
بسم الله الرحمن الرحيم :

أنا أقرأ هذا الموضوع , و أذكر القصة التي قرأتها مؤخراً ..
قصة لأحد مشاهير الكتاب , يتحدث فيها عن إعدام شخص , بغض النظر عن جريمته , و يصف الشعور السيء الذي أحاط بمنفذي حكم الإعدام بسبب قتل الرجل
حاول هذا الكاتب أيها السادة , أن يقوم بخطوة لمحاولة تجريم الإعدام مهما فعل صاحبه ..
بالشعور الموحي أن الأمر : ضد الإنسانية ..
لحظة
هل هو ضد الإنسانية حقاً ؟
إن الحكم البشري على شيء يا جماعة , يقوم على تصور البشر لهذا الشيء ..
لكن السؤال هو : ما مدى فهمنا للواقع ؟
كاتبنا المرموق هنا , ركز على " الإنسانية " , متجاهلاً ما فعله هذا الرجل , يعني أنه تجاوز الضرورات الاجتماعية التي ربما قد يقتضيها الواقع .
لا أظن أحداً هنا , حين التحدث عن الإعدام لجريمة تتطلب ذلك , سيعارضه , فهل تعارض قتل القذافي ؟ أو في المستقبل قتل بشار ؟
نعم , القصة التي أتحدث عنها كانت مؤثرة جداً و مهمة , لكنها تركز في قطعة واحدة من الصورة و تنحصر فيها , و هي المشاعر , بل مشاعر الذي سينفذ بحكمه الإعدام , و من معه ممن ينفذ الحكم , و تتجاهل كل الضرورات
البشرية لحماية المجتمع و كل مشاعر الناس في المجتمع .
القتل الرحيم ... فلنسأل أنفسنا يا جماعة , و لنبدأ بسؤال عقائدي :
كمسلمين , نؤمن بالحكمة الإلهية المطلقة , و القدرة المطلقة على فهم كل صغيرة و كل كبيرة للواقع الذي خلقه الإله ,
يفترض أن يكون هذا الإيمان بصفات الإله من مُسَلَّمَاْتِ الإيمان .
" مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ
"
هذا هو التقرير الإلهي المباشر , يخاطبنا و يخبرنا كيف جاءت لقوم قبلنا البينة , و أسرفوا ..
" وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا "
لو تأملتم يا سادة , أليس هذا المصطلح , أكثر ما يصلح له , هو أن يُلْصَق بالأطباء ؟
لَقَدْ حَدّدَ القرآن بشكل صريح و مباشر , أن القتل جريمة
و السؤال الأول هو : كيف سيكون جوابنا على هذا التقرير ؟
" آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
"
نعم أيها السادة , نحن نؤمن بحكمة إلهية و إدراك محكم للوقائع , بني الحكم عليه , لهذا فنحن لن نخالفه , لكن يحق لنا محاولة فهم و لو القليل من هذه الحكمة .
ننتقل للسؤال الذي يليه :
أولاً , سأقتبس من البعض ..
اسمح لي سيد S a G a N :
بدل أن نتفلسف بالحلال والحرام والدين والأخلاق .. فكروا معي قليلا ... مغيبون عن العالم الخارجي .. غير قادرون على الحركة .. الغذاء يدخل عن طريق الأنابيب من الأنف .. ضعف في عضلات القلب .. حمى مستمرة ومتجددة ... التنفس بصعوبة ويتم ادخال الهواء إلى أجسادكم بالأقنعة ، المرض يفتك بكل خلية من خلايا الجسد وأصوات صراخكم تتعالى ودموعكم تخرج منكم من غير ارادة منكم من شدة الألم ، تتمنون حصول أي شيء وقدوم الموت سريعا ليخلصكم من عذابكم ، أغمضوا عينكم وتخيلوا أنفسكم كذلك لمدة خمس دقائق فقط ..
يعتقد البعض شخصيا أن إجراءات الموت الرحيم التي تتم المصادقة عليها هي عبثية واستهتار بحق الحياة إلخ ، فالموافقة على هذا القرار تأتي بعد إجراءات قانونية معقدة قد لا تسير في الهدف المرغوب وهو " القتل الرحيم للمريض " وهذا على حالات ميؤوس منها وتم اثبات ذلك من قبل لجنة طبية مختصة ويتم ذلك عن طريقة هيئة محلفين , مختصة تتولى أخذ قراراتها بالتصويت,ولا تصلها القضية للفصل والبت بها ,إلاّ بعد المرور في دهاليز قانونية ,وبيروقراطية وطبية,صارمة جدا ولها شروطها الخاصة .
و الآن , من المحترم صاحب الموضوع ..
مالذي يجعل الحياة تستحق العيش, أن كنت لا اشعر لا بجمالها وحياتي كلها أعيش على سرير أنتظر الموت؟
وهل يوجد فعلا فرق بين الموت بشكل طبيعي أو الموت الرحيم أن كانت النتيجة النهائية للموضوع هو الشيء نفسه؟
" تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلا وَأَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً "
"إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً ، فَتَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ "
صححه الألباني
فهل توجد أمراض مستحيلة ؟ , لا .. لكل مرض دواء , و الذي خلقها أدرى بعلاجها ..
يستطيع الله علاج هذه الأمراض , و كم سمعنا من معجزات طبية حصلت ..
بل كم سمعنا من اناس استفاقت من غيبوبتها .... و لو بعد عشرات السنين ...
فلو كان المرض قابلاً للعلاج أليس البحث عنه , و التعرف عليه اكثر اهم بكثير من القتل الذي يعد استسلاماً ؟
المريض الذي يتألم , نحن لا دخل لنا بشعوره إن لم نستطع تغييره , و الله يرسل اليسر مع العسر , فتحمل المرض يأتي مع المرض ,
و ليس على صاحبه إلا التوكل و الإرادة ..
الآن , فلنوسع الصورة أكثر من ذلك بالتفصيل في سؤال الكاتب :
هل يوجد فعلا فرق بين الموت بشكل طبيعي أو الموت الرحيم أن كانت النتيجة النهائية للموضوع هو الشيء نفسه؟
سؤال جيد , لكن جوابه كالتالي :
إن النتيجة تختلف مثل اختلاف جهنم عن الجنة , فنهاية المسار ليس ما نراه و نسمعه بحواسنا فقط .
و إننا حين نعود للدين للحصول على الجواب , يفترض أن نأخذ ما يقرره الدين بعد ذلك ..
الآخرة واقع , المريض الذي سيعذب بمرضه , سيخف عنه عذاب الآخرة ! , فلا فائدة من إرساله للآخرة , ليزيد عذابه !
مثال آخر لتوسيع الصورة , هو إحدى التساؤلات المهمة المطروحة من قبل الأخ S a G a N :
غالبية الحكومات رغم الميزانيات الهائلة يكون القطاع الصحي ضعيفا في الاهتمام الصحي بالمواطن ، وتستخدم بكثرة الحجة البيروقراطية الدائمة " عدم كفاية الأسرة " ، تاركة المواطنين تحت رحمة المستشفيات الخاصة التي هدفها الرئيسي هو امتصاص كل قرش من جيب المريض وذويه ، فماذا سيفعل أهل المريض بمريضهم المستعصي علاحه والذي يطالبهم المشفى الخاص بميزانية تكسر ظهورهم كلهم ولا توجد بشائر مطلقا على التماثل للشفاء ؟
حين نقول أن الإسلام يمنع القتل الرحيم ( المسمى زوراً بالرحمة ) , ألا يمنع الإسلام أيضاً مثل هذه الظواهر على الأرض ؟
ألا يفترض بالجميع أن يعيش حياة سوية ؟ , لماذا نأخذ بما يفترض على أهل المريض فعله , و نتناسى الحكومات و المؤسسات ؟
لماذا نعتبر تغييرها أمر مستحيل و كأنه من المسلَّمات ؟
يفترض العمل على تغيير هذا الواقع , الإسلام يخبر اهل المريض بالنفقة على قدر طاقتهم , و من يصبر منهم و يتق الله يجعل له مخرجاً و يرزقه من حيث لا يحتسب ..
لكنه أيضاً يطالب الناس , بالتكافل الإجتماعي , و العمل على تغيير هذا البؤس و الذل الحاصل لملأ جيوب بعض المتخمين بالحرام .
الخلاصة :
لا للقتل عديم الرحمة !
و نعم للعمل على إزالة أسبابه !
المفضلات