مشاهدة النتائج 1 الى 10 من 10
  1. #1

    كيف تربي الأمم الحية أخلاق ابنائها(1)

    بسم الله الرحمن الرحيم


    (كنتم خير أُمةٍ أُخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر
    وتؤمنون بالله، ولو آمن أهل الكتابِ لكان خيراً لهم، منهُم
    المؤمنون وأكثرُهُم الفاسقون)
    تتعرض الأمم في مسيرة حياتها إلى أخطار كبيرة، منها العارض الزائل، ومنها الملحُ المدمّر، وليس في العالم كلّه أمة لم تتعرض لمثل هذه الأخطار. فإذا كان الخطر جسيماً لا قِبَلَ للأمة به، فإنها قد تلجأ إلى مَن حولها من الأمم والأقوام التي تشاركها الحياة والمصير فتعقد معها محالفاتٍ لمواجهة الخطر المشترك الذي يتهدّدُهم جميعاً، ولكنها ربما لا تجد من يَقبلُ بمساعدتها إلا بشروط ثقيلة لا قِبلَ لها باحتمالها، فتجلو عن أرضها، وترتحل إلى مكان آخر يتوفر لها فيه الأمن، وقد تفضل البقاء والخضوع للغزاة إذا لم تجد بدّاً من ذلك.
    وقد تفضل مواجهة المصير أية كانت عواقبه، لأنها تجد في الخضوع للطغاة بلاءً يفوق في قسوته الموت في سبيل الدفاع عن الشرف والعرض والمصير.
    وسواء وجدت الأمة من يساعدها على مواجهة الصعاب التي تتعرض لها، أم لم تجد، فإنها لا بدّ لها من الاعتماد على نفسها قبل كل شيء، وفرض التضحية على أبنائها، باستنهاض همم الرجال وإذكاء حماس الأبطال، واستثارة النخوة الكامنة في نفوس الأجيال، وإعداد الناس جسميّاً ونفسياً لتحمل أعباء الدفاع عنها، ليكونوا سيفها الذي تضرب به، وترسها الذي تتقي به الأذى، فيندفع الناس يملأ الحماس قلوبهم، ويضاعف الإيمان قوتهم، ويتسابق الأبطال ذوو النجدة والشهامة إلى ميدان المعركة ليذودوا عن حياض الوطن، ويردوا الأذى عن الأهل والعشيرة، غير عابئين بالأهوال والمخاطر.
    وللأمم طرائق شتى وأساليب مختلفة في استنهاض همم الرجال، وحثّهم على الإقدام، تختلف باختلاف مستواها الحضاري، وباختلاف ثقافتها وعاداتها، وتماسكها الاجتماعي، وما تعتبره مقدما في الحرمة والقدسية على غيره.
    فقد كان العرب قبل الإسلام أكثر الناس اهتماماً بالحفاظ على العرض والحُرُمِ والسمعة، سمعة الشخص، وسمعة العشيرة، فكان من عاداتهم أن يصطحبوا النساء إلى ميادين القتال، اعتقاداً منهم أنه لا شيء يمكن أن يثير نخوة المقاتلين، ويدفعهم إلى الثبات والتضحية، مثل وجود النساء والذرية وراء المقاتلين، ومن كان يفرُّ منهم مخلفاً حَرَمَه وأولاده لأعدائه، كان يبوء بسبَّة الدهر، ولم يكن عربي ليرضى بذلك. وقد اصطحبت زعامات قريش نساءها يوم بدر، حينما التقوا بالمسلمين، وأنشدنهم شعراً حماسيّا، ومنع وجودهن في ساحة المعركة خسران قريش في تلك المعركة من أن ينقلب إلى هزيمة شاملة.
    وساقت هوازن الحُرُمَ والأبناء والأموال لقتال الرسول في معركة حنين، وفي ظنها أن المقاتل من أبنائها لا يمكن أن يفر من المعركة مخلفاً أهله وحرمه وماله للمسلمين.
    ومن الأمم من كانت تصطحب معها إلى ميادين الحروب تماثيل آلهتها تبركاً بها، وإثارة لحماس المقاتلين، وحثّاً لهم على الثبات دفاعاً عن المقدسات لكيلا تقع في أيدي الأعداء.
    وفي أول ظهور الإسلام جرت حرب بين الفرس والروم، فدفع ملك الروم هرقل بالصليب الأكبر أمام المقاتلين تبركاً به، وحثّاً لهم على الثبات.
    وفي الحديبية، حينما شاع أن قريشاً قتلت عثمان بن عفان، أخذ الرسول البيعة على أصحابه، لكيلا يهنوا أمام قريش، إذ كان عددهم قليلاً، ولم يكن معهم من السلاح غير السيوف. فأراد الرسول الكريم بهذه البيعة أن يشعرهم بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وبأنهم حينما كانوا يبايعون الرسول إنما يبايعون الله: (إنّ الذينَ يُبايعونَكَ إنّما يبايعونَ الله يَدُ الله فوقَ أيديِهِم...).
    وألفَ الوعاظ المسلمون أن يذكروا المقاتلين المسلمين في بدء الحرب بفضل الشهادة في سبيل الله، وبغضب الله على من يفرّ من المعركة مولياً دبره لأعدائه. ويقرؤون عليهم القرآن، وبصورة خاصة سورة الأنفال التي يتهدد الله فيها ضعاف الإيمان بالعذاب الأليم، ويبشر فيها المجاهدين الصادقين برضوان من ربهم وأجر عظيم.
    وكان سلطان المماليك محمد الناصر حيثما يلتق بجيوش التتار يلجأ إلى أخذ العهد على أمراء جيشه بأن يناصحوا في القتال، وألاّ يفروا، وأن يبذلوا المهج في سبيل نصرة دين الله ويحلفهم الأيمان المغلظة توكيداً لهذه العهود.
    وجميع هذه الأساليب كانت آنية المفعول، الغرض منها تثبيت المقاتلين في أثناء المعركة، وحملهم على بذل الجهد في القتال وعدم الفرار.
    ولكن الأمم قد تتعرض لأخطار الحرب والغزو أمداً طويلاً، كما كان الأمر في الأندلس بين العرب المسلمين والإسبان طوال ثمانية قرون، وكما كانت الحال بين المسلمين ودولة الروم البيزنطيين عبر قرون طويلة، وكما كان الحال بين المسلمين والصليبيين في سوريا طوال مئتي عام، وكما سيكون عليه الحال بين العرب واليهود في عصرنا الحديث.
    فالأمر هنا يحتاج إلى أكثر من معركة، وإلى أكثر من عامل آني يحمل المقاتلين على الثبات وعدم الفرار من المعركة، إنه يحتاج إلى إعداد الأمة نفسياً وجسمياً واقتصادياً، لتقبل التضحية مدى طويلاً من الزمن وإعداد أجيال متمرسة بالقتال، محبة للتضحية، شغوفة بالمغامرة، مستعدة نفسياً وجسمياً لتحمل الجوع والحرمان والعطش، وتحمل المصائب في الأبناء والآباء والأزواج والأقرباء، وهذا أمر يحتاج إلى كثير من الجهد والمران. فالناس لا ينقلبون بين عشية وضحاها من أناس محبين للترف والدعة إلى أناس يصبرون على الجوع، ومن أناس لا يهتمون إلا بأنفسهم إلى أناس يهتمون بمصير قومهم ووطنهم وأهلهم، يحملون السلاح، ويتدربون على استعماله، ويحتملون ثكل الأبناء، وفقد الأزواج، وهدم البيوت، وهذا هو هدف حملات التوجيه المعنوي اليوم، التي من شأنها إذا استمرت وأتقنت وأحسن أداؤها أن تُعدّ الأجيال الآتية للحرب وللتضحية، وأن توقظ الهمم النائمة، وأن تكشف البطولات الكامنة، وأن تدفع بالرجال إلى الامتياز في ميادين الحرب، والاقتداء بالأبطال، والمشاركة الإيجابية مع أبناء الأمة في كشف الغمة عن وجه الوطن، ورد الأذى عنه.
    وقد عرفت الأمم منذ أقدم عصورها تكريم الأبطال، وتقديسهم، ونسج القصص وتزويقها حول سيرتهم، والمبالغة في نسبة الخوارق، والمغامرات المثيرة إليهم. وبما أن الكتابة لم تكن كثيرة الانتشار قديماً، لذلك كانت الأمم تلجأ إلى صوغ قصص الأبطال شعراً في صورة ملاحم ومعلقات، يسهل على الناس حفظُها وروايتُها وتناقلها من قطر إلى قطر، ومن منطقة إلى منطقة، ومن جيل إلى جيل، فعرفت اليونان القديمة ملاحم البطولة التي كان من أبرزها ما سطره شعراء اليونان وفي مقدمتهم الشاعر الكبير هوميروس، الذي ضَمّنَ الإلياذة والأوديسة قصصاً رائعة عن البطولات والتضحيات.
    وعرفت القبائل العربية قبل الإسلام قصص البطولة التي خلدها الأبطال في شعرهم، أو خلدها شعراء عرفوهم وعاصروهم، فامتدحوهم وسجلوا مناقبهم. وإننا لنجد الكثير من شعر الحماسة والفخر في شعر عنترة وعمرو بن كلثوم، وطرفة بن العبد. ولبيد، والشنفري، والخنساء، وحسان بن ثابت.
    واستمرت قصص البطولات يرويها الشعراء في صدر الإسلام، وفي أيام الدولة الأموية، وفي أيام دولة بني العباس، ونجد كثيراً من الشعر المثير الجميل في أيام بني أمية وبني العباس.
    وحينما تحدّى إمبراطور الروم المسلمين أيام الخليفة المعتصم، ساق الخليفة المعتصم جيوشه إلى عمورية مسقط رأس الإمبراطور، وأحدق بها وفتحها عنوة وأحرقها وسبى من فيها، وقتل وغنم ما يجلُّ عن الوصف، وخلد الشاعر العربي أبو تمام هذه المعركة في قصيدته الرائعة:
    السيف أصدق إنباءً من الكتبِ في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ
    وحينما بدأت الدولة العباسية في التضعضع، وتسلط عليها الجند المرتزقة من غير العرب، بدأت علائمُ الوهن والتفكك ظاهرة عليها، وقامت إمارات وممالك شبه مستقلة فيها، لا تخضع لرأي الخليفة في شيء، ولا تعترف له بغير التبعية الإسمية، وهي الدعوة للخليفة على المنابر، أما فيما عدا ذلك فكانت هذه الإمارات والممالك تتعامل مع جيرانها من مسلمين وغير مسلمين، وكأنها دول مستقلة.

    الجزء الثاني من المقالة تابعوه
    اخر تعديل كان بواسطة » gambo في يوم » 20-10-2005 عند الساعة » 07:02


  2. ...

  3. #2

    كيف تربي الأمم الحية أخلاق ابنائها(2)

    بسم الله الرحمن الرحيم


    الجزء الثاني من المقالة:
    وفي تلك الفترة استيقظت دولة الروم من سباتها، وأرادت اغتنام الفرصة في العرب المسلمين، لاسترجاع ما فقدته قبل ذلك بثلاثة قرون، فاندفعت تشدد النكير على من حولها من الحكام المسلمين، وتنتزع الحصون والمدن منهم، حتى استرجعت الكثير.
    وكان من أهم منطقة تماس بين الإمبراطورية الإٍسلامية والإمبراطورية البيزنطية، يقوم أمير حلب الهمام سيف الدولة بن حمدان، الذي امتدت إمارته على طول خط المواجهة مع الروم من ديار بكر شرقاً إلى البحر الأبيض المتوسط في منطقة إسكندرون وأنطاكية غرباً، وكانت مناطق إمارته قد أنهكتها الحروب المتواصلة مع المسلمين وغير المسلمين، وأقفرت كثير من مناطقها من سكانها.
    وكان على هذا الأمير أن يذود عن حوزة العرب والإسلام بقدراته المحدودة، وأن ينتصف من الروم المندفعين بكل قواهم.
    ولم يكن لسيف الدولة من يساند جهاده من أعوانه المسلمين، بل إنه كان يعاني الكثير من ثورات الأعراب في إمارته، ومن هجمات الفاطميين الذين يحتلون دمشق على أرضه، ومن هجمات القرامطة وغيرهم من المنشقين. ولذلك فإنه كان في وضع غير متكافيء مع الروم، ومع ذلك كان ببعد همّته، وفرط شجاعته، مِجَنّاً يردُّ الأذى عن إمارته وعن ديار العرب والإسلام، ويأسر ملوك الروم وبطارقتهم ويفتح حصونهم وقلاعهم، ويدوس أرضهم شاتياً وصائفاً، ويتوغل في أراضيهم مسافات شاسعة، لم يتعب من جهاد، ولم يمل من حرب.
    على أنه كان يخسر أحياناً، ولكن ذلك لم يكن ليفتّ في عَضُده، ولا ليُضعِف من عزيمته، ولم يكن ليترك الهزيمة تُدخل اليأس إلى قلوب جنده وقادته، إذ كان سرعان ما يستعيد نشاطه الحربي ويسرع في الاستعداد للأخذ بالثأر، ومعاودة الكرة على الروم.
    وكان حول سيف الدولة وفي بلاطه عشرات من الشعراء يخلدون انتصاراته ووقائعه، ويفخرون بجهاده، فطار ذكره في البلاد الإسلامية كلها، وكان لذلك أكبر الأثر في تقاطر المجاهدين المتطوعين من جميع أنحاء الأرض الإسلامية إلى حلب لينضووا تحت لواء سيف الدولة، والجهاد معه.
    ثم جاء الغزو الصليبي في أواخر القرن الخامس لوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم "الحادي عشر الميلادي"، فأغرق الشرق في الآلام، وأحرق ودمر وخرب، وكان غزوا استيطانياً، أراد الاستقرار في ساحل سوريا، وإقامة دولة له ثابتة الأركان، وطرد العرب منها.
    وفشلت جيوش عظيمة الإعداد في دفعه والقضاء عليه، ساقتها السلطنة السلجوقية، التي كانت أملاكها تمتد من فارس حتى حدود مصر، ثم تفسخت هذه الدولة العظيمة، وقامت تحت كنفها إمارات صغيرة تنزع إلى الاستقلال، وعانت الإمارات المحلية، في سوريا والجزيرة وفلسطين من بلاء الصليبيين الشيء الكثير. وكان أكبر بلاء تعرضت له هذه الإمارات هو الرهبة التي أحدثها الفرسان الصليبيون ذوو العُدَدِ الثقيلة في نفوس المقاتلين المسلمين، فكانت بعض الجيوش الإسلامية تهرب من اللقاء قبل أن يبدأ الالتحام، من قلة من الفرسان الصليبيين، تقلُّ كثيراً عن أعدادهم.
    وانتصف بعض الأمراء الأتراك والتركمان من الصليبيين في معارك متفرقة، ولكن تلك الانتصارات المحدودة لم تقض على هيبة الصليبيين في نفوس المسلمين، ولم تخلق في نفوس الناس حماساً يدفعهم إلى الإقدام والامتياز في ميدان الحرب، وكانوا في أكثريتهم يذهبون إلى الحروب ونفوسهم تستشعر الخوف والخذلان.
    وكانت الخلافات بين الإمارات الإسلامية أشدّ بلاءً على المسلمين من بأس أعدائهم، إذ كانت تلك الخلافات والنزاعات تستنفد قواهم، وتُضعِفُ قدراتهم، كما كانت تُدخِل الوهن واليأس إلى نفوس المقاتلين المسلمين. وصار الصليبيون يستطيلون على المسلمين، ويهددون أمهات المدن السورية "حلب ودمشق وحمص وحماة"، وركزوا اهتمامهم على حلب بصورة خاصة، إذ كانت تؤلف عقدة المواصلات بين أوروبا والشرق، وإذ كانت همزة الوصل بين مشرق العالم الإسلامي ومغربه وجنوبه، وإذ كانت الأحوال فيها مضطربة منذ أن توفي ملكها رضوان بن تتش، أشرفت على السقوط في أيديهم أكثر من مرة، ودفعت لهم الجزية في بعض الأحيان.
    واستمرت الحال على هذا الشكل المحزن حتى عهد السلطان محمد السلجوقي، فعهد بإمارة الموصل وحلب إلى عماد الدين بن زنكي، فخف إلى حلب ورتَّب أمورها، وقوّى حصونها، وشدّد من عزائم الشعب بما وعده به من النصرة، والاهتمام بأمر حلب، وعاد إلى الموصل يجمع الجيوش والمتطوعة، ليبدأ حكمه في سوريا بغزوة كبرى، لا يكتفي فيها بنصر محدود، ومغانم تافهة، كما كان يتم قبل ذلك، وإنما أراده نصراً حاسماً يردُّ الثقة إلى نفوس المسلمين، ويضعف ثقة الفرنج بفرسانهم وتفوقهم، ويجعل هذا النصر فاتحة عهد جديد لاسترداد ما سبق أن أخذه الصليبيون.
    وبعد أن استعد استعداداً كبيراً، خرج إلى حلب ومنها إلى حصن الأتارب، وهو حصن يقع غربي حلب ولا يبعد عنها بأكثر من ثلاثين كيلومتراً، يريد إزالته، لأن فرسانه أرهقوا حلب وأهلها بغاراتهم، وقاسموهم محاصيلها.
    وانتشر الفقهاء بين المقاتلين يحثونهم على الثبات وعلى حب الاستشهاد في سبيل الله ونصرة دينه، ويقرؤون القرآن ليثبتوا قلوب الناس، واندفع عماد الدين أمام جيشه يخوض المعركة، وهو مصمم على النصر أو الشهادة. وكان عماد الدين من أبرع الناس في الفروسية واستعمال السلاح، ومن أعظم الرجال جرأةً وشجاعة وحزماً، فسرتْ شجاعته وروحه إلى نفوس قادته ورجاله، فاستقتلوا مثله، فتراجع الفرنج عن الحصن، واستسلم من فيه للمسلمين، فأمر عماد الدين بإخرابه، لكيلا يفكر الفرنج مرة أخرى في استرداده وإعماره. وأراد بعض قادته الاكتفاء بهذا النصر المحدود، فقال لهم: لا ينبغي لنا أن نكتفي بهذا النصر البسيط، فقد يعاود الفرنج الكرة وينتصرون على المسلمين، وهم على غير استعداد، فتزول آثار هذا النصر من نفوس الناس، وتضعف معنويات المسلمين. وقال لهم أيضاً: إننا اليوم في جيش ضخم، وقد أرهبنا العدوّ، وأجبرناه على التراجع وتسليم الحصن، فعلينا أن نستغل هذا النصر أفضل استغلال، وأن نذيق العدوّ بأسنا، ونفوسنا مستشعرة الظفر فيذكر ذلك أبداً ولا ينساه وليسمع المسلمون بما قمنا به من تدمير العدو فتطرح نفوسهم الهيبة التي تستشعرها الآن للفرنج.
    وسار الجيش الإسلامي للقاء العدوّ المتراجع عن الأتارب، وأحاط به، وفرض عليه خوض المعركة، فأباده إبادة شبه تامة. ويروي بعض المؤرخين أنهم مرًّوا بأرض المعركة بعد ذلك بثمانين سنة، فوجدوا بقايا عظام الفرنج في تلك البقعة لكثرة من قُتِلَ منهم.

    الجزء الثالث من المقال قريبا تابعوه

  4. #3

    كيف تربي الأمم الحية أخلاق ابنائها(3)

    بسم الله الرحمن الرحيم


    الجزء الثالث من المقال :
    ومنذ ذلك اليوم استشعر الفرسان المسلمون أنهم أكفاء للفرسان الصليبيين في ساحة الحرب، وأصبحوا يلقونهم دون خوف أو تردد. واستمر عماد الدين زنكي بعد ذلك يلحق الهزائم بالفرنج قرابة عشرين عاماً لم تهزم له فيها راية.
    وجاء بعد عماد الدين ابنه نور الدين محمود، وكان كأبيه شجاعاً حازماً، صادق الإيمان، عفيفاً عن أموال الناس، وأموال بيت مال المسلمين، فتابع حروب الصليبيين بنجاح متصاعد حتى أرهقهم إرهاقاً شديداً، ولم ينقذهم منه النجدات الكثيرة التي كانت ترسلها أوروبا لصليبي الشرق، وكان له الفضل في توحيد مصر وسوريا تحت تاجه، والقضاء على الانشقاق الديني الذي خلقته الدولة الفاطمية.
    وجاء بعد نور الدين صلاح الدين الأيوبي، فتابع النضال دون هوادة، حتى لقي الصليبيين في حطين فحطم جيشهم تحطيماً تاماً، وانتزع بعد ذلك أكثر ما كان بيد الفرنج من مدن وحصون، ولولا رقةٌ زائدةٌ في نفس هذا البطل القائد المؤمن، لأنهى عهد الصليبيين في الشرق إثر معركة حطين.
    وقد أكثر الشعراء من القول في الانتصارات التي سجلها عماد الدين ونور الدين وصلاح الدين، وأحدث شعرهم سيلاً من الحماس في نفوس الناس، فكان المقاتلون المسلمون يتقاطرون إليهم للغزو معهم من جميع أرض الإسلام، وكان هذا الحماس له أكبر الأثر في تحقيق الانتصارات على الفرنج.
    وقبل أن يتمكن العرب والمسلمون من القضاء على الغزو الصليبي قضاءً تاماً، دُهُوا بمدّ تتري "مغولي" انطلق من أقصى الشرق، وأخذ يغرق الدول الإسلامية القريبة منه الواحدة بعد الأخرى في بحر من الدماء، ويقضي عليها بعنف لا مثيل له في التاريخ، حتى وصل إلى بغداد فاحتلها وخربها وأحرقها، وقضى على الخلافة العباسية، وأهلك ملايين كثيرة من بني البشر.
    وكان لابد للعرب ولأمم الإسلام من أن يتصدّوا في كل ذلك للدفاع عن أنفسهم، وعن تراثهم ومقدساتهم ضد هؤلاء الغزاة الرهيبين.
    ومما زاد في صعوبة مهمة الحكام الدفاعية، ما كان يسبق هؤلاء البرابرة من دعايات مثيرة عن الفظائع التي يرتكبونها، أوقعت الرعب والهلع في النفوس قبل وصولهم، وأدخلت الرهبة إلى القلوب منهم، قبل أن تلقاهم في ميدان الحرب، حتى أصبح كثير من الناس لا يجرؤون حتى على مجرد التفكير في الدفاع عن أنفسهم، أو في الهرب من الموت، فكانوا ينتظرون المغوليّ ليذهب وياتي بسلاحه ليذبحهم به، وهم لا يبدون ولا يعيدون.
    ثم انتفضت النفوس المؤمنة داعيةً الناس إلى قتالهم، والوقوف في وجوههم، وتأليف جبهة إسلامية ضدهم، وقام الملك "الكامل" الأيوبي أمير ميافارقين في دياربكر، بدعوة الأمراء المسلمين من أقربائه إلى التعاضد والتساند للقاء المغول، وقتالهم والثبات في وجوههم، وكان يرى أنه لو قامت كلُّ إمارة وكلُّ بلدة وكلُّ قرية بواجبها في مجاهدتهم، وأفنت عدداً من رجالهم، لقُضي عليهم بعد أمدٍ قصير، ولتجرَّأ المستضعفون المستذلون على الانتفاضة عليهم، ومجاهرتهم بالعداء فيضطرب أمرهم.
    وكان ملك ميافارقين هذا رجلاً مؤمناً شريفاً عفيفاً عادلاً، لا يستحل لنفسه ولا لأهله أن يأخذ قوته وقوت عياله من بيت مال المسلمين فكان يعيش هو وأسرته مما يكسبونه من أجر الحياكة التي يقومون بها في بيتهم. وقد عرف الناس من ملكهم ذلك التُّقى والصلاح فوثقوا به، وتعلقوا به تعلقاً كبيراً، واستجابوا لطلبه في مقاومة الغزاة الطغاة، وعملوا جميعاً على التزويد بالمؤن والسلاح والعتاد على قدر ما يستطيعون، ودبت الحماسة في نفوس الناس جميعاً، وكان في جيش الملك الكامل فارسان بطلان حقّقا العديد من الانتصارات في المبارزات التي يقومان بها مع فرسان المغول، فاستشعر مقاتلوا المدينة الجرأة، وثبتوا وثبتت معهم المدينة سنةً كاملةً تقاتل التتار وتفني جموعهم، وسرى روح البطولة، وحب الاستشهاد إلى مدن إسلامية أخرى، فوقفت في وجوه التتار وقاتلتهم، وتجرأت عليهم حتى جاء نصر الله على أيدي المماليك في عين جالوت، فقضوا على جيش التتار قضاءً شبه عام، فاستخف الناس بهم، وتبدلت القلوب بخوفها منهم الجرأة عليهم، وصار المسلمون يلقونهم ويهزمونهم، حتى أبعدوهم عن المنطقة كلها، وأيأسوهم من إمكان السيطرة عليها.
    وفي تلك الأيام الحالكة السواد، وفي تلك الأوقات العصيبة البالغة الشدة في الحرج، كانت اللغة العربية الفصحى قد انحط شأنها، وتغلبت الأمية على عامة الشعب، فضعف أثر الشعر الرفيع المستوى على النفوس، ولم تعد للصور الرائعة، والمعاني السامية، والسبك الممتاز التأثير السابق على النفوس، لذلك فكر أهل الرأي في أن يصوغوا قصص البطولة بلغة سهلة تستطيع العامة _وهم مستودع البطولات ومستقرها _ فهمها والتأثُر بها، فانتقوا من تاريخنا عدداً من الرجال الأفذاذ المشهورين، ونسجوا حول سيرهم قصصاً تمجّد بطولاتهم، وتبرز مناقبهم ومغامراتهم، وترفع من شأن جرأتهم، وتظهر الأهمية الكبرى للأبطال في الملمّات، واعتماد الناس عليهم في الشدائد، واقتداء الشبان بسيرتهم عبر العصور والأجيال، حتى استهانوا بالصعاب، وتخطوا العقبات، وارتفعوا ببطولاتهم وتضحياتهم إلى قمة الأمجاد.
    ومن هذه القصص المثيرة قصة عنترة بن شداد العبسي، وقصة سيف بن ذي يزن الحميري، في مكافحة الاحتلال الحبشي، وقصة الملك الظاهر في مكافحة الصليبيين، وقصة بني هلال، وفيها أخبار جهادهم ضد الصليبيين وأعوانهم في المشرق والمغرب، ومجموعات من القصص حواها كتاب ألف ليلة وليلة.
    وجميع هذه القصص تشير إلى ما للبطل من تأثير على نفوس المقاتلين في المعارك، وتبرز ما يفعله وجوده في دفع الرجال إلى التضحيات، ورفع معنوياتهم، والاندفاع للاقتداء به، وفي خلق الشعور بأن وجود البطل وحده بشير بتحقيق النصر على الأعداء.
    وجميع القصص التي أشرنا إليها فيها كثير من المبالغات غير المعقولة، وفيها أشياء غير منطقية، وفيها أخطاء تاريخية فجة، ومع ذلك فقد كانت المجتمعات تُقبِلُ على قراءتها، ويتأثر الشبان بها، وتثير حوادثُها ووقائعها ومغامراتُ أبطالها حماساً في النفوس، وحباً في المغامرة.
    ووجود الأبطال إلى جانب إخوانهم في ميدان المعركة يؤثر على معنويات المقاتلين تأثيراً كبيراً، ويضعف من همة الأعداء، ويلقي الرعب في قلوبهم، وقد يفعل وجود البطل فعل العشرات، بل فعل المئات والألوف.
    ولم أر أمثالَ الرجال تفاوتاً لدى المجدِ حتى عُدَّ ألف بواحدِ
    وإمعان النظر في بعض القصص التي أشرنا إليها يوصل المرء إلى القناعة بأن قلة من الرجال المصممين على النصر والشهادة، يستطيعون أن يحققوا المعجزات. وأن رجلاً واحداً مقداماً قد يقلب ميزان الحرب بجرأته وحماسه واندفاعه، وحسن تدبيره، وقد يبدل النتيجة من هزيمة محققة إلى نصر مؤزر.
    فالحرب آلتها الأولى قلوب الرجال وسواعدهم وهممهم، كانت كذلك، وستبقى كذلك أبداً مهما تطورت الأسلحة، ومهما ارتقت وسائل القتال وآلاته، فما دام هو الذي سيسير آلة الحرب فإن شجاعته، وجرأته ورباطة جأشه ستبقى دائماً ذات الأثر الأكبر في النتيجة.
    وقد أدرك الخليفة أبو بكر رضوان الله عنه هذه الحقيقة فكان يوصي قادة الجيوش المتجهة إلى الفتح، بأن يكونوا قدوة لرجالهم في البسالة والجرأة والثبات، ويقول لهم: "لا تجبنوا فيجبن الناس". وجاءه، وهو في المدينة، البشيرُ يوماً يخبره بما فتح الله على جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد في حربهم مع الفرس، فخرج أبو بكر يطوف في شوارع المدينة وينادي بأعلى صوته: "يا معشر قريش عدا أسدُكم (ويعني به خالداً) على الأسد، فغلبه على خراذيله، أعجزت نساء قريش أن يلدن مثل خالد؟".
    وفي التاريخ أمثلة لا تحصى تُثبت كلها هذه الحقيقة. وحتى في الحروب الحديثة نجد أيضاً أمثلة تدل على أن تصميم الرجال يمكن أن يقلب موازين الحرب، ومن أبرز الأمثلة على ذلك معركتا بير حكيم التي خاضها الألمان المنتصرون ضد قوة قليلة العدد من الجنود الفرنسيين، وكان أكثر مقاتليها من المتطوعة السوريين واللبنانيين، ومعركة دير كاسينو، التي أجبرت قوٌة ألمانية صغيرة متمركزة في مرتفعات دير كاسينو في جنوبي إيطاليا الجيوش الحليفة الغازية على التوقف والارتداد أكثر من مرة عن موقعها الحصين، ولم ينجح الحلفاء في إخراج هذه القوة الألمانية من مواقعها إلا بعد أن ندبت قوة من أبطال المغرب العربي، قامت بعمليات انتحارية، وخاضت المعركة مع الألمان بالسلاح الأبيض، فاضطرتهم إلى الاستسلام.

    الجزء الرابع تابعوه

  5. #4

    كيف تربي الأمم الحية أخلاق ابنائها(4)

    بسم الله الرحمن الرحيم


    الجزء الرابع من المقال :

    والشجاعة تتأتى من اتقان الوسيلة، وحب المغامرة، وثقة النفس بالقدرة على الفوز بالنصر، أو النجاة من المأزق الذي انحشرت فيه، واعتياد على خوض الحروب ومقارعة الرجال، ومواجهة المخاطر، فتعتاد النفسُ الصبرَ على المكاره، واحتمال المشاق، وتتحرر من عقدة الخوف. ومع مرور الزمن وتعاقب الأجيال تصبح الشجاعة شيئاً متوارثاً تفخر به الجماعات.
    إلى هذا الأمر أشار الرسول الكريم حينما قال: "ما ترك قومٌ الجهاد إلا ذلُّوا". وعاد فكرر هذا المعنى بصيغة أخرى فقال: "ما غُزي قومٌ في عُقر دارهم إلا ذلُوا". فالشعوب التي ألِفت الجهاد، وخوضَ الشدائد، وشن الحروب على الأعداء، هي الشعوب التي يكون الروح الحربي فيها قد تأصّل، واعتاد الناس فيها استعمال السلاح، ومعاناة الشدائد، وأعدوا للحروب عدتَها على ضوء تجاربهم وخبرتهم العملية، فأصبحت الشجاعة متأصلةً فيهم يفاخرون بها، ويتسابقون إلى الموت بدافعها.
    على أن النفوس تَضِنُّ بالتضحية إذا لم يكن لها قضية تدافع عنها وتشعر في الدفاع عنها بالرضا، وإذا لم تؤمن بأنها إنما تدافع وتضحي في سبيل شيء خاص بها، مقدس لديها. فالعبد لا يبذل الجهد في الدفاع عن سادته، إذا كان يستشعر منهم الظلم والطغيان عليه، وهو لا يخلص في بذل نفسه ولا يضحي بها ولا يعرضها إلى المخاطر الجسيمة من أجلهم حينما تكون نفسه تشتعل بنار الحقد عليهم، وقلبه يقطر دماً من سوء معاملتهم.
    وقد ذكرت كتب الأدب قصة عنترة يوم كان عبداً يرعى لأبيه الإبل، وأبوه يأبى تحريره من نير العبودية والاعتراف بنسبة، فقد وقف موقف المتفرج من حرب شنها أعداء بني عبس على مضاربهم، في غيبة من فرسانهم ورجالهم، ولم يتحرك حينما حثه أبوه على الدفاع عن الأهل والحرم، وقال لأبيه: العبد لا يحسن الكرَّ، وإنما يحسن الحلابة والصرَّ. فأدرك أبوه صدق هذا القول، لذلك حرره وألحقه بنسبه، ثم طلب منه أن يكر، ففعل الأعاجيب بالأعداء.
    وسَخِرَ فارسٌ عربيّ من قومه وعشيرته التي لا تذكره إلا عند الشدائد وخوض الحروب، وتعريض النفس للمخاطر، بينما يتصدر غريمه "جندب" المجلس، ويترأس الولائم، ويستقبل الضيوف، ولا يتحمل شيئاً من الغُرمِ والمخاطر، فقال ساخراً من عشيرته:
    وإذا تكـون كريهةٌ أدعَى وإذا يحاسُ الحَيس يُدعى جُندبُ
    وأبلى عمرو بن معدي كرب الزبيدي بلاء حسناً في معركة القادسية، وأسهم إسهاماً كبيراً في تحقيق النصر، ولما جاءت وقت اقتسام المغانم بين المقاتلين _ولم يكن إذ ذاك قد استقرت الطريقة التي تقسم بها المغانم _ اقترح بعض القادة أن تقسم المغانم وفقاً لما يحفظه كل واحد من المقاتلين من القرآن الكريم، وكان عمرو بن معدي كرب حديث عهد بالإسلام، ولم يكن يحفظ القرآن إلا عدداً من قصار السور التي تجوز بها الصلاة، فاحتج على ذلك وقال:
    إذا قتلنا وما يبكـي لنا أحـد قالت قريش ألا تلك المقاديرُ
    نُعطى السوية من طعن له نفذٌ ولا سويةً إذ تُعطى الدنانيرُ
    ومن أقسى الأشياء على نفس الإنسان عامة، ونفس العربي خاصة، شعوره بالغبن والظلم من الناس عامة، ومن أهله وعشيرته بصورة خاصة، فظلم الأباعد يستطيع الإنسان أن يتصدّى له بالثأر والثورة وبالقتال وبالاستعداء، إذا استطاع إلى ذلك سبيلا، أو بالهجرة والنزوح عن الأرض إذا لم يستطع دفع الحيف عنه. أما الأهل فهم الموئل وهم السند فإذا جاء الضيم والشر منهم فبمن يستعين الإنسان عليهم؟ ولذلك قال طرفة:
    وظلم ذوي القربى أشدُّ مضاضةً على النفس من وقعِ الحسامِ المهنَّدِ
    والناس اليوم لا يقلُّون حاجةً عن رجل البادية إلى الشعور بالعدل والمساواة، والأمن في الوطن، وبأن الناس كلهم سواء في الحقوق والواجبات، ونيل المنافع، واحتمال الأذى، وهو ما نسميه اليوم بتكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون. وقد رأينا كيف أن الشعب الإيطالي لم يقاتل في الحرب العالمية الثانية قتال المخلص المتفاني، ولعله لو أخلص في القتال والبذل والتضحية لكان أمر الحرب قد تغيّر. ومن يستقص وضع إيطاليا زمن الحكم الفاشي، وما ظهر فيها من فساد وانحلال وتمايز بين الناس في الحقوق والواجبات، وما ظهر في الشعب من علائم التذمر والقرف من الحكم والحاكم، ومن النظام كله لا يستغرب موقف الشعب الإيطالي أللا مبالي في أثناء الحرب، برغم ما كان لديه من سلاح متطور، وعتاد وفير. وشعور المواطن بالعدل والمساواة مع الآخرين في رحاب الوطن، يريح النفس من آلامها، ويستل منها الحرَن والحقد، ولعل من أفضل ما يشحذ همة المواطن، ويدفعه إلى البذل والتضحية هو شعوره بأن الحاكم ومَن حوله هم خير من في الوطن، علماً وأخلاقاً، وكفاءةً، وطهارة يد، وعفة عن أعراض الناس وأموالهم، وحرصاً على إقامة العدل وضبط الأمور في البلد وتقويمها، وأنهم لا يقاتلون عليه في شيء، ولا يضنون بأنفسهم إذا حزَب الأمر، وجدَّ الجد، ولا يبخلون بها إذا ما دعاهم الداعي.
    لقد كان القادة العظام الذين تركوا أثراً حميداً في التاريخ مثلاُ يحتذى به في العفة وكرم الخلق. والقدرة على ضبط الأمور، وإشعار كل مواطن بأن السلطة ساهرة على أمنه وعرضه وماله، وأنها قادرة على بتر كلِّ يد تمتد للعبث بكرامات المواطنين وأعراضهم وأموالهم، فكان كل واحد يشعر بالأمن والاطمئنان، ويدرك أنه إذا ذهب للجهاد في سبيل الله فإن أسرته في حماية السلطة، وحماية الأطهار من أبناء الشعب، ولن تشعر بحاجة تفرض عليها الجوع والهوان.
    ومن طريف ما يروى في هذا الباب قصتان كان لهما أثر كبير في ترسيخ ثقة الناس بدولتهم وحكامهم، قصة وقعت أيام عماد الدين بن زنكي، وقصة مع ابنه نور الدين.
    أما قصة عماد الدين فتتلخص في الآتي: كما رواها ابن الأثير.
    حينما كان عماد الدين زنكي يبذل الجهد الكبير لترسيخ ثقة المسلمين بأنفسهم وحكوماتهم، لينطلق بعد ذلك إلى دعوتهم إلى تحمُّل أعباء الجهاد والمساهمة فيه بأنفسهم وأموالهم، كان بعض حكام الأقاليم في دولة زنكي لا يدركون مدى حزم هذا الحاكم الشهم النبيل، ولا مدى إخلاصه في عمله ودعوته، فكان بعضهم يسيء إلى كرامات الشعب وأعراضه، وبعضهم يسيء الأمانة، وبعضهم يتجاوز حدوده فيغتصب لنفسه ما طاب لها من أرض وبيتٍ ومالٍ وعرضٍ.

    الجزء الخامس تابعوه

  6. #5

    كيف تربي الأمم الحية أخلاق ابنائها(5)

    بسم الله الرحمن الرحيم


    الجزء الخامس من المقال :
    وكان من جملة هؤلاء المسيئين رجل عينه زنكي ليكون نائباً له في حكم مدينة حرّان في الجزيرة، وكان هذا النائب يستغل فرصة خروج الرجال لأداء واجبهم في الجهاد مع زنكي، للعبث بحرم بعض هؤلاء المجاهدين، وقد تكرر وقوع ذلك منه أكثر من مرة، فرُفع أمره إلى عماد الدين زنكي، فحقق زنكي في الأمر، واستمع إلى شهادة من يثق بقولهم، فأكدوا جميعاً سوء تصرف هذا النائب، فاستدعاه واستنطقه وأشهد عليه، فأقر بما كان منه، فأمر زنكي بقطع مذاكيره والطواف به في مركب في نهر المدينة، حتى يعلم ذلك كلُّ مواطن، فيطمئن على عِرضِه وحرمه إذا خرج للجهاد، فكان لهذه العقوبة القاسية أثرها البالغ في نفوس الناس، وفي نفوس الحكام، وفي تقويم الأمور.
    أما القصة الثانية التي وقعت في عهد نور الدين محمود فتتلخص في الآتي:
    ألِفَ بعضُ كبار قادة نور الدين الذين كان لهم أثر حميد في جهاد الفرنج الاستطالة على الشعب، واغتصاب ما طاب لهم من أموال الناس، وكان من بين هؤلاء القادة العظام أسد الدين شيركوه "وهو عم صلاح الدين الأيوبي"، وكان شيركوه أكبر قواد نور الدين محمود، وأكثرهم جرأة وبلاء في حروب الصليبيين، ورُفِعَ أمرُ استطالة شيركوه إلى نور الدين، فلم يرد أن يخجل قائده العظيم، فأمر بتأليف مجلس قضاء يرفع إليه الشعب ما لحقه من ظلامات من قادة السلطان، فأدرك شيركوه أن نور الدين إنما كان يعنيه بتأليف هذا المجلس، فأعاد لكل صاحب حق حقه، حتى لم يترك لأحد شيئاً يمكن أن يتقدم بتظلم من أجله، واجتمع المجلس أياماً، فلم يتقدم إليه أحد بشكوى، فذُكِر ذلك للسلطان، فحمد السلطان ربّه على أن جعل في قادته شعوراً بالرأفة والرحمة والكرامة والخوف على السمعة.
    وحينما تكون الجماعة في طور صعودها تتجلّى فيها الخصال الحميدة: من اجتماع كلمة، وصدور عن رأي واحد، واستقامة وشهامة وجرأة في الحق، وتمسك بالفضائل، وعفة في اليد واللسان والذيل، وقول للصدق، وعون على إحقاق الحق، وصون للعدل، وتميز بالشجاعة والبطولة والتضحية في سبيل المجموع، وسعي للصلاح والإصلاح، وأمر بالمعروف وعمل له، ونهي عن فعل المنكر وانتهاء عن فعله، وشعور كلِّ فرد في الجماعة بأنه مسؤول عن سلامتها وأمنها واستقامة أمورها.
    ولا يعني هذا أن الصفات القبيحة المستنكرة تزول وتتلاشى، وتنمحي تماماً من النفوس، وإنما تنكمش وتتوارى في العلانية، وتبقى مستقرة في زوايا النفوس الضعيفة في طور من الكمون والسكون، وتتراجع إلى المرتبة الثانية إذ يلزمها أصحابها بالانكماش والتواري مخافة أن تلحق بهم معرة إذا ظهرت، وفيهم الشجاعة إلى جانب السلامة، وفيهم التضحية إلى جانب الأنانية وحب انتهاز الفرص. فترى البخيل يُكرهُ نفسه على الجود تشبهاً بالكرام، والجبان يُكرِهُ نفسه على الشجاعة والإقدام تشبهاً بالشجعان، والدنيء يكره نفسه على الترفع تشبهاً بالأباة الأعزة.
    أما حينما تنحدر الجماعة نحو الانحطاط، فيظهر عليها الوهن، والتفكك، ويسود فيها التخاذل، وتتلاشى الجرأة وحب التضحية في سبيل الجماعة، وهنا تبرز الأنانيات واضحةً جلية، وتظهر الأثرة وحبُّ السلامة والذات، وتتقدم المصالح الخاصة على مصلحة الجماعة، وتظهر النفوس الضعيفة على حقيقتها متعلقةً بالحياة، كارهةً للتضحية، منافقةً، متخاذلةً، تتحين الفرص لانتهازها وتتقرب من ذوي السلطان وتداريهم لتأمين مصالحها من أي طريق كان: شريفاً أو غير شريف، لا تهمها كرامة، ولا تؤذيها مهانة، ولا تحسب حساباً لضياع عِرضٍ أو امتهان قدسٍ من الأقداس.
    وحينما يتطاول ليل الذل على الجماعة، وتنغلق في الوجوه أبواب الرجاء والخلاص، تنحدر جماعات أخرى إلى المستنقعات، وقد كانت _حتى ذلك الحين _ تقف على استحياء متردّدة متربصةً، يمسكها شيء من حياء، وبقيةٌ من كرامةٍ ورجولة، وطمع في فرج قريب، وتترك نفسها تنحط إلى المهاوي التي تردت فيها جماعات النفاق والانتهاز من سِفلة الناس، وتخلع هي الأخرى العذار، وتقذف بنفسها في أوحال المهانة والتمرغ على الأعتاب، بحثاً عن منافعها ومصالحها الخسيسة.
    وتتعاون جميع هذه الفئات الذليلة التي تساقطت على الطريق، في اصطناع المبررات لنفسها على غرقها في الأوحال، وتتذرع بالحكم والأمثال والصيغ الفلسفية، والمناقشات المنطقية تخفيفاً عن أنفسها مما تستشعره من خزي واحتقار، وعذاب نفسي فيما تقوم به من أدوار خسيسة في خدمة المتسلطين.
    فمنهم من يصف عمله الخسيس بأنه "حفاظ على شعرة معاوية مع المتسلطين"، ومنهم من يصف تعاونه معهم، وبذله نفسه وعرضَه وكرامته لهم: "أنه نوع من الحذق والسياسة والشطارة في تأمين المنفعة". . إلخ، ولا يغيب عن هؤلاء أن يتمثلوا في بعض الأحيان بالأحاديث النبوية الشريفة، وأن يستعملوها في غير ما وردت فيه عادة، وفي غير ما أراده صاحب الدعوة عليه السلام، فيقولون مثلاً: "يا أخي قال الرسول الكريم: المؤمن القويُّ خير من المؤمن الضعيف"، وهم يقصدون بذلك أنهم إذا ما نافقوا، وأذلّوا أنفسهم، وبذلوا أعراضهم في سبيل تأمين كسب غير شريف فإنهم إنما يسعون في الحقيقة إلى تأمين أسباب القوة التي تجعلهم قادرين على مقاومة الطغاة والطغيان.. وهم يعرفون حقّ المعرفة أنهم أبعد ما يكونون تفكيراً في أمثال هذه المواقف الشريفة، فالحرةُ تموت ولا تأكل بثديها.
    وقد يستشهدون بمقاطع من آيات من القرآن الكريم، ويوردونها في غير ما أنزلت فيه، وفي غير ما أراد الله تعالى من إنزالها، تبريراً لتصرفاتهم تجاه أنفسهم، وتجاه مَن حولهم، من ذلك أنهم يبررون تخاذلهم، وحرصهم على الحياة الذليلة، فيقولون:
    يا أخي قال الله تعالى: (... ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكةِ...).
    ويقولون أيضاً: يا أخي قال الله تعالى: (... وَلا تَقتلوا أنفسكُم...).
    أو يقولون يا أخي نحن مكرهون على فعل ما نفعل، وقد سمح الله تعالى للمُكرِهِ بأن يقول بفيه كلمة الكفر فقال: (... إلاّ من أُكرهَ وقلبهُ مطمئنٌ بالأيمانِ...).
    ومن ذلك أيضاً أنهم يقولون: يا أخي إن الله سمح للمؤمنين في أثناء المعركة بأن يتحركوا ويتصرفوا وفقاً لما يمليه عليهم ظرف المعركة، لتحقيق النتيجة السارة وهي النصر. فقال الله تعالى: (... إلا مُتحرفاً لقتالٍ أو مُتحيزاً إلى فئةٍ..).
    ويدّعون أنهم إنما ينحازون إلى الحكام ويتقربون منهم ليكسبوا ودَّهم وثقتهم، ومتى تحقق لهم ذلك أمكنهم القيام بواجبهم في حمل الحكام على اتباع الصواب، وترك الفساد والطغيان.. إلخ.
    وهذا كله بلا شك كذب وبهتان ونفاق، وسخرية من النفس ومن الآخرين، فقد نسوا أنهم هم الذين يقذفون بأنفسهم وكراماتهم وأعراضهم تحت أقدام ذوي السلطان، وهم الذين يزحفون على الأعتاب، ويقفون ملازمين الأبواب، ويتفننون في استحضار ما يلذ الكبراء ويسرهم ويرضي كبرياءهم من قول وعمل، وهم الذين يفعلون ذلك تطوعاً ونفاقاً من عند أنفسهم، ولم يكلفهم به أحد، ولم يجبرهم عليه أحد. ولو أنهم التزموا حدودَهم، وقنعوا بما قنع به الآخرون من كرام الناس وشرفائهم، مما لهم فيه حق مشروع، وصانوا أعراضهم وكراماتهم عن الابتذال والإسفاف، لما تعرض لهم أحدٌ بسوء.
    ولكن لنفترض أنهم ابتلوا فعلاً بطاغيةٍ جبارٍ لا يرحم صغيراً، ولا يوقر كبيراً، ولا يحترم أمراةً ولا شيخاً ضعيفاً، ولا يَعفُّ عن منكر وخنا، يقتل ويعتدي ويحرق ويدمّر اعتداءً وظلماً وتجاوزاً وتلذذاً وتشفيّاً.. كما فعل نيرون وهولاكو وتيمورلنك.. فهلا يليق بالحر الكريم أن يقاوم الطغيان، ويقف في صفوف الأحرار الشرفاء، ويؤدي قسطاً من واجبه على قدر طاقته وقدرته، وإذا عجز عن القيام بشيء من ذلك فإنه ليس من الصعب عليه أن يهجر منزله وداره وأرضه إلى منزل آخر وأرض أخرى يجد فيها الأمن والعزة والكرامة، حتى يفرج الله الكرب عن الناس...؟
    لقد تركوا آيات الله وأوامره، وأوامر رسوله التي تحث المؤمنين على التصدّي للطغيان، وتقويم المنكر، ومحاربة الفساد والظلم والعدوان، وعلى عدم الاستكانة للإرهاب والجور، وهي كثيرة جداً في القرآن وفي السنّة، ويعمدون إلى مقاطع من آيات وأحاديث لم تنزل فيما أرادوا هم فهمه منها، ولم ترد في مناسبات تماثل الحال التي هم فيها.
    لقد نسوا قوله تعالى وهو يصف المؤمنين المخلصين: (والذين إذا أصابَهُم البغيُ هُم ينتصِرون).
    أي أنهم يثورون على الطغيان ولا يقبلون به، ولا يسكتون عليه.
    ونسوا قوله تعالى: (لُعِنَ الذينَ كفروا من بني إسرائيل على لسانِ داودَ وعيسى ابن مريمْ ذلك بما عَصوا وكانُوا يعتدون* كانُوا لا يتناهَونَ عن منكرٍ فعلوهُ لبِئس ما كانُوا يفعلون).
    ونسوا قوله تعالى: (كُنتُم خيرَ أمةٍ أخرجت للنّاسِ تأمُرونَ بالمعروفِ وتنهونَ عنِ المنكرِ وتؤمنونَ بالله...).
    ونسوا قوله تعالى: (إنّ الذينَ توفاهُم الملائكةُ ظالمي أنفسِهِم قالوا فِيم كُنتم قالوا كنّا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكُنْ أرضُ اللهِ واسعةً فتهاجِروا فِيها...).
    كما نسوا قول الرسول الكريم (ص) : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وهو أضعف الإيمان".
    فالحر الشريف المؤمن هو الذي يتصدّى للظلم والطغيان، ويحاربهما قدرَ ما يستطيع، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لا يبالي بأذى يُلحقُ به في سبيل الله، وفي سبيل قضية العدل والكرامة، وسلامة المجتمع.

  7. #6
    السلام عليكم gambo

    مشكور على الموضوع 1الرائع

    جزاك الله ألف خير

    تحياتي
    ---------
    صديقك Yu - Gi - Oh
    كل عام وســعوديتي بخير وسلام

  8. #7
    السلام عليكم gambo

    مشكور على الموضوع 2الرائع

    جزاك الله ألف خير

    تحياتي
    ---------
    صديقك Yu - Gi - Oh

  9. #8
    السلام عليكم gambo

    مشكور على الموضوع 3الرائع

    جزاك الله ألف خير

    تحياتي
    ---------
    صديقك Yu - Gi - Oh

  10. #9
    السلام عليكم gambo

    مشكور على الموضوع 4الرائع

    جزاك الله ألف خير

    تحياتي
    ---------
    صديقك Yu - Gi - Oh

  11. #10
    السلام عليكم gambo

    مشكور على الموضوع 5الرائع

    جزاك الله ألف خير

    تحياتي
    ---------
    صديقك Yu - Gi - Oh

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter