تـابــع الـفـصـل الـخـامــس عـشـر
وجهت أنظارى نحو وفيه الذى أجاب عن سؤالى بإيماءة من رأسه هاتفاً : " كثيراً "
تنهدت بهدوء هاتفة : " إذن ، ربما يتوجب أن نترك لك مساحة للعمل بدلاً من هذا الملل "
أجاب بهدوء : " أكون شاكراً لكِ يا آنسة "
أردفت من بعده : " إذن ، نتفق على هذا الأمر حالما نعود "
وقف بالسيارة جانباً هاتفاً : " وصلنا للعنوان المنشود "
مدت يدى أتناول منه الورقة التى مدها نحوى هاتفة : " شكراً لك يا وفيه ، انتظرنى هنا "
هتف : " آتى معك يا آنسة ؟ "
ابتسمت مرددة : " لا ، يمكنك البقاء هنا ، أنا لن أتأخر "
فتحت باب السيارة أهبط منها موجهة أنظارى نحو المبنى الذى وقفنا أمام بوابته الواسعة ..
تنهدت بعمق و أنا أقف أمامه مترددة بشأنه ، هل سأجدها يا تُرى ؟!!
تلك هى فرصتى الوحيدة لأصل إليها ، لا أعرف لها مكاناً أخر أجدها فيه !
أغمضت عينى باستسلام و أنا أخطو نحو الداخل ، راجية أن يسير كل شئ على ما يرام ..
استقر المصعد بى فى الطابق الرابع ، لأسير بممر واسع استقر بآخره مكتب متوسط الحجم ، جلست إليه شابة فى مقتبل العمر و قد ارتكزت أنظارها على بعض الأوراق بيدها ، تقدمت نحوها بشئ من الأمل و أنا أقرأ إسمها الذى طُبع على المكتب هاتفة : " مرحباً "
هتفت دون أن ترفع نظرها : " مرحباً ، أساعدك بشئ ؟! "
صمتّ للحظة لا أدرِ ما أقول ، أدرت انظارى فوق المكتب بشئ من التردد قبل أن تقع عينى على لوحة صغيرة عُلقت على الحائط فوقها ، قرأت ما كُتب بها لأستشعر سعادة تغمرنى و أهتف بثقة : " أجل سيدتى ، أود مقابلة الآنسة لوريكيزيا نوين "
تركت أوراقها على المكتب لترفع أنظارها نحوى ، و تبقى محدقة بى لبرهة ، اتسعت عيناها و قد بدا أنها تبينت ملامحى لتهتف : " مرحباً يا آنسة ، كم تسرنى زيارتك لشركتنا المتواضعة "
تنهدت بهدوء هاتفة : " أنا الأسعد ، إذن ، هل أستطيع رؤية نوين "
تمتمت بسرعة : " بالتأكيد ، انتظرينى لحظة أخبرها "
هتفت أنا : " لا انتظرى ، أريد مفاجئتها "
بقيت محدقة بى لبرهة قبل أن تهتف : " لا بأس ، تجدينها فى أول مكتب بالممر الثانى "
تنهدت براحة هاتفة : " شكراً لكِ "
تحركت بسرعة من مكانى نحو المكتب المقصود ، راجية ألا تتأزم الأمور ..
~ * ~
رفعت رأسها نحوى لتحدق بالابتسامة التى ارتسمت رغماً عنى ، و ملامح وجهى و نظراتى التى تفحصتها بها ، و قد بقيت أنا واقفة لحظات طويلة لا أدرى كيف أواجهها ، و لكن قلقى عليها و تلك المكانة التى تحتلها نوين بقلبى لم تدع لى مجالاً أخر..
قامت واقفة بسرعة و قد طغت ملامح حانية على وجهها لأسرع أنا نحوها ، أعانقها بشدة و هى تحتضننى هاتفة : " عزيزتى ، كيف حالك ؟ "
عاندت دمعتى التى أرادت الفرار لتنحدر على وجهى ، لأهتف بصعوبة : " أنا لست بخير يا نوين "
ضمتنى أكثر ثم عادت تبعدنى عنها هاتفة بابتسامة حانية : " عزيزتى لا تشغلى بالك بأى شئ ، فقط ارتاحى و ستكونين بخير "
حدقت بعينى لأمسح أنا دمعتى التى انتصرت مرددة : " أنتِ أخبرينى ، كيف حالك ؟! "
ابتسمت بشحوب و هى تستدير عنى نحو كرسيها هاتفة : " أنا بأفضل حال "
اتخذت لى كرسى مقابل لها لأهتف : " تبدين شاحبة يا نوين ، أنتِ لست بخير ! ، يكفى ذهابك عنا يا نوين ، هـ.. "
" بل كل شئ على ما يرام "
قاطعتنى بها لأصمت عن حديثى ، مدت يدى عبر المكتب لأمسك بيدها هاتفة : " نوين ، انا لم آتى لأجل الحديث بهذا الأمر ، ولا ألومك على أى قرار اتخذتِه "
ابتسمت و أنا أتابع : " أعلم أن الوضع لا يسر الخاطر ، لا أحد بخير ، أنا تعبت من كل ما يحدث ، و لو كنت أقدر لفعلت كما فعلتِ أنتِ ، لطالما فكرت فى الذهاب بعيداً "
أمسكت هى بيدى بدروها هاتفة : " حمقاء ، ما الذى تهذين به ، الوضع ليس بهذا الحجم ريلينا ، اسمعينى .. "
شدت على يدى لتهتف : " سيصبح كل شئ على ما يرام ، فقط كونى واثقة "
ابتسمت و هى تهتف مرة أخرى : " كما أن هيرو معك ، ماذا تريدين أكثر "
ابتسمت أنا بشحوب لأهتف : " نوين ، أحتاجك أنتِ أيضاً ، و أحتاج ليوناردوا ، أحتاجكم جميعاً "
استشعرت رجفة تسرى بيدها لتسحبها نحوها و هى تبعثر أنظارها على المكتب هاتفة : " على كل منا أن يتدبر أمره يا ريلينا "
صمتت للحظة و عادت تسأل بخفوت : " كيف هو حاله ؟! "
هتفت و أنا أتأمل قسمات وجهها : " لم يغادر مكتبه منذ ذهبتِ "
ضمت يدها إليها أكثر و هى تهتف : " ريلينا ، أنتِ الآن المسئولة عن الوضع فى القصر ، لا تنسى أن هيرو و ليوناردوا فى النهاية رجلان ، أى أنهما لن يعبأا بتناول الطعام ولا الإهتمام بنفسيهما ، عليكِ أن تنتشليهما من هذا الوضع و تعيدى للقصر سلامه "
أطرقت رأسى للأسفل و أنا أهتف : " معكِ حق ، هيرو أيضاً لم يغادر غرفته منذ وقتها و لم يتناول شيئاً ، لم ينم أى منهما ، الوضع أصبح مؤسفاً ، و أنا لست واثقة من قدرتى على الإهتمام بهما ، لست واثقة إن كنت أستطيع فعل ذلك وحدى يا نوين "
صمتّ للحظة تابعت بعدها : " تعلمين أن الوضع السياسى هو الاخر قد بدأ يتأزم ، رغم ما يخفيه كلاهما عنى ، و لكن ألمح منهما أن خطراً قد بات يقترب "
استدركت الوضع الكئيب و هذا الحوار الذى لن يقدم و لن يؤخر لأهتف بنبرة مختلفة : " إذن كيف حال العمل هنا ؟! "
تنهدت بهدوء و هى تعبث ببعض الاوراق فوق المكتب هاتفة : " جيد ، لا بأس به "
أدرت أنظارى فى الغرفة لتستقر على أربعة مكاتب بالقرب من مكتبها ، و أهتف :" ليس لكِ مكتباً خاصاً ؟! "
هزت رأسها نافية و مرددة : " العمل هنا لا يتطلب مكتباً خاصاً "
أشارت بيدها نحو باب بالقرب منا لتهتف : " مكتب المدير ، سأنتقل إليه بعد إسبوع لأباشر العمل كسكرتيرته الخاصة "
نظرت إليها بشئ من الضيق هاتفة : " سكرتيرته الخاصة !! و معه بالمكتب !! نوين .. "
لم أدر ما أقول لأردف : " هذا لا يليق بكِ يا نوين ، تعلمين أن كفاءاتك أعلى من هذا العمل ، لا تنسى كيف كان عملك فى القصر ، ثم أن .. "
صمتّ لحظة و عدت أهتف : " عندما اطلعت على ملف العرض الذى قدموه لكِ ، ظننته أفضل من هذا !! "
ابتسمت بشحوب لتهتف : " ليس هذا هو العرض الذى قدموه لى ، العرض الذى تتحدثين عنه أباشر العمل به بعد شهر من العمل هنا ، و .. "
صمتت للحظة تبعثر فيها نظراتها على المكتب و عادت تهتف : " هذا العرض سيتضمن سفرى خارج المدينة ، العمل ليس هنا ، بل بفرنسا "
فغرت فاهى بصدمة مما تتفوه به لأردف بانفعال و أنا أقوم من مكانى : " أنتِ لن تسافرى لأى مكان يا نوين !! "
بقيت هادئة بمكانها تعبث بالقلم بين أصابعها ، لتردف بهدوء شاحب : " كلا ، سوف أسافر ، سأوقع العقد بعد ثلاثة أيام "
استشعرت ألماً بداخلى إثر كلماتها تلك ، لتنحدر دمعة دون قصد هاتفة : " نوين ، أنـ..ـتِ .. أنـتِ .. !! "
ابتلعت دمعة أخرى لأهتف : " كيف تفعلين هذا !! ألستِ أحد أفراد القصر يا نوين !! نوين .. أنا ظننت أنكِ .... "
بعثرت أنظارى و عدت أواجهها بهم هاتفة : " ظننتك أختى الكبرى التى لم أحصل عليها يوماً !! هل تذهبين هكذا و أنتِ تعلمين أننى بحاجة إليكِ بجانبى !! "
قامت من كرسيها بهدوء لتقترب منى و أنا أتابع : " لماذا لا أستشعر أى منكم يبقى بجانبى "
اقتربت أكثر لتضمنى هاتفة : " عزيزتى افهمى الأمر .. "
صمتت لحظة و عادت تهتف :" أنتِ فقط تشعرين هكذا بسبب الوضع الحالى ، تعلمين جيداً أننا جميعاً معك و سنبقى هكذا ، لا تشغلى بالك بهذه الافكار الحمقاء "
أبعدتنى عنها لتبتسم بحنان هاتفة : " ربما يكون ذهابى أفضل بالنسبة لى ، ألا تريدين لى ما يريحنى !! "
ابتعدت عنها و أنا أجلس من جديد إلى الكرسى مرددة بهدوء : " لم آتى إلى هنا لأقنعك بالعودة معى ، و لكن على الأقل أطلب منكِ أن أجدك كلما احتجت إليكِ "
تنهدت بهدوء و أنا أمسح وجهى بيدى هاتفة : " فقط أخبرينى أنكِ تريدين هذا الأمر ، و أنكِ اخترتى الذهاب للمكان الذى ترتاحين فيه أكثر و أنا لن أعارضك "
تنهدت بهدوء و هى تجلس أمامى على الكرسى ، تلاعبت أصابعها ببعضها البعض قبل أن تهتف : " ربما الأمر سيكون صعباً بعض الشئ "
صمتت للحظة قبل أن تتابع : " ربما هذا المكان ليس الأفضل لى "
هتفت بشرود و هى تنظر إلىّ : " و لكنه الأنسب الآن "
تداركت الموقف لأبتسم بشحوب و أنا أقوم من مكانى هاتفة : " إذن ليس أمامى سوى أن أتمنى لكِ التوفيق و السلامة "
قامت هى كذلك لتهتف : " سأشتاق إليكِ كثيراً "
عانقتها بشدة و أنا أهتف : " ستبقين أختى الكبرى دوماً يا نوين "
أجابت عنى : " و أنا سأبقى معكِ دوماً عزيزتى ، فهنالك الكثير الذى أود معرفته منكِ "
ابتسمت و أنا أبتعد عنها هاتفة : " مثل ماذا ؟! "
هتفت و هى تبتسم بوجهى : " ما خطبك مع هيرو ؟!! "
اضطربت من سؤالها لأدير أنظارى محاولة تدارك نفسى ، مرددة : " ماذا تقصدين ؟! لا أفهم "
انتبهت لضحكتها التى انطلقت ، هاتفة من بينها : " لن تخفى شيئاً عنى ريلينا ، أليس كذلك ! "
أمسكت بحقيبتى و أنا أمر من جانبها هامسة بأذنها : " إن أردتِ الحقيقة ، هو صعب المراس ، ولا أدرى متى أفهم ما يدور "
ابتسمت و هى تلتفت نحوى تحدق بعينى طويلاً ، ثم تحركت أخيراً لتحوطنى بذراعها هاتفة : " و أنتِ ؟ "
أرحت رأسى على كتفها و أنا أحرر أنفاس هادئة مرددة : " أنا لا أعلم يا نوين .. كل الذى أعرفه أننى أحتاجه بجانبى دوماً "
مسحت على شعرى و هى تهتف : " و هو سيكون ، فقط كونى واثقة من أنه يريدك بجانبه أيضاً "
رفعت رأسى و أنا أبتعد خطوة للوراء محاولة تدارك هذا الحديث المُربِك ، هاتفة : " أظننى تأخرت هكذا "
عدت أهتف : " آراكِ على خير يا نوين "
ابتسمت ، و بادلتنى هى الأخرى الابتسامة ، هاتفة : " انتبهى على نفسك "
أمأت برأسى و أنا أستدير عنها نحو باب المكتب و منها إلى الخارج ، متمنية أن تحدث معجزة لتثنيها عن هذا القرار ..
وقفت أمام مكتب موظفة الإستقبال خارجاً لأقرأ ما كًتب على لوحة صغيرة بجانبها ، أسماء الموظفات بالمكتب و قد كُتب اسم نوين قبل أسمائهم ، ابتسمت بشحوب و حسرة و أنا أستدير مرة أخرى مولية وجهى للخارج ، إلى حيث أغادر المبنى ..
~ * ~
يـتـبـع فـى الـرد الـتـالـى
المفضلات