سيدي القاضي
لقد وجدت نفسي و أنا أستمع-أقصد و أقرأ- ما جاء في حيثيات المحكمة، تتجاذبني أمواج لكلى الضفتين، و احتجت للقراءة و المقارنة ما بين الردود عدة مراة، ووجدت أن الدفاع قد جلب عدة أدلة مرفوقة بمصادر تزيد من قوتها، لهذا أجد هذا التصرف من هذه الناحية تصرفا حكيما، و لم أقتنع إلى الآن أين المشكلة فيما تفعله اللغة العربية الفصحى، و قد قررت أن أشارك باقتباس من مقال قد قرأته و راقني كثيرا ما جاء به ، حيث لخص تقريبا ما جاء في كتابات عدة كتاب كبار تطرقوا لهذا الموضوع
اللغـة الفصـحى
تعرف اللغة الفصحى بأنها لغة الكتابة التي تدون بها المؤلفات والصحف والمجلات، وشؤون القضاء والتشريع والإدارة، ويؤلف بها الشعر والنثر الفني، وتستخدم في الخطابة والتدريس والمحاضرات، وفي تفاهم العامة إذا كانوا بصدد موضوع يمت بصلة إلى الآداب والعلوم[5].
ميزاتها
- =1= هي اللغة القومية لمائة مليون من العرب، ولغة الفكر والعقيدة لألف مليون من المسلمين.
- =2= اللغة العربية لغة اشتقاق تقوم في غالبها على أبواب الفعل الثلاثي، والتي لا وجود لها في جميع اللغات الهندية والجرمانية.
- =3= تتميز بتنوع الأساليب والعبارات، والقدرة على التعبير عن معان ثانوية لا تستطيع اللغات الغربية التعبير عنها.
- =4= هي أقرب اللغات إلى قواعد المنطق.
- =3= أعطت العربية حروفها الهجائية لمئات الملايين من الشعوب، في بلاد الفرس والهند والترك[6].
فضل القرآن على الفصحى
أسوق فيما يأتي قولا واحدا للدلالة على أثر القرآن الكريم على اللغة العربية، يقول فيليب دي طرزي: "لقد أصبح المسلمون بقوة القرآن أمة متوحدة في لغتها ودينها وشريعتها وسياستها؛ فقد جمع شتات العرب،ومن المقرر أنه لولا القرآن لما أقبل الألوف من البشر على قراءة تلك اللغة وكتابتها ودرسها والتعامل بها، ولولا القرآن لظل كل بلد من البلدان التي انضمت للإسلام ينطقون بلهجة يستعجمها أهل البلد الآخر. وقد حفظ القرآن التفاهم بالعربية بين الشعوب الإسلامية وبين العرب" [7].
علاقة اللهجات العامية بالفصحى
- أولاً: أوجه التقارب
بما أن كلا من اللهجات العامية والفصحى من أصول عربية، فلا بد من تشابه بينهما؛ لأنهما من صنع مجتمع عربيّ اللسان والتصميم. غير أن ما نأباه من تلك اللهجات أنها تناتيش لغات تهشمت، وأعقاب السنة لم تبلغ الأوج، وهي ترد العربية إلى الوراء حيث كانت القبائل متناكرة النطق، وتنقض الجهد التاريخي الذي أسلم العربية إلى صيغتها النقية الصافية[8].
- ثانياً: أوجه الاختلاف
- =1= العامية هي لغة السواد الأعظم لمجموعة من الناس، بينما الفصحى تقتصر على الخاصة.
- =2= تحرر العامية من التقييدات والأحكام اللغوية، لتنطلق علي سجيتها الكلامية باعتبارها اللغة المحكية بأحكام الصرف والنحو والألفاظ الدلالية المنتقاة.
- =3= من يتحدث العامية، ولا يقوى على القراءة والكتابة، يعاني صعوبة في فهم واستيعاب ما تعنيه.
- =4= افتقار العامية إلى مالا يحصى من المصطلحات العلمية والفنية، والمفردات المستحدثة،ولاسيّما مستلزمات التطور الحضاري والتقدم التكنولوجي[9].
أسباب ظهور العامية كمشكلة في العصر الحديث
إن سبب ظهور العامية كمشكلة في العصر الحديث، هي دعوات نادى بها بعض المستشرقين وبعض المستغربين، ممن وجهوا سهامهم طاعنة نحو الفصحى، فقد كان المستشرقان الفرنسيان ماسينيون، وبنيار رئيس البعثة العلمانية إلى الشرق، قد نصحا أصدقاءهما العرب بكتابة لغتهم بالحروف اللاتينية، وترك الفصحى[10].
وأما المستغربون فكان أبرزهم لطفي السيد الذي كتب عام1913 عدة مقالات في الجريدة يدعو فيها إلى استعمال الألفاظ العامية وإدخالها حرم الفصحى. وكذلك قاسم أمين الذي أعلن عام 1912 تصريحه عن الإعراب وتسكين أواخر الكلمات، ودعوة أنيس فريحة والخوري مارون غصن إلى استعمال اللهجة العامية مكتوبة بالحروف اللاتينية، وأصدر كتاباً في هذا المجال بعنوان "نحو عربية ميسرة" عام1955[11].
أثر التخلف السياسي على الفصحى
إن العزوف عن الفصحى وظهور العاميات بقوة على ساحتنا العربية هو نتيجة منطقية لتمزق الأمة وتشرذمها في عصور انحطاطها، وتقطع الأواصر بينها في السياسة والاقتصاد. لتصبح كل دويلة شعباً مستقلاً يباعد الزمن بينه وبين أشقائه، ويقل تبعاً لذلك الاتصال الفكري والاجتماعي، وتتقوقع كل دويلة على نفسها في بيئتها الضيقة المحدودة، ويتولد من ذلك تفكك اجتماعي يتبعه تفكك لغوي منحدر[12]. وهذا ما يؤكده الأفغاني حيث يقول: "هذا هو منشأ اللغات العامية تجلى أعراضاً مرضية لا تعرفها الأمة في صحتها وقوتها ووحدتها"[13].
الدعوات الهدامة
لقد ثارت في العصر الحديث معركة بين أنصار الفصحى ودعاة العامية وسميت دعوات استخدام العامية وترك الفصحى بالدعوات الهدامة. وقد ظهرت المشكلات الآتية:
أولاً: الدعوة إلى استخدام العامية
كان من أبرز الدعوات إلى هدم اللغة واستخدام العامية بدلاً منها، دعوة المستشرق وليام لكوكس، مهندس الري البريطاني الذي بدأ دعوته من خلال محاضراته التي نشرت في مصر عام1893. تبع ذلك دعوة القاضي ويلمور، الذي أهاب بأبناء مصر إصلاح لغتهم وكتابتها بالعامية، وكان ذلك سنة 1951.
ثانياً: الدعوة إلى استبدال الكتابة واستخدام الحروف باللاتينية
ومن ذلك نصائح المستشرقين لأصدقائهم العرب بأن إصلاح الخط العربي لا يكون إلا بتنحيته جانباً. والكتابة بالحرف اللاتيني بدلا منه، بدعوى أن الغاية إفهام السامع، فان تم فذاك قصد اللغة. وكذلك زعمهم بأن الكتابة بالحروف اللاتينية مختزلة مختصرة في حين أن الكتابة بالحروف العربية صعبة؛ لتعدد أشكال الحرف الواحد، ولكثرة الحروف المتشابهة في الرسم، كذلك افتقار العربية إلى العديد من الحروف الموجودة في اللغات الأخرى [14]. ففي مستهل القرن العشرين أراد الإنجليز تعلم العربية، ولكنهم وجدوا صعوبة بالغة في ذلك فكانوا كما قال عنهم يوحنا أهنتين كرسكو: "الإنجليز مشهورون بعدم استطاعتهم تعلم لغات الأجانب إلا بمشقة مبرحة، وهو السبب الذي يحملهم على أن يحجموا عن تعلم لغات غيرهم من الشعوب، ويتقاضوا إلى أن يتعلم العالم كله لغتهم ويعرفها".فغرور القوي زين له أن يجعل من الشعوب العربية والإسلامية يقلبون كتابتهم من اليمين إلى الشمال، ومن الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني؛ ليريحوا رجالاتهم وأذنابهم من عناء تعلم العربية [15]. وقد استجاب ضعاف النفوس وصغار العقول لهذه الدعوات، ناهيك عن المشبوهين في خلقهم ووطنيتهم، وشملت نشاطاتهم الدينية كلا من ساحل الشام (لبنان)، ومصر، والمغرب في فترات متقطعة [16].
ثالثا: تيسير الكتابة العربية
من أخطر الدعوات التي وجهت للغة العربية تحت ستار تيسير الكتابة العربية دعوة عبد العزيز فهمي أحد الأعضاء البارزين في مجمع اللغة العربية في القاهرة، فقد قدم للمجمع سنة 1944 مشروعاً ينطوي على الكتابة العربية بالحروف اللاتينية، ودعوة أنيس فريحة التي هاجم فيها اللغة العربية ودعا إلى هجرها [17]. وفي المقابل ظهر نمط آخر من دعاة العامية من محبي اللغة العربية والغيورين عليها بصفتها وضعت للحياة لا لتركن في زوايا الإهمال، وعلى رأس هؤلاء طه حسين الذي قدم أطروحته التي تبين الطريق للحفاظ على سلامة العربية بحيث تكون مقربة من العامية في يسرها، بعيدة عنها في استهتارها وتملصها. وذلك بتأهيل الكوادر الإعلامية في الإذاعة والتلفزيون والمسرح، وتفادي الأخطاء السابقة في تيسير العربية، إشاعة الفصحى المبسطة في الأغنية والمسرحية [18]. وقد سار عبد الكريم خليفة على نهج طه حسين وأضاف لمنهجه في الحفاظ على سلامة اللغة معالجة مشكلة المصطلحات في اللغة العربية، وحل مشكلة نحو، اللغة وصرفها، وإنشاء مجلدات تستوعب الفصيح وغير الفصيح [19].
أنصار الفصحى
لقد انتصر للفصحى مجموعة من العلماء العرب والمستشرقين تذكر المراجع عددا منهم:
مصطفى صادق الرافعي
فقد عارض رؤية لطفي السيد التي دعت إلى استخدام العامية قائلا: "إن في العربية سراً خالداً هو هذا القرآن المبين الذي يجب أن يؤدى على وجهه الصحيح، وإلا لزاغت الكلمة عن مؤداها. فكيفما قلبت اللغة العربية وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة عن تاريخها"[20].
عمر فروخ
أكد رؤية الرافعي وأضاف قائلاً: "فاللغة علاوة على كونها أداة التفاهم، فهي جامع موحد للقومية بأوسع معانيها وسياج للأمة وصلة بين ماضيها وحاضرها، وطريق مستقبلها وعنوان ثقافتها، فإذا كانت الأمة قديمة اللحمة في التاريخ، واضحة النسب في المجد، كانت أحرص على ماضي لغتها، لأنها لا تريد أن تفرط بشيء من تاريخها، فإن الأمة إذا بدأت تنسى تاريخها سهل على الحوادث أن توزعها بين الأمم المختلفة الطامعة بها، أو الطاغية عليها من كل جانب"[21].
الأب صالحاني علي
فقد رد على الخوري مارون غصن قائلا: "إن السبب الذي أوقع الكاتب في الخطأ هو أنه افترى في العربية لغتين؛ الأولى فصيحة، والأخرى عامية. وليس هذا بصحيح؛ لأن اللغة العربية لغة واحدة. أما ما يسميه لغة عامية فليس إلا الألفاظ والعبارات التي يستعملها الكتاب والأدباء، فالعامية نستعملها ممزوجة بالأخطاء، ولها لهجات في الحركات عند التكلم تختلف باختلاف البلدان شرقاً وغرباً سهلاً ومدينة وقرية، ولا قاعدة لهذه الأغلاط واللهجات التي تسير العامية بموجبها"[22].
يوهان فك الألماني
بين يوهان فك رأيه قائلا: "لقد قامت الفصحى في جميع البلدان العربية والإسلامية رمزا لغويا لوحدة العالم الإسلامي في الثقافة والمدنية. لقد برهن جبروت التراث العربي الخالد على أنه أقوى من كل محاولة يقصد بها زحزحة العربية عن مقامها المسيطر. وإذا صدقت البوادر ولم تخطئ الدلائل، فستحفظ العربية في هذا المقام العتيد من حيث هي لغة المدينة الإسلامية"[23].
ميليه
يؤكد ميليه أن الجهود التي بذلها المستشرقون والمبشرون، والمكانة الحضارية التي كانت بها الشعوب النصرانية لم تخرج أحداً من الإسلام إلى المسيحية، بل كانت النتيجة أنه لم يبق لغة أوروبية واحدة لم يصلها شيء من اللسان العربي[24].
بروكلمان
يتحدث بروكلمان عن فضل القرآن على اللغة العربية حيث بلغت العربية بفضله من الاتساع ما لا تكاد تعرفه لغة من لغات العالم، فالمسلمون جميعاً يؤمنون بأن العربية هي وحدها اللسان الذي أحل لهم أن يستعملوه في صلواتهم، وبهذا اكتسبت العربية مكانة رفيعة فاقت جميع لغات الدنيا الأخرى[25].
المفضلات