كنت أحرثُ أرضي
جرة الماء, ذات الأذن الواحدة بجانبي
الوحل بين أصابعي
العرق يسيل من جوانحي
والطير يغرد فوق سنابلي
لمحت من بعيد
ريحاً سوداء من أذيال المدينة
تتجه نحوي, كسهم الرامي نحو الهدف
حاولت التواري , والتخفي خلف أغصان الزيتون ودوالي العنب
لكنها أصابتني بمقتل
واخترقت أنفاسي, واحتضنت رئتاي بظلها
بدأت السعال, كمن أصيب بالسل على حين غرة
محاول إبعاد هذا الرذاذ الأثم عن أجوائي الطاهرة
لكن دون جدوى
رميت المعول من يدي
وقذفت بعيداً بزوادتي
أخذ الدواء مفعوله, وسرا الإدمان في داخلي
تفتحت أزهار الشر سريعاً, دون أن أرويها أو أحفزها
بدأت ريح المعصية والرذيلة تقودني
وأنا أمشي ورائها كالشاة وراء الراعي
كما يمشي الشعب المبصر وراء الحاكم الأعمى
إيماني المحدود, وقف على الحياد
بعد أن القى سيفه الصدأ جابناً
وودعني بعد أن قرأ على سامعي بعض العبارات
التي لم يكن لها ذاك الوقع الذي يردعني, ويعود بي إلى رشدي
ركضت مسرعاً إلى داري
وجسدي الهزيل يتماوج فرحاً
لأنه سيجرب اليوم ما كان بالأمس حلماً محرماً
رميت ثيابي الرثة جابناً, ومعهم رميت بقايا خجلي وتحفظي
لبست الثياب الأجمل
وضعت العطور الأطيب
وصبغت على وجهي ابتسامة الثعلب الهادئة
استقليت أول حافلة رأيتها
نازحاً من سفح جبلي الريفي
قاصداً أضواء المدينة وشوارعها المزدحمة بالعراة المحتشمين
جلست بثقة المجرمين على الكرسي
والشهوة تقطر من يدي
والخبث والفجور يدمع من عيني
واللعاب يسيل من لساني
كما الضبع الجائع, المترقب لحظة موت فريسته للإنقضاض عليها
وقد كانت وجهتي محددة, وغير قابلة للضياع أو التشتت
والمهمة واضحة لا ريب فيها
كان الهدف المرجو
أحد بيوت الدعارة الأثري
المعروف بحسن الخدمة, وإكرام الضيف وإغاثة الملهوف في الليالي الحمراء
والذي يعود تاريخ تأسيسه, لتاريخ تأسيس أول منظمة لحقوق اللاجئين
كانت خيالي يسبقني إلى هناك بكثير
وكنت أحس بتلك اللحظة الحاسمة في تاريخي
اللحظة:
التي أقف فيها منتشياً كالطاووس, أزفر دخاني سيجاي كالتنين
وأنا أنظر إلى الفتيات المتعددة الألوان والأحجام والمهارات
نظرة الفخر والاعتزاز والزهو
بعد أن أكون قد ضاجعتهم, وأثبتت رجولتي الشرقية
وقدراتي على جعل العذارى سيدات
توقفت الحافلة, فقزت منها
وركضت كالفهد مسرعاً نحو غايتي
وعند وصولي, وجدت لافتة معلقة بالجدائل المحناة على الباب
كتب عليها " مغلق لحين عودة الشباب "
تراجعت خطوتين إلى الوراء
وقلت لنفسي: أين الشباب, ومتى يعودون
أتاني صوت عجوز , كان يجلس أمام الباب
ويبدو من الغبار الذي يكسوه كالقنفذ, بأنه أمضى سنين بإنتظار الباب لكي يفتح
وكأن طاقة القدر ستفتح له مع هذا الباب
- الشباب في الحرب يا غلام
- ألن يعودوا أيها الكهل
- بلا بكل تأكيد سيعودوا
منهم من سيعود محملاً على الأكتاف
ومنهم من سيعود مغطى بالكفن
ومنهم من سيعود دون ساق أو يد أو دون عضوه الذكوري
ودعته بنظرة استصغار واستهزاء
وذهبت أبحث عن ضالتي في الأزقة والحدائق المظلمة
لعلي أتعثر بإحدى الفتيات المراهقات
الباحثات عن الدفء في الأحضان
وعن الكلام العذب في الشفاه
فتقع فريسة سهلة في شباك جاذبيتي, وفي رحيق عسلي المسموم
مشيت في الشوارع وبين الأبنية, حتى سقطت تعباً
ولم أجد سوى الأرامل, والثكالى
وأطفال يجمعون فوارغ الرصاص
وصل غضبي لحد الجنون
فدخلت أحد البيوت قاصداً الثأر من سكانه
قاصداً, تدمير وتهديم كل ما يقع عليه ناظري
فلم يقع إلا على شابة نصف عارية يسكوها الجوع والعطش
تأخر الموت عن موعد لقاها
فجلست هي وولديها تنتظره بشوق العاشق للمعشوق
ولهفة السجين لضوء الشمس
فزاد غضبي وحقدي
لأني لم أجد شيء طاهر لأدنسه
لم أجد روحاً بشرية لأرعبها
لم أجد سوى جدران كتب عليها جمل تندد بهذا, وتعظم بذاك
رميت لهم بقطعة ذهب, كنت سأعطيها لإحدى بنات الليل جزاء خدماتها
وهممت بالخروج
فإذا بأحد الصبية يلتقطها ويحاول مضغها بأسنانه اللينة
فصرخت به:
- ماذا عساك تفعل أيها الكائن, ألا تعرف قيمة ما أعطيتك
فردت الأم بصوت الغريق:
- لا يا سيدي إنه صغير, ولا يعرف شيء عن هذه الدنيا
إنه لا يعرف الفرق بين الذهب والنهد
أو بين الحليب والبترول
لكن أنا أعرف قيمتها جيداً
لكن قيمتها الآن عندي كقيمة الموسيقى لدى الطرشان
أنت يا سيدي ترمي البذور الملقحة في أرض غير صالحة للزراعة
لذا خذها وارحل بعيداً
ألا تعلم
بأن الميت لا يشفيه الدواء
وبأن المشنوق لا ينفعه الهواء
تركتهم خلفي, وقصدت أرضي الريفية
عازماً تحويل كرمي, لحانة تجمع أفخر الخمور وأجمل النساء
على أن يداس العنب بأقدام المومسات
لتطفو رغوة الشهوة على وجه كأس النبيذ
وصلت هناك, فوجدته واهناً مصفراً
ولم أجد على الدوالي سوى الأوراق
وفي الأرض كان الذبيب الجاف وجبة الدبابير الأخيرة
لامست ركبتاي دون شعور حصى التراب المحدبة
وارتفعت يداي عالياً كنصف دائرة
وأخذت عيناي تطهر بالدمع إثمها
وانطلق لساني بالحديث دون إرادتي
وكان حديثه موجهاً لصاحب العرش الأعلى :
يا إلهي
كنت أنقب عن المعاصي, كتنقيب العالم عن الآثار
فلم أجد لها وجود, لا لأن البشر قد استقاموا وتابوا
لكن لأني لم أجد بشراً أو أي شيء يشبههم
لأني
لم أسمع حتى أصواتهم, وأنفي عجز عن تمييز رائحتهم
خرجت لارتكاب الرذيلة, لكني لم ارتكبها
أعلم بأن الأعمال بالنيات
فهل ستحاسبني على نيتي
أم أنك ستغفر لي هفوتي هذه وذلتي
صدقني وأنت الأدرى بصدق لساني
تمنيت لو أنني وجدت روحاً بشرية, وجررتها مرغمة لارتكاب المعصية
ولتحاسبني بعدها, ولترمي بي في نارك الحارقة
فحسابك يا خالقي
أرحم من عدالتهم
وجحيم نارك ألطف من بارود بنادقهم



اضافة رد مع اقتباس


المفضلات