منذ أسبوعين !

    تراجعت الى الخلف وهي تسمع زجر إيروس لها للمرة الأولي:
    - كفى ليديا .. كفيِ عن ذلك، لا أعلم مالذي حدث لك ولكن أنا يقينٌ بأن غصن الشجرة هو ما سقط عليك آنها.

    أكلمت تراجعها وحدقتيها تتنقلان بين إيروس وفاريوس الذى لم يكف عن تحديقه الصامت بها منذ ظهرت أمامهما، أما هي فستطاعت رؤية الخبث الذي كان يقهقه داخل عينيه الناعستين، استدارت وهي تُكذب ما حدث وعينيها لم تكفان عن ذرف الدموع ولم تتردد في إطلاق قدمها المتنافضة مع الريح للهروب بعيداً عنهما.


    ~~~


    إقترب من أحد أعمدة الحصن وأراح ظهره عليه بينما أعادت أنامله شعره المتمرد الى الخلف بنفاذ صبر، مالذي يحدث الأن؟، إنه لا يفهمها أبداً ولا يفهم إيروس الذى نهرها تواً دون وعي منه!، فتح عينيه ليبصر صديقه وقد عُقدت يديه أمام صدره وأجاد وجهه إخفاء مشاعره كما فعل دائماً.

    -إذا فهذه هي فتاتك؟! صدقاً لا يسعنى القول سوى أنها مثيرة للإهتمام بالفعل

    استدار ليكمل طريقه بجوار صديقه وهو يحاول تخطى ما جرى:
    - أعتذر إليك فاريوس، صدقني إنها ليست كذلك أبداً، مرت بالكثير مؤخراً ومنذ ذلك الحين وأنا لا أعلم مالتالي.

    أراح فاريوس يده على كتف صديقه وهو يتحدث بمكر:
    - أأنت جاد بشأنها؟ أعنى

    أبعد إيروس يد صديقه سريعاً وأجابه بحزم:
    - كفى فاريوس لا تتحدث عنها بهذه الطريقة، أخبرك أنا متأسف لما فعلت وعن إتهامها لك ولكن لا أسمح بالتطرق الى مثل هذه التفاصيل بتاتاً

    صفر فاريوس وعينيه ترسمان التعجب:
    - هون عليك يا رجل، تعلم تماماً أني أمازحك كما العادة، على أية حال أعد التوازن لعقلك الأن فها نحن نفتح صفحة جديدة في حياتك التى ستتغير الى الأبد..


    توقف إيروس وسحب نفساً عميقاً ليريح عقله قليلاً، لم يشاء الخلط بين حياته السياسية والشخصية ولكن إستيائه مما حدث وقلقه عليها يفرض نفسه فوق مشيئته مما أغضبه أكثر، ربتت يد صديقه فوق كتفه فبتسم لجرعة الراحة التى إجتاحته وعلم أن وجود فاريوس بصفه الأن جعله منيعاً ضد خصومه الأخرين. إقترب من صديقه المميز وأصلح وشاحه كإمتنان له على تواجده معه..

    بتلك اللحظات كان قد وصل الى ساحة المعركة فشق طريقه نحو المنصة بثقة وعن يمينه فاريوس المتأنق مما أجبر الجميع على التوقف والتحديق في هالتهم الملكية العظيمة بأخذٍ تام..



    ~..~..~..~..~..~..~..~



  9. #48

    الجزء التاسع



    كانت تبكى بحرقة بعد أن إستطاعت الوصول الى منزلها بإستخدام النواقل.. مالذى يحدث لها وكيف أقتحم حياته الهادئة بهذا الشكل المخيف، ولماذا يفعل بها هذا في المقام الأول؟

    ظلت الأسئلة تتوافد على رأسها وشعرت بألم ساقها من جديد بعد أن أجهدتها خلال ركضها صباح اليوم، ترددت وهي ممسكة بهاتفها النقال، أتحدث صديقتها بهذا الشأن أم أنها ستتلقى ردة فعل تزيدها كأبة وإحباطاً فهي تعلم أن المتوحش ذاك هو ذاته أمير أحلام صديقتها المفضلة

    تركت الهاتف بإهمال فوق طاولة القهوة المتوسطة غرفة معيشتها المتواضعة وشقت طريقها نحو الحمام ثم قبعت تناظر إنعكاس عينيها الذابلتين في المرآة..

    كانت تبدو هزيلة وسقيمة الى درجة كبيرة بعيداً عن رونقها المعتاد، لم يروق لها ما رأت وزادها الأمر تعاسة الى تعاستها فأخذت تملأ يديها بحقنة مياه باردة من الصنبور ومن ثم تغسل وجهها مراراً، شعرت بالإنتعاش بعد عدد من المرات وأبتسمت وهي تلتقط منشفة وجهها الخاصة من يده الممتدة إليها، شرعت بتجفيف وجهها قبيل أن تجفل وتلفتت سريعاً الى الخلف
    ـ تباً لك مالذي تفعله هنا؟

    كان يبتسم براحة عكستها عينيه وهو يرى الخوف في عينيها وجسدها الذى كاد أن يلتحم بجدار الحمام من شدة إلتصاقها به:
    - لا أدري أأنت الأن أسوء حالاً أم المجنونة مبكراً والتى كادت أن تفسد يوم صديقي الحميم

    أخذت تعود أدراجها الى الخلف وخارج الحمام بحذر، إنه المجنون هنا وليس هي وعليها أن تكون حكيمة حتى لا تنتهى بالمشفى مجدداً، كانت خائفة وتبحث عن شيء يحميها منه دون فائدة.. أردفت برجفة جلية في صوتها:
    -من تدعوه بصديقك الحميم يكون رفيقي ولم يجبرنى على ما فعلت اليوم سوى تطفلك على حياتنا

    إقترب أكثر فأكثر والجدية تأخذ منحناها على وجهه الطاعن الجاذبية حتى سقطت على الأريكة خلفها، ثم لم تدري أرجفت قلبها كانت بسبب خوفها أو حقيقة أنها لم ترى لجماله مثيل من قبل، "آه ... ! فى الواقع هناك ، رجال من نوع اخر " .تلك كانت اول فكرة مجنونة راودتها حينما راقبها ذلك النموذج الملائكي البالغ الوسامة، متفحصاً هيئتها المهملة وعينيه تصتنع الإزدراء بإتقان ليردف:
    - لا أعلم من المتطفل هنا ليديا وأقسم أنكِ لن تحصلي على إيروس كما فعلتِ مع البقية

    إنحنى نحوها فأخذ صدرها يرقص بهلع ألمها وأكمل همساً:
    - فهو أنقى من أن يقع بين قبضة يديك الموحلتين في القذارة

    إنتصب واقفاً من جديد وشق طريقه نحو الشرفة وهو يكمل:
    - مع الأسف الشديد لن أستطيع اللعب معك أكثر بهذه الليلة فإيروس لا يبعد سوى بضعة دقائق عن هنا ولكن تيقنى من أنني سأغرقك في الوحدة وعندها سنقضى الليالى الطوال نلعب وحدنا دون كلل

    تمتمت بصوتها المذعور فهالته تركتها خائرة القوى:
    - أنت مجــ نون.!!

    استدارت إليها مبتسماً قُبيل أن تبتلعه السماء:
    - لم ترى شيء من جنوني بعد.

    ~~~


  10. #49

    الجزء التاسع



    هبط إيروس بعد ذلك على شرفتها خلال زمنٍ يسير ووجهه يحمل الكثير من المشاعر الغير مفسرة مثبتاً ما سمعته قبل لحظات من فم ذلك المجنون وصوته الذى أدخلها في حالة من السكر الشديد..

    لم تبرح مكانها منذ رحيله، بل ظلت جالسة بإهمال على الأريكة وعقلها يذهب هنا وهناك، شعرت بيده تحاصر خصرها النحيل وتقربها الى قلبه، استدرات إليه بصمت وبادلته العناق بحرارة وهي ضائعة في جوفها ولا ترى حبلً للنجاة فالظلمة معتمة وعينيه المشعتين تسيطران على كل شيء بما يشمل أنفاسها، عجز رهيب يلفها والأدهى منه شعور الذهول الذي كان سيد الحضور على عقلها المستصيب من أفعال الدخيل شديدة العدائية ضدها دون سبب يذكر!

    أعادها الى رشدها جزئياً صوت حبيبها الرحيم:
    - أعتذر ليديا لم أشاء نهرك بتلك الطريقة وخصوصاً أمام صديقي

    حاولت تمالك أعصابها والتحدث برزانة قد الإمكان:
    - إيروس أقسم لك من أنه ليس صديق، لقد إلتقينا من قبل وأخبرتك لقد ...

    إستوقفها بحنان:
    - ليديا لست غاضباً بهذا الصدد وهو أيضاً، أعلم أنك تمرين بوقت عصيب و

    صرخت وهي تبتعد عنه وتقف أمامه بغضب:
    - إيروس أنا لست مجنونة ولا أتوهم الأشياء، فكر قليلاً .. مالذى لدي ضده لأختلق هذه القصة ومن ثم كيف لي بمعرفته في المقام الأول وأنا لم أره من قبل؟!

    تحدث إيروس بجدية سكبت دلواً من الماء البارد على جسدها وألجمت لسانها فهي لا تعرف الإجابة أيضاً:
    - ومالذي لديه ضدك ليديا؟ كيف تتوقعين أن أختلق قضية خطيرة كدعائك دون دليل! ومالذى سيعود عليك منه سوى الضرر وبنسبة مئة في المئة، ومن ثم ليديا أنا أعرفه منذ وقت طويل وأقسم أنه ليس بالشخص الخطير على الإطلاق

    خفضت رأسها لمنعه من رؤية دموعها الحارقة وهي تجرى على خدها وتلهبه بحمرة دموية، إنه على حق، مالذى توقعته منه وذاك المتوحش لم يترك ولا حتى شبه أثراً لجريمته، ولكن لا يزال الأمر مؤلماً بأن تُكذب من أقرب الناس إليها.

    آلمه بكائها فقام متقرباً منها من جديد، عانقها بعد أن طبع قبلة على جبينها:
    - لا تفعلي ذلك ليديا أنا أتمزق لرؤيتك هكذا.

    لم تتجاوب مع عناقه ولم تصده أيضاً، علم أنه يجب أن يفسح لها مجالاً للتفكير فبتعد وأتجه قاصداً الشرفة:
    - سأنتظرك ليديا، مهما تطلب الأمر.

    حلق بعدها وعلا صوت بكائها المكبوت، لم تمنعه بل تركت له العنان لوقت طويل، أخذت تهدأ شيئاً فشيء فغسلت وجهها و عادت الى غرفتها، عانقت وسادتها واستسلمت للنوم بعد خوض في كثيرٍ من الصرعات الداخلية


    ~..~..~..~..~..~..~..~


    جامعة المعارف ~


    توقفت أمام البوابة لبرهة تشاور عقلها في الدخول أو إتخاذ قرار العودة، كرهت خوفها وخفقان قلبها الشديد مما سبب تشنج وحموضة بمعدتها، أرغمت قدمها على الدخول وبات الأمر أقل إخافة مع توغلها في ممرات الجامعة، يجب عليها إصلاح الأمر مع إيروس فقد انقضت ثلاثة أيام كالجحيم عليها، إنها أقوى الأن ولن تستسلم دون مقاومة، إن كان جباناً بما فيه الكفاية لكي يطعنها من الخلف فستريه الويل وتحول حياته الى سقرٍ بإصرارها

    مشهد الطلبة يتنقلون في الممرات الواسعة وآخرون يغرقون في أحاديث ومناقشات هنا وهناك أعاد البسمة الى شفاهها فهو المشهد الأصلي الذي رسمته بعقلها منذ وقت طويل مضى عن ما ستكون عليه جامعتها المنشودة

    ظلت تمشى قاصدةً مكتب إيروس وأستوقفها حديث مجموعة من الفتيات بالقرب من القسم السياسي بالجامعة..

    -لا أعلم كيف أصفه بحيث لا أجحف جماله الأخاذ، أه ... يملك وجهاً يعيد تعريف الجمال بذاته
    تقافزت إحداهن بحماس:
    - أتعتقدين أنه سينضم الى الجامعة هنا؟

    أجابتها صديقتها بثقة:
    - قطعاً سيفعل، ستجدين هنا جميع مبتعثي الأكاديمية الكونية العظيمة
    - وفي أي الأقسام يكونون؟

    ضحكت وأردفت بتعجب:
    - أو تعتقدين أنهم يعاملون مثلنا؟ بالطبع كلا فلديهم أقسامهم ومراتبهم المختصة أيضاً

    أكملت طريقها وحديث الفتيات لا يزال يحضرها بواقع أكثر فعالية من واقعهم فقد كان من عجزوا عن وصفه أمامها وأنفاسه الثائرة تحرقُ أذنها وهو يهمس بكلمات الحقد تلك، أغمضت عينيها لتبعده عن مخيلتها وأكملت طريقها رأساً حيث يقبع مكتب إيروس.



    ~..~..~..~..~..~..~..~



  11. #50

    الجزء التاسع




    بعيداً بأحد القرى المجاورة للعاصمة في مملكة الملائكة


    أسرعت تركض حاملةً رضيعها وهي تصرخ:
    - أنقذوا طفلي أرجوكم أنقذوه، الشيطان يأخذ حياته


    أسرعت كاميليا بإلتقاط الطفل من بين يدي والدته الهلعة ووضعه أرضاً ومن ثم أحكمت قبضتها على رقبته وشرعت بخنقه أمام أمه التى سقطت مغشياً عليه


    ~~~


    بعد لحظات، أفاقت الوالدة وحالما شعرت بعالمها صرخة طالبة طفلها فأسكتتها جاراتها من حولها حتى لا يستيقظ الطفل وهو يغط في نوم عميق


    سرعان ما انفجرت باكية بسعادة لرؤيته نائماً فمنذ خروجه من الزهرة الحاضنة وهو لم يغمض له جفن ولم يتحدث كباقي الأطفال، أسرعت نحو كاميليا المشغولة بتفحص باقى أطفال القرية وأمطرتها بقبلات حارة صادقة ولسان فمها لا يكف عن شكرها.


    بتلك الليلة عُقد إجتماع مغلق لهيئة الأعضاء المتحكمين بعد أن عاد الجميع من رحلاته التفقدية للمدن والقرى الشقيقة


    دايفييل بغضب لم يعهده به أحد:
    - لقد تمادى ذلك الهيدس كثــــــــيراً ولن نقف مكتوفي الأيدي بعد الأن


    أنجلا:
    - 9 حالات حتى هذه اللحظة ولكن لا يمكننا الجزم بأنه ورائها مجتمعة
    كاميليا:
    - ومالعمل؟


    أجابتها بثقة رغم خطورة ما تقوله:
    - لنحاول استدراجه نحن بدورنا أيضاً



    ~..~..~..~..~..~..~..~




    مكتب المرشح البارز إيروس ~




    طرقت الباب بتهذيب ودخلت:
    - سيدي إنها الأنسة ليديا في إنتظارك


    استدار إيروس المنهمك بأعماله نحو فاريوس الذى لم يخالفه حالاً فهو يقوم بفرز التقارير بدقة متناهية ويحسن من جودة عمل الفريق ككل، تنهد بإستسلام:
    - أدخليها سينا


    دخلت تحمل صندوقاً حوى كعكة خبزتها بيديها له صباح اليوم وإبتسامة مشرقة تعلو شفاهها، تأنقت بثوب فاتح اللون لتبعد عنها قتامة الذكريات وتظهر إنفتاحها وميلها الى الصلح إلا أن ذلك تبخر حين رأته يقبع خلف مكتب جديد ضمته مساحة إيروس الخاصة، تفحصها بنظرة واحدة قسمت عظام جسدها نصفين وعاد الى حيث التقرير بين يديه بلا إكتراث


    تجاهلته وأقتربت من مكتب إيروس وعينيها تتحاشان النظر إليه، إنها خجلة وغاضبة بالوقت ذاته، كان بإمكانه أن يكون أكثر مراعاة لمشاعرها بالبقاء بعيداً عنه ولو بالقدر القليل، لا أن يزداد قرباً منه


    قام من مكتبه وأقترب حيث تسمرت ثم طبع قبلة نبيلة على ظهر يدها:
    -مرحباً ليديا، سعيد برؤيتك هاهنا


    أرغمت نفسها على الإبتسام وهي تلعن وجود فاريوس فهالته بدأت تمتص طاقتها بالفعل وهي تكافح لإبقاء قدمها منتصبة دون الوقوع من شدة الإرتعاش الذي تعاني منه داخلياً:
    - لم أسمع منك منذ مدة وأردت القدوم و الإطمئنان عليك إيروس


    أجلسها بالمقعد المقابل لمكتبه وفعل المثل بجلوسه أمامها مباشرة موجهاً بذلك ظهره نحو صديقه الذى توقف عن العمل وثبت نظره تجاهها مما زاد من حجم الثقل المطبق فوق لسانها الذي ما بات يعرف كيف يتحدث بجملة واضحة وذات معنى:
    -أيمكننا التحدث


    قالتها بالكثير من اللعثمة ولكن معناها قد وصل فقد قام فاريوس من مكتبه وربت على كتف صديقه قائلاً:
    - سأذهب لتجديد الهواء برئتي
    شكره إيروس قلبياً وأجابه بالذهاب وأخيراً، خلت الغرفة بهما


    تحركت ليديا من مقعدها وجلست على مقدمته لتسمح بمسافة أقل بينهما ومن ثم أمسكت يده وأردفت راجية:
    - أرجوك، أرجوك إيروس .. فقط إبقى بعيداً عنه حتى أجد الدليل لإقنعك به


    عاد الى الخلف تاركاً يدها بإنزعاج وأجاب:
    - ليديا رجاءً لا تخبريني بأنك قطعت كل هذه المسافة لتقولى لي هذا فقط!


    شعرت بالألم وبالإهانة في الوقت ذاته فيبدو وكأنه لا يطمح لأن يصدقها حتى:
    - ليس حقاً، أردت أن أخبرك عند مدى إشتياق لك إيروس ولكن رؤيته مجدداً


    ناظرها بالكثير من العتاب:
    - إذاً لماذا لم تفعلي ليديا، لماذا يجب أن يعاد طرح قضية فاريوس من جديد وتحجيمها في غير ذي حاجة!
    لم تستطع ضبط إنفعالها فأكملت بغضب وهي تهب واقفة:
    - لأنني لا أستطيع النوم قلقاً إيروس، قلقاً عليك وخوفاً من أن يصبك أي مكروه


    لم تخفى عيناه تفاجئهما بينما أسرعت يده بتطويقها ورأسه يحاذي معدتها، عانقت رأسه الذى حُصر بين يديها وضمته الى صدرها بحب كبير، رفع رأسه ليتصل مع عينيها الدامعتين:
    -لا أستطيع فعلها ليديا، لا أستطيع صده وهو يغدقني بمساعداته ،أرجو أن تتفهمي أن خوفكِ غير مبرر بالنسبة الي، إن فعلت وتجنبته فكما لو أنني أحكُم عليه بذنب لم يرتكبه!



    شعرت بتقلص في معدتها فبتعدت عنه وألتقطت حقيبها التى سقطت بإهمال حين قام بضمها نحوه:
    - آسفة على إزعاجك خلال أوقات عملك إيروس


    غادرت الغرفة وكتمت فجأتها حين رأته يناظرها بعينين خبيثتين وهو ينتظر بالقرب من الباب، مر بالقرب منها وتمتم:
    - لا فائدة ليديا، سوف لن يصدقك أحد، فقط تقبلي هذه الحقيقة وستكون الحياة أخف إيلاماً في المستقبل


    تجاهلته وأكملت طريقها الى الخارج تتصنع اللامبالاة لتخفى شيء من شعورها بكونها أنثى مجروحة وخائفة الى حد كبير، مالذى ستفعله وهي ترى وتشعر بفقدانها لإيروس شيئاً فشيء دون مقدرتها على فعل أي شيء ؟


    شعرت أنها على وشك الإنفجار فأخرجت الهاتف النقال من حقيبتها ولم يطُل بحثها عن ضالتها فهي تحتل قائمة المفضلة، قربت الهاتف من أذنها وأردفت:


    -ريفيان عزيزتي ، لدي ما أخبرك به
    -..
    -كلا.. الأمر لا يحتمل التأجيل
    -..
    -حسناً سأنتظرك الليلة





    ~..~..~..~..~..~..~..~
    نهاية الجزء التاسع

  12. #51

    الجزء العاشر

    Screen+shot+2013-04-24+at+11.28.06+PM

    الجزء العاشر


    ~ في قبضة التنين ~


    - أنتِ تمزحين !

    أرفقتها ريفيان بنظرة تعجب مصحوبة بالكثير من الهلع، فما أخبرتها به ليديا تواً وهي تكافح دمعها لم يكن أمراً توقعت سماعه أو كان ليطرأ ببالها حتى.

    أكملت سريعاً بالكثير من الإستياء:
    - ليديا هذا خطير، مالذي تنتظريه عندك ولماذا لم تخبري والدك بالأمر حتى الأن؟

    شعرت بقدرٍ هائلٍ من الراحة وزفرة الهواء المكبوت بداخلها بروية، ردة فعل ريفيان جاءت لتنفى مخاوفها وتأكد لها سلامة عقلها من الجنون فأجبت:
    -صدقيني أردت ذلك حين رأيته مع إيروس لأول مرة ولكن كلمات إيروس جعلتني أصرف النظر عن هذا الخيار

    سحقت الوسادة بقبضتها العنيفة وهي تجيب منفعلةً:
    - لقد ألقاك من السماء متعمداً، أتعلمين مايعنيه هذا؟
    أبعدت عينيها القلقتين عن صديقتها المغتاظة وأردفت بيأس:
    - ومالذي سأقوله ريفي؟ ومن ثم ماهو الدليل الذي أملكه؟ سينتهى الأمر بمهاجمة أبي لذلك المخلوق وتورطه في المتاعب لأجلي

    مرت لحظات صمت بين الإثنتين قُبيل أن تقفز ريفيان مندفعة:
    -وجدتها
    -مالذي وجدته ريفي!!

    إبتسمت بسعادة:
    - لنمتلك الدليل.

    ~..~..~..~..~..~..~..~



    إمتدت يده الصغيرة والهزيلة داعيةً إياه لمشاركته جمال المنظر أمامه.. سهول من السجاد الأخضر الأخاذ يخترقه جدول ماء أحدث جريانه إنعكاساً موسيقياً للمشهد

    أمسك يده ناصعة البياض وتشبث بها بقوة ليصل الى قمة التلة، أنفرجت إبتسامته لرؤيته ذلك المشهد بوضوح ولكن لايزال يشعر بنوع من الضيقة رغم كل شيء، هناك ما يحول بينه وبين سعادته المطلقة.. وجه مستضيفه المبهم في جميع أحلامه مع وضوح ما سواه لأدق التفاصيل!
    تجرأ وأقترب منه ليشبع فضول عينيه ويرى رفيق أحلامه ولكن وخلال لحظات، تحول كل شيء الى جحيم وأنجلى ذلك الإبهام ليكشف عن وجهها المبتسم بحقد وعينيها تبزغان بجحوضٍ حتى نفذت من محجرها وتدلت ببشاعة فأنتصب مستيقظاً وصدره يجتر الهواء إرغاماً.

    أعاد شعره المبلل الى الخلف وقام مشمئزاً من رطوبة سحابته المبللة بفعل العرق، قلع قميصه وألقاه بإهمال على منضدة خشبية بالقرب من باب الحمام وهو يهم بدخوله

    توقف أمام المرآة التى إمتدت لتشمل الجدار برمته بعيداً عن حيز الحوض المنفرج الإستدارة أمامه وأخذ يتأمل إنعكاسه فيها..
    لكم يكره هذا الإنعكاس فهو يزيده قناعة من أنه لا ينتمى الى مملكة الملائكة وشعبها الجميل، فهيئته تبعد كل البعد عن صورهم، وطبائعه لا يجد لها نظير بينهم.

    شعور الضياع والعزلة هذا رافقه منذ اليوم الذى إستطاع تمييز حقيقة أن لم يكن هنالك أجنحة تماثل لون جناحيه الفريدين في جميع أرجاء المملكة المعمورة، إنه يشعر كما لو أنه متطفل هاهنا وأن حياته لم يجب أن تسير على هذا النحو ولا مع هؤلاء الأشخاص
    إبتسم بحقد وهو يتذكر صوتها المرتعد
    -"أنت من تطفل على حياتنا"

    تباً لها فهي لا تكف تقلق نومه الهانئ وتخترق عالمه الساحر فيه حيث و للمرة الأولى يشعر بالإنتماء مع أطياف رفيقه الغامض.


    ~..~..~..~..~..~..~..~




  13. #52

    الجزء العاشر





    مملكة الشياطين ~


    مرة أخرى بداخل عالمه المنعزل وبقاعة إنفراده
    إستلقى بإهمال على أحد الأرائك الفاخرة بالقرب من مكتبه الضخم وصديقه يقبع بكرسيه المعتاد أمامه، كان يبدو هادئاً بينما
    تتدافع الأفكار داخل رأسه وتملأ عقله بالكثير .


    إستمرت عملية التبخر من الكوب الموضوع على المنضدة بالقرب منه لبرهة وأصبح من المنطقي إرتشاف شراب الأعشاب الملكية الدافئة المحضر خصيصاً له من أعماق الأودية، ولكن لا يبدو عليه الإكتراث فعينيه مطبقتين بسكون وتسرحان في الخيال.


    أبولو بتناغم لم يزعج سكون سيده:
    - مولاي.. الى متى ستستمر في مروغاتك لدايفييل؟؟ بإستطاعتك القيام بهجومك الأن فلا ينقصنا سوى أوامرك


    هيدس :
    - قريباً عزيزي أبولو، ولكن فقط عندما يكتمل الخيال بعقلي
    -أعتذر فلم يعد بإستطاعتي فهمك سيدي، ما علاقة الخيال بهجومنا


    إعتدل في جلسته وعينيه لا تزالان مطبقتين :
    - هنالك أحجية ناقصة، سلاح لدى دايفييل لم نأخذه في الحسبان





    ~..~..~..~..~..~..~..~







    فتحت عينيها ببطء وأبتسمت لرؤيته ينام جالساً على المقعد أمام سحابتها، لم يحِل الصباح بعد وسمحت الشرفة المفتوحة لتيار من الهواء البارد بالدخول والخروج بحرية مطلقة، أطبقتها بحرص لعدم إزعاجه بعد أن دثرت إيروس بغطاء صوفي حسن الصُنع، عادت بها ذاكرتها لساعات الليل الأولى وهي تشاور عقلها بقلق عن هل إذا كان من اللائق تنفيذ مخطط ريفيان الماكر أو ترك الأمور على نِصابها والتروى في كشف الحقائق، ولكن ذلك أضحى مستحيلاً بعد أن وجدت يدها وقد سبق وأن إنتقت رقمه من بين قائمتها المحدودة وهاهو يجيبها على الخط الأخر


    طال صمتها من شدة إرتباكها مما أقلقه وبات يلح لسماع إجابتها، أغمضت عينيها وتركت شفاهها تقوم بالكذب كله:
    -إيروس أريد رؤيتك الأن، لا أشعر من أنني على ما يرام


    أغلقت الهاتف سريعاً وألقته بعيداً وقلبها يخفق بشدة، دعت راجية في سرها أن تسير الأمور على نحو جيد بهذه الليلة
    وكان لها ذلك.




    ~~~



    إستيقظ مع نسائم الصباح الأولى وأصابه القلق لرؤية سحابتها فارغة بدونها فأسرع الى الخارج ليجدها تقف حائرة أمام موقدها والفوضى تعم باقي أرجاء المطبخ الصغير
    -هيا ريفيان لا تكونى لئيمة سيستيقظ قريباً، أرجوكِ فقط أخبريني كيف أقوم بطهي الفطائر المحلاة، لم يسبق لي إعدادها وأرغب بمفاجأته
    تبسم لرؤيتها تبعد الهاتف عن أُذنها وصوت ريفيان الغاضب يتسرب بوضوح من الطرف الأخر


    وضعت الهاتف على المنضدة قربها بإستسلام وهي تتمتم بسخط
    - " لن تجلب لها بضع دقائق الضرر، ستتعفن جراء كثرة النوم "
    تقدم منها ضاحكاً وأبعدها برفق:
    -سأكمل من هنا


    ناظرته بتردد وخجل:
    - لكن!!
    أجابها مبتسماً:
    - أنا أُصر


    إبتعدت ومكثت قريبة لتبقى على مراقبته بحرص حين أشعل النار وقام بدهن المقلاة بطبقة من الزبدة ومن ثم شرع بإضافة طبقات متناسقة من الفطائر لينتهي خلال وقت قياسي


    ناظرته بتعجب :
    - حقاً إيروس من أنت؟!
    إبتسم :
    - أحد ما يهمه أمرك


    أجابته ساخرة:
    - سيكون من الرائع وجود من يحضر لي وجبة الإفطار هكذا كل صباح
    إقترب منها على نحو أشعرها بالإحراج:
    - وأنا لامانع لدي على الإطلاق
    ثم طبع قبلة على جبينها..


    إشتعلت خجلاً فأرغمته على إتخاذ الإتجاه المعاكس ومن ثم قامت بدفعه بتجاه الحمام:
    - أكمل إستعدادك ريثما أقوم بإعداد طاولة الطعام


    ~~~


  14. #53

    الجزء العاشر




    كانت وجبة الإفطار بعد ذلك جميلة وهادئة تبادل الإثنين فيها النظرات بين الحينة و الأخرى، إستقرت يدها على طاولة الطعام مع إستقرار الكأس الذى كانت تشرب منه، إستغل الفرصة فقرب يده منها وأخذ يداعب أصابع يدها
    -هل أنتِ بخير؟


    قالها بالكثير من الرحمة وقد بدا الإهتمام جلياً على محياه، أومأت برأسها إيجاباً ومن ثم رفعت عينيها من على طبقها ووجهتها نحوه
    -إيروس هنالك ما أريد إخبارك به
    قالتها بسرعة وبالكثير من الإرتباك


    إعتدل في جلسته وأرعاها إهتمامه كاملاً فأكملت :
    - إيروس أنا حقاً متأسفة منك، قمت بالكثير من الأمور التى لا أفتخر بها مؤخراً وجعلتك تمر بالكثير من الأوقات الصعبة


    فاجئه حديثها وظل منصتاً لها حين أردفت:
    - منذ الأن أنوي تصحيح ما قُلت أو فعلت سابقاً، ولكي أفعل ذلك كان يجب أن أبدأ بك


    زفرة برتياح بعد أن كانت تحتفظ بأنفاسها طيلة فترة حديثها السابقة وشعرت بالراحة أكثر حين طبع قبلة إحترام على ظهر كفها وأجاب بإمتنان بالغ :
    - كل ما يخصك ليديا يشعرني بالسعادة الغامرة، أنا حقاً فخور بكِ عزيزتي


    إبتسمت :
    - وأنا أيضاً فخورة بك إيروس، بالمناسبة كيف هي أحوال حملتك؟
    -الأحوال جيدة و الحملة تسير كما أريد لها أن تكون، حقاً إنني ممتن للجميع وخصوصاً لفاريوس فهو يفعل الكثير من أجلي دون مقابل


    حاولت أن تبدو طبيعية قدر الأمكن وأن لا تفقد أعصابها لسماع اسمه:
    - صحيح ... سيتوجب على رؤيته للإعتذار منه أيضاً، الرجل المسكين عانى الكثير من قبلِ
    -صدقيني ستجدينه شخصاً رائعاً من أشد الناس جدارة بالثقة


    تحدثت من وراء قلبها:
    - مما لا شك فيه
    أعاد الكرسي الى الوراء وأنتصب واقفاً:
    - إذا لنكمل حديثناً ريثما نسلك طريقنا الى الجامعة


    عقدت حاجبيها بتعجب:
    - إيروس أتسمع نفسك؟؟ أتريدنا أن نذهب سويةً ؟!
    إبتسم وهو يحمل طبقه الى حوض الغسيل:
    - لم أقصد ذلك، سأرافقك الى حيث موقف المركب الناقل


    ساد الصمت لبرهة فعاد أدراجه نحوها وجلس على ركبتيه ليوازي مستوى عينيها فهي لا تزال جالسة:
    - تعلمين سبب تحفظي عن علاقتنا حتى الأن ليديا، لن أسعد إذا ما كنت السبب خلف تدمير خصوصيتك وترك المجال لبعض المغفلين من العامة بالتدخول في شؤوننا الخاصة وملاحقتك في كل صغيرة وكبيرة


    لم تتفاعل معه فأكمل سريعاً:
    - ولكن أعدك، سيتغير كل شيء بمجرد إنتهاء الحملة وعودة الأمور الى مجاريها الطبيعية


    تصنعت الإبتسامة لكي لا تهدم إيجابية الأجواء بينهما :
    - حسناً إيروس، يجب عليك المغادرة الأن سأكون بخير ولدي بعض الأمور لأنجزها قبل الذهاب الى الجامعة على أية حال
    -لكِ ذلك، شكراً على الوجبة الشهية، أتوق الى المرة المقبلة


    رافقته بعدها نحو الباب ومن ثم عادت أدراجها لتحمل ما تبقى من الأطباق وتشرع بعملية التنظيف .




    ~~~




    جامعة المعارف ~


    مقهى مِرلو الجامعي




    -حسناً لكِ ذلك ريفي، سأغلق الأن
    إنحنت بجسدها لإعادة المحمول الى حقيبتها القابعة أرضاً بالقرب منها وشهقت لرؤيته يحتل الكرسي الشاغر أمامها عندما أعتدلت في جلستها مجدداً :
    - سحقاً .. ألا تتحلى بالذوق العام؟


    تلفتت حولها بحذر وشعرت بالراحة، فعلى الرغم من جودة مقهى مِرلو إلا أن مكانه النائي جعله بعيداً عن أرجل الطلبة ولكن ليس لفتاة لم تُزاول وسيلة تنقل أكثر من مزاولتها السير على الأقدام


    إبتسم وهو يُجب:
    - أحببت عرضك صباح اليوم، حقاً لا شك في قدراتك التمثيلية


    أجابته وهي تقلب القهوة أمامها بملعقة خشبية في محاولة لإبعاد التوتر الذى إعتراها، معرفة أنها كانت مراقبة من قِبلِه لم تُمدها بشعور الراحة البته :
    - لا أحتاج شهادتك فاريوس، سأقوم بما أره صائباً
    إقترب منها على نحو أرابها ووجدت عينيها تبادلانه النظر بإستسلام:
    - هيا الأن، لستِ صادقة في رغبتك بالإعتذار أليس كذلك؟


    إبتسمت:
    - على الأقل تقول الصدق في بعض الأحيان
    أعاد ظهره الى الوراء ولم تفلح في قراءة تعابير وجهه الصامت فأردفت:
    - يبدو و أنك تحب اللعب في الخفاء، في الحقيقة لم أجرب ذلك من قبل ولكن أجد نفسي متشوقة لمشاركتك اللعب


    مرت مجموعة من الطالبات كانت إحداهن على معرفة مسبقة بليديا وبوجود فاريوس معها أسرعت إليها لتلقى التحية
    -غير معقول ليديا! أنتِ في هذه الجامعة أيضاً؟، هذا غريب بالفعل


    إبتسمت على مضض وهي تجيب:
    - مرحباً فلورا مضى وقت طويل


    لم تعرها أية إهتمام بل وجهة جسدها نحو فاريوس وأردفت حالمة:
    - وهذا يكون حل لغز رجل السكن الخفى؟ حقاً لقد برعت ليديا في إخفائك، ولكن برؤية الأمر، أؤمن من أنني كنت سأقوم بالمثل، أهذا المقعد شاغر ؟


    تمالكت ليديا غيظها وأسرعت لا شعورياً بالإمساك بمعصم فاريوس قبيل أن يتفوه بكلام طائش هو الأخر :
    - هو كذلك الأن إستمتعي عزيزتي لديهم أفضل قهوة في الجامعة برمتها، فقط حذاري أن ينتهى بك الأمر مع طائفة الأوزان الثقيلة مرة أخرى فلم يطل إقصائك منها إن لم تخني الذاكرة


    قطعت شوطاً قبل أن تتوقف وتنفجر ضاحكة على نظرات فلورا المتفاجئة وإنعقاد لسانها عن الحديث أنها، ومع نهاية موجة الضحك وجدته يتأملها بذات الوجه الغير قابل للتفسير، تمالكت انضباطها وتحاشت النظر إليه قد الإمكان


    إنه غريب بما تعنيه الكلمة فكلامه قليل على عكس البارع في إهانتها بعيداً عن الجميع ونظراته الهادئة توحى بشخص رزين لا يتورط في المتاعب، حركت رأسها سريعاً لتبعد ذلك التصور الجميل عنه فما فعله لا يغتفر ويجب أن تحافظ على الوعد الذى قطعته مع ريفيان وتتم المهمة دون فشل


    عادت الى واقعها وشعرت بمدى غباء تصرفها في إنتشاله بتلك الطريقة وقبل أن تجد حلاً للخلاص منه
    -إذاً و طبقاً لإستنتاجاتي فإما أن يكون إيروس ضحية قديمة، أو أنك أنثى متعددة الأذيال؟
    لم تجد نفسها الا ويدها ترتسم بوضوح على وجهه الذى ما باتت تعرفه بعد فعلتها المتهورة وسط الممر الجامعي فخلال لحظات أصبحت ملتصقة بصدره وبدى كما لو كان يبادلها العناق ولكنه في الحقيقة كان يسحق عظامها بين يديه ويحجب صرختها الرنانة بجسده الذى استفرد بها


    أبعدها عنه متصنعاً الحب وأجبر وجهها النظر إليه:
    - أعتذر، أسأت فهمك وماكان يجدر بي قول ذلك


    لم تكن قادرة على تمييز أيٍ من وجوه المارة الذين أسترعاهم المشهد ووقفوا يتأملون الثنائي الجميل فقد كانت غارقة في دموعها وجسدها خائر القوى بعد أن سمعت بوضوح صوت طقطقة عظام قفصها الصدري بكل وضوح


    استدار بعد ذلك ليتعمق بين الأشجار ويده التى إلتفت خلف ظهرها تحملها بشكل تام بطريقة غير مُلاحظة للعيان


    إقترب من أحد المقاعد الخشبية المنتشرة بكثرة في حدائق جامعة المعارف الوافرة ووضعها بلطف عليه، لم تكن تستطيع الحراك أو رفع رقبتها عن مكانها حتى، كانت عاجزة تماماً ومصابة بشلل كلي بعد إفساده لعظامها بتلك الطريقة القاسية


    وقف يتأملها بصمت ومن ثم استدار ليعود أدراجه:
    - لِتندمِ على تهورك قبل قليل ليديا ولا تفرحِ كثيراً، لن أجعل نهايتك بهذه السهولة سأعود ليلاً لإصلاح جسدك ولكن، وحتى ذلك الوقت، فكرِ عميقاً بفداحة ما فعلته من بين آلامك


    تركها وغادر ليعم الهدوء المكان عدا عن أصوات بعض الحشرات هنا وهناك، إستمر الألم ليفوق طاقتها ويرديها مغشياً عليها.





  15. #54

    الجزء العاشر




    مملكة الشياطين ~ مجلس الحكم

    -أدخلوه علي
    -أمرك سيدي

    لم يطل إنتظار الإمبراطور هيدس فقد فُتح الباب ودخل جايمون يتقدمه ويتأخره حارسين عن يمينه وشماله، الرجل الذي يراه الأن يعد النقيض التام لذاته قُبيل أعوام مضت فقد دخل يجتره الحرس وهو رث المظهر فتي الجسد ولكنه اليوم، رجل ناضج يهابه الكبار والصغار ويتبعه حرسه الشخصيين أينما ذهب، بينما يرتدى حُلة لا تليق إلا بالسلاطين وأبنائهم، ما قدمه للمملكة لم يكن بالقليل أبداً فهو وبكل بساطة، جعل لهم سبباً قوياً لشن الحرب .

    أمر هيدس الجميع بترك المجلس وإخلائه لهما وكان له ما أمر..


    ~..~..~..~..~..~..~..~



    إستيقظت فزعة من نومها بعد أن شعرت بحرارة الغرفة تُثقل أنفاسها، تلفتت يمنة ويسره وبات من الجلى أنها في غرفتها وعلى سحابتها الخاصة، تذكرت مجريات الأمور قبل غرقها في النوم فأسرعت تتفقد جسدها وتفاجأت من أنه سليم بل وتشعر بشعور جيد تجاهه
    -" هذا غريب .!!"
    كان هذا أول ما راود عقلها وهي تتفحص جسدها النقى والخالي من الكدمات ، قامت من سحابتها وأجفلت لرؤيته منتصباً بالقرب من البوابة الخاصة بشرفتها وعينيه مُطبِقتين بسكينة، لم تعلم مالذي يتوجب عليها فعله ولمحت يد حقيبتها تتدلى بالقرب من المقعد المجاور لسحابتها، تسحبت وألتقطت الحقيبة بهدوء ثم أسرعت نحو هاتفها لإلتقاط صورة له تثبت وجوده في شقتها، رفعت هاتفها بسعادة ووجهته نحوه لكنها صرخت وأوقعته حين لم يكن سوى أمامها وأمامها مباشرة
    -أنتِ لا تتوبِ بسهولة

    إقترب منها أكثر فصرخت راجية:
    - أرجوك توقف عندك، .. لـــ لن أحاول فعلها مرة أخرى فقط لا تقترب أكثر

    تراجع الى الخلف برضا:
    - هذا أفضل

    ظلت بعد ذلك ملتصقة بمقدمة سحابتها والجدار خلفها لمدة من الزمن وهو بدوره عاد حيث كان يقف بالقرب من بوابة الشرفة ولكنه أنشغل بمراقبة القمر خلف الأبواب عنها، أخذت تراقبه بحذر وهو يقف مستقراً ويديه معقودة أمام صدره العريض دون حراك، لم يكن تعذيبه البدني هو فقط ما تكرهه بشأنه ولكن حقيقة وسامته الطاعنة أيضاً والتى تشعرها بلذة غريبة من مجرد مراقبتها له، شعرت بقليل من الشجاعة بعد أن هدأ قلبُها وكف عن رقصه فأعتدلت في جلستها ومدت قدمها لتصل الى الأرض

    -مالذي تريد فعله الأن؟

    لم يلتفت بل ألقى إجابته برزانة وكأنه واثق من أنها سوف لن تقدم على تصرف أرعن مجدداً:
    - لا شيء أنا مستمتع هكذا!
    -ألا تنام؟
    -ألا تظنين ؟ لقد سرق النوم يقظتنا بما فيه الكفاية،

    عقدت جبينها وأردفت بتعجب :
    - مالذي ترمى إليه!

    إستدار نحوها وأخذ يمشى بخطوات مسترسلة مما جعلها تجفل من جديد وتُوقظ دفاعاتها ولكنه عكس توقعاتها وأحتل المقعد أمامها بروية ومن ثم أردف وهو يبتسم:
    - مللت أساليبي القديمة معكِ فأنت هشة بطريقة تصيبني بالغثيان

    شعرت بالإهانة وأردفت بعنفوية:
    - ومالذي أنت بصدد فعله إذاً؟

    تحدث بلا إكتراث:
    -لا شيء .. سنكمل بلعبة البقاء مستيقظين ، مارأيك؟


    ~..~..~..~..~..~..~..~



  16. #55

    الجزء العاشر




    جامعة المعارف ~ السكن الخاص، شطر الطالبات




    فتحت الباب متعجبة من وجود زائر بهذا الوقت المتأخر وهي تحمل كتابها المتين بين يديها بحرص وصرخت بذعر لدى رؤيتها هوية الطارق، تجاهلتها والإنهاك باداً عليها ثم همست بصوت لا يكاد يُسمع مُجيبةً بذلك على نظرات صديقتها المتسائلة:
    - ليس الأن، أريد النوم أرجوكِ


    ألقت بجسدها على السحابة وغطت في النوم كما الأموات، إقتربت منها ريفيان بقلق، السواد الذى أحاط عينيها وكتفيها الساقطين جراء التعب، بدت كعجوز هارمة ولم تشعر إلا وعينيها تغرقان في الدموع حزناً على حال ليديا البائس


    في اليوم المقبل ~


    فتحت عينيها بتثاقل بعد أن أصبح من الصعب تلافي صوت ريفيان الرنان وهي تدرس بجد، حاولت جاهدة حجب صوتها بتكديس الوسائد فوق رأسها ولكن دون جدوى ووجدت نفسها في موقف محرج حين صرخت في وجه صديقتها طالبة إياها إغلاق فمها


    توقفت ريفيان المذهولة عن الحديث فما تراه أمامها هو شبح ثائر يبعد كل البعد عن صديقتها الرقيقة ليديا:
    - حقاً ليديا مالذي أصابك؟ ما عدت أميزك بعد الأن


    ما سمعته زادها حدة فأردفت بنبرة جافة:
    -لربما لم يسبق أن تعرفتِ على حقيقتي منذ البداية


    إقتربت منها سريعاً وأخذت تربت على كتفها وهي التى بدورها قامت بإخفاء وجهها خلف يديها، أجابتها بصوت رقيق ِلتهدأ من إنفعالها:
    - مالذي فعله بكِ ليديا؟ أستطيع رؤية المعاناة جلية على وجهكِ وجسدك
    -إنه يحرمني النوم ريفي، تباً له لا أستطيع وضع رأسي على الوسادة فهو سيقوم فوراً بقلب سحابتي اللعينة رأساً على عقب أو أي شيئاً أخر أنام عليه
    -أو لا ينام؟


    أجابتها منفعلة:
    - وهذا ما يصيبني بالجنون فهو يستمر في إزعاجي طيلة الليل بينما يمتلك طاقة لفعلها مجدداً بالليلة القادمة
    -سكنِ من روعك الأن، هل أستطعت توثيق أي دليل؟


    ضحكت بأسى:
    -وهذا أيضاً، أعتذر ريفي سبق وأن حطم جميع آلات التصوير التى زرعناها هنا وهناك، بما يشمل آلة التصوير خاصتك


    شاركت صديقتها الإنفعال وهي تجيبها:
    - ولكن كيــ.ف؟؟ ...... تباً له لقد إدخرت الكثير لشرائها


    سكتت الأثنتين ومن ثم غرقتا في نوبة ضحك إنتهت ببكاء ليديا ومعانقتها لريفيان التى أخذت تهدأ روعها من جديد


    - أظن أنه يجدر بك إخبار والدك عن الأمر
    -سأفعل عندما يعود الى المملكة من جديد فيبدو وأنه خارج نطاق الخدمة بالوقت الحالي
    -جيدجداً، ومن ثم لا تقلقِ فلا بد له أن يصاب بالملل في يوم ما
    -آه آمل ذلك


    أرادت تغيير الأجواء فأردفت بمرح:
    حسناً وماذا عن الرجل الخفى إيروس؟
    ضحكت:
    - أو ما زلتِ تذكرين؟


    لكزتها بمكر على معصمها:
    - ومن ينسى تلك الذكريات، إعتدت على تحمل الكثير لمراقبة الرواق حتى لا يتم ضبطك متلبسة مع مفتشة السكن


    سكتت لبرهة وهي تعيد شريط الماضي وبريق حالم يجتاح عينيها:
    - لا أُصدق كم إشتقت الى تلك الأيام، لا مسؤوليات ولا مشاق فقط أنا وهو وأحاديثنا البريئة ...... أما الأن ..


    -ماذا به الحاضر؟


    -لا شيء، غير أنه أتى ليخيب كل ظنوني وأحلامي الوردية، لطالما رسمت في مخيلتي أنني أسير مع إيروس كطالبين جامعيين يتبطأ كل منا ذراع الأخر ونسمع همسات الأعجاب بعلاقتنا المثالية من قِبل الجميع


    حركت رأسها سريعاً لتبعد ذلك الخيال الزائف من تملك عقلها وتكمل بشبه إبتسامة:
    - كنت مخطئة ريفيان، الحياة لا تسير هكذا وهو لم يكن إيروس ذات الشاب اللطيف الذي أحببته منذ اللحظات الأولى للقائنا، أعنى إتضح أنه يحمل الكثير على عاتقه وبت أشعر أنني ضائعة وسط كُل العوائق الأخرى


    -إذاً فأنتِ غاضبة لحقيقة أن علاقتكما لم تظهر الى العلن بصورة كاملة، حقاً ليديا ألم تخبرينني أنه كان يرغب بمرافقتك ليلة حفلة التخرج من المرحلة الأكاديمية والمصارحة بعلاقتكما آنها؟


    -لم يكن حقيقة ريفيان وهذا ما أزعجني آنها، لم يتحدث من قلبه تلك المرة، أراد أن يُظهر أنه يهتم لأمري بتلك الطريقة ولم يخاطر بفتح الموضوع مجدداً بعد رفضِ له في المرة الأولى بل وسحب كلامه بعد ذلك بقليل


    -وكيف هي الأمور بينكما الأن؟


    -لا شيء مميز، هو مشغول بحملته الإنتخابية حتى النخاع وليس لديه متسع من الوقت ليجيب على أحد اتصالاتي البائسة ،،ستعلن النتائج بعد أسبوع من الأن ولم نرى بعضنا منذ مدة طويلة


    -وماذا عن الإحتفال؟ ألم يقم بدعوتك إليه؟


    عقدت جبينها بتعجب:
    - عن أية إحتفال تتحدثين ؟


    تلعثمت بتفاجئ وأردفت:
    -أعني تعلمين .. بعد إعلان النتائج يُصاحب ذلك بليلة أو ليلتيين إحتفال ضخم يضم العديد من نبلاء البلاد، الزُبدة أنه إحتفال ضخم لا يتلاقى الدعوة له سوى المحظوظين، عجيب أمرك!، الجميع في الجامعة يتحدث عنه في الأونة الأخيرة


    سرحت بعينيها بعيداً وشعرت بألم الخديعة يجرى في عروقها ويلوث قلبها، تحدثت بنبرة متشككة:
    - لماذا لم يسبق له الإقدام على ذكره من قبل؟


    لعنت غبائها بداخلها وهي ترى ما ألم بصديقتها من هواجس وظنون:
    - لا تسيئي الظن ،لــ لربما نسي إخبارك مع كل ما يمر به


    قالتها في محاولة لتخفيف واقعة الأمر على مسمع صديقتها المذهولة ولكن دون جدوى
    أبعدت ليديا الغطاء عن جسدها سريعاً وأستقرت واقفة على قدميها وريفيان تُتابعُها بعينيها، رمقت ريفيان بعينين غامضتين:
    - أتعلمين ماذا؟ سأواجهه بالأمر بنفسي
    -أرجوك ليديا لا داعي لذلك، صدقني سيطلعك على الأمر بالوقت المناسب ومن يدري؟ لربما يفاجئك بثوب رائع أيضاً


    تجاهلت صديقتها وهي ترتدي حذائها بإهمال تاركةً شعرها المشعت على حاله:
    - إذاً سأكسب عنصر المفاجأة عوضاً عنه


    لحِقتها ريفيان في روق السكن:
    - مالذي ستفعلينه، توقفي عندك وتحدثي معي لبرهة


    تابعت خطواتها السريعة نحو السلالم متجاهلة رجاء ريفيان:
    - لا وقت لدي الأن سأوافيك بالمستجدات في وقت لاحق


    صرخت بعد أن إبتعدت ليديا وأستمرت في نزولها :
    - توقفي عن إذلال نفسك ليديا ستندمين على هذا الإندفاع صدقيني


    لم تكن لتسمع أين من رجائها فهنالك نار تحجب عقلها عن رؤية الأمور بوضوح وروح ضالة تتحكم في بقية جوارحها وترغمها على الإحساس بما تريد.





  17. #56

    الجزء العاشر



    بذات الليلة ~ منزل ليديا


    وقفت أمام المرآة تتبرج بأسلوب لم تقم به من قبل، أحمر شفاه داكن و ظلال سوداء أبرزت لون عينيها العشبيتين

    أكملت اللمسات الأخيرة وراجعت صندوق الصادر بمحمولها للمرة العاشرة خلال تلك الساعة لتتأكد من أن رسالتها الغير مألوفة قد تم إرسالها بنجاح لإيروس:
    - " الليلة التاسعة والنصف، لا تتجرأ على عدم الحضور، سأكون في الإنتظار"

    كل ما بها اليوم غير طبيعي ولكنها إبتسمت بلا إكتراث:
    - " في الحقيقة، كل ما يمر بي مؤخراً لا يمت الى الطبيعية بصلة"
    تابعت إيصال هذه الأفكار الى رأسها لتثبتها أكثر فأكثر على ما هي بصدد فعله

    تجاهلت جميع الإتصالات من قبل ريفيان فهي ليست في مزاج يسمح لها بتلقي الوعظ من أحدهم، مالذي تفعله!!، فهاهي تقضي أطول ساعتين في حياتها إنتظاراً لقدوم الليل ليصحبه قدوم أبغض مخلوق عرفته يوماً بغرفة معيشتها الصغيرة، إبتسمت بسخرية، من كان يصدق أنها ستنتظر قدومه يوماً ليبدأ رحلة تعذيبها وإذلالها طيلة الليل!!، أحسنت تمالكها لنفسها حين سمعت صوت انفراج باب الشرفة التي طالما أوصدتها بكل الوسائل الغير مجدية فهو وبطريقة ما يجد سبيله دائماً الى الداخل!

    شعرت به يتقدم نحوها ولكن ذلك الشعور إختفى لبرهة فآرغمت نفسها على الإلتفاف ومواجهته
    -ألن يُرحب بي؟
    نظرات التفحص المشبعة بالإزدراء التى رمقها بها من رأسها وحتى أخمص قدميها أخرجتها عن طورها فأجابته بعنفوانية :
    -تباً لك فاريوس

    فظاظتها وعدم إكتراثها الباديين أيقظ إستشعراته بينما لعب عطرها النفاذ دوره في كبحه عن ترويض عنفوانها تجاهه، ما كان واثقاً منه أنها لم تكن هي ذات الفتاة الخائفة والضعيفة التى يستمتع برؤيتها تعاني منه كل ليلة، تابعت مشاعُرها الجامحة في الإستيلاء على جوارحها فأخذت تشق طريقها نحوه بمكر، أقتربت منه في حين أنه لم يصدها:
    - إذاً فاريوس، مالذي سنلعبه اليوم؟؟ أجد نفسي صافية الذهن ومتشوقة لقضاء الوقت معك

    إجترها نحوه بقسوة وأبعد شعرها المنسدل على كتفيها خلف رقبتها التى أخذ يشتم كل بقعة منها بأنفه ويتلذذ براحة العطر الليلي المكثف وصولاً الى أُذنها، إرتعشت فرائضها لفعله وتسلل الجبن الى قلبها ولكن فات الأوان فهي في قبضة التنين :
    - ما خطب المساحيق الرخيصة على وجهك الليلة؟

    شعرت بالإهانة ولكنها إعتادتها منه فآردفت تتصنع الدلال:
    - هيا الأن كن ألطف وأعترف أن كُلً يرى الناس بعين طبعه

    جذبها بقوة وتأوهت عندما ثبتها بعنف نحو الجدار :
    -لا تهدمي تناغم الليلة بحديثك يا صغيرة، للأسف شعرت وللحظات من أننا يمكن أن نقضي ليلة لا تنسى سويةً

    ألقت نظرة خاطفة نحو ساعة الحائط ووجدت أنه الوقت المناسب للبدأ ، لم يشعر سوى ويديها الصغيرتين تنفذَانِ من بين قبضته لتحاصر وجهه وترغم عينيه على الوقع أسيراً لعينيها المتوسلتين
    -قل لي متى ستكف عن تعذيبك لي؟ ألن تخبرني عن السبب حتي؟

    تعلقت يد إيروس المتفاجئ بنصف طريقها و قُبيل أن تطرُق باب شقتها الغير موصد لدى سماعه حديثها المُريب ووجد نفسه مرغماً على إستراق السمع والفضول يقتله لمعرفة هوية الطرف الأخر، وكانت المفاجأة ..



    ~..~..~..~..~..~..~..~
    نهاية الجزء العاشر




  18. #57

    الجزء الحادي عشر

    Screen+shot+2013-04-25+at+4.54.56+PM


    الجزء الحادي عشر
    ~ الإنكسار~


    أمسك يديها وأبعدها برفق عن وجهه ثم تراجع الى الوراء بهدوء تام، عقدت حاجبيها إستنكاراً من فعله ولم تستطع التنبؤ بالذي ينوى القيام به حتى نطق برزانة وتعجب:
    - مالذي تفعلينه آنسة ليديا؟

    صُعقت لتغير أسلوب حديثه وشعرت بألم حاد ومرارة حارقة تعتصر معدتها، كان شعور خوفٍ لم يسبق لها تذوقه من قبل، بلعت ريقها بصعوبة وهي تردف بالقليل من التهديد :
    - توقف عن التلاعب بي فاريوس!... تعلم تماماً مالذي أتحدث عنه، حقيقة محاولتك قتلي بتلك الليلة، و ..

    قاطعها بغلظة وهو يردف بسخط:
    -أهذا ما دعوتني لأجله الليلة؟ .. لا أعلم كيف يستطيع إيروس مجاراتك ولكن، أنتِ حقاً مجنونة

    شعرت بدوارٍ شديد فهو يفقدها صوابها بأقواله الخطيرة، أسرعت ممسكة بظهر المقعد قربها و ازداد الدوار حين أردف بقليلٍ من الإنفعال وكأنما يجاهد للتحدث كرجل نبيل دون فقدان السيطرة:

    - لا أعلم السبب الحقيقي وراء إحضارك لي هاهنا ولكن إن لم توقفِ جنونكِ وإتهامتكِ الباطلة بعد اليوم فسيكون الأمر خطيراً ولن تَحمدِ عواقبه

    وصلت حدها في التحمل فصرخت منفعلة:
    -تباً لك لم تفارق مخدعي منذ أسبوعين والأن تتظاهر ببراءتك؟

    وفي غمار تلك اللحظات تقدم إيروس الى الداخل فلم يعد بوسعه إستراق السمع والبقاء مكتوف اليدين و شُل مكانه لدي رؤيتة الهيئة المميزة لليديا وما فعلته بمظهرها، لم تتنبأ بدخوله حتى قال بصوت زاد من حدة الموقف عليها:
    - مالذي يحدث هنا؟!

    رفعت الضحية وجهها لتواجه أهون الشرين ولم تجد عزاء في الرعب الذي بدا على وجه إيروس، رعب وازى امارات الذعر التي علت وجهها، فكل شيء إنعكس لينقلب ضدها خلال ثوان معدودة، شعرت بهبوط حاد في ضغطها وباتت تُجاهد للبقاء واعية حتى لا يقتل الوحش جميع آمال الإصلاح المتبقية لديها، فهي ضئيلة بما فيه الكفاية دون تدخله.

    بادلته النظر راجية ليوقف سهام نظراته المتهِمة وأردفت ما حاولت عينيها التحدث به:
    - لــ ليس الأمر كما تظن

    أشارت نحوه وهي تهذي بهستريا:
    - أردت دليلاً إيروس، فها أنا أقدمه لك، أقسم .. إ..إنه لم يتركني وشأني مطلقاً فهو يريد القضاء علي بحرماني من النوم طوال الليل
    -أتعلم، هذه هيا، لم يعد بوسعي تحمل صديقتك المجنونة أكثر من ذلك، سأمت تراهاتها وإتهامتها الباطلة ومساندتك لها في ذلك

    لم يكد ينهى حديثه وهو يهم بالخروج من الشقة حتى إستوقفه هجوم ليديا وإنهيالها عليه بضربات عشوائية بكل ما أوتيت من قوة وهي تصرخ:
    - يااا حقير ، و تــــــــــكذب!

    أسرع إيروس بحملها وإبعادها عنه بالقوة وهو لا يكاد يصدق عينيه ومن ثم أمر فاريوس بترك المكان والرحيل فوراً بينما سقطت جالسة أرضاً وهي تجهش بالبكاء وتتمتم بصوت مبحوح :
    - إنه يكذب، أرجوك صدقني إنه يكذب

    إنقضى وقت بعد رحيل فاريوس وهي لا تزال على حالها بينما إكتفى إيروس العاجز عن التعبير بالمشاهدة فقط، أجهدتها كثرة البكاء والهجوم العنيف الذي شنته ضد فاريوس فأعادت ظهرها الى الخلف لتأزره بسند وأخذت تحاول تنظيم عملية تنفسها والسيطرة على دقات قلبها وتدفق دمها فهما في أشد حالات إنفعالهما

    استدار إيروس بعد رؤيته لحالها المثير للإزدراء وأراد الذهاب ليمنع نفسه من الشعور بالشفقة عليها وقبيل خروجه من باب الشقة همست له بوهن:
    - لربما أعانى من حالة مرضية في جسدي، ولكن عقلي سليم إيروس، أنــ..ــا .. أنا لست مجنونة

    أجابها قبل أن يغلق الباب ويختفى أثره:
    - ليس الأن، هذا ليس الوقت المناسب للحديث، أظن أنه يجب عليكِ نيل قسطٍ من الراحة.

    خلت الشقة من الجميع وعم المكان صمت رهيب، قضت بعضاً من الوقت قبل أن ترغم جسدها على الوقوف والتوجه نحو مخدعها الصغير لتنفيذ نصيحة إيروس المنطقية، إنعطفت يميناً نحو الحمام لغسل وجهها والتخلص من كل تلك الخطوط السوداء الملونة لخديها، مشاعر بؤس شديد وألم يعتصر فؤادها الكسير وكرامتها الجريحة، إنها تكره كل من كان له صلة بذكراها المؤلمة وحقيقة أنها وجدت نفسها تكافح وحيدة دون سند..

    كرهت والدها الذى لم يعد يمطرها بإتصالاته التفقدية بين الحينة والأخرى، بغضت إيروس حين أستمر في تكذيبه لها بطُرقه الغير مباشرة وشعرت لوهلة من أنها الوحيدة التى تسعى لإنجاح علاقتهما ولكن الأمور لا تكف تخرج عن السيطرة، مقتته هو لأنه كان السبب في تعاستها وخلف كل الأحداث السيئة التى رافقت ظهوره الدرامي الأول، شعور البغض والألم والخيانة أستمر غازياً لقلبها وعقلها مضعفاً بذلك قدرتها على التحمل


    لم تبالى بالشرفة المفتوحة في غرفة نومها كما كانت تهاب الأمر سابقاً خوفاً من قدومه، جُل ما تريد رؤيته الأن تمثل في سحابتها المجردة ولا شيء أخر، إقتربت منها واستلقت عليها برفق فهي تشفق على حال جسدها بالأونة الأخيرة ولا يستحق أن تقسى عليه هي الأخرى بعد أن فعل الجميع ذلك، لم تشاطر إحساسها المرهف هذا وسادتها فقد تركت لها مهمة تجفيف دموعها الحارقة طيلة تلك الليلة بعد أن جفاها النوم كرهاً لا طوعا.

    ~~~

    باليوم المقبل عاد الجميع الى أعمالهم المختلفة بعد قضاء عطلة نهاية الأسبوع في سكينة وآمان بستثناء منزلها الصغير الذي تُرك في حالة من الفوضى العارمة بعد إعصار الليلة السابقة


    لم تبالى بجميع النظرات التى إستنكرت مظهرها الشاحب وثيابها الفوضوية وتابعت طريقها في ممرات الجامعة قاصدة مكتبه لتبرئة ساحتها ووضع حد لإنكاره ودعمه جانب فاريوس بإستمرار، دخلت الحصن السياسي وسلكت طريقاً مختصراً بين الأشجار المعدلة وراثياً والجدول الإصتناعي بقلب الحصن والذى لم يكن مكاناً للسير ولكنها لم تكن لتبالى، تفادت بعد ذلك سينا ذراع إيروس الأيمن وتجاهلت نداءاتها لها ومطالبها بالتوقف فقد سبق وتوسطت مكتب إيروس ولكنها تجمدت مكانها بإندهاش ..


    ~..~..~..~..~..~..~..~







    اخر تعديل كان بواسطة » moon child في يوم » 25-04-2013 عند الساعة » 06:59

  19. #58

    الجزء الحادي عشر



    وقف الثلاثة لقدومها وأمر إيروس سينا التى تبعت ليديا المندفعة بإغلاق الباب وتركهم وحدهم دون مقاطعة كائنٍ من كان


    ليديا بذهول يصحبه الكثير من التعجب:
    - مالذي تفعلينه هنا ريفي؟!


    إيروس بإرتباك فلم يتوقع حضورها كما أن مظهرها العشوائي فاجأه حتى النخاع:
    - طلبت منها الحضور صباح اليوم، هنالك ما أردت مناقشته معــ....ها


    أجابته بفظاظة:
    - ومالذي ستتناقشه مع صديقتي؟


    حاولت ريفيان تهدأتها حتى لا تنفجر ليديا منفعلة فقد أنذرت طبيعة صوتها بذلك:
    - كنا نتحدث بشأنك ليديا، نحن قلقون عليكِ و ..


    قاطعتها بهستريا:
    - كلاااا ريفيان، ليس أنتِ أيضاً، أجيبيني، ألم أخبرك منذ البداية الأولى عما كان يفعله بي هذا المتوحش


    لم تُعجب ريفيان طبيعة حديث ليديا الحاد فأردفت بذات الإنفعال:
    - بلى ولكنك لم تخبرينني بالحقيقة كاملة ليديا، مما قلتِه أنه يكون في منزلك في تمام الثامنة مساءاً، الجميع هنا يشهد أنه يغادر المكتب في تمام الثامنة، ترى كيف أمكنه التواجد في مكانين بالوقت ذاته؟ إنه لمن المستحيل أن يقطع هذه المسافة خلال ثوان معدودة، بل ولا حتى اللورد نوثانيل بقادرٍ على فعل ذلك


    تمالكت أعصابها وهي ترى الجفول على وجه ليديا وتابعت بتأن:
    - من المحتمل أنك توهمت الأمور ليديا وهذا ليس ذنبك، أنتِ بحاجة الى المساعدة صديقتي


    تراجعت برهبة الى الخلف وهي تشعر بالرعب من مجريات الأمور ومن نظرات عينيه التى لم تبرحانها لثانية، إنه وحش ولا يمكن أن يكون غير ذلك بالنسبة إليها فكما يبدو، إستطاع التأثير في الجميع وقلبهم ضدها، توقفت عن تراجعها وهي تعلم أنها ستخسر أعز شخصين لديها إذا ما إنسحبت بتلك اللحظة، توجهت بنظرها نحو إيروس ورأت الألم في عينه
    -إيروس، أرجوك قل شيئاً


    أجابها ليزيد من تعاستها:
    - لقد كذبتِ علي ليديا، أخبرتني أنكِ آسفةٌ لما حدث وأنك ستسعين جاهدة لإعادة الأمور الى نصابها، ولكن ... مالذي نحن نخوضه الأن؟


    تبادلت نظرة إتهام ورجاء مع عيني ريفيان علها تخفف من واقعة حديثه وتخبره أنه كان من فعل تخطيطها ولكنها قُبلت بالصمت، علمت لحظتها من أنه يجب أن تدافع عن نفسها حتى لا تفقد الشخصين معاً فمن الواضح أنها فقدت أحدهم مسبقاً فأردفت بقوة:
    -كانت الطريقة الوحيدة للحفاظ عليك وبذات الوقت إمتلاك الدليل ضد فاريوس لتصدقني


    وضع يده على رأسه لتخفيف الصداع وأردف بعتاب:
    - ما كان يجب عليكِ الكذب ليديا، لا أصدق أنها الطريقة الوحيدة الممكنة لمعالجة الأمور
    - في الحقيقة، لم يكن هذا هو الشيء الوحيد الذي لم تكونِ صادقة بشأنه، أليس كذلك آنسة ليديا؟


    إسترعى حديثه الرزين إهتمام الجميع ومن بينهم ليديا المتفاجئة، مالذي سيلفقه بعد ضدها من أكاذيبه اللامتناهية ياترى؟:
    -بذلك اليوم، عندما طلبتِ مقابلتي في المقهى الجامعي للإعتذار كما ادعيتِ، لمحت شيئاً لا يخصك عندما قمتِ بتسديد ثمن عصير البرتقال خاصتك


    عقدت حاجبيها و ضحكت بذهول:
    - أنت حقاً فاقد للعقل وواهم، متى حصل كُل هذا؟ ومن ثم مالذي لمحته؟، فأنا شخصياً لا أطيق رؤيتك فكيف بدعوتك للإعتذار منك!


    عادت للضحك وتوقفت حين ألقى بجرم فوق رأسها
    -أعتقد .. أنها كانت تصريح إيروس الدبلوماسي المفقود


    أصابها الخرس لبرهة كما أصاب البقية، فلم يطرأ الأمر ببالها ولم تتخيل أن بطاقة إيروس الجامعية والتي بحوزتها هي ذاته ما تحدث عنه، ومن ثم كيف عرف بأمرها فهي الوحيدة الواثقة من أن قصته الملفقة قبل قليل لم يكن لها وجود على أرض الواقع، لم تنكر شعورها بالجنون وقتها


    إقترب منها وهو يجتر قدميه إجتراراً فهذا كثيراً عليه وهو الذي يجب أن يكون منشغل البال بأمور أخرى تبعد كل البعد عما يخوض غماره الأن ، أمسكت يده كتفيها وأحس برتعاشة جسدها في يديه :
    - ليديا، أرجوك تحدثي الي، ليس صحيحاً ما يقوله فقد أخطئها ببطاقة أخرى، أليس كذلك؟


    رفعت عينيها المرتعدة لتواجه عينيه والتى لم يسبق أن رأتهما بتلك النظرة، علمت أن لا مفر من الحقيقة ولو أنها لم تكن بتلك البشاعة التى صورها المشهد ورسمتها الأحداث:
    - ظننتها مجرد بطاقة جامعية !


    جحظت كلً من عيني ريفيان وإيروس المستصيبين من إجابتها بينما تركت يديه جسدها سريعاً فأردفت بوجل:
    - صدقني أردت إعادتها منذ وقت طويل مضى ولكن لا أعرف كيف غاب الأمر عن ذهني


    تحدث وهو لا يزال يعاني من أثار الصدمة فلم يتسنى له الإستيقاظ منها بعد:
    - بربك لماذا أخذتِها في المقام الأول !


    أخرستها نبرته الإتهامية والتكذيبية وما باتت تتذكر كلمة واحدة ولا شعورياً، وجدت يدها تخرج حافظة الأموال الخاصة بها ومن ثم أجترت البطاقة من أحد المخابء العديدة وناولته إياها:
    -صدقني، ليس الأمر كما تظنه!


    أجابها بحدة وبنفاذ صبر:
    - سمعتها منكِ كثيراً مؤخراً وفي الحقيقة، لا أجد نفسي قادرة على هضمها بعد الأن
    ناظرته بتفاجئ:
    -مالذي ترمى إليه؟


    أكمل طريقه نحو الباب ومن ثم فتحه وأستقر مكانه بينما تجنبت عينيه النظر إليها:
    - هذه نهايتنا ليديا، لست أرى إمكانية في إستمرارنا سويةً بعد الأن


    جحظت عينيها ورافق ذلك شهقة كبتها من التحرر إطباقةُ يديها على فمها بذهول تام، فلا يمكن أن يكون ما سمعته حقيقياً، كلا إنها واثقة من أنها تحلم حلماً مزعجاً وستنهيه الأن، عضت على يدها المطبقة فوق فاهها لتستيقظ ولكنها لم تفعل، إنها بنفس المكان والزمان وهو لا يزال ينتظر خروجها من مكتبه وحياته الى الأبد


    بلعت ريقها بصعوبة وعينيها تطوفان حول المكان لتبحث عن منقذ و اختارت الإبتسام بما تبقى لها من قدرة على التفكير، فهي ترى ريفيان تجهش بالبكاء رغم أنها من يستحق أن يريح قلبه بهذه الطريقة ولكنها لن تفعل، لقد أهدرت كرامتها مراراً حتى الأن وستنسحب بما تبقى لها منها، تجاهلته وتجنبت النظر الى الوراء وهي تسير خارج الباب وخارج أسوار الجامعة على غير هُدى ولكنها ظلت تمشى وتمشى لإعتقادها الواهم أنها ستنتهى في نهاية المطاف ومع تلك النهاية ستترك كل الذكريات البغيضة وراء ظهرها وتغدو وليدة حرة من جميع الروابط والقيود


    أعيتها كثرة السير وأبتسمت بيأس لهذا الإعياء، مالذي توقعته من جسد هزيل لا يقوى على حمل الأجنحة ولا الطيران، لم تفهم الأمر مذ كانت طفلة ولن تفهمه أبداً، أفاقت على واقعها حين أحست بوجود رفقة فستدارت ولم تبدِ تفاجئها إذ لم يكن سوى فاريوس بوجهه الغير قابل للتفسير


    إبتسمت له وهي تسير بإتجاهه:
    - أجئت للتأكد من أنني أصبحت مثيرة للشفقة بما فيه الكفاية
    -ماكان يجب عليكِ إغوائي فقط لتشتيت إنتباهي عن الإحساس بقدوم إيروس
    أخفت رأسها وهي غارقة في الضحك وقد أضحت قريبة منه:
    - أرجوك.. ليس كما لو أنني حطمت كبريائك بفعلي، وتظن أنني حاولت إغوائك؟ كنت فقط أقوم بصرف إنتباهك فلا تسئ فهم الأمور


    رفعت رأسها من جديد وعينيها غارقتين في الدموع:
    - مالذي فعلته لأستحق كل هذا منك أخبرني؟


    إزداد شهيقها وهي تترك العنان لصوت بكائها وتضيف :
    - ولكن أتعلم..، كنت على حق بتلك المرة، فقد أغرقتني بالوحدة كما أردت، مارأيك الأن بجعلها أبدية؟

    لم يجبها فأخذت تلكز صدره بقبضاتها الضعيفة وهي تزداد إنفعالاً:

    - مالذي تنتظره عندك!؟، أنا أطلب منك قتلي ولك الحرية بإختيار الطريقة التي ترضى غرورك، فقط خلصني من هذا الشعور أرجوك

    توقفت عن تسديد لكماتها وأنتهت بإراحت رأسها المثقل بالهموم على صدره وهي تتمت:

    - سأجن بسببك، حتماً سأجن


    سكنت بعد عدت دقائق فعلم أنها قد إستسلمت للنوم أخيراً، حملها وطار بها بعيداً حيث لم ترى عينيها من قبل..





  20. #59

    الجزء الحادي عشر



    كنت منهمكة في تنظيف منزلها قالبةً إياه رأساً على عقب، إنها تتخلص من جميع القاذورات والأتربة المتراكمة منذ أهملت تنظيفه قبل أسبوعين مضت، أنهت نقل أكياس النفايات قرب النافذة وتركت مهمة نقلها الى مكب النفايات لريفيان التى شاركتها التنظيف
    -أهذا كل ما تبقى من النفايات؟

    أجابتها وهي غارقة في عملها:
    - أجل وشكراً لنقلها الى الحاوية عوضاً عني كانت ستأخذ مني أعواماً للإنتهاء منها مع كل تلك السلالم، فقط تأكدي من إغلاقها بإحكام رجاءاً

    لم تسمع جواباً من ريفيان فستدارت إليها للإطمئنان عليها وضحكت لرؤيتها تتفقد أحد أكياس النفايات:
    - حباً في الرب ريفيان مالذي تفعلينه، فقط تأكدي من غســ ..

    صمتت بإندهاش عندما حملت ريفيان آلة التصوير الخاصة بها من بين القاذورات وهي صالحة لم يصبها خدش واحد
    ناظرتها بعينين مُتساءلتين كمن حصل على دليل لجريمة ما:
    - حطمها أليس كذلك !! .. والبقية صالحة أيضاً

    ...


    إستيقظت فزعة وجسدها يرتعش ويتعرق بجنون، أأصبحت أحلمها تُكذبها أيضاً!

    تلفتت يمنة ويسره باحثة عن ما تألفه عينها المشتعلتين ولكن كل ما بالغرفة غير مألوف فهي واسعة وبها العديد من الشرفات على خط إمتدادها، بينما حمل الجدار عدداً من اللوح المعلقة والتي لم تستطع تمييز ما رسم بداخلها فالعتمة تعم المكان ولا يُنيرها سوى ضوء القمر المتسلل من بين الشرفات المفتوحة على مصرعيها، فُتح الباب ودخل يحمل حاملة طعام تحوي إناء مقعراً وبجانبه منشفة بيضاء مطوية

    أبعدت الغطاء الرفيع من عليها وهي تتمتم بسخط:
    - لا أصدق جرأتك
    شهقت حين دفعها نحو السحابة ولم تمتلك قوة تسمح لها بالنهوض من جديد فكفت عن المحاولة، أخذ يبلل المنشفة بالمياه المثلجة من الإناء ويمسح بها علي وجهها الشاحب وهي تجزع من برودتها وتطلب منه التوقف وأنتهى بترك المنشفة مستقرة فوق جبينها شاملةً عينيها وأخيراً شعرت بالقليل من الراحة فعادت تتنفس بإنتظام

    -لا تجهدي جسدك، أنتِ تغلين

    أُجبرت على الإبتسام بسخرية، مالذي يقوله ذلك المجنون، أيعقل أنه يهتم لمرضي:
    - حقاً!! لا أدري كيف أصبحت هكذا

    لم يعنفها كما كان يفعل حينما تستفزه بحديثها وشعرت به يقوم من على السحابة فأبعدت المنشفة عن عينيها وأخذت تراقبه وهو يستقر بالقرب من أحد الشرفات كما كان يفعل دائماً بالقرب من شرفة منزلها
    -أين أنا؟؟
    -بمنزلي

    تفاجأت وأردفت غير مصدقة:
    -أنت تمزح دون شك !
    -لا أطلب منكِ التصديق ولكنها الحقيقة

    رفعت رأسها مجدداً وهي تشعر بثقل رهيب وقالت:
    -ومالذي تنوي فعله بي ؟
    -لا شيء
    أعادت رأسها مجدداً وأستلقت بالإتجاه المعاكس لتواجده فهي تغلي بما فيه الكفاية لما رأت من تصرفاته حتى الأن لم يمضى الكثير حتى غطت في النوم العميق من جديد


    ~..~..~..~..~..~..~..~


    جامعة المعارف ~ ثلاثة أيام بعد الإنفصال


    أخذت تلحق به في ممرات الجامعة وترجوه التوقف ليتحدثان قليلاً حتى رضخ أخيراً

    ريفيان بعينين قلقتين تحفهما الهالات السوداء:
    -إنها لا تجيب عن هاتفها النقال والمسؤولة عن السكن لم ترها منذ ذلك الحين

    إيروس بنفاذ صبر:
    - و مادخلي أنا بكل هذا؟؟ أرجوك ريفيان أنا أحاول جاهداً نسيان الأمر، لعلها تحاول جذب الإنتباه بتصرفاتها هذه

    أجابته بإنفعال:
    - لقد تركت ملاحظة لدى مالكة السكن قائلة أنها لدي صديق، لا تملك ليديا صديق مقرب غيري
    -وهل هيا ليديا ذاتها لتتعجبِ من الأمر؟ كل ما بشأنها تغير ولم أعد أرغب بمناقشة الموضوع مرة أخرى، أرجوك ريفيان كفي عن اللحاق بي

    تركها حائرة قلقة وتابع طريقه والإنزعاج باداً على محياه، إنه قلق هو الأخر ولا ينكر مروره بمنزلها الخاوي ليلتها ولكنه سيبقي قلقه لنفسه ويطوى صفحتها والى الأبد، فهو لن يغفر فعلتها وحقيقة أنها كادت أن تنهى مستقبله إذا ما علم أحد بالأمر .


    ~..~..~..~..~..~..~..~


  21. #60

    الجزء الحادي عشر





    فتحت عينيها على وجه بشوش لسيدة خمسينية وهي تحاول إيقاظها بلطف، ساعدتها على النهوض وسرعان ما أبدت ليديا تخوفها بعد أن أحست بما حولها من جديد، جاء صوته مجيباً على تساؤلها وهو يقف بالقرب من بوابة الغرفة
    -إنها السيدة آثينا مدبرة المنزل، ستساعدك على الإستحمام وتبديل ثيابك

    تجاهلته وعلقت نظرها بتلك السيدة البشوش وهي تحيها:
    - لا يجب على فتاة جميلة مثلك النوم لكل هذه المدة، ستسمحين للمرض بالتغلب عليكِ صغيرتي


    أمسكت يدها وسمحت لها بمساعدتها على القيام على أقدامها من جديد فقد كانت تجاهد لتتحرك نظراً لتصلب مفاصلها، تبِعتها طائعة الى الحمام دون النطق بحرف واحد فلم يدخل جوفها شيء سوى الحساء الذى شعرت به يدسه إرغاماً في فاهها مراراً وهي غائبة عن الوعى

    شعرت بتحسُن بالغ بعد الحمام المنعش ورافق ذلك شعور بالراحة لدى خروجها لتجد الغرفة خالية من وجوده، إحمرت خجلاً والسيدة آثينا تُعينُها على إرتداء ثيابٍ قطنية نظيفة وهي تردد إعتذاراتها من أنها لم تستطع تدبير ثياب نسائية بحيث أضطرت الى إستخدام ثياب سيد المنزل الراحل عوضاً عن ذلك، لم تكن لتعير الثياب أية إهتمام في حالها ذاك

    استأذنتها لبرهة وعادة محملة بعدد من الأطباق تضم أطعمة حارة، وضعتها على المنضدة أمامها بحرص فامتعضت ليديا لمجرد إشتمام الرائحة، إبتسمت السيدة آثينا وهي تربت على ظهرها بحنان:
    - لا تقلقي صغيرتي قمت بهرس الطعام خصيصاً لكي تستطيع معدتك هضمه

    لم تستطع رفض يد السيدة وهي تطعهما رويداً رويداً وأسرعت بمسح دموعها وهي تتسلل خارج عينيها وفوق مشيئتها، فخلال الأيام الماضية لم ترى سوى الكراهية والحقد والإساءة، وجود شخص يبادلها الرعاية والإهتمام كالسيدة آثينا أشعرتها بالسعادة بطريقة ما .

    أنقضت الأيام والسيدة آثينا تداوم على مصاحبتها وتمريضها منذ الصباح وحتى بداية الليل ومن ثم تعود أدراجها الى عائلتها بينما لم يكن هنالك أثر لفاريوس، كانت قد إمتثلت للشفاء بعد كل تلك الرعاية ووجدت نفسها مختنقة من أجواء الغرفة فخرجت على حذر تتفحص بقية أرجاء المنزل لإشباع فضولها


    ~..~..~..~..~..~..~..~


    قصر المُتحكمين ~

    أخذ صوت وقع الأقدام يقترب أكثر فأكثر بحضور قوي، الصمت الذى عم المكان وخلوه من الحياة جعلت لأحقر الأصوات شأنً يُسمع، توقف أمام أحد الأبواب و تلاه بعدت طرقات.

    دايفييل:
    - أدخل

    ولج إيار الى الداخل مُحملاً بعددٍ من الوثائق الملفوفة داخل أنابيب محمية بشفرات إلكترونية، إنحنى بتهذيب وتقدم واضعاً إياها أمام سيده على سطح المكتب الزجاجي وقواعده الحجرية الفريدة
    -أحسنت صنعاً، بوسعك الإنصراف

    تراجع الى الخلف وأطبق الباب بهدوء خلفه وعاد من حيث أتى خارج أسوار قصر الحكم الساكن..


    أطلق دايفييل نظرة من عينيه الثلجيتين فُتحت إثرها الأنابيب أمامه وأخذ يقرأ تقارير بقية أعضاء المجلس بستياء واحداً تلوى الأخر فلم يفرحه ما ذُكر فيها، قام بعد ذلك بكتابة عدد من الخطابات وأمر جنيات البريد بنقلها على وجه السرعة


    ~..~..~..~..~..~..~..~


الصفحة رقم 3 من 11 البدايةالبداية 12345 ... الأخيرةالأخيرة

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter