em_1f636
<< الـقـــدر الــحـائــــــر | Gundam Wing >> << أُهـديــكَ عـُــمْــــراً >>
ستكون بصمتى التى أتركها ورائى و أتابع مشوارى ،،
فربما إن تتبعتم أثرى من خلالها .. تلحقونى
خمس دقائق فقط على نزول الفصل ^_^
بإذن المولى فى الرد القادم
*
ثم أعاود الرد على باقى التعليقات إثره
السلام عليكم يا سكان كوكب الأرض
ندوووووو كيف حالك اشتقتلك تخيلي، أنا بختفي و بظهر في اللحظات الحرجة
شر ياعيني و دهاء غير مسبوق![]()
}} الحمدْلله ع سلامتك من الأحداث الدائرة بمصر الله يحميكم ياربْ
أنا متضررة جداً من هالموضوع عشان رجعتي مرة تانية بعدْ العيد للجامعة بفلسطين
ان شالله تتحسن أوضاع مصر بإذن الله {{
.
.
.
سمعتْ انو في بارتصحيح هالحكي
~
الـفـصـل الـثـلاثـون
لـم أعـد أحـتـمـل الـمـوت
من الذى أعطى للسواد هيبته ؟!
و من الذى وهبه عتمته ؟!
من الذى يجبرنى على لف نفسى به و أنا من عشقت الأبيض زمناً طويلاً !!
أترانى فهمت الآن معنى الموت ؟! أترانى فهمت كيف يُقرن الأسود به ؟!
ظلام الفضاء دائماً ما ظننته حالكاً ، و لكن لم أصدق أن بحياتى قد أشهد ظلاماً أشد حُلكة ، و سواداً أكثر عتمة ، و لكن تتابع الدنيا أفعالها العكسية معى ، لأعيش واقعاً جديداً لا أبالى به ، و لكن أسير فيه مُسلِمة للشواطئ التى ترحب بمرساى ..
ميتة أنا ..
ولا أملك غير موتى ..
~ * ~
أستشعر طلة الصبح مع هذيانى ، أوهام تكتنفنى و كأننى مجنون هارب من محكمة العقلاء ..
’’ وجهها كالقمر فى طلته ، بل البدر بعرشه قد اقتبس نوره منها ، خصلات شعرها تجسد منها ضىّ الشمس ، مبعثرة حول وجهها بعفوية ، و نظراتها ..
بلون عينيها المكتسيتان بالبراءة الشقية ، تنظر بشئ من الألم المستكين ، تبعثر نظراتها حولى ، تتقصدنى بمرماها و ما أنا بمدافع عن المرمى ، تنشر فى المحيط توهجاً دافئاً ، و لون وجنتيها النضرتين مجلوتان بلون الزهر ..
شفتاها تنبضان خجلاً و هى تعض عليهما ارتباكاً واضحاً أترجمه دون أن تعلم ، برونقهما الرقيق الهادئ ، و كأنهما خجِلتان من الهمس باسمى ..
كطفلة شقية أضاعت دميتها و تبحث عنها ، تخشى أن تنساب مقاومتها فتبكى ، أو يغالبها العناد فتكابر ..
و تقترب منى ..
و تقترب منى ..
و أفتح أنا عينى .. لأحدق بالسقف ..
حررت نفساً قوياً أعجب لأنه لم يهدم الغرفة فوقى ، و تقلبت على الجهة الأخرى ، أطرد أو أطارد أثار النوم الكاذب علّه يحتوينى أو يفارقنى ، و أبقى محدقاً فى الحائط الأبيض أمامى ..
أتناول هاتفى المرتمى معى على الفراش دون أى اهتمام ، لأضغط أزرار متتالية و أنتظر لثوانِ قبل أن يأتينى صوت رقيق ، لأجيب : " صباح الخير .. أجل أنا بخير ، كيف أنتِ ؟ "
تمتمت المعنية بالأمر بعبارات قصيرة ، قبل أن أعتدل بجلستى فوق الفراش ، مسنداً ظهرى و هاتفاً : " جين .. هلا أسديتِ لى معروفاً ؟! "
ابتسمت بعد برهة هاتفاً : " لن أنسى لكِ هذا أبداً "
تمتمت بعد لحظة : " إذن ، أراكِ بعد ساعة "
أنهيت المكالمة بشئ من التشتيت الذهنى .. و أنا أحدق بالمرآة القريبة ، انعكاس قميصى الأسود الذى نمت به البارحة ، و خصلات شعرى التى تحتاج لتهذيب ..
اليوم ، لابد و أن أبقى مُشتتاً ذهنياً !
~ * ~
أمأت برأسى بإجهاد و نوين تتابع : " هل أنتِ واثقة ؟! "
عدت أومئ برأسى من جديد ، مرددة : " لا تشغلى بالك ، أنا بخير ، فقط دوار خفيف "
عادت تردف : " و لكن احتفالية اليوم هامة و يجب أن تكونى بكامل تركيزك عزيزتى "
اعتدلت بجلستى فوق الفراش و أنا ابتسم بخفوت مرددة : " نوين .. صدقاً أنا بخير ، لا تقلقى "
أماءت برأسها استسلاماً لرغبتى ، قبل أن تستدير جهة باب الغرفة ، لأتخلص من بحة صوتى و أنا أهتف : " صحيح .. "
استدارت نحوى من جديد ، لأهتف : " بأى ساعة ستذهبا ؟! "
طرفت بعينيها مرتين لأتابع أنا : " أولم تتفقا أنتِ و ليو على تناول العشاء خارجاً الليلة ؟! "
ابتسمت بهدوء مرددة : " لا بأس فى ذلك ، سنؤجل الأمر لحين أخر "
حدقت بها لبرهة قبل أن أطرق برأسى بغصة تحتوينى ، هامسة : " نوين .. رجاءاً "
تابعت بخفوت و يدى تقبض على غطاء السرير : " أخر ما أحتاجه هو أن تفسدا سهرتكما بسببى "
تحركت خطوتين مقتربة منى ، تلف حول السرير حتى تستند بيديها على كتفى ، هامسة : " عزيزتى ، لستِ السبب "
رفعت رأسى بقلة حيلة ، لتبتسم هاتفة : " فقط هناك بعض الأعمال التى يجب أن ننتهى منها اليوم و لا تستدعى التأخير "
ابتلعت غصتى مرددة : " نوين لا تتعذرى بالأعمال "
قاطعت حديثى هاتفة : " لايزال هناك الكثير من الليالى لنسعد فيها جميعاً ، فقط أخبرينى أنتِ .. "
تحركت قليلاً لتجلس إلى جوارى ، هاتفة : " تبدين شاحبة .. هل حدث شيئاً البارحة ؟! "
تجاهلت انقباض بصدرى و أنا أحول أنظارى عنها ، متأملة غطاء الفراش بشئ من الدوار ، و هامسة : " أجل "
رفعت يديها لتمسح على شعرى هامسة : " ما الذى حدث ؟! "
ابتسمت بإرهاق و أنا أردف : " كل شئ "
دون أن أكلف نفسى عناء العناد ، تركت رأسى ترتاح على كتفها ، هامسة : " نوين .. لم أعد أستطيع المتابعة "
شعرت بغشاء لامع يكسو رؤيتى ، لأتجاهله و أهمس : " و كأننى بكل يوم أقترب أكثر من نهاية أيامى "
مسحت يدها على خصلات شعرى ، تضمنى و كأننى ابنة لها ، هامسة : " لا ترددى مثل هذا الكلام .. سيكون كل شئ بخير عزيزتى "
" لن يكون خيراً أبداً "
همست بها و أنا أفقد تمالكى على نبرة صوتى ، لأتابع : " أنا لست على قيد الحياة يا نوين .. لم أعد أريد العيش من بعد ذهابه "
اعترفت أخيراً بما يقتلنى ، لتتحرر منى أول دمعة على كتفها ، تاركة دمعات أخرى ترافق سابقتهم ، و هامسة من بينهم : " كيف لحالته أن تكون يا نوين !! "
ضمتنى إليها أكثر و هى تستشعر اختناق عبارتى ، لأغالب شهقات مكتومة ، و أتابع : " أنا قتلته .. قتلتنا معاً "
بعثرت دمعاتى و كأننى أنكر حقيقة تفرض واقعاً ، هامسة : " و لكننى كنت بحاجة إلى بعض الوقت لأستدرك كل شئ "
دفنت رأسى أكثر ، متمتمة من بين ما أذرفه من دمع و شهق : " لم أقصد أن أتركه يذهب ، أقسم أننى لم أقصد ذلك .. و إن علمت أنه سيذهب لبقيت صامتة و لرضيت بما يحكم هو به ،، و لكننى لم أجد مخلصاُ من قهر الماضى .. ماذا كان يريدنى أن أفعل !! "
ضمتنى أكثر و يدها تتابع احتواء رأسى ، لتهمس بنعومة صوتها : " عزيزتى لا تحملى نفسك اللوم .. فعلتِ ما كان بوسعك لتجدى مخرجاً من الألم "
حاولت إبعادى قليلاً دون أن تفلح ، لتعود تضمنى هامسة : " يكفيكى ألماً عزيزتى .. لستِ مُلامة على شئ "
دون أن أحاول أنا تصديقها ، تابعت ذرف دمعات حملتها بملقتىّ مطولاً ، هامسة بكل ضعفى : " أريد أن أموت يا نوين "
" أريد أن أموت "
أحاطتنى يد و الأخرى قد شدت رأسى بحنان أستشعر فيه قوة ، و صمت أتحسس من ورائه ألماً ، لأجد نفسى بصدر لا مثله يحتوينى ..
أحاطتنى ذراع أخى و هو ينتشلنى من صدر نوين ، ضاممنى إليه بتمالك لا يريد أن يفتت ، تاركنى أذرف ما تبقى من دمعات تُصر على اصطحاب شهقات متمردة من صدرى ، نحيب أكره أن يصدر منى ، و لكن عندما يصل الخنجر الذى تطعن نفسك به لصميم روحك ، تفقد معه كل مبادئك فى القهر و الموت ..
دفنت رأسى بين دفء أحضانه و يده تشدنى إليه ، محتوينى كطفلة تطلب أمان أبيها ، أو كمراهقة خائبة بأمالها لا ترجو سوى صدر أخيها مسكناً لدمعاتها ..
ضمنى أكثر دون أن يتفوه بكلمة ، تاركنى أتنسم عبقه الحانى من بين غشاوتى الكونية ، و كأن بدفء صدره إكسير للألم و القهر ، بدأت نهاية مطاف دمعاتى تتضح و أنا أهدأ شيئاً فشيئاً ، ليعود يمسح على شعرى بهدوء ، و كأنه يريدنى أن أُخرج كل ما أقدر عليه من الم ليحمله هو عنى ..
رفعت رأسى قليلاً بانكسار حرر دمعاته ، مطرقة نظراتى ، ليرفع أخى يده ، منحياً خصلات شعرى جانباً و محدقاً باحمرار عينىّ ، قبل أن يطبع قبلة طويلة على جبهتى ، عاد يضم رأسى إليه من جديد ، يُخفى عنى ما قد أراه فى عيونه من صمت مقهور ..
ابتلعت أخر أنفاسى المقتولة و أنا أرفع رأسى بشئ من الإستكانة التى دائماً ما أكتسبها من صدر أخى .. هامسة : " سأتأخر هكذا "
واجهنى بنظراته أخيراً ، ليهتف : " ألاتزالين مُصرة على الذهاب ؟! "
أمأت برأسى هاتفة : " أنتما أيضاً لابد أن تذهبا لسهرتكما "
مسح على شعرى هاتفاً : " عزيزتى ، دعينا نبقى اليوم جميعاً هنا إلى أن تتحسنى قليلاً "
ابتسمت بشحوب هامسة : " أنا بخير ، لا تشغل بالك ، فقط لا تؤجلا سهرتكما لأجل أى شئ "
ابتسم بشحوب و هو يحدق بعينى ، هامساً : " لأجلك فقط "
ابتعدت عنه لأمسك بيده ، مبتسمة بوجهه و هامسة : " أرجوك "
تلجلج اسمى على شفتيه ، لأشجعه بقبلة على خده ، هامسة : " اذهبا "
رفع أنظاره نحو نوين من خلفى ، لتقترب منى تمرر يدها على شعرى ، مرددة : " لا بأس عزيزتى .. فقط كونى بخير "
ابتسمت بشئ من الراحة هاتفة : " لا تشغلا بالكما ، فقط استمتعا "
تحركت خطوات قصار جهة المرآة هاتفة : " أنا سأراجع بعض الملفات المتعلقة باحتفالية اليوم و أجهز نفسى للذهاب مع باجان "
أماء ليوناردوا برأسه و هو يتحرك من فوق الفراش ، ممسكاً بيد نوين و هما يتجها لباب الغرفة ، هاتفاً : " انتبهى على نفسك عزيزتى "
أمأت برأسى تاركاهما يتوجها للخارج ، إلى حيث يجهز كل منهما نفسه ، و حيث أستطيع أنا الأخرى الإنفراد بدمعاتى التى لم تولد بعد ، أو التعمق بفلسفة جديدة فى الموت !
~ * ~
ابتسمت بامتنان هاتفاً : " شكراً جزيلاً لكِ يا جين ، لا تعلمى مقدار امتنانى "
ابتسمت ابتسامة خجولة و هى تخفى أنظارها خلف شاشة حاسوبى الذى يستقر على قدميها ، هاتفة بنبرة رفيقة : " لا عليك سيد يوى ، أنا سعيدة لمساعدتك "
تمتمت و أنا أعود بأنظارى نحو ملفات عدة أمامى : " تعلمين .. اسمى هيرو فقط "
ضحكت بخفة مرددة : " لا عليك يا هيرو "
رفعت أنظارى نحو الساعة المُعلقة و عدت بها نحو عينيها الخضراء و شعرها البُنى القصير ، هاتفاً : " تعدت الرابعة عصراً .. لم أشعر بمرور سبع ساعات كاملين !! "
رفعت أنظارها نحو الساعة و عادت تواجهنى بشئ من الدهشة مرددة : " ولا أنا !! "
بدأت ألملم الملفات هاتفاً : " هل ترغبين بتناول الغداء ؟! "
طرفت بعينيها مرتين قبل أن تهتف : " تبدو فكرة جيدة "
عدت أعقب : " إذن ، ما رأيـ .. "
" ما هذا !! "
عادت بأنظارها نحو صوت خفيف أصدره الحاسوب ، لتتمعن فى شاشته قبل أن تهتف : " أحدهم يتصل بك "
أدارت الحاسوب جهتى لأمرر عينى سريعاً و أنا أمد يدى أضغط على أزرار قليلة ، مبتسماً و مردداً : " مرحباً جاك "
" تبدو سعيداً اليوم و كأن مشاكل العالم كله قد حُلت "
طرفت بعينى على عبارته و هو يتابع : " متى موعد طائرتك ؟! "
تنهدت بيأس مردداً : " جاك .. انتهينا من هذا الأمر ، قلت لن أذهب "
فغر فاهه بشئ من الإندهاش معقباً : " أنت تمزح يا هيرو !! لا فكرة لديك عن أهمية المنصب الذى سيوكل إليك !! "
تنهدت بقوة مردفاً : " جاك لا تثير غضبى ، انتهينا من هذا الأمر !! "
هز رأسه غير مصدقاً هاتفاً : " كما تشاء ، و لكن تذكر أننى حذرتك .. ستعود مشتاقاً بنهاية المطاف "
تحررت شرارة عينى بتهديد واضح ، ليدير أنظاره عنى هاتفاً : " حسناً ، دعنا ننهى هذا الأمر .. أخبرنى ، هل جين معك ؟! "
رفعت أنظارى نحوها قبل أن أعود نحو جاك و أنا أدير شاشة الحاسوب نحو أخته ، هاتفاً : " أجل "
ابتسمت جين و هى تلوح بيدها بخفة ، هاتفة : " مرحباً جاك "
ابتسم أخاها هاتفاً : " تبدوان بأفضل حال ، ما خطبكما ؟ "
تبادلنا نظرات مستفهمة قبل أن نعود نواجه الحاسوب هاتفين : " لا شئ "
انطلقت ضحكة خفيفة من جاك مردفاً : "حسناً حسناً .. ماذا تفعلان ؟ "
حررت نفساً قوياً مردفاً : " ماذا سنفعل برأيك ! ننهى تعديلات الدفعة الأولى من التصميمات الأولية لهذا العام "
فغر جاك فاهه مردداً : " تنهيا ماذااا !! "
ابتسمت جين هاتفة : " أنا أيضاً تفاجأت مثلك ، هيرو يملك قوة عقلية ليست طبيعية أبداً ، أنهى تصميمات الدفعة الأولى جميعها بغضون ساعات ، بل و بدأ ببرمجتهم المبدئية ! "
" و تقول لى لم أعد القائد صفر !! "
حررت نفساً قوياً و أنا أعتدل بجلستى على الكرسى ، هاتفاً : " يتبقى التوقيع على العقود بيننا ثم ننطلق "
ابتسم جاك هاتفاً : " أواثق من أننا سنلحق بركبك ؟ "
طرفت بعينى هاتفاً : " ماذا تقصد ؟! "
قهقه بخفة مردداً : " أبداً ، لست معتاداً على بذل جهد مساوى لجهد جندى كاندام ، أنت أعلم بكسلى "
شدت قبضتى غيظاً مردفاً بحدة : " جاك ، أخبرتك أننى لم أعد ذاك الجندى "
رفع يده أمام وجهه مدافعاً : " حسناً لا تنفجر أمامى ، أنا فقط أتحدث عن الواقع .. لو لم تكن جندى كاندام لم تكن دعوة احتفالية التنصيب لتصلك ، و لم يكن لاسمك أن يسُرب ضمن أسماء قواد الجيوش الذين سيتولوا مناصبهم رسمياً ابتداءاً من الغد .. فقط فكر بالأمر بجدية ، بعيداً عن إنكارك لحقائق عدة "
صمت للحظة قبل أن يهتف : " لا تحاول الإنكار يا هيرو .. مكانك ليس هنا و أنت تدرك هذا جيداً "
أغمضت عينى بقوة هاتفاً : " ألهذا لم تُجهز أوراق العقود بالأمس ؟ "
ضحك بخفة مردفاً : " لا أريد توريطك باتفاقية قد لا تكون الأفضل لك "
صككت على أسنانى هاتفاً : " جاك .. سأقضى عليك "
قهقه بقوة و كذلك انطلقت ضحكة جين المكتومة ، لأتحرك من مكانى بعنف ، مغادراً من أمامهما إلى خارج غرفة المكتب ، غير آبه بنداءات جين ولا أخيها ..
~ * ~
يـُتـبـع فـى الـرد الـتـالـى
تـابـع الـفـصـل الـثـلاثـون
طرفت بعينى بهدوء على ورقتين بيدى ، ضاممة يدى لصدرى و أنا أتأكد للمرة الألف ممن وقع على هذه الأسماء ..
أيعقل أن أخى هو من اختار بنفسه قواد الجيوش ؟!
طرفت مرتين على أول اسم من الأسماء الخمس ، مستشعرة انقباضاً بصدرى و أنا أسترجع عبارة فيليب ؛ ’ هل سيأتى غداً ؟! أتسائل إن كان ليحضر احتفالية التنصيب ، هل تظنين أن بعودته سيسير كل شئ على ما يرام ؟! ‘
أغمضت عينى فى محاولة فاشلة لبعثرة كل الأفكار المؤلمة ، و رغم ذلك ، جاهلة حقيقة إذا كنت على استعداد لرؤيته .. اليوم .. وجهاً لوجه !!
طرفت بعينى أشتت كل شئ و أنا أرمى نظرة نحو الساعة المعقلة أمامى ، لأجدها تقترب من السابعة مساءاً ، تنهدت بقوة و أنا أترك كل الأوراق جانباً ، و غادرت المكتب نحو غرفتى ..
~ * ~
" لم يتقصد إثارة غضبك "
همست بها بصوت خافت و ابتسامة أستشعرها بين حديثها ، لأفتح عينى و أنا مستند إلى حافة النافذة العريضة بمقر شركتى الناشئة الصغيرة ، عدت أغمض عينى من جديد تاركاً الهواء البارد ينسل بين غباب فكرى كله ..
إلى أى مدى أتجاهل حقيقة كونية صدقتها منذ أول مرة رأيتها متجسدة بإحداهن ؟!
إلى متى ستبقى نار الشوق مشتعلة بجوفى دون أن يقدر بلسم على إخمادها ؟
شدت قبضتى بعنف حول إطار النافذة ، مقاوماً قهراً و حنقاً بداخلى ، لتنتشلنى منه يد رفيقة على ذراعى ..
فتحت عينى بسرعة و جين تستشعر حدة ردة فعلى ، لتسحب يدها بخفوت و أنظارها تتبعثر من حولنا ، مرددة : " أنت فقط .. لا تبدو بخير "
حررت نفساً قوياً دون أن أعلق ، لتعود تهتف بهدوء : " واثقة أن لديك أسبابك ، و لكن .. "
صمتت لبرهة و أنا أرمقها بنظرة من طرف عينى ، لتتابع : " لماذا لا تترك الفرصة لأحدهم ؟ .. ربما يجعلك تشعر بتحسن "
تحركت خطوة مستديراً عن النافذة ، لأهتف بشئ من الهدوء : " لا أحد قد يجعلنى أشعر بالتحسن "
تابعت خطوة أخرى قبل أن تعقب : " ولا حتى هى ؟! "
توقفت بمكانى صدمة ، دون أن ألتفت نحوها ، ليصلنى هتافها خافتاً : " نظرة الأنثى لا تُخطئ .. أعلم أنك عاشق "
ترددت أنفاس باردة بصدرى ، لتعود تهتف : " ربما قد وصلت لمرحلة التخلى عن عنادك معها ، و لكنك لاتزال تعاند مع نفسك "
استشعرت تصلب يدى و يدها تمسك بها ، لألتفت بعيون حذرة نحوها ، لتبتسم هاتفة : " لن أقول لك بأن تعود إلى هناك .. و لكن يكفينى أن تعترف بأن روحك هناك "
تركت يدى بابتسامة هادئة ، و هى تستدير عنى جهة باب غرفة المكتب ، هاتفة بنبرة مرحة : " هل عندك استعداد للبدء بتصميمات الدفعة الثانية ؟ "
" هل نذهب لتناول الغداء خارجاً ؟! "
لم أصدق أننى من قالها ، لتقف هى عن خطواتها تماماً كما وقفت أنفاسى و أنا أستدرك ما قلته ..
ابتسمت و هى ترمينى بنظرة من طرف عينيها ، مردفة : " أخر ما قد أفعله هو استغلال وضعك لصالحى "
تابعت خطواتها جهة غرفة المكتب ، لأرمى أنا أنظارى جهة النافذة لمرة أخيرة قبل أن أسير بنفس اتجاه جين ، دالفاً للمكتب ، و انقباض بصدرى لا يريد أن يرتخى ..
~ * ~
ما الذى يدفعنى للف نفسى به ؟!
أوأتعلل بالأناقة ؟!
ابتسمت بشحوب و أنا أرمق نفسى بنظرة طويلة فى المرآة ، ثوبى الأسود الطويل ، ينسدل بانسابية متناسقة بين الضيق و الإتساع حتى يلامس الأرض ، بسيط بطلته و لمعانه الهادئ ، و فتحة الرقبة التى تشكل رقم سبعة من الأمام ، و تكشف من الخلف حتى منتصف ظهرى ، قفاز يدى الذى يصل امتداده حتى معصمى ، يناسب الثوب لونه ، بقماشته الحريرية و نعومة ملمسه ، خصلات شعرى المرفوعة بتداخل لتشكل طلة تتناسق مع بساطة الثوب ، تاركة حُلىّ كألماسات سوداء متناثرة بين الخصلات ، تعكس ضىّ قاتم اللون بهىّ الإنعكاس ..
أضيف أخر لمسة بلفى لسلسلة بلاتينية رفيعة حول رقبتى ، تاركاها منسدلة من الخلف بفراشة مُعلقة فضية اللون ..
" آراكِ تخليتِ عن خدعة الألوان "
رفعت أنظارى فى المرآة نحو نوين و هى تقف خلفى ، مبتسمة و هى تراقبنى ، لأهتف عنها : " وجدت سيد الألوان يفرض نفسه هذه المرة "
ابتسمت من جديد و هى تعقب : " تبقى الأميرة هى سيدة اللونين ، الأبيض و الأسود "
ابتسمت بشحوب و أنا أستدير نحوها ، أتفحصها بثوبها الأرجوانى الداكن الذى يصل لما بعد ركبتيها ، لأهتف ببحة بصوتى : " تبدين رائعة "
ابتسمت هاتفة : " أنتِ الأروع عزيزتى "
اقتربت منى لتضمنى بهدوء هامسة : " أواثقة أنكِ ستكونين بخير ؟! "
" لا تقلقوا .. فقط استمتعا "
هتفت بها و أنا أبتعد عنها ، لألتفت نحو باب الغرفة و هو يُفتح و يطل منه أخى ..
ابتسمت بإحساس عميق بداخلى ، متفحصاه ببذلته الداكنة و طلة وجهه المشرقة ، بقى صامتاُ للحظات ، لأهتف أنا بسخرية : " تبدو و كأنك سعيد "
ابتسم بهدوء هاتفاً : " أمن رجل يملك أجمل امرأتين على وجه الأرض و يبتأس ! "
ابتسمت أنا ، و توهجت نوين ليزداد رونقها جمالاً .. تحرك أخى خطوتين نحو الداخل هاتفاً : " سأحتار هكذا مع من منكنّ أذهب "
انطلقت ضحكة منى هاتفة : " أنا أتنازل هذه المرة "
اقترب منى ليطبع قبلة هادئة على جبهتى ، هاتفاً : " أواثقة من أنكِ بخير ؟ "
ابتسمت بامتنان و شعور بالراحة ، معقبة : " أجل "
عاد يهتف : " كم تبقى على الإحتفالية ؟! "
رفعت أنظارى نحو الساعة و عدت أجيب : " أمامى ساعة قبل أن أذهب مع باجان "
ضمنى بخفة هامساً : " إن احتجتِ لأى شئ فقط هاتفينى "
أمأت رأسى و نوين تهتف : " بالمناسبة ، هاتفك مُغلق منذ البارحة !! "
طرفت بعينى فى محاولة للتذكر ، مرددة : " نسيته هنا قبل أن أذهب للاجتماع ، و لم أتذكر البحث عنه بالمكتب .. لا تقلقوا ، سأبقيه بجانبى "
أماءت برأسها و هى تضمنى بخفة ، هاتفة : " ليلة سعيدة عزيزتى "
ابتسمت بسعادة تخالجنى و نوين تشبك يدها بذراع ليوناردوا ، مستديرين عنى جهة باب الغرفة تاركنّى أهمس : " ليلة سعيدة "
~ * ~
أشعر بنظراتها دون أن أرفع عيونى إليها ، شئ من التردد يحل بينها و بين كلماتها ، قبل أن أحرر نفساً قوياً و أنا أترك القلم من بين أصابعى ليتدحرج بخفة فوق أوراق مبدئية تحوى خربشات للتصاميم ..
محدقاً بها منتظراً أن تقول ما يحيرها ، لتبعثر أنظارها بإحراج ثم تعود لتصب تركيزها على الحاسوب ، عدت أحدق بالأوراق أمامى من جديد ، لأهم بإمساك القلم قبل أن تقطع حركتى هاتفة : " أنا فقط .. "
عدت بأنظارى من طرف عينى نحوها ، لتتابع : " ما الذى قد يقف حائلاً بين العشاق ؟! "
وقع القلم من بين أصابعى ، لأرتفع برأسى نحوها ، محدقاً بها بشئ من الحذر ، بقيت محدقة بعينى لثوانى و كأنها تتبين ما لا أعرفه أنا ، قبل أن تتفطن للوضع ، لتبعثر أنظارها من جديد و شئ من الصمت يفرض نفسه قبل أن تهمس : " آسفة "
طرفت بعينى عدة مرات فى محاولة لأبعثر أنا الأخر نظراتى عنها ..
تركت أنفاسى تتحرر بحدة قبل أن أعود بأنظارى نحو الطاولة بيننا .. محاولاً منع رأسى فى التفكير باتجاه مُريب ، بمكان يبعد عنى آلاف الأميال ..
" يمكنك الذهاب لتناول الغداء إن أردتِ "
هتفت بها و أنا أتمالك ما يتبقى من صمت لدىّ ، لأستشعر حركتها الهادئة و هى تترك الحاسوب فوق الطاولة ، تتناول حقيبتها البيضاء بخفة من جانبها ..
و أغمض عينى على صوت طرقات كعب حذائها فوق أرضية المكتب ، محرراً ما أستطيع من أنفاس مكمودة بصدرى ، قبل أن أتهاوى برأسى بين كفوف يدى ..
~ * ~
يـُتـبـع فـى الـرد الـتـالـى
تـابـع الـفـصـل الـثـلاثـون
تمر الدقائق و كأن دهوراً ترفض أن تنجلى ، إلى أى مدى سأبقى أسير مع انكسارى دون لحظة أعيشها تيقننى من طريقى ؟!
إلى متى سأبقى أحدق بظلام الليل و كأنه يتناسق مع لون ثوبى الأسود ، تاركنى أتسائل ، أوليست الليلة ككل الليالى التى سبقت ؟!
تلك الليالى التى حلقت فيها أميرة و فارسها بعيداً عن الأرض و الفضاء ، مرة برقصة ، و أخرى بقبلة ، و ثالثة بنظرة أمل سكنت فؤادهما ..
كيف تتمرد الليالى على ساكنيها ؟!
أدرك الآن أنا معنى الوحدة ..
لم يكن أبداً يعنى أن يحيطك من يحبك ، و إنما الوحدة تتلخص ببُعد القلب ، بُعد الروح .. بُعد الحياة ..
وحدى بالقصر أنا بلا أخى ولا نوين ، دقائق قليلة تفصل عن بدء الإحتفالية ..
و أنا بمكانى لا أقدر على الحركة ، لا أقدر على تنكر الإبتسام بعد الآن ، كيف لى أن أطل أمام الكاميرات بابتسامة عريضة أُقنع بها العالم بمعنى الأمل فى حين أننى لا أدركه ؟!
كيف لى أن أجبر قدمىّ على التوجه لمكان قد يشهد عودته !!
بأى وجه قد أراه ؟!
و بأى نظرة سيكسر حلم اليوم ؟!
أواترك لى أحلاماً من بعده ؟!
مسحت دمعة بشئ من العنف و أنا أستند برأسى إلى زجاج النافذة ..
أى خيبة سيعود هو بها ، و أى قسوة سأزين بها عودته ؟!
طرفت بعينى على نظرة حزينة تطل منها ، مُديرة أنظارى عن السماء الكُحلية اللون المتخللة الكون من حولى ، أراقبها بنجماتها المنطفية عبر النافذة الزجاجية العريضة بمكتبى ، و كأن الكون كله قد ضاق و انطفى أمله ، مُبقينى وحدى أتغنى بنظرات منكسرة ، تآبى أن تنقشع الغمامة عنها ..
التفتّ عن النافذة بخفوت متناسب مع ظلام غرفة مكتبى ، أرمى نظرة وحيدة على شاشة حاسوبى و هو يستقر فوق المكتب ، ينقل بث بالتجهيزات المباشرة و لما يحدث بقاعة الإحتفال ..
أتنقل بأنظارى بين السجاد الأحمر و فخامة الحضور ، الليموزين الأسود و هو يقف من لحظة لأخرى منعكساً لمعان سواده بالكاميرات الخارجية ، النظام الأمنى بهيبته و هو يحيط المكان ، و كأن لنا زمناً لم نشهد احتفالية مماثلة ..
ابتسمت بخفوت و أنا أتابع بأنظارى الوفود و قد بدأت القاعة تضم الكثير من الشخصيات الهامة ، لأرفع أنظارى نحو الساعة المُعلقة أمامى ..
’’ و كما نرى أعزائى المشاهدين ، بدأت الوفود الرسمية باستقبال عدد من الشخصيات الهامة و التى من المفترض أن تشارك فى هيكلة الحكومة الجديدة ‘‘
نصف ساعة فقط تفصل بين الآن و الموعد الرسمى ، و كذلك نفس النصف ساعة تفصل بينى و بين تواجدى هناك ..
" هل ستأتى ؟! "
همست بها و أنا لا أستطيع أن أجنب نفسى رفضى للحقيقة التى قد تتجسد أمامى بعد دقائق ..
بعثرت دمعة معلقة على أطراف رموشى و أنا أتحرك من حولى ، حازمة أمر ذهابى الى لابد منه .. ليأتى إن شاء ، لا شئ عندى لأضيفه !!
دون أن أكلف نفسى إضاءة نور الغرفة لأسرع بإيجاد الهاتف ، تحسست بيدى فوق الرف الخشبى أبحث عن هاتفى المُغلق منذ البارحة ، أمد يدى نحوه و أنا أدير ظهرى للمكتب ، ملتقطاه أخيـ...
" و مما نرى على الشاشة ، وصل بالفعل جنود الكاندام جميعهم ، و من المفيد ذكره أنه قد تم تكلفتهم بقيادة الجيوش ، و تبقى فقط الإعلان الرسمى حتى تبدأ مباشرتهم العمل بالمنصب .. "
توقف الزمن و كذلك كلمات مذيعة الخبر و أنا ألتفت خلفى ببطء أسرع من انتقال ذرات الهواء ، و كأننى أملك سرعة تفوق سرعة الضوء بمراحل ، أخشى معها أن تنفلت المدارات الكونية ، أو تندفع الكرة الأرضية بما تحمل من روحى قبل أن أظفر بنظرة واحدة تُعيد خفقات قلبى التى سلبتها العبارة الأخيرة ..
غير آبهة بمرفقى و هو يبعثر كل شئ على المكتب بجوار الحاسوب ليتهاوى كل شئ أرضاً عداه ، تاركة الفوضى تعم الأرض و أنا أجاهد لأجل التفاتة للخلف .. لأجل نظرة !!
أيــن !!
أريد فقط أن أراك !!
أكّحّل عينى بملامحك أو حتى ظلك و هو يختفى بين الحشود !!
أعرف هؤلاء الذين يلجوا للقاعة ، ديو و تروا و كواتر و كذلك وفيه ، و لكن أنت !!!
أين أنت ؟!
’’ عفواً .. يبدو أن جنود الكاندام لم يكتملوا بعد ، نرى أعزائى المشاهدين ديو ماكسويل ، كواتر رابيربا وينر ، تروا بارتون ، و كذلك وفيه شانج .. يبدو أن هيرو يوى و المُلقب بالقائد صفر لم يصل بعد .. و ننتقل الآن للإذاعة الخارجية لنقل حى للإحتفــ .. ‘‘
انقطعت صلتى بالزمن ..
بالحياة ..
أعيدوه إلىّ
أتهاوى على الكرسى بمكانى و الهاتف ينسل من بين أصابع يدى و ما عادت قادرة على تحمل وزنه ، مُدركة أن مهما أبديت من مكابر ، إلا أن شئ يلف الكون رهبة ما إن نتطرق لاسمه حتى .. هو ذاك الشبح الذى يقتلنى بكل لحظة !
انسل الهاتف ليرافق بعثرة أدوات المكتب كلها على الأرض ، و كأنه يعود للحياة بارتطامه ..
متناسباً مع اللحظة التى تهوى رأسى بين كفوف يدى ، غير قادرة على تحرير دمعة ولا بلل حتى من عينى المكمودة و روحى المبهوتة ..
" أكاد أفقد كل مقاومتى يا ريلينا ، أتدرين بهذا ؟! ليتنى أستطيع العودة لذلك الجندى البارد .. لم أعد قادراً على المكابرة ولا العناد ، اشتقت إليكِ عزيزتى "
انغلق سواد الدنيا على العبارة و هى تتردد من حولى ، لأفتح عينى كميتّ يُصدم من موته و هو تحت التراب ، مُبعثرة حركات رأسى من حولى و كأننى مجنون تائه يبحث عن عاقل غريب ، أبحث عن مصدر النبرة و سبب وجودها ..
" ريلينا .. اشتقت لسماع اسمى يخرج من بين شفتيكِ "
أنا اشتقت ..
اشتقت للحظة أتعقل فيها و أعثر على الروح المختبأة من حولى ، أجد روحى ..
ارتمت أنظارى حولى للمرة التى فقدت تعدادها ، ليدخل بمرماى الهاتف على الأرض ، و النبرة القاتلة تتابع انسلالها منه ؛
" ريلينا ، هيا افتحى هاتفك ، إنه مغلق ، أشتاق لاسمى فقط ، ولا شئ غيره "
" هيا ريلينا ، أسمعينى اسمى للمرة الأخيرة و لن أزعجك بعد اليوم "
انحبست شهقة بداخلى موتاً ، موتاً ميتاً .. يُميت
لأموت معها للمرة الألف ، انحنى من مجلسى نحو الأرض ببطء و جزع يخشى أن أفيق من حلم كاسر ، و أمل يرجو متعطفاً أن أفيق و أرحم مولده ..
تمتد يدى و تتراجع بعدد إحداثيات الفضاء الشاسع بكل نجماته ، محدقة بالهاتف و قد بقى ساكناً ، و كأنه فيضان رمى بأثقاله على شاطئ مُسالم ، تاركه مُهدماً من ورائه قبل أن ينحسر مائه ..
دون أن أتفطن أن الهاتف هو مرماى ، تخوننى عيناى و كذلك يدى ، و هما يمتدا سوياً نحو الصورة المنحلة من إطارها ، أكانت صورة لى أم صورة لشبح ، لا يهمنى بقدر ما تهمنى الورقة المائلة من بين الصورة و إطارها و أنا أئلف الخط المسطور بقلبها ..
لأنثر رجائى حول كل فتات قوتى المتبقية ، أرجو نفسى أن تثابر حتى ينتهى الكابوس ، أو حتى أن أصل للورقة التى بدا و كأن طرق مهجورة تفصل بين موقعى و موقعها ، طُرق تتلخص بسنتيمترات قليلة تأبى أن تتقلص ..
أغمضت عينى و أنا أبتلع نفس مكمود ، أقبض على الورقة بيدى ، متخلية عن هاتفى و قد غدا هدف مُهمش ..
ارتفعت بالورقة بيدى ، و كأن علاقتى باللغة قد تهدمت و رُدمت و بُنى فوقها جبال و وديان بل و معابد مُقدسة يُحرم زوالها ، و كأننى صغيرة أمامها ، ضعيفة بين يديها ، و متوسلة شئ من فتات أملها ..
طرفت بعينى مرة واحدة أمحو غشاوتى اللامعة ، لأبتلع جزعى و أنا أتهجأ الكلمات المسطورة بقلب الورقة ؛
’’ كلما حاولت الإبتعاد ، أعادنى الشوق .. و كلما قررت العودة ، ترغمنى دمعتك على الذهاب .. لا أعلم إلى متى سأمنع يدى من مسح دموعك .. إلى متى سأمنع نفسى من التحليق حولك .. إلى متى سأرسمك لوحة ، فقط فى خيالى ..
كم أشتاق لبسمة ترسمها شفتاكِ .. إلى متى سأظل بعيداً .. بعيداً .. بعيداً ..
أميرتى ..
قد فرقنا القدر رغماً عنا ، و آبى الزمن إلا أن يضع بيننا الفواصل الحاسمة .. كم حاولت مراراً اجتياز كل الفواصل و اختطافك إلى حيث نكون وحدنا ، إلى حيث لا يعنينى ماضى ولا حاضر سواكِ .. إلى حيث تُجلجل ضحكاتك و أنا أراقصك طرباً .. و لكن ، كل دمعة ذرفتِها تحت ضوء القمر .. رأيتها !
تلك الشهور التى قضيتها أتأمل ملاكى نائماً بغيبوبة قاهرة لكل الأمال .. كم من مرات عاندت نفسى و عدت للأرض بعد هجرتى للفضاء ، و لكن تلك الدمعات التى تساقطت من محاجرك حتى بسُباتك .. قتلتنى !
أنا مت يوم رأيتك تتهاوين أمامى .. يومها تهاوت معى كل الأمال ، كل أحلامنا و كل ضحكاتنا ، رأيتها مُبعثرة بين أوراق الأوركيد بلون دمائك ..
اغفرى لى غيابى عنكِ بتلك الشهور التى مضت ، منذ وقت الحادثة التى لولا تقصيرى ما كانت لتحدث !
اغفرى لى كل دمعة انحدرت من عينيكِ و لم تمسحها أصابعى !
اغفرى لى كل نداء باسمى همستِ به ، و لم تجدى له صدى !
اغفرى لى بقائى بعيداً ..
اغفرى لى كل شئ ..
و لكن لا تغفرى لى أننى سأبقى ؛
أحبك ‘‘
شهقت اختناقاً من دمعات متمردة ، لماذا يصر على تعذيبى !!
حتى بعد ذهابه ، بعد صمته و بعد موتى ..!! كل شئ يحمل روحه ، كل شئ يحمل منه شيئاً !!
كيف أتابع انا مرور أيامى ! كـيـــف ؟!
انهرت على مكتبى متهاوية برأسى ، غير قادرة على تمالك رجفة كتفى
ألم يذهب هو ؟!
إذن فليبقى بعيداً بصمت ..!
أم أنه قد جاء الآن يتخلى عن صمته الذى قتلنى مراراً !!
إلى أى مدى سأتحمل موت كل يوم جديد ؟!
و إلى أى قدر سأقاوم معنى الشوق و الألم ..!!
" هـيـرو أنا أموت "
تحررت من بين شهق صارخ ، أعلن بها أننى أعترف بموته على يدى ، و موتى على يده ..
دون أن أقدر على تمالك رجفة كتفى ، بل و جزعة جسدى ، يزينوا انسلال روحى و كأنها تأبى إلا أن ترافق الروح الحائمة من حولنا ..
أبكى شوقاً ثقُل علىّ حمله ، و ألماً عزّ علىّ عناده .. و روحاً لا تفعل سوى غرز المزيد من الخناجر بغشاء مثابرتى ..
" عُد إلىّ "
همست بها و أنا بالكاد أسمعها ، أتفطن بها لحقيقة بُعده ..
" لن يعود "
توقفت دمعاتى فجأة و أنا أرفع رأسى المتهاوية ، محدقة بباب المكتب و مصدر الصوت ، و رغم الظلام المكتنف للغرفة بأكملها ، إلا أن بصيص النور المتسرب من الخارج قد رسم ملامح خافتة لأخى و هو يستند إلى مغلق الباب بيده و رأسه ، متأملاً فوضوية شتاتى ، و كأنه يقطع رجائى بحقيقة تفرض نفسها ..
" هيرو ليس بسانك حتى "
تابع كلماته ليتتابع انقباض صدرى ـ هامسة كطفلة تتسائل عن حقيقة كونية : " لن يأتى ؟!! "
هز رأسه نافياً هاتفاً : " هيرو .. بألمانيا "
و كأنه يحاول يائساً تمالك نبرة صوته ، هامساً : " اذهبى إليه "
هل ما تسمعه أذنىّ صحيح ؟! أم أننى انتقلت لعالم الأوهام لأشفى خيبتى !!
" ريلينا .. اذهبى إليه "
ابتلعت عبارته ، لتتحرك أصابعى تقبض على الورقة بيدى أكثر ، أحاول التيقن من هذا الواقع ، متداركة الخيوط التى تتشابك برأسى و كأن الإذن قد أُتيح لها بالسفر بعيداً ، أو لكأنها بانتظار مجرد همسة أو فرصة لتحلق نحو مهرعها ..
لاحظ أخى تسمرى بموقعى ، ليمد يده نحوى هامساً : " تعالى "
أوارأيتم من قبل طفلة يحثها والدها على خطو خطواتها الأولى ؟! تتعلم السير على أرض الدنيا بتمهل ، بخوف ، و جزع أن تقع .. و لكن يد والدها الممتدة أمامها هى ما تدفعها للمثابرة لأجل أن تمسك بها ..
تحركت ببطء نحوه ، لأشد على يده ما إن لامستها ، كأننى أتمسك بشاطئ ينجدنى ، ليبقى ممسكاً بيدى و كأنه يعدنى أننى سأبقى بأمان إن لازمته ، أو إن فهمت معانى نظراته ..
حدق بىّ بنظرات ملؤها التفهم ، رافعاُ يده ليمسح تناثر دمعاتى ، لأبتلع لون عينيه و قد تلألأ صمتاُ ، هامسة : " ليوناردوا .. "
قاطعنى بضمى لصدره ، تاركنى أستمد منه ما أشاء من تماسك أحتاج إليه ، قبل أن يُبعدنى هامساً : " لم يتبق دقائق لنضيعها ريلينا "
طرفت بعينى على جهة الحاسوب ، قبل أن أردف : " أجل ، الإحتفالية على وشك البدء "
مسحت ما تبقى من بلل على وجنتى ، ليرفع ليوناردوا رأسى بأطراف أصابعه ، مواجهنى بعيونى و هامساً : " انسى الإحتفالية .. لديكِ ما هو أهم منها "
طرفت بعينى أحاول الفصل بينى و بين مقصده ، لأهتف : " ليوناردوا لا تبالغ ، تفهمك لا يعنى أن تغفل عن أهمية الأمر "
بقى ممسكاً بوجهى ، ليعقب : " أنتِ اسمعينى ريلينا ، لأول مرة سأخبرك برأيى صراحة ، مضى وقت طويل عزيزتى على أخر مرة اخترتِ فيها طريقاً لنفسك "
حدق بىّ بنظرة جادة ، ليهتف : " عليكِ أن تختارى هذه المرة ريلينا .. و الآن "
صمت لبرهة تاركاً حدقتا عينى تتسعا ، ليتابع : " اختارى بين الإحتفالية أو الطائرة الخاصة التى تنتظرك الآن ريلينا "
فغرت فاهى دهشة ، ليبقى صامتاً بانتظار كلمة أتفوه بها أنا ، متلجلجة : " ليو... "
ابتلعت دهشة متأكلة ، قبل أن أردف : " ماذا إن غفرت للماضى كل شئ .. و لم يغفر هو لى شيئاً ! "
ابتسم بحنان هامساً : " لن تعرفى أبداً إن لم تخوضى الغمار بنفسك "
طرفت بعينى خشية أن أكون بحلم متمرد ، هاتفة : " هل سينتظرنى العالم ؟! هل سيمهلنى فرصة لنفسى ؟ "
أجاب بهدوء : " على الأقل أنا واثق أن أحدهم بانتظارك الآن "
ابتسمت رهبة للحلم الجميل ، و أنا أرتمى برأسى بصدر أخى لمرة أخيرة ، هامسة : " شكراً لك "
ضمنى بقوة قبل أن يحررنى ، مُبعدنى عنه و هاتفاً : " سابقى الزمن ريلينا "
أحاط وجنتى بكفوف يده ، متعمقاً بعينىّ و هامساً بنبرة جادة عميقة : " اذهبى إليه "
~ * ~
يـُتـبـع فـى الـرد الـتـالـى
تـابـع الـفـصـل الـثـلاثـون
تتسارع أنظارى من ركن لأخر ، من بين حشد لأخر و حول المنصات ، بالقدر الذى تسمح به الكاميرات ، أبحث بين تروا و الرفاق عنها .. أين هى !!
أتتبع خطوات كل الوالجين ، و أتلفت لألتقط قمرى الغائب بأنظارى ، علّه يُنير شيئاً من ظلام الكون !!
أو ظلام غرفة مكتبى التى أتقوقع على إحدى أرائكها و رأسى مدفونة بين كفوف يدى ، مراقباً شاشة حاسوبى و هى تنقل بثاً لما يدور هناك ، حيث هى .. أنتظر أن تطل لأروى ظمأ يميتنى !!
لأول مرة أرجو أن أكون هناك ، رجاء يُفطننى أننى مهما اخترت بُعدها و فرقت بيننا بأميال الدنيا ، سأعود بنهاية مطافى متقوقعاً بذكراها .. و طلة وجهها التى أتوق إليها ..
أغلقت أجفانى بسرعة و نور الغرفة يُفزع سكونى ، لأتداركه و أنا أعود أحدق بمن يقف على الباب مُضيئاً للأنوار !
" لماذا تبقى بالظلام ؟! "
هتفت بها متسائلة ، لأفيق من صمت المكان و أنا أهتف : " جين !! "
ابتسمت و هى تردف : " لم أجده عدلاً أن أذهب لتناول الغداء دون أن أحضر لك شيئاً لتتناوله "
تحركت خطوات نحو الداخل لتترك ما بيدها من أكياس على الطاولة ، متابعة : " ثم أن الوقت تأخر و يجب أن نسرع حيث جون و جاك لتوقيع العقود "
’’ و مما يبدو أعزائى المشاهدين أن الجميع الآن بانتظار وصول الأميرة ريلينا بيسكرافت إلى القاعة لبدء احتفالية التنصيب ، خاصة و أن أغلب الحضور قد وصـ.. ‘‘
عدت بأنظارى سريعاً نحو الشاشة ، و جين تفغر فاهِهة أمامى ، مستشعراً بوح فى المحيط لشئ ربما كنت أحاول إخفائه .. دون أن أجهد نفسى فى المحاولة !!
’’ عفواً .. وصلنا خبر عاجل للتو أعزائى المشاهدين .. ‘‘
صببت انتباهى على الشاشة متلهفاً لمعرفة ما الذى قد يجد ، ليمر الزمن و كأنه متلصص بطيئ ، و صوت المذيعة يتابع : ’’ المستشار القانونى للأميرة ريلينا بيسكرافت ، ليوناردوا بيسكرافت ، سيتولى التنصيب الرسمى للمرشحين لحل المناصب العليا بدلاً من الأميرة نظراً لمستجدات خاصة ‘‘
هوى قلبى صارخاً ، أشر ألمّ بها ؟!
أو أى خبراً قد يطويه صمتك يا ليوناردوا !!
خبر كاذب .. لابد و أن يكون كاذباً ..
لابد و أن آراها تطل بكامل بهائها بدلاً من أخيها ، ولابد أن أذنىّ تكذبا و الدقائق تمر ..
لأبقى متسمراً دون أن أعبأ بمن تقف أمامى متسمرة هى الأخرى ، بل تقريباً أغفل عن وجودها و أنظارى تلتهم الشاشة التهاماً ، راجياً أن أقفز بداخلها إلى حيث أبحث عن قمرى ..
اشتعلت براكينى و كأن النهاية تقترب ، لتهتف المذيعة : ’’ هاقد وصل المستشار القانونى ليوناردوا بيسكرافت كما يظهر على الشاشة أعزائى المـ... ‘‘
ملوحاً بيده و نظرة جادة تدور بعينيه ، محاولاً إجبار ابتسامة على الإرتسام ، ببذلته السوداء و طلته التى تُزيد من قلقى المسيطر ..
" كونى بخير "
همست بها بوجل و أنا أتيقن للحقيقة التى حبست نفسى بقلبها ، فصلت بيننا بكل ما أقدر عليه من مسافات تمنعنى من مجرد الإطمئنان عليها ..
ما الذى قد تحويه يدى من حلول أقتصر بها مسافات الألم و سراديب الخوف !!
تهاويت برأسى بين كفوف يدى للمرة الثانية ، متيقناً أن لا شئ قد أفعله قد يغفر لى قسوة رضخت لها و سرت بها مبدئاً ، قسوة فرضناها بيننا و لم يحارب أى منا لأجل اقتلاع جذورها ..
~ * ~
تهدمت النظريات الفيزيائية التى تربط السرعة مع الزمن ، أو ربما البقعة التى أجتازها من الكرة الأرضية هى التى تمردت على الثوابت الرياضية ، لتفرض قانوناً جديداً يفيد أن المسافة المتبقية لا تتقلص مع الزمن ، و إنما الزمن هو الذى يبطء المسير عناداً !
أو ربما ليلقن المشتاقين التواّقين درساً فى معنى الفراق و البُعد ، يعيدنى لكل لحظة أصررت فيها على المكابرة ، و يُعيد على مسامعى دروس القسوة التى فرضتها بيننا ..
يتركنى كطفلة آبت أن تعترف بخوفها ، و لكن فرت دمعاتها لتترجم إبائها رغماً عن كل شئ ، تخشى أن تنكسر أحلامها على الصخرة التى وضعتها بنفسها بينها و بين منقذها ..
رغم علمها أن لا غيره يُحيي أحلامها ..
بعثرت دمعة باردة من على وجنتى و أنا أستعد لدقائق قادمة ستختلف عن الدقائق التى حلقت بها بأعالى السماء ، مسابِقة أسراب الطيور التى لا وجود لها بسماء الليل ، و مرافقة لضىّ النجمات التى تعدنى أنها ستبقى مُنيرة لوحشة سواد الليل ..
خطوات مبعثرة أخطوها و تشتت لا يستطيع التركيز على المكان الذى أقصده ، ورقتين بيدى أقبض عليهما و كأنهما يملكا مفاتيح الخلاص ، أولهما كما تُزيد وجعى ترسم أمالاً كسنا النور الخافت من بعيد ، تترجم مشاعر قد تجاهلتها رغم وجودها أمامى طوال الشهور الماضية ..
و الثانية تترجم رغبة أخى بأن أصل للبقعة التى تقبض على زمام روحى ، ساطراً فيها عنوان قرأته بخلال الدقائق الماضية ألف مرة و مرة ، أستشف من خلاله ما قد تكون حالة مالكه !
بعثرت أنظارى للمرة المآئة بين الحشود التى أسير بوسطها ، أتجاهل النظرات التى تتقصدنى من كل حدب و صوب ، و يعنينى فقط أن ألتقط صخرة القمر بمرمى أنظارى ..
غير آبهة لا بزمن ولا بإحداثيات جغرافية .. فقط أبحث ع روحى بين البشر .. ببقعة من الأرض تُسمى بـ ألمانيا !
~ * ~
أفقت أخيراً لأتنبه على وجود جين بالقرب منى ، هاتفة بخفوت : " هل سنذهب ؟! "
أمأت برأسى بهدوء و أنا أمد يدى نحو الحاسوب أغلقه ، أعيد نفسى للواقع الذى اخترته ، و ما أنا بمن يخالف اختياره ..
ما الذى قد يميز هذا الموت عن كل محاولاتى السابقة ، وقت الحرب الذى طال و أنا بكل مرة أقرر أن أنهى كل شئ يظهر ما يمنعه ، كم من مرة حاولت مجاراة معنى التدمير الذاتى بالجناح صفر ، دون أن يكتب لى القدر موتاً وقتها ، موتاً حراً ..
و الآن يختار لى موتاً قاهراً ، لأقاوم أنا دون أن أدرى ..
ربما هى طبيعة الإنسان ، يعاند لأجل القدر لا أكثر ، يحارب لا لما يريد ، و إنما لما يُمنع عنه ..
وقتما تكون الحياة بين قبضة يدك ، تفر منها .. و حينما تقرر أن تقبض عليها ، يقف الموت حائلاً بينكما ..
كم من محظوظ لم يُولد يعد .. و كم من بركة من السماء حلت على من قرر أن يستسلم للحياة و القدر منذ أن طل على الدنيا ..
لا فى اختيارهم هم ولا غم ، بل فقط راحة بال و موت .. موت لا يفعل سوى أنه يسرق منك المشاعر التى لم تولد بجوفك بعد ..
ليتنى أعود لذاك الجندى ..
ليتنى أعود للجناح صفر ..
" هيا بنا "
تمتمت بها و أنا أتناول حاسوبى مع حقيبته ، متخطياً الطاولة لتلحق بى جين بهدوء حذِر ، تتفطن أن حقيقة صمت القائد صفر لم يعد كما كان ، و أنه مما يبدو من معطيات كافية .. لن يعود !!
لحظة ، هل اعترفت لتوى أننى لا أزال القائد صفر ؟!!
~ * ~
يـُتـبـع فـى الـرد الـتـالـى
تـابـع الـفـصـل الـثـلاثـون
" ربما كان من الأفضل أن يأتى جاك ليصطحبنا بالسيارة "
هتفت بها جين و نحن نجتاز البناية التى تحوى مقر الشركة الناشئة التى غادرناه منذ دقائق ، لأبتلع غصة بحلقى مهمهماً : " لا فائدة .. ترين كيف هو الإزدحام "
رفعت أنظارها نحو شاشة العرض التى تستقر بالقرب منا ، وجوه الجميع تُحدق بقاعة الإحتفالات بانتظار ما يُعلن فيها من أخبار قد ترسم طريقاً جديداً للغد .. طرفت بعينى على صورة ليوناردوا و هو يعتلى المنصة ، لأستشعر شوكة بصدرى و أنا أشد على قبضتى ، مستديراً عن الشاشة و هاتفاً : " هيا بنا ، لابد أن نسير على قدمينا حتى شركتكم "
أماءت برأسها و هى تردف : " ليست بمسافة كبيرة "
تحركت خطوات بوسط الحشود التى تملأ الشوارع ، لحظة تُعيدنى لذكرى احتفالية رأس السنة بسانك ، بل بالعالم أجمع ، و كأن احتفالية اليوم تتضمن عهد جديد يؤمن به البشر ..
طبيعة فينا ، نتعلق بكل ذرة أمل حتى لو خافت ، لنحلم بغد أجمل ..
و لكن أنا الآن لا أدرى بأى أمل أتعلق ، و أى حلم جميل قد يأتينى ؟!
تابعت خطواتى باستسلام و أنا أتجاهل حقيقة شاشات العرض التى تحيط بالأرجاء ، ما الذى قد يتغير إن تابعت الإحتفالية من عدمه ؟!
لاتزال يدى قصيرة عن الإطمئنان عليها ، لذا فما الفائدة المرجوة ؟!
رفعت أنظارى التى أرميها بين كل خطوة و التى تليها ، لأبحث عن جين التى كانت تسير إلى جوارى ..
بعثرت أنظارى من حولى أبحث عنها ، بين كل وجوه الناس فى الحشد من حولى ، وجوه تقترب منى و أخرى تُدير أنظارها جهة الشاشات ، لتُسلب منى أنفاسى فجأة و هـى .....
’’ وجهها كالقمر فى طلته ، بل البدر بعرشه قد اقتبس نوره منها ، خصلات شعرها تجسد منها ضىّ الشمس ، مبعثرة حول وجهها بعفوية ، و نظراتها ..
بلون عينيها المكتسيتان بالبراءة الشقية ، تنظر بشئ من الألم المستكين ، تبعثر نظراتها حولى ، تتقصدنى بمرماها و ما أنا بمدافع عن المرمى ، تنشر فى المحيط توهجاً دافئاً ، و لون وجنتيها النضرتين مجلوتان بلون الزهر ..
شفتاها تنبضان خجلاً و هى تعض عليهما ارتباكاً واضحاً أترجمه دون أن تعلم ، برونقهما الرقيق الهادئ ، و كأنهما خجِلتان من الهمس باسمى ..
كطفلة شقية أضاعت دميتها و تبحث عنها ، تخشى أن تنساب مقاومتها فتبكى ، أو يغالبها العناد فتكابر ..
و تقترب منى ..
و تقترب منى ..
لأغمض عينى .. أحدق بالظلام ، قبل أن أعود أفتح عينى من جديد ..
لم تنقشع الصورة ، و لم تتبخر إثر السواد .. بل تقترب منى ..
و تقترب منى ..
ابتلعت غصة حلقى كلها و أنا أفقد القدرة على التنفس ، لماذا لا تُريد الصورة أن تنمحى من أمام ناظرىّ !!
أهذا وقت الأوهام ؟!
توقفت خطواتنا نحن الإثنين ، أنا و وهمى ، ليفصل بيننا قدر أشبار ، أشبار كأنها تفصل بين الموت و الحياة ..
دون أن يعنينى الحشد من حولى ، و الخطوات التى تتابع سيرها متجاهلة حقيقة الكون التى تتجسد أمامى .. جاهدت صدرى لأجل أن يحرر النفس المكمود بداخله دون جدوى ، لأبقى متسمراً كتمثال تحطّ عليه الطيور العابرة دون أن يعترض ..
تحرك صدرها بشئ من العنف و كأنها تحاول تصديق ما تراه ، هل سرقت أنفاسى لتحررها بهذه القوة ؟!
تلجلجت شفتيها لتحاول تجميع أحرف متناثرة دون أن تفلح ، لأشكل أنا مائة ألف مليون حرف بأقل من ثانية واحدة ، و لكن أفشل فى ربطهم باللغة أو بأطراف لسانى ..
فشلت فى منع عينى من التهام مظهرها ، لأتشرب من السواد الذى تلف نفسها به ، و خصلات شعرها التى بدت و كأنها تبعثرت بفعل انفعالها ، حمرة وجنتيها تدفعها لانفعال جديد ، و شفتيها تتلجلجا للمرة الثانية ، لتخرج أحرفها همساً : " كيف أنت ؟ "
ابتلعت شتاتى للمرة المآئة و أنا لا أزال فاقداً جبروتى على أنفاسى ، هل من بين العقلاء فى العالم ، من يأتى ليخبرنى إن كانت الأوهام المتهيكلة بأشخاص أمامنا لا وجود لهم فعلياً ، من الممكن سماع أصواتهم و استشعار رجفتهم ؟!
أمأت برأسى بوجل و كأننى أخشى تصديق شبح أحدهم أمامى ، أو ربما ليظننى الناس من حولى مجنوناً يحادث شبحه !!
بأقل من ثانية ، ينقلب منطقى ..
ليظن الناس ما تظن ، و ليحكم العقلاء ما يشاؤون ، كم من مرة سأرتوى من ملامحها كما الآن ؟!
كم مرة سيتردد همسها بأذنى ، لأتلجلج أنا الأخر بكلماتى ، دون أن تغادر شفاهى ..
طأطأت نظراتها نحو يديها المتشابكة ، قبل أن ترفعها بشئ من الارتباك و هى تُدير أنظارها من حولنا فى الشارع هامسة : " نحن .. أعنى .. يجب أن نتحدث "
أبهذه السهولة ؟!
أبهذه الصعوبة ؟!
هل تبعثر كيانى بهذه السهولة ؟!
تسلب منى الأنفاس و الخفقات و الأحرف بانعكاس لون زبرجد عينيها بعينى ؟
و هل من الصعب أن أتمالك أنا زمام الأمور لأتعدى ما قد يكون بيننا من حديث !!
هل تظن أن ما بعينى هو شئ من التردد ؟!
لماذا إذن القلق يطل من عينيها و هى تتمالك كلماتها هاتفة : " أعلم أن .. "
قبضت يدها اليسرى على ذراعها الأيمن بشئ من الإضطراب ، متابعة : " وقت قد مر .. و .. "
صمتت عن كلماتها و أنا أستشعر ضغطاً يحل بينها و بين صدرها ، لتنحل أخيراً شفرة السحر عنى ، و أستطيع تحريك قدمى خطوة باتجاهها ، أتابع رأسها المطأطأ لأسفل ، تبحث بين خطوات الناس المحيطة بنا عما يهدم الحاجز بيننا ..
" هيرو !! هل أختلس التفاتة واحدة نحو شاشة العرض و أعود لأجدك قد سرت كل هذه المسافة !! "
استندت يد على كتفى و صاحبتها تردد هذه العبارة بضحكة واسعة بجانبى ، ليتفتت رابط وصّل بينى و بين الوهم المتجسد أمامى بلحظة ، تاركنى ألتفت نحو جين بشئ من التردد ، و كذلك تلتفت المخلوقة التى أمامى لنفس الجهة ، إلى جوارى حيث وقفت جين بنظرة مستفهمة دون أن تلاحظ وجود الشبح ..
تابعت هتافها بابتسامة : " أنت قررت عدم العودة إلى هناك ، و لكن دعنى أعرف ما تحول إليه الأمور على الأقل "
انعكس بريق بعينى و أنا أحدق بملامحها المتعجبة من حالى ، قبل أن أعود بأنظارى نحو الشخص الثالث معنا ، أتمعن بنظراتها التى أعلنت انقلابها من هادئة حزينة مُرتبكة لأخرى متمردة بشرارة قد تحبذ اللون الأحمر بعد ثوانٍ قليلة ..
دون وعى أو تخطيط ، أسرعت بيدى أقبض على ذراعها بلطف ، هاتفاً : " انتظرى لحظة ريلينا .. "
سحبت جين يديها من على كتفى بذات الوقت الذى جذبت ريلينا ذراعها منى بعنف ، و ملامحها التى عكست معنى مُسالم منذ لحظات ، عادت تشع طاقة ملتهبة و هى تهتف بعنف : " ابتعد عنى "
لم ترفع عيونها عن جين لأول لحظات ، قبل أن تعود بهما نحوى معقبة بنبرة تقاوم اصطكاك أسنانها : " أحمق .. أنت أحمق و بجدارة "
استدارت من أمامى تنوى الذهاب ، لتتملكنى قوة عجيبة و أنا أسرع جهتها ، أمسك بذراعيها الإثنتين من الخلف ، مانعها من الحركة أو إكمال خطواتها ..
حاولت دفعى بمرفقها هاتفة : " اتركنى أيها الغبى "
قبضت عليها أقوى و أنا أهمس بأذنها بحدة : " تعقلى و اهدئى حتى لا تلفتى إلينا الأنظار "
دفعتنى بيدها هاتفة : " لا يعنينى !! "
استدارت لتواجهنى و قد برق وجهها بمقدار انفعالها ، هاتفة : " أهنئك ، أكدت لى أننى أكبر غبية لكونى قطعت كل هذه المسافة لأجلك ... "
صمتت عن كلماتها فجأة و حدقتا عينيها تتسعا مع تفوهها لعبارتها ، لأحدق بها بشئ من الإندهاش أنا الأخر ، لتتفتت مقاومتها أمام دمعة مًعلقة على أطراف رموشها ، و أنا أقترب منها خطوة تعودها هى للخلف ، اقتربت منها خطوة أخرى ، لتعودها أيضاً للخلف ..
مددت يدى بشئ من السرعة نحوها ، أمسك بمعصمها مانعها من الإبتعاد ، هاتفاً بحدة مصطنعة : " هلا تعقلتى قليلاً و أفهمتنى ما الذى يثير انفعالك الآن !! "
صكتّ على أسنانها غيظاً و هى تشد يدها منى دون فائدة ، صائحة بنبرة مخنوقة من بين احمرار وجهها انفعالاً : " من هذه !! "
مُتجهة بنظراتها حيث تقف جين بالقرب منا بنظرات مندهشة و فاه مفغور ، بادلت أنظارى بينهما و نظرات من أمسك برسغها تزداد اشتعالاً من لحظة لأخرى ، محاولة شد يدها منى دون أن أترك لها مجالاً ..
اقتربت منها خطوة لأحدق بعينيها بشئ من التعجب المستفهم ، هاتفاً : " أهذا ما يزعجك ؟! "
عضت على شفتيها قهراً و هى تقاوم بلل بأطراف رموشها ، هاتفة و هى توشك أن تفقد صبرها : " أجب على قدر السؤال !! "
اقتربت منها لألاصقها ، محدقاً بعينيها بإصرار جاد ، و هاتفاً : " و ما الذى قد يعنيكِ بإجابتى ! "
ابتلعت ريقها بصعوبة و كأنها لم تتنظر منى إجابة مماثلة ، لأقطع عليها اندهاشها اللحظى و أنا أعقب : " ما الذى جاء بكِ ! "
عضت على شفتيها غيظاً يتحرر من نظراتها ليحرقنى ، و لكن ليس بهذه السهولة ريلينا ، لن تسلمى من كسر عنادك أمامى .. هنا و الآن !!
كيف لا أستطيع مهما حدث أن أستشعر هذه المخلوقة غريبة عنى .. لا أستطيع الإستسلام للجدران بيننا مهما تعالت .. أواكأنها شئ يخصنى ؟!
جذبت يدها بعنف لتتحرر من قبضتى ، تاركة خصلات شعرها تنسدل على جبهتها و رأسها تُطأطأ للأسفل بهدوء ..
" هل أخبرك بالحقيقة ؟! "
همست بها بهدوء ، لأبقى صامتاً بانتظار ما الذى قد يجّد منها ، متشككاً من إجابتها و مقاوماً ما يعترينى من توق لضمها إلىّ و غفران كل شئ ..
" لدى جولة تفقدية بأوروبا و آسيا .. و ألمانيا هى المحطة الأولى "
هتفت بها بنبرة خافتة ، قبل أن ترفع رأسها ببطء ، تاركة شئ من القوة يسيطر على ملامحها ، قبل أن تهتف بذات النبرة الكاذبة : " لم أتوقع رؤيتك ، و لكن سأتغاضى عن كل شئ و أتابع طريقى إذا سمحت "
ابتسمت ابتسامة صفراء ميتة ، و هى تتحرك خطوة من أمامى ، و كأنها تنحينى جانباً و خطواتها تتابع المسير ، بالإتجاه الذى تقف فيه جين ..
~ * ~
يـُتـبـع فـى الـرد الـتـالـى
تـابـع الـفـصـل الـثـلاثـون
أبكى صمتاً .. قهراً ..
أبكى دون دمع لأجل كبرياء لن ينكسر أمام أحمق مُكابر ، يريدنى أن أتنازل عن عرشى أولاً و ما أنا بمن يتنازل لأجل الحمقى ..
هطلت أول قطرة ماء من السماء و كأنها نذير لما قد يتتابع بعدها من وابل يُهاجمنا ، لأبتلع غصة حلقى راجية أن تُسرع السماء بشتائها لتخفى دمعة ستنحدر من عينى بعد لحظات قليلة ..
حاولت بقدر استطاعتى تمالك دمعة من الإنحدار و أنا أتجاوزه ، ليس هذا ما انتظرته من صدر أيقنت أن لا مآوى لى سواه ، و أمل تجسد بخطواتى التى خطوتها إلى حيث أجده ، حبست دمعتى على وعد بأن أحررها ما إن أبتعد بضعة خطوات عنه ، غير آبهة بمن تقف أمامى كتمثال لا يفهم ما يدور ..
و لكن اليد التى قبضت على خصرى ، و أحاطته من الخلف لم تترك لى مجالاً أخر إلا أن أحرر صرخة مكتومة و اليد تشد علىّ ، و ذات الشخص الذى أهرب منه يلاصق خدى ليهمس بأذنى : " ماذا تظنين نفسك فاعلة ؟ "
ابتلعت ريقى بفزع من همسه ، و كأنه ينتقم من عنادى و مقاومتى بحدة تقتل ما قد يكون من لين بيننا ، ليتابع : " أتظنين أنكِ قد تذهبين هكذا كما جئتِ ؟! "
استشعر رجفة تسير بجسدى ، ربما يظنها إثر البرودة الخفيفة التى تسرى من حولنا ، ليرفع يده الأخرى يمسد بها على ذراعى ، هاتفاً بنبرة أخشى أن أصدق ما فيها من دفء : " جئتِ بإرادتك ريلينا ، هلا كشفنا غطاء المراوغة !! "
ابتلعت شتات الفزع و أنا أهمس : " لم أتِ لأجلك "
استشعرته يبتسم و يده تخفف من قبضتها على خصرى ، معقباً : " إذن لا ضغينة تحملينها ، يعنى أننا نستطيع التحدث كما العقلاء ! "
طرفت بعينى لأمنع دمعتى من الإنحدار ، هاتفة : " لا تتصرف و كأنك برئ "
لم يتحرك بوصة من وضعيته ، لأعقب : " هلا تركتنى ! نحن بوسط العامة "
حررنى من قبضة ذراعه دون أن يتحرك من خلفى إلا خطوة واحدة ، تاركاً المجال بقطرات ماء متناثرة خفيفة تحل بيننا ، ليبقى الوضع صامتاً ، دون أن أقدر على الإلتفات لمواجهة عيونه التى تعكس حدة أعلم تمام العلم أنها مصطنعة ، و رغم ذلك أجهل كيفية تحكمه بها ، إما أن شيئاً من قسوة الجندى البارد قد عاد إليه ، أو أنه يحن إلى العودة !!
طأطأت أنظارى أخيراً ، مُعترفة بما قد يحدث و أنا بالقرب منه ، لأهمس و كأننى أخاطب نفسى : " أنت أنانى .. لم تعد تفكر إلا بنفسك "
همس مردداً : " و أنتِ قاسية .. لم تعودى ترأفى بحالك ! "
ابتسمت سخرية و أنا أهتف : " و هل عنى حالى لك شيئاً !! ألم تنتوى عدم العودة ؟! أى حال تتحدث عنه !! "
تركت خصلات شعرى تنسل لتخفى عينى و قد بدأت أخشى دمعاتها ، لأحس باقتراب أنفاسه و هو يهمس : " عنى لى كل شئ .. كنتِ أنتِ حكايتى ! "
هل أنا من تهذى أم أنه يجاهد لأجل التحدث بوضوح !
و نبرته ما الذى يدفعها للتعلق بشئ من دفء الماضى ؟!
حاولت جاهدة تمالك صوتى المخنوق و أنا أهتف : " ترانى مذنبة ! "
" أراكِ حكاية لم تنتهى "
همس بها من جديد و كأنه يملك كل مفاتح الحاضر القادم ، قبل أن يفتت ما يتبقى من عناد يسكن شيئاُ بداخلى ، هاتفاً : " تريننى خطيئة ! "
ابتسمت قهراً و أنا أهتف عنه : " أراك خطيئة !! أنت خطيئتى التى لم تغفرها "
دفء مميز غشى على نبرته هامساً : " خطيئتك لم تجد لنفسها مكاناً بعيداً عن سماكِ "
استسلمت لعباراته و كأن بها شئ من الخدر ، لأعقب بهمسى : " أملى لم أعرفه إلا فى عيونك .. و أنت تعلم هذا "
استشعرت ابتسامة خافتة تحل على ملامحه ، ليهمس : " أعلم و لكنكِ تكابرين "
لا أعلم إن كان مطر الشتاء الأخير قد انقلب صيفاً ، و تحولت البرودة إلى طقس حار .. أم أن دفء نبرته الهامسة كان السبب فى هذا الإحساس ..
همس بخفوت : " ما كنت لأقصيكِ عن عيونى إلا لحمايتك "
أخاف اقترابه أكثر ،، و ما بقى بيننا مليمترات ليقتربها ..
همست محاولة تمالك نفسى كى لا أذرف ما يتجمع من دموع بقربه ، ليس كبرياءً بقدر ما هو عناداً ، و أعلم أن دموعى تفضل صدره عن وسادتى ، بل و عن كل وسائد سانك و ربما ألمانيا ،، عادت جملته الأخيرة تتكرر على مسامعى ، و يده ترتفع لتتخلل خصلات شعرى المبعثرة على كتفى : " ما كنت لأقصيكِ عن عيونى إلا لحمايتك "
تمتمت بهمس مجاهدة دموعى : " كنت لتحمينى من نفسك أولاً "
يكفينى هذا القدر و لأرحل ،، بقائى هنا سيهدم كل ما بنيته من جدران تفصل بيننا ،، لا أريد الإلتفات كى لا أواجه صدره بدموعى ، ولا أريد أن أفقد تمالكى بأخر اللحظات .. أهمس لنفسى أن أتمالك قليلاً ، فلم يبق الكثير لديه ،، قليلاً فقط .. قليلاً .. و لكن رجاءً لا تزد حرفاً واحداً .. لا أحتمل .. رجاءاً ..
كانت عبارة واحدة تلك التى همس بها خلف أذنى : " ألا تكفينا أعذارنا لتكفر عنا تلك الخطيئة ؟! "
و ما كانت تلك الخطيئة سوى مشاعر قيدناها و أسرناها و حرّمنا عليها البوح..
عاد يهمس فى أذنى : " عدتِ .. و أعلم أنكِ ما استطعتِ غير ذلك "
تحررت دمعات دون أن تصطحب شهقاتها ، لأهمس من بينها : " و ما عدت إلا لأجلك "
نطقتها ..
نطقتها و لم أملك نفسى و أنا أستدير ملاحقة دمعاتى التى تطايرت كما تطاير كبرياؤه ، و موجهة قبضتى نحو صدره بأقصى قوة استطعتها ، موقنة أنها لم تكن بتلك القوة التى تحّمل بها ضرباتى ، لخصت كل غضبى فى تلك الضربات المتتالية ،، و انهيت كل كلماتى التى لم أدريها و لم أفعل سوى أننى بعثرتهم بوابل من القذائف التى انهالت عليه ، و كأن ناراً بداخلى لاتزال ترفض أن تنطفى ، أو لكأننى أنزل به ما يستحق من عقاب إثر الضعف الذى يفطننى أنه بى و سيبقى ..
دموعى المتناثرة مع قطرات الماء التى لم تخف ، و تلك الكلمات التى همست بها بين شهقاتى صائحة : " أنـ..ـت .. أنـت.. ماذا فعلت .. لم أتصورك قاسى لذلك الحد .. لـ..ـماذا .. لــ..ــماذا لا أزال أريدك ! "
ما الذى أصرخ به و أنا على دراية أنه صريح !! لماذا يفارقنى عناد أحمق لم يتفتت بطول الزمن الماضى !!
و هذا الشخص أمامى لماذا لا يُساعد !!
لم ألاحق دمعاتى و هى تتحرر لتحكى قصة ألم طويل ، حانقة : " لماذا لاأزال أريدك !! "
هتفت بها و قد بدأت قوتى تفنى ، فلم أقدر على أكثر من ذلك و قد بدأت تلك الضربات التى أوجهها لصدره تؤلمنى أنا .. و تنهك قواى .. و ذلك الجدار الذى أصب غضبى عليه لم يتحرك ، و لم يهمس بكلمة واحدة ..
" تأخررررت .. تأخرررت كثيراً "
سادت لحظة من الهدوء و الصفاء لا يقطعه إلا صوت ضرباتى أنا .. شهقت دمعات صارخة : " ألف رجل غيرك يتمنانى .. ألف عرض للزواج يغنونى عنك "
رفعت عيونى نحوه أرجوه بأن يخلصنى من عذاب و صراع يحرقنى أمامه ، صراع يرفض أن ينحل ، و براكين تشتعل بجوفى ، حانقة : " فقط أجبنى !! "
انقطعت ضرباتى فجأة .. ليصرخ هو عن الشتاء : " أنـــــتِ لــســـت صــفــقـــة !! "
أمسك برسغى على غرة و صعقنى اكثر مما فعل ذلك البرق الذى ضرب السماء ، شد قبضته على يدى ، رفعت نظرى بلحظة نحو هذه العيون التى اخترقتنى اعمق مما فعل هذا الرعد الذى خرق غشاء الكون و أثاره ..
بين ظلام اللحظة و ظلام الليل ، برقت السماء بالبرق الأبيض الشاحب قبل رعده ، لألمح تلك النظرة التى صوبها نحوى .. لم أفكر فى أن أفهمها .. و لم أنوى ..
فقد استشعرت لحظات أفلتت من مدار الزمن ، غير آبهة بحجم الجرم الذى سببته هذه اللحظات ، أو ربما حجم الجريمة التى يقترفها الزمن ، تلك الجريمة التى باتت تؤرقنى كل يوم ، تلك الجريمة التى بدت واضحة بعيونه أمامى ..
تذكرون صخرة القمر اللامعة ؟! ، تلك الصخرة الضائعة التى انشقت لترسم عينين لا تجدوا بالكون مثلهما ، إنهما عيناه ، قد بات لونهما لم يتغير ، و إحساسهما كما هو ، يخترقنى و يتغلغل بداخلى ، ذاك التخدير الذى يسربه إلى نفسى فيجعلنى أستسلم له ..
بقيت محدقة به و يداه قد أمسكتا برسغىّ ، ليعيد صرخته همساً : " لستِ صفقة للأمراء !! "
جذبتنى ذراعه ، و انجذبت انا معها ، شد إليه يدى ، و ارتميت أنا معه ، شدنى بقوة إلى صدره ، و لم أدافع أنا و لم أقاوم .. و كأن غضبى كله قد لخصته دمعات اصطدمت بصدره ،، احاطنى بذراعه و ضمنى إليه بقوة ، يخلصنى من هذا البرد الذى مللت منه ، و يعيد إلى نفسى إحساس الدفء الذى اشتقت إليه ..
احتياجى إليه و إلى ضمة صدره ، هذا الإحساس الذى بقيت أحلم به منذ فارقنى ، و هذا العناد الذى تكسر بهذه اللحظة ، هذه المكابرة التى مللتها ، و إحساسه حولى و أنا طفلة بين ذراعيه ، قد بقيت ذراعاه تحوطا خصرى و ظهرى ، نستمع سوياً لصوت بكائى الذى انفجر محرراً كل ما حبسته من دموع منذ التقيته أول مرة ، و أين أنا من ذاك اللقاء الأول ..
هناك الكثير لم أصرخ به بعد ، و الكثير من المشاعر التى لم أحررها ، و لم تسمح لى دموعى سوى بالهمس : " كيف .. كيف تركتنى وحدى .. و كيف لم تخبرنى .. لماذا !! "
ضمنى إليه أكثر و استشعرت نفسى أغوص فى صدره أعمق ، و أنا اسمع همسه : " ما الذى فعلته بكِ !! "
عاد يهمس و قد تعانقت كلماته مع قطرات المطر : " ريلينا أنا مِت يوم تركتك و ذهبت ! "
قد كسرنا قواعد كثيرة بتلك اللحظة ، و كأننا تعالينا فوق أسوار العناد لنتعانق تحت رذاذ المطر ، أو لكأن أرواحنا قد تسامت لأعالى السماء ، حيث لا يطالنا كبرياء ولا سواه من صفات البشر ..
لم أصمت أنا .. و كيف لى أن اصمت و قد قضيت زمناً أشتاق للبوح !!
استشعرت يده تمسح على شعرى المبلل و يده الأخرى تحوطنى و كأنه يحفظنى بداخل صدره للأبد ، لأحرر أخر ما يستحكم من حلقات قابضة على قلبى ، و أنا أهمس باكية : " روحى فيك يا هيرو "
شدت على قميصه و أنا أصرخ همساً : " كيف تفعل هذا بى ! .. لا تتركنى "
عاد يضم رأسى إليه أكثر ، معانقنى برقبته هامساً بدفئه الذى يآبى إلا أن يتغلغل لأعماقى التى تشابه الصقيع ببرودتها : " أبداً لن يحدث يا ريلينا "
حررت كل ما كُمد بصدرى من أنفاس بطوال الشهور الماضية ، مرددة باختناق صوتى : " لا تدعنى أذهب "
تخللت أصابعه خصلات شعرى و هو يهمس بأذنى : " لن أتركك تذهبين "
أتعلمون بإحساس الأمان بعد الخوف ؟!
لا يدرك أحدهم معنى الأمان إلا بعدما يُصارع خوفاً بجوفه و فزعاً من الدنيا ، و لكن باللحظة التى يتوقع فيها بمآواه ، يتيقن أن المهرع يستحق الطريق الشاق ..
مشاعر قد لا أستطيع ترجمتها كلما تذكرت تلك اللحظة ، لحظة الهروب من العالم إلى صدر من تحب ، اللحظة التى تصغر الدنيا بعينيك حتى ينعدم إحساسك بها ، و بالمقابل ، يطغى دفء مآواك على كل شئ ..
إحساس لا يمكن لكائن بشرى أن يعيشه قبل أن يتعالى فوق عناده و كبرياؤه .. و صدقونى ، يستحق !!
مشاعر تلخص معنى الحياة ، و إحساس يكفى أن يربطك مع من يسكن فؤادك ..
ليست كلمات أكتبها لننتهى ، و إنما هى عالم كامل يتسامى فوق عوالم خطايا البشر ..
زمن قد يطول لساعات دون أن نستشعره ، و ضمة واحدة قد نتذكرها بعد ذلك و نظنها حلماً جميلاً من السماء ، و لكن يبقى دفئه يسكن بدواخلنا مهما مر علينا بعد ذلك من سنون ، و كلما عادت أكاذيب الدنيا تُحاول أن تحتل مساحة بين المحبين ، شئ من الدفء سيطغى ، لتُرد المحاولات الماكرة بنحور أنفسها ..
متيقنة أن معنى الحب أسمى ، فعبرته ليست فقط بما نمر به من مصائب و طبيعة بشرية ، و إنما متى و كيف نكسر هذه الحواجز الدنيوية .. ما الذى نختاره بالنهاية ، و متى نقرر ذلك ..
أتعرفون إحساس تلك الطفلة البكّاءّة التى تفتش عن دبها لتتخذ لنفسها فراشاً بين ذراعيه ؟! و تقلب الدنيا رأساً على عقب و تعود لتبكى بين أحضانه !
أتعلمون بأمر الطفلة التى تنام محتضنة دبها و تستيقظ لتجد الدب هو الذى يحتضنها ..؟!
هذا أنا .. و هذا هو الإحساس الذى غالبنى حتى انتصر ،،
ابتلعت كل ما يحيرنى من دمع هادئ ، لا يشغل بالى سوى المعزوفة التى تتجسد بخفقاته ، و إحساس صدره و كأنه عالمى أنا وحدى ..
لئلا أفعل بعد بكائى سوى السكون لضربات قلبه التى باتت قريبة .. قريبة جداً .. و أنفاسه الساخنة التى تحوط رقبتى متحدية برودة الشتاء ، مُعلنة أن بضمته ينتهى الفصل البارد الدافئ ..
عاد يمسح على شعرى و يضمنى أكثر ، و ما بقى أعمق من ذلك ، فوسط ذاك الصقيع الذى يحيط الدنيا و يملأها ، أحسنى أكثر ما أكون دفئاً بين أحضانه ، و أقرب ما أكون إلى نفسى ..
مرر يده و أصابعه بين خصلات شعرى لمرة أخيرة ، قبل أن يهمس بأذنى : " أحبك "
دقت خفقات قلبى طبولاً و أنا أستعيد كل ما مر على هذه الكلمة من تحديات ، لتبقى صادقة بإحساسى بها كلما عشتها ، ابتسمت برضا و أربعة أحرف تتخلل غشاء الكون فتنتصر ، لأضمه إلىّ و أنا أهمس : " لا يعنينى شئ سوى هذه الكلمة "
استشعرت طلة ابتسامته و هو يرفض أن يحررنى من صدره ، هامساً : " لا يعنيكِ أى شئ مهما كان ؟! "
أجبت دون أى تفكير : " مهما كان "
" حتى لو أخبرتك أن كاميرات الصحافة كلها تُحيط بنا "
فتحت عينى بسرعة و حدقتاى تتسعا ، مستشعرة تصلب يُصيبنى و مقابله ضحكة تنسل من بين شفتيه دون أن يبعُد عنى ، لأهتف : " هيرو !! "
و كأن العبارة التى تفوهت أنا بها ’ مهما كان ‘ تنطبق عليه أكثر منى ، بقى ضاممنى و هو يهمس : " هل صرحتِ رسمياً برفضك للأخرق الإيطالى ؟! "
طرفت بعينى مرتين و رأسى لاتزال متقوقعة بكتف قميصه ، مرددة : " أهذا وقته الآن !! "
ابتسم مجيباً : " فقط أجيبى ! "
حررت نفساً مستسلماً معقبة بخفوت : " لا "
" إذن دعينى أصرح نيابة عنكِ "
لم أحاول أن أفهم ما يقصد ، حتى و هو يُحررنى أخيراً ، لأرفع رأسى نحوه متعمقة بعينيه و لونهما الدافئ .. مبتسماً !!
ابتسمت أنا الأخرى دون أن أعبأ بإضاءة الكاميرات التى تيقنت من إحاطتها لنا ، لأهتف : " أى فكرة مجنونة تدور برأسك ؟! "
ابتسم دون أن يترك لى الفرصة بمعرفة ما قد ينسجه من أفكار برأسه ، و لكن رغم ذلك أتيقن أن هذا الشخص الذى يملكنى ليس بالسهل عندما ينتوى أمراً ..
" هيرو !!! "
همست بها بصدمة و أنا أتفطن لحقيقة ما يفكر فيه ، لترتسم ابتسامة ماكرة على شفتيه و هو يميل نحوى ، هامساً : " دعى العالم أجمع يتيقن أن أميرتى تخصنى وحدى "
تضاربت أنفاسى و اشتعلت براكين الشغف التى خمدت لأشهر و هو يميل نحوى أكثر ، لتنعكس نيران شوقى بعينيه و هو يثبت لى أن له اليد العليا فوقى ، هامساً بأخر لحظة أرى فيها ضوء الكاميرات من حولنا ، قبل أن أغمض عينى باستسلام : " أحبك ريلينا "
دفء يتخللنى و كأن غضب الدنيا كلها قد تسرب نحو الأرض مفارقنى و مودعنى ، و تاركاً فقط إحساس الشتاء الدافئ يحتوينى فى مشهدنا الذى تلتقطه الكاميرات دون أدنى اهتمام منا ، و كأنه مشهد النهاية ..
هذه النهاية التى انتظرتها طويلاً و تعبت حتى كففت عنها ، فعادت هى – ولا ادرى ما هى – تلاحقنى ..
هذه المشاعر التى سكنت أجوافنا لسنون ، لتتلخص بلحظة واحدة نُحلق فيها بعيداً عن الأرض ، و نتعانق بها فوق سحاب يخصنا ..
تاركين البشر بأهوائهم ، تاركين بلدان العالم بصراعاتهم ، المملكة التى تنتظرنى ، و الإحتفالية التى لا تهمنى .. تاركة كل من أعرفه من أشخاص ، و كل ما أئلفه من ذكريات ..
دون أن يهمنى من كل ذلك سوى المشهد الخالص ، الذى تجسد فى صدره الحانى ، فى همسه الصامت ، و قبلة صادقة تلخص معنى يسكننا منذ زمن ، منذ أن أطللنا على الدنيا ، ليكتب لنا القدر نهاية بحاجة إلى حروب حتى نصل إليها .. بحاجة إلى تعالى فوق أهوائنا ، و بحاجة إلى أن نتعاهد بكل لحظة ألا يعنينا أى شئ ’ مهما كان ‘ سوانا .. سوى ما بيننا ..
متيقنة ، أنه بدفئه ، و قلبه الذى يسعنى مهما تحامقت ، سيبقى صدره فى النهاية منحياً كل الدنيا جانباً ، و متسعاً لى أنا ، و وحدى أنا ..
~ * ~
يـُتـبـع فـى الـرد الـتـالـى
تـابـع الـفـصـل الـثـلاثـون
’’ دفء هادئ ينسل بين خصلات شعرى ، يفطننى أن سواد الليل قد انجلى ، و أن قمر الليلة الماضية قد توارى خلف الغمام ، تاركاً مساحة السماء للغزو الجميل البهىّ .. الشروق .. لأبتسم دون وعى و أنا أهمس بصباح الخير أو مساء الخير ..
تابعت الأنامل الدافئة انسلالها ، قبل أن تعود تداعب وجنتى بخفة ، أنفاس تحتوى وجهى و رقبتى ، و إحساس قوى بداخلى أن هناك من يبتسم أمامى ..
ابتسمت و أنا أضغط بخدى على كف اليد ، هامسة : " كيف أنت ؟ "
" كيف أنتِ ؟ "
همس بها لأبتسم من النبرة التى تتغلغل بداخلى ، متململة بإحساس دافئ ، قبل أن أتفطن أننى قد أفيق بعد لحظات لأعود لواقع لا يمت للدفء بصلة ، لتعود الكرّة تدور من جديد ، بألمها و عذابها ..
عادت كلمات أخى تتردد على مسامعى ؛ " لن تعرفى أبداً إن لم تخوضى الغمار بنفسك "
ابتسمت باستسلام راضية بكل ما يفاجئنى ، لأحرر نفساً قوياً قبل أن أقرر فتح عينىّ ، متجاهلة ما أشعر به من إحساس آمن ، و مواجهة الدنيا ..
فتحت عينى ببطء ..
بأى وقت اُختطفت أنا لأُحبس بوسط الفضاء ؟!
متى تمكن الإنسان من جمال لون السماء الكُحلى بنجماتها اللامعة ، متى تحول سواد الفضاء الشاسع لأزرق داكن يعكس دفئاً و عمقاً لا يُجسده كون !!
ارتعبت من فكرة أن أطرف بعينى حتى ، خشية أن يُبعد المشهد الذى أعيشه عن ناظرىّ ، هل أفقت من حلم أنا لأعاصر حلماً أجمل ؟!
ابتسم الكون كله و أنا أتبين أننى مُحاصرة بوسط عيونه ، ليتحرك بؤبؤا عينى متأملة ما أستطيع و متشربة ما أقدر عليه من معنى للحياة يتخلل الدنيا ..
ابتسم بخفوت هامساً : " صباح الخير "
صباح الخير ؟!
أى صباح يتحدث عنه و أنا متقوقعة بقلب السماء حيث لا ضى إلا عينيه !!
أغمضت عينى بهدوء راجية أن أعود هذه المرة للواقع الذى أقصده ، أو أن أبقى محلقة بسما الحلم للأبد ..
انسلت أنامل من جديد بين خصلات شعرى ، تُبعد من على وجهى ما تقدر عليه من تمرد عفوى ، لتبدأ خفقات قلبى بالإستيقاظ شيئاً فشيئاً و أنا أتيقن مما قد يحويه الواقع ..
انسلت أنامل اليد نحو وجنتى ، لتداعبنى بخفة تحثنى على فتح عينى من جديد ، لأرضخ أنا لها متوجسة مما قد أراه ..
" و كأنكِ رأيتِ شبحاً ! "
همس بها بابتسامة ساحرة ليبعثر كل ما قد يحتل مخاوفى ، لأعود أطرف بعينى مرتين غير قابلة لتصديق ما أعيشه ..
" أو ربما تحاولين الهروب من الواقع ! "
هتف بها و أصابعه تتابع حركتها ، قبل أن يحيط رأسى بها و هو يشدنى إليه ، ضاممنى إلى صدره دون أن أقاوم أنا ، هامساً : " و لكنكِ أبداً لن تفلحى فى الهرب "
ابتسمت أخيراً و كأننى أقبل بهذا الواقع ، لأتشبث به هامسة : " صباح الخير "
أبعدنى عنه و كأننى أرفض أن يبعدنى أحدهم عن طوق نجاتى ، لأرفع رأسى نحوه محدقة به ، هامسة : " أخبرنى أن هذا ليس حلماً ! "
ابتسم بخفوت و هو يطبع قبلة خفيفة على يمين جبهتى ، هامساً : " ليس حلماً "
عاد يحدق بعينى ، متابعاً : " ليس بعد الآن ريلينا .. كفانا أحلاماً "
رفعت يدى باستسلام نحو وجهه ، متلمسة دفئه و أنا أُبعد خصلات شعره عن مرمى عيونه ، هامسة : " هل أنت حقيقة ! "
ضغط بيده فوق كف يدى ، مبتسماً و هو يقبل قلبها ، تاركنى أنكر وجود بلل بأطراف عينى و أنا أتحسس وجهه أكثر ، هامسة : " ألن أفيق لأجد فراغاً أمامى ! "
لم يجب كلاماً ، و إنما انعكاس عينيه بصورتى قد يقننى أن الأحلام تتحقق ، و أن نهاية الآلام لها واقعاً بكوننا ، لتنحدر دمعتى بحرية و أنا أرتمى برأسى فى صدره ، متحررة صيحتى : " يا إلهى .. هيروو .. اشتقت إليك "
تاركة رأسى تغوص إلى القدر الذى أريده ، متنسمة الرائحة الوحيدة بالعالم التى تُسكن قلبى و كأنها تطمئننى أننى على قيد الحياة ..
ملاحقة أنفاس تتصارع لأجل احتواء ما أقدر عليه من عبقه ، هامسة ببوحى الخافت المتصارع : " اشتقت إليك "
أحاطتنى ذراعاه ضاممنى إليه ، مقرراً أنه لن يُبعدنى عنه قبل أن أكتفى من دفء صدره ، و هو يعلم أننى لن أكتفى ..
شدنى إليه أكثر و أنفاسه تحوطنى ، مقبلاً كتفى بما يملك من صمت ..
صمت يشابه صمتى الصارخ ..
صمتى لا يقدر على سرد ما يعنى أن أدفن كل آلامى بصدره بعد زمن من الموت ..
ما يعنى أن نتخطى كل شئ لأجل لحظة أدرك أنها تعنى حياتى ، تعنى حياته .. تعنى حياتنا ..
نُعلن أننا قد أهدينا القدر حكاية يفخر بها ، و خلصناه من حيرة لازمته لدهور لا تاريخ لها ..
أدفن رأسى أكثر متنسمه عبقه ، لأنثر منه شيئاً على الزمن ، ليلين جانبه مع ألف حكاية و حكاية مهما تعالت لن تنل من حكايتنا شيئاً ..
أصرخ بصدره باشتياقى ، اشتياق لن تسعه أرض ولا سماء ، و قبضة يده حولى تؤكد لى أن بيننا سيبقى رابطاً أبداً أقوى من جاذبية شمس مجرتنا ..
متجاهلة أخيراً ما يبلل وجهى من أمل يتناثر منى ، و رافعة رأسى نحوه لأحدق ببسمة تأبى إلا أن تزيده بهاءاً ، لتنفرج منى ضحكة رغماً عنى ..
~ * ~
ضحكة هى ما ينقشع غمام الليل إثرها ، و دمعات تجسد أحلاماً بكيناها زمناً ، رافضين أن يتعالى بيننا حُلم إلا و نعيش نحن أروع منه ، متأملاً وجهها دون أن أفكر فى الإكتفاء ، لكأننى بهذه اللحظة أختار الخلود على وضعيتنا ، لا يهمنى من الدنيا ولا الكون سوى أميرتى بين يدىّ ، بصدرى ..
و ضحكة منها تجلجل باتساع فضائى الشاغر إلا منها .. لأبتسم رغماً عنى و أنا لأول مرة لا أرفع يدى لمسح دمعاتها ، و إنما أعود أشدها إلى صدرى لتنشر شيئاً من أمانها بداخلى ..
أشتاق لتغاريد الأمان التى تزقزق بكيانى فقط بيدها التى تستقر بصدرى ، أو بأنفاسها التى تعانق قميصى توقاً و اشتياقاً ..
تعانقت أمالنا مع أحلامنا بلحظة صمتنا الثرثار ، قبل أن أُبعدها عنى أخيراً ، مشتاقاً لزبرجد عينيها و صفاءه ..
~ * ~
" جهزت الفطور قبل استيقاظك "
هتف بها بنبرة سعيدة و كأنه فارس قد انتصر لتوه بمعركته ضد وحش كاسر ، ليرفع خصلات شعرى المبعثرة من جديد متابعاً : " و أحضرت لكِ بعض الثياب "
طرفت بعينى مرددة : " هل اشتريتها بنفسك ؟! "
ابتسم مردفاً : " أوانسيتِ من كان يرافقك بتسوقك الممل ؟ "
ضربت أنفه بإصبعى معقبة : " ليس مملاً "
أبعد رأسه مردداً : " اثبتى لى العكس بتسوقنا القادم "
حررنى من قبضته و هو يتحرك من مكانه ، هاتفاً : " أمامك خمس دقائق فقط لتستعدى للفطور "
تاركنى أعود برأسى إلى الوسادة متململة : " اتركنى لبضعة دقائق فقط "
تحرك من جلسته فوق الفراش ، مردداً : " ولا دقيقة واحدة ، لم ترىّ كيف نمتِ البارحة ما إن خطونا داخل الشقة "
طرفت بعينى بشئ من الإحراج ، مرددة : " كيف نمت !! "
كتم ضحكة تراوده و هو يعود برأسه نحوى ، متفحصاً ملامحى و هو يجيب : " لا فكرة لديكِ "
هتفت بدفاع : " هيرو أنا لا أمزح !! كيف كانت حالتى ! "
ابتسم بهدوء و هو يتأمل ردة فعلى ، هامساً : " كملاك هارب من السماء ليستوطن قلبى "
تابع توهج وجنتىّ و أنا أغوص برأسى فى الوسادة ، قبل أن تتحرر منه ضحكة خفيفة مبتعداً عن الفراش ، مردداً : " نمتِ على الأريكة و اضطررت إلى نقلك للغرفة "
ابتسمت بخفوت و أنا أتابعه يبتعد عن الفراش ، معقباً : " أمامك خمس دقائق فقط ريلينا "
خرج من الغرفة مغلقاً الباب من ورائه ، لأحرر أنا نفساً مُطارداً و ابتسامتى تأبى أن تُمحى ، تاركة نفسى أنل ما أستطيعه من نعومة الوسادة ، قبل أن أتفطن لأشعة الشمس المتسللة من النافذة ، لأبتسم بسعادة و أنا أتيقن أن تأثير الشخص الذى غادر الغرفة لتوه ، أسمى عندى من أى تأثير كونى ..
كأنه هو شمسى و قمرى .. بل و دنياى كلها ..
~ * ~
طرقت بقدمها طرقات متتابعة عنيفة على البلاط الملكى ، ليفاجئها أحدهم من الخلف بهتافه : " ما الأمر يا هايلد ؟! "
استدارت نحوه بنظرات مشتعلة تأبى أن تعترف أن بها دمعة معلقة ، و هى تقذف بالجريدة من بين يديها نحوه ، صارخة : " انظر بنفسك "
طرف بعينه على حالتها قبل أن ينتقل بأنظاره نحو الجريدة ، و هو يعقب : " ما الأمـ... "
فغر فاهه و هو يقطع عبارته ، لتتوقف أنفاسه للحظة و هو يصيح : " يا إلهى !!! "
بقى محدقاً بالجريدة للحظات طالت ، قبل أن يتمالك نفسه و هو يحرر أنفاساً متتالية ، لترتسم بين لحظة و أخرى ابتسامة واسعة على شفتيه و هو يكاد يقفز مكانه و هو يبتلع الخبر ، صارخاًً : " ريلييينااا ، لقد فعلتهااااا "
" هل أفهم أنك تقف إلى صفها أيها المعتوه !!! "
صرخت بها هايلد و هى تقترب منه بتهديد واضح و صريح ، ليتراجع هو إلى الخلف خطوة دون أن يتوقف عن ابتهاجه ، مردداً : " ما بكِ يا هايلد !! ألم ترى الخبر بطول الصفحة !! "
صكتّ على أسنانها و هى تدفعه من كتفه صارخة : " هى غبية و هو غبىّ !! أى شئ تسعد أنت لأجله !! "
طرف بعينه و هو يستشعر إحساساً جديداً يسيطر عليها ، ليتقرب منها بهدوء مردفاً : " بربك يا هايلد ، ما الذى يزعجك بالأمر ! ألم تكونى أنتِ من يحمل هم ريلينا بالشهور الماضية ؟ "
تطايرت منها دمعتها إثر انفعالها و هى تهتف بصوت مخنوق : " أحمل همها أجل ، و لكن أن تفعل هى هذا و .. و .. غـبـيــــة ! "
بقى ديو صامتاً للحظات طالت قبل أن يستند أحدهم بيده على كتفه من الخلف ، هاتفاً : " ما الأمر ؟! "
التفت ورائه نحو وفيه و تروا ، ليرفع الجريدة دون كلمة بوجههما ، مدركاً كيف انقلبت ملامحهما من هادئة صامتة لمصدومة صارخة ، طل بوجهه و هو يُبعد الجريدة ، بابتسامة عريضة متهللاً دون أن يتفوه بكلمة واحدة ..
" صباح الخير "
التفت أربعتهم نحو باب غرفة الطعام و ليوناردوا يطل عليهم ، ليطرف بعينيه مرتين معقباً : " ما الأمر ؟! "
ارتبكت ملامح الجميع و ديو يُخبئ الجريدة خلف ظهره ، مبعثراً اضطراب الوضع بابتسامة و هو يتجه نحو مائدة الطعام ، مردداً : " أبداً .. أنا سعيد لأننى هنا "
ختم عبارته بضحكة مجلجلة و هو يحرص على ثنى الجريدة على ظهرها بدلاً من وجهها ، لتقطع عليه حركته هايلد و هى تهتف بنبرة باردة مشتعلة : " ليوناردوا .. أين أختك ! "
تابع طريقه نحو مائدة الطعام بهدوء و هو يهتف : " لديها عمل خارج سانك "
اتخذ مجلسه بذات اللحظة التى طلت نوين برفقتها كاثرين و نانسى للغرفة ، بابتسامات بشوشة تُزين ملامحهم ، ليقفوا ما إن لمحوا ملامح هايلد المنفعلة ، لتهتف نوين : " اهناك خطب ما ؟! "
صكت هايلد على أسنانها مرددة : " أين الغبية ريلينا ؟! "
طرفت نوين مرتين بعينيها و هى تردف : " ريلينا لديها عمل خارج سانك ، لماذا تسألين ؟! "
" عمل عمل عمل .. أنتم مغفلون "
صرخت بها و هى تجتاز نوين جهة الباب ، و دبيب خطواتها يسمعه الجميع بنظرات مذهولة ، لتصطدم بكتف كواتر و هو يخطو للداخل بابتسامة بشوشة مردداً : " صباح الخير "
دفعته بعيداً عنها و هى تردف : " صباح الغباء "
تنهدت كاثرين و نانسى و أولهما تهتف : " أى طيش بدأت به اليوم ! "
أعقبت نانسى : " عذراً جميعاً ، سأذهب لأرى ما بها "
تحركت من مكانها لتلحقها كاثرين مرددة : " سأتى معك "
انسلتا من الغرفة ليتنهد الجميع عدا الجالس على رأس الطاولة بشعره البلاتينى الطويل ، يرتشف قهوته بهدوء و صمت ..
اتخذ من تبقى بالغرفة مجلسه حول المائدة ، ليتحرك ديو جهة كرسيه و هو لايزال يحاول إخفاء الجريدة بعيداً عن الأعين ، ليطرف كواتر بانظاره مردداً : " ديو ، ما خطبك ؟ أهناك شئ ؟! "
انقلبت ملامحه لأخرى مرتبكة مردداً : " أبداً ، لا شئ .. أنـ.. "
لم يتابع عبارته و الجريدة تقع من يده المُخبأة خلفه ، ليلتفت الجميع بأنظارهم نحو الصورة التى تحتل نصف الصفحة الأولى ، لتفغر نوين فاهِهة بدهشة دون أن ترفع أنظارها عنها ، و تضطرب ملامح ديو و هو يحاول يائساً انتشالها ارتباكاً واضحاً ، قبل أن يلتفت هو و نوين بأنظارهم نحو ليوناردوا الذى سحب أنظاره بهدوء جهة فنجان قهوته .. متابعاً رشفها و كأن شيئاً لم يكن ..
طرفت نوين بعينيها دهشة ، و ديو يفغر فاهِهه صدمة من رد فعله ، ليمد ليوناردوا يده نحو المنديل الأبيض يسحبه ببطء و هو يهتف بنبرته التى لا تخلو من وتيرته الهادئة : " هناك اجتماع الليلة بمكتبى لجنود الكاندام جميعهم "
تبادل ديو النظرات مع تروا و وفيه و كواتر ، ليهتف : " نحن الأربعة ؟! "
أجاب ليوناردوا بذات النبرة : " ظننتكم خمسة جنود ! "
تبادلوا النظرات من جديد و نوين لا تستطيع رفع أنظارها عن ليوناردوا و هى تجلس إلى يمينه ، قبل أن يقطع ديو الموقف و هو يسحب الجريدة مردداً : " سأذهب لتفقد هايلد سريعاً "
هتف بعبارته و انسل من الغرفة ، آملاً أن يستطيع فك رموز الذى يجرى ..
~ * ~
يـُتـبـع فـى الـرد الـتـالـى
تـابـع الـفـصـل الـثـلاثـون
قذفت بالوسادة جهة الباب النصف مفتوح صارخة : " هذه الغبية "
تنهدت كاثرين بيأس مردفة : " لا أستطيع فهم ما تحاولين قوله هايلد ، هلا هداتى و كففتى عن إهاناتك لريلينا و أفهمتِنا ما الذى يجرى ؟!! "
" أنا الأخر لم أعد أفهم ما الذى يجرى !! "
التفت ثلاثتهم بأنظارهم جهة باب الغرفة و ديو يطل منها و الجريدة لا تزال بيده ، ليهتف : " ليوناردوا لم يتفاعل مع الخبر !! "
وجهت هايلد نحوه نظرة ثاقبة لتردف كاثرين : " أى خبر تتحدثا عنه !! "
رمتها هايلد بنظرة مشتعلة و هى تقفز ناحية ديو لتجذب منه الجريدة ، فتحت أولى صفحاتها أمام نانسى و كاثرين ، ليفغرا فاهِهما بصدمة ، و هايلد تردف : " الحمقاء ، سافرت إليه ليتصالحا !! "
تمالكت نانسى رد فعلها و هى تقاوم ابتسامة ترتسم على شفتيها ، مردفة : " إذن ، ما الذى يزعجك بالأمر ، ذهابها ؟! "
لم تمنع كاثرين ابتسامة من أن تشق شفتيها ، معقبة : " أم مصالحتهما ؟! "
رمت هايلد بالجريدة على الفراش صارخة : " أولاً كان لابد أن يأتى هو إليها لا أن تذهب هى إليه .. "
وجهت أنظارها نحو كاثرين متابعة : " .. ثانياً ما كان يجب أن يتصالحا إلا على مرآى منى "
طرف ديو بعينيه متدخلاً : " أى حمق تتحدثين عنه !! مما يبدو أنهما تصالحا و انتهى الأمر ! "
استدارت نحوه و هى تصك على أسنانها : " لا لم ينتهى الأمر .. فى النهاية سيعودوا إلى هنا .. سألقنهما درساً "
~ * ~
بقيت بمكانى مستندة برأسى إلى مغلق باب الغرفة ، و أنا أتابعه دون أن يدرى .. غير قادرة على منع ابتسامة من تخلل ملامحى الشاردة به ..
و أيضاً دون أن أمنع نفسى من السير بخطوات هادئة للداخل ، وقفت ورائه لأحيط رقبته بذراعى و هو جالس على طرف الفراش ، ليستشعرنى و يبتسم و هو يشد على يدى ، تاركنى أستند برأسى فوق رأسه ، هامسة : " هل يجب علينا العودة ؟! "
ارتاح برأسه للخلف و هو يجيبنى : " لا يغرنك هدوء ليوناردوا "
صمت لبرهة و هو يمسد على يدى متابعاً : " لو لم تكونى بسانك الليلة قد يأتى بنفسه ليقضى علىّ "
ابتسمت من عبارته متمتمة : " أنا سأحميك منه "
رفع رأسه ليديرنى حتى أجلس إلى جواره ، لأرفع أنظارى نحوه هاتفة : " ما الذى يشغل بالك ؟ "
حرر نفساً هادئاً و هو يشد على أصابع يدى بين أصابعه ، هاتفاً : " أفكر بتأسيس شركة بسانك .. شركة إلكترونيات "
طرفت بعينى على عبارته ، ليتابع : " أنا بالفعل بدأت بتأسيسها هنا ، و لا رغبة لى فى هدم ما بنيته حتى لو كانت بداية صغيرة "
أطرق بنظراته بيننا ليهتف : " جون و جاك و جين .. أحببت العمل معهم ، بالإضافة إلى أن شركتهم الناشئة بحاجة لمجهود قد أستطيع مساعدتهم به كى تنهض "
طرف بعينه و أنظاره لاتزال محدقة بالفراش ، ليتابع : " صحيح أننا لم نوقع أية عقود رسمية إلى الآن .. و لكن لى رغبة قوية فى تأسيس شركة تتعاقد معهم "
صمت لبرهة و كأنه يحسم أمراً ، قبل أن يهتف : " لا أدرى ما الخطوة التى من المفترض أن أتخذها الآن "
قاومت إحساساً لأول مرة يغزونى ، هيرو .. يبوح لى بمخطط يدور برأسه !!
أيعلم أى منكم ما يعنى هذا ؟!
أنا يكفينى بأننى أعلم .. يكفينى و يكفينى جداً !
إحساس بأننى أحمل مسئولية شئ يفكر فيه ، أشاركه قرار ..
أشاركه قرار !!
رفع نظراته عن الفراش نحوى ، ليحدق فىّ بنظرة شاردة ، ابتسمت بهدوء و أنا أهتف : " ما من شئ يمنعك من تأسيس شركتك بسانك ، و أيضاً ما من شئ يمنعك فى التعاقد معهم "
طرف بعينه مردداً : " و المنصب الذى أقحمنى فيه أخيكِ ؟ و عملى كحارس ؟! "
ابتسمت مرددة : " لن يمانع ليوناردوا أبداً رغبتك و اتجاهك فى العمل ، حتى لو لم يعفيك من منصبك كقائد للجيوش .. و لكن هذا لا يعنى أبداً أننى سأعفيك من منصب ملاكى الحارس ! "
تنهد بقوة معقباً : " و لكن ريلينا ، قد لا أستطيع تحمل مسوليات عدة ، بالإضافة إلى أن بعض الأمور قد تجد و قد أتحمل مسئولية إضافية قريباً ! "
طرفت بعينى متسائلة : " مسئولية جديدة ؟! ما تكون ؟ "
ارتجع بعبارته و هو يبعثر أنظاره بعيداً عنى ، هاتفاً : " لا شئ محدد .. أتحدث بشكل عام "
حررت نفساً هادئاً و أنا أُعيد أنظاره إلىّ ، مبتسمة و معقبة : " و لكننى أثق بقدرتك "
حدق بعينى هاتفاً : " هل أقدر ؟! "
حدقت به أعمق هامسة : " أجل .. تستطيع فعل أكثر من ذلك أيضاً "
لانت ملامحه و هو يرفع أنامله نحو وجهى ، هامساً : " أى حمّق يتملكنى لأبتعد عنكِ ! "
اضطرب نفس هادئ بصدرى و هو يحيطنى بيده ليضمنى إليه ، هامساً بأذنى : " ابقى بجانبى "
ابتسمت باستسلام و أنا أغمض عينى ، مردفة : " ماذا عن موعد الطائرة ؟ "
رفع رأسه و كأنه تنبه لحقيقة قد غفلت عنا ، ليهتف : " أنتِ محقة "
ابتعدت عنه و هو يغلق الحقيبة التى تحوى حاجياته القليلة ، مردداً : " سأترك لجاك كل شئ حتى أعود إلى ألمانيا من جديد "
توقف عن عبارته و هو يمسك بالحقيبة المتوسطة ، ليدير أنظاره نحوى هاتفاً بابتسامة صغيرة : " أقصد .. نعود إلى هنا "
ابتسمت لتصحيحه و هو يحيط خصرى بيده يحثنى على الخروج من الغرفة و هو يسحب حقيبته ورائه ، مطفئاً نور الغرفة و هو يتيقن من غلق النافذة ..
و إثره .. وقفت بالقرب من باب الشقة الصغيرة و أنا أجول بنظرى فيها لمرة أخيرة ، ممتنة لها على احتوائها له بالأيام الطويلة التى مضت ، أدرت أنظارى نحوه و هو يكتب كلمات على ورقة فوق المائدة الصغيرة بمنتصف المجلس ، لأقترب منه بهدوء هاتفة : " ماذا تكتب ؟! "
ابتسم دون أن يجيب ، لأقرأ ما خطّه فى الورقة بصوت مهمهم ؛
’’ لك منا امتنان خالص
ربما أنفذ تهديدى بأن أقضى عليك المرة المقبلة التى نزور فيها ألمانيا ‘‘
رفعت أنظارى نحوه مستفهمة ، ليبتسم مردداً : " يبدو أننى موعود بـأشباه ديو "
~ * ~
انطلقت ضحكة خفيفة منها و هى تستدير جهة باب الشقة ، لأتحرك إثرها و أنا أتأكد من مغلق نوافذ الشقة و أبوابها ، متفحصاً أركانها لمرة أخيرة و إحساس بالإمتنان يغمرنى ..
كم من موضع بائس قد يحوى أجمل أحلامنا .. و كم من حُلم جميل قد نعاصره بواقع أجمل ..
ابتسمت لأول مرة منذ أشهر طويلة بسعادة مسيطرة ، و أنا أعود بأنظارى نحو أميرتى و قد وقفت على عتبة الباب و يدها مستندة على خصرها ، بثوبها الأبيض الذى يصل حتى ركبتيها ، و حزامه الأسود العريض .. حقيبتها السوداء و حذائها الأسود ، خصلات شعرها و قد انسابت بخفة على كتفها و ظهرها ..
و ملامح وجهها المبتسمة ، بزبرجد عينيها المتلألأ و حمرة وجنتيها الخافتة ، ابتسامتها الرقيقة الهادئة ، كمن على موعد مع التحليق فى السماء .. أنا !
ترسم لى لوحة واقعية تغنينى عن ألف حلم و حلم .. و تؤكد لى أن ما من واقع سوى ما نؤمن أنه سيأتى ، مهما مرت علينا ليالى موحشة ، طالما أن أملك مدفون بداخلك بمكان ما .. لابد أنه سينتصر يوماً .. حتى لو طال انتظار هذا اليوم ..
أغمضت عينى برضا على صورة الشقة ، تاركانى أتهاوى نشوة و أنا أعود بأنظارى نحو الباب ، شارداً بكل تفاصيل اللحظة ، تفاصيل ستبقى مطبوعة بذاكرتى ما حييت ، و سأعود بعد سنوات أتذكر مظهر أميرتى البرئ و هى تتدلل بهذا اليوم ، راضياً بدلالها ، غارقاً بسعادة تغمرنا و كأننا نملك نجمات الفضاء كلها ..
أو لكأن بدر الليالى يخصنا وحدنا .. فنتعانق وقتما شئنا حيثما أردنا ، دون أن يعنينا حاضر ولا مستقبل .. ولا ماضى !
فكم من حياة سنعيشها نحن لنرتوى من سرورها ؟!
و كم من عمر سنملكه لنبعثره على شئ غير الأمل ؟!
الأمل الذى ما كنت لأعيش إلى اليوم لولاه ، أمل أهدانى إياه أصدقائى ، أهدانى إياه أعدائى .. و حتى الأشخاص الذى لم يمضى أيام على معرفتى بهم .. أهدونى أملاً أحيانى ..
أملاً .. أهدتنى إياه هذه الكائنة بانتظارى على باب الشقة برونقها الأبيض ..
لو تدرى فقط كيف تبدو فى الأبيض !!
ابتسمت و أبواب الحزن تنغلق من العالم ، لأتحرك من مكانى خطوات نحو الباب و من وقفت بانتظارى عنده ، لأقترب منها بنظرة متحدثة ، و ابتسامة هادئة ..
لتحيط رقبتى بذراعيها و هى ترتفع على أطراف أصابعها لتصل لطولى ..
مبتسمة بشقاوة و هى تميل لتطبع قبلة على خدى ، هامسة : " أحبك "
~
إلى هنا أقف
و أتسائل ؛![]()
ماذا ؟!
هل دفعت شيئاً و لو يسيراً من فاتورة الكآبة التى صرفتها لكنّ عنوة و إجباراً؟!
و هل توقع أحدكم أن تتعالى وتيرة المنعطف بهذا الشكل و بهذه السرعة![]()
؟!
لحظة واحدة
مرحباً جميعاً ؟!
كيف الحال ؟!
آمل أن الجميع بخير بل و بأحسن أحواله
أعتذر - كما هو اعتذار كل مرةعن تأخر الفصل
و لكن كما ذكرت سلفاً ، حالتى الدماغية قد توقفت عن العمل بطوال فترة البلبلة بالبلاد ~_~
و لو أن الوضع لايزال يتفاقم ، إلا أننى أرجو أن تمر على خير
فالمولى حافظنا كما وعدَ ..
و لكن على الأقل بإذن المولى الفصل القادم تحدد موعده و انتهينا ، فلا أظنكنّ ستنتظرن طويلاً من جديد
صحيح ، لم أخبركم أن هذا ليس الفصل الأخير
و إنما لاتزال الخاتمة قادمة بمشيئته
نعود للفصل الثلاثون
دائماً سؤال يحيرنى مع انحلال عقدة ما بأى رواية..
أجاء بالفصل أى شئ ، و لو حتى كلمة واحدة ، ترد شيئاً من الكآبة ، أو دعونى أقل الألم الذى عاناه أى من الأبطال منذ البداية؟!
لحظة ، هل انحلت عقدة فعلاً ؟!!!
دائماً ما أبتعد عن جرعات الألم المتزايدة إن لم أكن واثقة أن قلمى سيوازن المعادلة
لذا ، هل تحقق شيئاً - و لو صغيراً جداً - من الموازنة؟!
باعتبار أن الأحاديث المطولة ليست ما يوازن ، و إنما معنى أو كلمة .. أو ربما فقط ابتسامة ترتسم على شفاه البطل ..
عيناى تنغلقا أوتوماتيكياً إعلاناً بأننى أرغب بالنوم و بشدة ، بسببكم يا سادة
حتى الساعة الخامسة فجراً و أنا أتم هذا الفصل
سأقتل من يعترف فيكم بأنه فصل مُضطرب بأحداثه و سئ بلم الجوانب
أعلم هذا ، و كان من المتوقع أن يكون الفصل على مستوى أعلى بمراحل ..
و لكن الحمدالله أنه وصل لهذه الدرجة مع الحال العام .. بالرغم من استيائى من حالة الفصل
بإذن الله سأعوضكنّ بالفصل القادم
بالعودة لبداية الفصل
حالة ريلينا المُحزنة
أوجعنى حالها و فكرت بأنها قد لا تتحمل و تموت قبل أن نصل للنهاية
هيرو ، باقتطاع النصف الأول من البارت و التدقيق به ..
ما الذى قد يدور برأسه و هو يتبين شوقه و بذات الوقت قِصر يده
و أعنى هنا وجود جين بجانبه .. أكان من المتوقع و لو بلحظة واحدة أن ينقلب الحال لتتعقد الأمور بتدخل أكبر لجين فى النص ؟!
ألدى أى منكم تعليق ؟!
ليوناردوا ..
أتكفى كلمة قالها لتمحى أى لوم قد يراه - البعض ؟!
أعنى .. هل شارك بشئ و لو بسيطاً مما وصل إليه الحال فى النهاية محاولاً دفع أخته لاختيار ما يراه الأنسب لها ؟!
أعترف أن علاقته بأخته تُهيمنى يوماً وراء الأخر
أى مشهد راقكنّ لليو ؟!
سؤال رفيع أخر ؛ الورقة التى كتبها هيرو يوم عودته للعمل حارس الأميرة الشخصى
تاركها مدفونة بين الصورة و إطارها ..
أترى اختار القدر وقتاً مناسباً لظهورها ؟!
و هل كان ليكون تأثيرهاً أقوى بموقف أخر ؟!
إلى أى مدى كان تأثير وجودها !!
لكل من أراد صلحاً بين الأميرة و فارسها
أتعدون هذا صلحاً ؟!
كيف كانت المواجهة بينهما ؟!
و هل فعلاً و واقعاً ، غفرت لأى منهما أو كليهما ما عاناه من عناد أو مكابرة أو حتى ضعف و انكسار بخلال الماضى كله ؟!
أطربونى بحديث طويل حول هذه النقطة و إلا تخلصت منكم جميعاًو سعدت بالفصل الأخير لى أنا وحدى
أطربونى بكل ما وصلكنّ من معنى للسعادة أو الأمل متجسداً بهما .. باعتبار أنهما نالا شيئاً منهما !!
و إحم
ماذا عن تصريح المجنون هيرو للأخرق الإيطالى ، و من ورائه كل الأمراء![]()
دعونى أسأل ..
أجمل مقطع جاء هنا إن وُجد ؟!
جاك أيضاً ..
أشارك بشئ لأجل هيرو و ريلينا حتى و إن لم يكن مباشراً ؟!
هايلد؟!
و أخيراً .. توقع للقادم؟!
ملحوظة صغنونة ^_^
سأتابع الرد على التعليقات السابقة ما إن أستيقظ من نوم أحتاجه و بشدة
و فقط أطمئن فى النهاية قبل أن أرتمى على الفراش و أترككنّ مع الفصل
ألاتزال هناك أية ضغينة بقلوبكن تجاهى ؟!![]()
أجبن بـ لا و إلا أريتكن الشر الحقيقى
و بإذن المولى و مشيئته ، إلى أن نلتقى بـ الفصل القادم و الأخير ، يوم الثلاثاء إن كُتب لنا الحياة لوقتها
مــودتـــــــــــــــــــى
eskotiiiii 5alssss![]()
In your dreams :P
اخر تعديل كان بواسطة » Yasmin Nabil في يوم » 06-07-2013 عند الساعة » 16:16
عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)
المفضلات