بسم الله الرحمن الرحيم
(كنتم خير أُمةٍ أُخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر
وتؤمنون بالله، ولو آمن أهل الكتابِ لكان خيراً لهم، منهُم
المؤمنون وأكثرُهُم الفاسقون)
تتعرض الأمم في مسيرة حياتها إلى أخطار كبيرة، منها العارض الزائل، ومنها الملحُ المدمّر، وليس في العالم كلّه أمة لم تتعرض لمثل هذه الأخطار. فإذا كان الخطر جسيماً لا قِبَلَ للأمة به، فإنها قد تلجأ إلى مَن حولها من الأمم والأقوام التي تشاركها الحياة والمصير فتعقد معها محالفاتٍ لمواجهة الخطر المشترك الذي يتهدّدُهم جميعاً، ولكنها ربما لا تجد من يَقبلُ بمساعدتها إلا بشروط ثقيلة لا قِبلَ لها باحتمالها، فتجلو عن أرضها، وترتحل إلى مكان آخر يتوفر لها فيه الأمن، وقد تفضل البقاء والخضوع للغزاة إذا لم تجد بدّاً من ذلك.
وقد تفضل مواجهة المصير أية كانت عواقبه، لأنها تجد في الخضوع للطغاة بلاءً يفوق في قسوته الموت في سبيل الدفاع عن الشرف والعرض والمصير.
وسواء وجدت الأمة من يساعدها على مواجهة الصعاب التي تتعرض لها، أم لم تجد، فإنها لا بدّ لها من الاعتماد على نفسها قبل كل شيء، وفرض التضحية على أبنائها، باستنهاض همم الرجال وإذكاء حماس الأبطال، واستثارة النخوة الكامنة في نفوس الأجيال، وإعداد الناس جسميّاً ونفسياً لتحمل أعباء الدفاع عنها، ليكونوا سيفها الذي تضرب به، وترسها الذي تتقي به الأذى، فيندفع الناس يملأ الحماس قلوبهم، ويضاعف الإيمان قوتهم، ويتسابق الأبطال ذوو النجدة والشهامة إلى ميدان المعركة ليذودوا عن حياض الوطن، ويردوا الأذى عن الأهل والعشيرة، غير عابئين بالأهوال والمخاطر.
وللأمم طرائق شتى وأساليب مختلفة في استنهاض همم الرجال، وحثّهم على الإقدام، تختلف باختلاف مستواها الحضاري، وباختلاف ثقافتها وعاداتها، وتماسكها الاجتماعي، وما تعتبره مقدما في الحرمة والقدسية على غيره.
فقد كان العرب قبل الإسلام أكثر الناس اهتماماً بالحفاظ على العرض والحُرُمِ والسمعة، سمعة الشخص، وسمعة العشيرة، فكان من عاداتهم أن يصطحبوا النساء إلى ميادين القتال، اعتقاداً منهم أنه لا شيء يمكن أن يثير نخوة المقاتلين، ويدفعهم إلى الثبات والتضحية، مثل وجود النساء والذرية وراء المقاتلين، ومن كان يفرُّ منهم مخلفاً حَرَمَه وأولاده لأعدائه، كان يبوء بسبَّة الدهر، ولم يكن عربي ليرضى بذلك. وقد اصطحبت زعامات قريش نساءها يوم بدر، حينما التقوا بالمسلمين، وأنشدنهم شعراً حماسيّا، ومنع وجودهن في ساحة المعركة خسران قريش في تلك المعركة من أن ينقلب إلى هزيمة شاملة.
وساقت هوازن الحُرُمَ والأبناء والأموال لقتال الرسول في معركة حنين، وفي ظنها أن المقاتل من أبنائها لا يمكن أن يفر من المعركة مخلفاً أهله وحرمه وماله للمسلمين.
ومن الأمم من كانت تصطحب معها إلى ميادين الحروب تماثيل آلهتها تبركاً بها، وإثارة لحماس المقاتلين، وحثّاً لهم على الثبات دفاعاً عن المقدسات لكيلا تقع في أيدي الأعداء.
وفي أول ظهور الإسلام جرت حرب بين الفرس والروم، فدفع ملك الروم هرقل بالصليب الأكبر أمام المقاتلين تبركاً به، وحثّاً لهم على الثبات.
وفي الحديبية، حينما شاع أن قريشاً قتلت عثمان بن عفان، أخذ الرسول البيعة على أصحابه، لكيلا يهنوا أمام قريش، إذ كان عددهم قليلاً، ولم يكن معهم من السلاح غير السيوف. فأراد الرسول الكريم بهذه البيعة أن يشعرهم بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وبأنهم حينما كانوا يبايعون الرسول إنما يبايعون الله: (إنّ الذينَ يُبايعونَكَ إنّما يبايعونَ الله يَدُ الله فوقَ أيديِهِم...).
وألفَ الوعاظ المسلمون أن يذكروا المقاتلين المسلمين في بدء الحرب بفضل الشهادة في سبيل الله، وبغضب الله على من يفرّ من المعركة مولياً دبره لأعدائه. ويقرؤون عليهم القرآن، وبصورة خاصة سورة الأنفال التي يتهدد الله فيها ضعاف الإيمان بالعذاب الأليم، ويبشر فيها المجاهدين الصادقين برضوان من ربهم وأجر عظيم.
وكان سلطان المماليك محمد الناصر حيثما يلتق بجيوش التتار يلجأ إلى أخذ العهد على أمراء جيشه بأن يناصحوا في القتال، وألاّ يفروا، وأن يبذلوا المهج في سبيل نصرة دين الله ويحلفهم الأيمان المغلظة توكيداً لهذه العهود.
وجميع هذه الأساليب كانت آنية المفعول، الغرض منها تثبيت المقاتلين في أثناء المعركة، وحملهم على بذل الجهد في القتال وعدم الفرار.
ولكن الأمم قد تتعرض لأخطار الحرب والغزو أمداً طويلاً، كما كان الأمر في الأندلس بين العرب المسلمين والإسبان طوال ثمانية قرون، وكما كانت الحال بين المسلمين ودولة الروم البيزنطيين عبر قرون طويلة، وكما كان الحال بين المسلمين والصليبيين في سوريا طوال مئتي عام، وكما سيكون عليه الحال بين العرب واليهود في عصرنا الحديث.
فالأمر هنا يحتاج إلى أكثر من معركة، وإلى أكثر من عامل آني يحمل المقاتلين على الثبات وعدم الفرار من المعركة، إنه يحتاج إلى إعداد الأمة نفسياً وجسمياً واقتصادياً، لتقبل التضحية مدى طويلاً من الزمن وإعداد أجيال متمرسة بالقتال، محبة للتضحية، شغوفة بالمغامرة، مستعدة نفسياً وجسمياً لتحمل الجوع والحرمان والعطش، وتحمل المصائب في الأبناء والآباء والأزواج والأقرباء، وهذا أمر يحتاج إلى كثير من الجهد والمران. فالناس لا ينقلبون بين عشية وضحاها من أناس محبين للترف والدعة إلى أناس يصبرون على الجوع، ومن أناس لا يهتمون إلا بأنفسهم إلى أناس يهتمون بمصير قومهم ووطنهم وأهلهم، يحملون السلاح، ويتدربون على استعماله، ويحتملون ثكل الأبناء، وفقد الأزواج، وهدم البيوت، وهذا هو هدف حملات التوجيه المعنوي اليوم، التي من شأنها إذا استمرت وأتقنت وأحسن أداؤها أن تُعدّ الأجيال الآتية للحرب وللتضحية، وأن توقظ الهمم النائمة، وأن تكشف البطولات الكامنة، وأن تدفع بالرجال إلى الامتياز في ميادين الحرب، والاقتداء بالأبطال، والمشاركة الإيجابية مع أبناء الأمة في كشف الغمة عن وجه الوطن، ورد الأذى عنه.
وقد عرفت الأمم منذ أقدم عصورها تكريم الأبطال، وتقديسهم، ونسج القصص وتزويقها حول سيرتهم، والمبالغة في نسبة الخوارق، والمغامرات المثيرة إليهم. وبما أن الكتابة لم تكن كثيرة الانتشار قديماً، لذلك كانت الأمم تلجأ إلى صوغ قصص الأبطال شعراً في صورة ملاحم ومعلقات، يسهل على الناس حفظُها وروايتُها وتناقلها من قطر إلى قطر، ومن منطقة إلى منطقة، ومن جيل إلى جيل، فعرفت اليونان القديمة ملاحم البطولة التي كان من أبرزها ما سطره شعراء اليونان وفي مقدمتهم الشاعر الكبير هوميروس، الذي ضَمّنَ الإلياذة والأوديسة قصصاً رائعة عن البطولات والتضحيات.
وعرفت القبائل العربية قبل الإسلام قصص البطولة التي خلدها الأبطال في شعرهم، أو خلدها شعراء عرفوهم وعاصروهم، فامتدحوهم وسجلوا مناقبهم. وإننا لنجد الكثير من شعر الحماسة والفخر في شعر عنترة وعمرو بن كلثوم، وطرفة بن العبد. ولبيد، والشنفري، والخنساء، وحسان بن ثابت.
واستمرت قصص البطولات يرويها الشعراء في صدر الإسلام، وفي أيام الدولة الأموية، وفي أيام دولة بني العباس، ونجد كثيراً من الشعر المثير الجميل في أيام بني أمية وبني العباس.
وحينما تحدّى إمبراطور الروم المسلمين أيام الخليفة المعتصم، ساق الخليفة المعتصم جيوشه إلى عمورية مسقط رأس الإمبراطور، وأحدق بها وفتحها عنوة وأحرقها وسبى من فيها، وقتل وغنم ما يجلُّ عن الوصف، وخلد الشاعر العربي أبو تمام هذه المعركة في قصيدته الرائعة:
السيف أصدق إنباءً من الكتبِ في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ
وحينما بدأت الدولة العباسية في التضعضع، وتسلط عليها الجند المرتزقة من غير العرب، بدأت علائمُ الوهن والتفكك ظاهرة عليها، وقامت إمارات وممالك شبه مستقلة فيها، لا تخضع لرأي الخليفة في شيء، ولا تعترف له بغير التبعية الإسمية، وهي الدعوة للخليفة على المنابر، أما فيما عدا ذلك فكانت هذه الإمارات والممالك تتعامل مع جيرانها من مسلمين وغير مسلمين، وكأنها دول مستقلة.
الجزء الثاني من المقالة تابعوه



اضافة رد مع اقتباس

المفضلات