سمو بالرحمن ولا تفزعو تراه مشهد خيالي ..
وسط سكون المكان ارتفعت أصوات أقدام ضعيفة تزداد قوة برتابة ، كأنها تعذبها كانت تسمع الأصوات حتى في حلمها فترتجف بضعف ،
فتحت عينيها لترى يدها الهزيلة خالية من اللحم الذي ملئ جسدها ذات يوم من يصدق أنها لم تصل الأربعين ، الظلمة كانت أهون الأمور
هنا ، حتى يبدأ الصراخ !
فور أن صارت نغمة النعال والأقدام لمستوى معين علمت أنهم وصلوا ، استقامت بجلستها واحتضنت الفراغ عاقدة يديها وفركت كتفيا
علها تتدفأ قليلا وهي تنظر لثلاجة الموتى أمامها حيث يستقر نصفها الآخر ، ذلك الذي بذلت كل شيء لإرضائه ، سمعت صرير الباب
حيث فلذة كبدها الوحيد هناك ، اتسعت عينيها كي تشبع للنظر مما حولها قبل أن يغرق المكان بالظلام ، وبدأت تترقب بعد أن فكت عقدة
يديها ، ومع أول أصوات العويل شدت يديها وازداد وجهها بؤسا ، لم تكن لترى وجهها كيف أصبح ، ذلك الوجه الحسن الذي كان سبب
حصولها على جرعات العذاب هذه ، لم يكن هذا فحسب فقد عمدت في التلاعب على والد زوجها ثم تزوجت ابنه لتجعله يحرم منها للأبد
فكان هذا هو النتاج حين قبض عليهم بعد ملاحقة مريرة ، زوج ميت معلق في ثلاجة الموتى وولد لم يصل لسن بالبلوغ أو يقربه بعد
يتعذب ولا تعرف منذ متى حتى .
أرادت البكاء لكن لا ماء في جسدها إلا ما يبقيها حية لذا لا دمع ينزل ما يعذبها أكثر في هذه الظلمة حيث لا تحس إلا بجسدها الملفوف
بخرقة بالية مقطعة ، وجسدها كله جروح ، قريبة من جثة حبيبها ، وابن يصرخ يوميا (لا توقفوا ، ماذا فعلنا ؟ أرحمونا يا بشر ،
أرحموا حيوانات واجعلوها تعيش في حالها ، لا نريد أكثر من ذلك توقفوا ، توقفوا ، أين أبي ، أين أمي )
ويبدأ بالعويل وقت الجلد ، بشكل متكرر ..
يتضاءل شعورها بجسدها متزامنا مع شدة الصراخ والعويل ، والسوط يضرب وقلبها يهوي متذكرة أفعالها التي أوصلت ولدها لحاله هذا ،
لم يهمها سوى الكلمات التي تتذكرها تماما (موتك طبيعيا فيه نجاته ، انتحارك يعني قطع علامة ذكوريته ورميها عاريا في وسط زحام ،
مخزيا وأهله موتى وقرابته الوحيدة هو سبب شقاءه )
فكرت وقد فقدت قدرتها على الارتباط بالواقع حيث لا يوجد سوى صوت العذاب ، لا شيء يضاهي ألم الأم ، فكيف بأم فقدت حواسها إلا
اللمس والسمع ؟ فمها مغلق تماما حتى لا تصدر نسمة تفرج عن عذابها ، وبصرها لا يمكنه رؤية من تشتاق له ، إلا جثة هامدة تنظر
لها أوقات الإضاءة الخافتة ..
لقد محيت كل أيام السعادة فلا يمكنها تذكر شيء ، ودت لو تتذكر شكل وليدها ، لا شيء سوى الصوت والظن بشبهه من الجثة التي
بقربها ..
تتلمس جسدها أحيانا ، لربما تتذكر جسده فتمتنع حين يعيد لها ذلك ذكريات شنيعة هي ما سمح لها بتذكره ، البراعة والاتقان كانت شيم
الشيطان الذي لعبت معه وتراقصت على انغامه ، رعبها ليس من الصوت ، بل مما يفعله به ، وعدها أن يعيش ولدها جحيما في حياته
ولكن سيخرج حيا بعد موتها ..
لم يقتلها عدم وجود طعام لأيام ، ولا رعب الصوت ولا الذكريات المخيفة ، كل ما هنالك أنها ماتت بفضولها (ماذا يحدث له ) ، ماتت وهي
عدت دهرا ولم تكمل حتى شهر ، ولم تعلم أن ولدها لم يتلقى ضربة قط ..
لا تقرأه قبل النوم ، وأقرأ المعوذانان والإخلاص مع آية الكرسي قبل القراءة < كان قلتها في البداية بعد ما انتهوا تنصحهم !

المفضلات