نقدُ القصيدةِ "حيرةُ حليم"
لقد غُيِّبت شمسُ المشاعر في الظهرِ.. وأُغرِقتِ الأوزانُ في لجّة البحرِ ..
استفتاحيّة تصويريّة أوردها الشاعر عاقداً في حروفها خيطاً صغيراً يرشدنا إلى ارتباطِ العنوان "حيرةُ حليم" بسكب القصيدة، مستخدماً الأفعال المبنيّة للمجهول لإضافة المزيد من الحيرة إلى ذهن القارئ، ونجح بتزيين مطلع القصيدة بتصريعٍ أنيق يعكس تمرّساً في قلمه تأكد بوصفٍ دقيق لمشاعر تختلج بداخله مستخدماً التضاد الذي وإن دلّ على شيءٍ فهو اضطرابٌ في شخصه وصل إلى الطّبيعة من حوله، فشمس تغيب عن وجه السَّماء في أوج الظّهيرة يبدو من خلالها وكأنَّ موازينَ العالم قد اختلّت بالكامل..ثمّ ينتقل بنا إلى البحر في جانبٍ آخر- مشيراً به إلى بحور الشِّعر- بإدخال لفظة "الأوزان" في تركيب الشطر.
فما عاد لي حرفٌ يُطيعُ ولا يدٌ.. تخطُّ إذا ضاقتْ بآلامهِ صدري ..
كأنّيَ في علمي جهولٌ ولا أعي.. وأنّيَ في جهلي فخورٌ بـ لا أدري ..
وأنّيْ إذا أقدمتُ للموتِ خاسراً.. وأنيَ إذْ ولّيتُ في قمّة النصرِ ..
يدور بعقلي ما يدور لعاقلٍ.. وقلبيَ من ذِكرِ الصبابة في سكرِ ..
فلا هي شمس في السما حين أقبلت.. ولا هي مسكٌ إن ظننت من العطرِ..
ولا هي وردٌ في نضارة لونهِ .. وليست بياقوتٍ وليست من الدرِّ..
ثمّ يأتي في البيت الثاني بشكوى تمرّد حروفه وجسده عن الاستجابة لهُ فلا يجد لآلامه متنفّساً من بعدها ليصلَ إلى حالةٍ من اليأس فتختلطُ المعاني بين الفهم وتعذّرهِ ، فتبدوا الأضداد متجمّعة رغمَ اختلافها، ويزدادُ التخبّط في أحاسيس الشَّاعر حتّى يصلَ في بعضِ مراحلِه إلى العجزِ عن تحديد ما يختَلِجُ داخله فتتشابَهُ في منظوره كل المتناقضاتِ و يقفُ عاجزاً عن التّفريقِ بينها ، فعلى الرغم من التوازنِ المسيطر على عقلِه ، إلا أنَّ الشوقَ باتَ أشبه بهذيانٍ قد تملّك قلبه، فمحبوبته متفرّدة بعفّةٍ وجمالٍ لا يشبهُه شيء فلا تطاولهُ شمسُ السَّماء ولا تناظرهُ زهورُ الأرضِ وأحجارُها الكريمة.
توزّعت فكرة النَّص في عدة جزئيات تقدّمتها الحالةُ المضطربة لنفسية الشّاعر ، تعاقبت بعدها الأبيات مترابطةً متسلسلةً تسلسلاً منطقيّاً والعلاقةُ بينها استنتاجيّة-بحيث ينتجُ اللاحقُ فيها عن سابقه-
فالشّاعر انطلقَ من حالةِ وعادَ إلى الوراء ليفسّرها..فجاءت الأبياتُ بوصفٍ جميلٍ متكاملٍ لموقفِ اللقاءِ الأوّل مع ما صاحبَه من انطباعاتٍ ومشاعر تبادرت إلى نفسِ الشاعرِ وذهنِه ثمَّ انتقل بشكلٍ متدرجٍ إلى الأحداثِ الناتجةِ عن ذلكَ اللقاء
وقد كانت الفكرةُ العامّةُ للنصِ كما المعاني ممّا كَثُرَ تداولُه عند العرب فهي تقليديّة مبتذلة لا جِدّة فيها لكنّ الشّاعرَ اختارَ لها قالباً جديداً يميلُ إلى مشهدٍ قصصي مقتضب والذي تمثّلَ في خضوعه لمشاعرِه و اتّباعِ المحبوبةِ إلى وقوفهِ المطوّل عند بابِ منزلها منتظراً إجابَةً تريحُ قلبَه، مروراً بردودِ فعلها تِجاهَهُ من صدٍّ وجفاءٍ، مظهراً صدقَ مشاعرِهِ تِجاهها متابعاً باعتذارتٍ ينشدُها على مسامعِها فما له على الهوى من سلطانٍ ويطمئنُها عن حُسنِ نيّتهِ وصفائِها :
ولما تبعتُ مشاعري وتبعتُها.. كأني بها فرِحت وفرّت من الذّعرِ ..
تصبّرتُ عند الباب والجهدُ خائرٌ.. من الطّرقِ حتى كادَ ليليَ أن يسري..
أجيبي ولو بالصّمت لا تخذلينني .. وردّي لحيرانٍ هداهُ بلا عسرِ ..
فلو كان من أمري لما كنتُ ههنا.. فلا تجزعي إنّ الهوى ليس من أمري..
وحيث أنّ القصيدةَ تندرجُ تحتَ كنفِ المذهبِ الإتّباعيِّ بوضوح فقد غَلَبتْ (سهولةُ المعنى) على أبياتِها وألفاظِها ، فهي مكرّرةٌ معروفةٌ لدى معظم النّاس لا مزيّة فيها، لكن الشَّاعرَ برعَ في قولبتها بما يناسب غرضه وحالته
فتوافقَ فيها الثَّراءُ الأدبيُّ مع عذوبةِ السَّبكِ وسموِّ المعنى، فجاءت المعاني ممّا تستسيغه النّفسُ مع النَّقاء الذي تتقبَّلهُ الفطرةُ الإنسانيَّة..كما تُلاحَظ غلبةُ النّمطِ السردي على النصِّ مع تواجدٍ مشهودٍ للنّمطِ الوصفي في طيّاته:
رأيت وكل الناس مثلي يرون ما.. يمرّ على العينين في أغلبِ الأمرِ..
فلا هي شمس في السّما حين أقبلت.. ولا هي مسكٌ إن ظننت من العطرِ..
وتأسيّاً بالمذهبِ الإتّباعيّ عمدَ الشَّاعرُ لإظهارِ خصالهِ الحميدة فهو جَلِدٌ على الشَّدائد صبورٌ رقيقُ القلبِ يألمُ لرؤيةِ عبراتِ الآخرينَ فيهمُّ لمساعدتهم لكنّه يأبى على أحدٍ أن يرى ضعفهُ ودموعهُ..، فيعذر ويصفح عن كلّ ما فعلته به ، ومن هنا يتبينُ لنا سببُ استخدامه كلمة"حليم" في عنوان القصيدة.
فإني على الضراء جَلْدٌ وصابرٌ.. ولكن على عينيك ما طاعني صبري..
وإني لأفْرَقُ إن بدا ليَ باكياً.. فكيف إذا أقبلتُ بالأعين الحمرِ..
عذرتُ صدوداً في هواها وجفوةً.. فمن ذا إذا قصّرتُ سارع في عذري ..
وقد رانَ على الأبياتِ طهرٌ نابعٌ من النَّمط العذريّ الذي أوردهُ الكاتب كسبيلٍ وحيدٍ للحبّ الحقيقي، فكانت العاطفة صادقةً نبيلةً، بعيدةً كلَّ البعدِ عن التَّصنّعِ والتزييف، مما جعل تأثيرها في نفس القارئ قويّاً ..
أحبُّ ولكن لا أحبُّ ، ولا أرى.. من الحبِّ إلا طاهر الحبِّ والعذري ..
كما كانت القصيدةُ مشبعةً بالخيال، فأتت صورُها موزّعةً بينَ بسيطةٍ ومركبة مع غلبة البسيطةِ منها وقد تمّ توظيفها بشكل جيد لخدمة أهداف النص:
وما ظنّ مثلي إن رأى من حجابها.. سوى أنها نورٌ تلفّع في طهرِ..
ولا هي وردٌ في نضارة لونهِ .. وليست بياقوتٍ وليست من الدرِّ.
أمّا أدواتُ التعبيرِ فقد اختار الشَّاعر لقصيدته قاموساً لغويّاً يندرج تحتَ الحقل المعجمي لكلمات الحب(الهوى- العذري) والحيرة (جهولٌ- لا أعي) مما جعل ألفاظهُ تحمل طاقات عاطفيّة متباينة تتجسد في الشّوق والتوتر.
فجاءت الألفاظ قويّة، ملائمة للمعنى بسيطة في معظمها
كما اكتنفت تراكيب الشَّاعر المتينة وأساليبه شحناتٍ انفعاليّةً متفاوتة تُجسِّدُ اضطراب العاطفةِ فتبدأ متوترةً قلقةً وتستمرُّ بالتصاعدِ لتصلَ إلى حالةِ التغاضي عن كلّ شيءٍ مقابل رد بسيط.
أجيبي ولو بالصّمت لا تخذلينني .. وردّي لحيرانٍ هداهُ بلا عسرِ ..
اتّسمَ النّص بموسيقا متوازنة تجلّت في القافية الموحّدة (رِي) وأصابَ الشاعر في استخدامِ الراء المكسورة حرفاً للروي لما له من دلالاتٍ على التردّدِ الذي كان سائداً بين ثنايا القصيدة
واعتمد الشَّاعر في نظم قصيدته على البحر الطويل، مستخدماً جوازات تفعيلاتِهِ بشكلِ ملحوظ:
فلو كان من أمري لما كنتُ ههنا ...فلا تجزعي إنّ الهوى ليس من أمري..
//ْ/ْ //ْ/ْ/ْ //ْ/ْ //ْ//ْ ............................ //ْ/ْ //ْ/ْ/ْ //ْ/ْ //ْ/ْ/ْ
فعولُن مفاعيلن فعولن مفاعلن فعولُن مفاعيلن فعولن مفاعيلن
مفاعلن: في صدر البيت الأول جواز
ويحقُّ للشَّاعر مالا يحق لغيره، فنجد خروجاً عن القواعد النحوية في موضع واحد (لا تخذلينني)
حيث لم يقم بحذف نون الأفعال الخمسة كعلامة جزم، بل أبقى عليها للحيلولة دون اختلال الوزن.
ونرى تعدداً في منابعِ الموسيقا الدَّاخليّة في النّص فتدرّجت من توازنِ الكلماتِ وتكرارِ بعضها واستخدام الكلمة بأكثرِ من صيغةٍ اشتقاقيّةٍ (يدور بعقلي ما يدور لعاقلٍ ) بالإضافة للإكثار من حروف الهمس (السين والفاء..) ،
رضيتُ لنفسي أن تَرِقّ لساعة.. عسى بعد عسرٍ من لظى الأسرِ لليسرِ..
مروراً باستخدامه للبديع كالتّصريع في البيت الأول ،المقابلة، الجناس[يسر،عسر] والطباق بنوعيه (السلب[أحبُّ ولا أحبُّ] ، و الإيجاب)
كأنّيَ في علمي جهولٌ ولا أعي.. وأنّيَ في جهليفخورٌ بـ لا أدري ..
وأنّيْ إذا أقدمتُ للموتِ خاسراً.. وأنيَ إذْ ولّيتُ في قمّة النصرِ
انتهاءً بتقديمِ أو تأخيرِ بعضِ الكلماتِ عن مواضعها
فما عاد لي حرفٌ يُطيعُ ولا يدٌ.. تخطُّ إذا ضاقتْ بآلامهِ صدري .
فهنا نشهد تقديماً واجباً لشبه الجملة (بآلامه) على المفعول به (صدري)
كما يجوز اعتبار الهاء في كلمة (آلامه) ضميراً عائداً على كلمة (حرف) والوجه الأول أولى.
إلى هنا ينتهي نقدي البسيط
وفي الختام، لا يسعني إلا أن أبدي إعجابي بهذه القصيدة الرائعة
مع خالص احترامي للكاتب المذهل The boss911
المفضلات