أمامَ ما تبقى من هيبةِ وطنٍ وقفتُ..
أستعيدُ مع ذاكرتي صورتَهُ الأولى ..
صورةٌ ألفتُها وحفظتُ تقاسيمها جزءًا جزءا..
هي عشرةُ أعوامٍ مضتْ ..
أسابقُ الزمنَ فيها .
كان فكري مع جهدي متحداً..
وقلبي كاظمٌ لهفتهُ وشوقهُ لرؤياكَ..
كلهُ من أجلك يا وطني ..
ومن أجل أن أجني ثمارَ جهدي وسعيّ.
ويقترنُ اختراعي باسمي وباسمك الغالي..
ها أنا عدتُ إليكَ بعدَ غياب.
أرهبت أحاسيسي وجوارحي وقتها بما رأت..
ومنصتاً لأنينِ بكائكَ..
وتوجعُ حِجارتك التي تحطمتْ..
بصخرةِ الظلمِ حتى تهشمتْ ..
وتفتتْ ذراتُها ..
البعضُ منها استقلَّتْ الرياحَ التي هبتْ..
وحطتْ بعضَ رحالِها في عيني..
فألهبتهما أيُّما التهاب..
والدمعُ بعدها تدفقَ في المقلتين كسيلِ المطرْ..
أأبكي على حالي الذي دمرتْ سعادتهُ ؟!
أكانت بفرحةِ لقاء وطناً بعدَ غُربةٍ ؟!..
طُمستْ معالمهُ المألوفةِ بأداةِ حربٍ فتاكة..
أو بروايةٍ حكتُها بخيوطِ عملٍ دؤوب..
وألوانُ خيطاني صبرٌ وأملٌ ومعاناة..
وقوةٌ وعزمٌ وتوكلٌ على خالقِ السماء..
لتتوجُ نهايتها بلا شيء..
قيل لي أكتبْ إذاً وخلدْ ما رأيت..
أكتبْ شعوركَ اختلاجاتِ قلبكَ يأسكَ وبؤسك..
قلتُ حسناً فاستعرتُ قلماً منهم ..
وكتبتُ مستهلاً بدايتي ..
بعنوانِ فاجعتي صفرُ النهايةِ ...
تعجبتمْ أمْ لمْ تتعجبوا !!
فالأمرُ سيانٌ عندي !!
الصفرُ في بدايةِ الشيء له قيمةٌ معنوية..
أمْ في نهايتِه يعني لا شيء ..
لقد أولجتُ الصفرَ إلى معجمي لغوي ..
وأعرتُهُ معناً استثنائياً ليستوعبَ نفسيتي المحطمة..
والمكتظةُ لذروتِها بفوضى المشاعرِ ..
يا قلبي المتعبُ بما أبصرْ ..
عقلي الحائرُ يسأل ..
أيُّ شعورٍ يختار؟
ليأمرْ عضلاتَ وجهي ..
لتعبرَ عن هيئةِ إنسانٍ تلاشتْ أفكارهِ كلها بلحظةٍ..
واختلطتْ أحاسيسهُ المتقدةُ ببعضها ..
فما عادَ يميزُ عقلُهُ لا المكانَ ولا الزمانْ ..
وطافَ بعدها في الفراغِ ..
بصحبةِ الخيالِ لعالمٍ..
زجَّ في سجلاتِه بجهدهِ تفاصيلَ حكايتِه العلمية..
وأكملها بماضٍ عانى فيه حلمهُ ..
أياماً وليالاً لينعمَ بشمسٍ مشرقة..
وسماءً صافيةً لم تعكرها الغيوم ..
عادْ وكأنَّهُ لم يعدْ..
جسداً بلا روح ..
عادْ ليُدمي بصرهُ بهولِ ما رأى..
دمارٌ في أرضِه طغى ..
أخفى معهُ كلَّ المعالمِ ..
وتلاشتْ بخلسةٍ لوحته الخيالية ..
والتي رسمتْ طيراً مهاجراً وبموطنهِ سعيد ..
والكلماتُ تبعثرتْ على اللسانِ قبلَ نطقَها..
فأبهمتْ وتشوهتْ عن القولِ الرشيد ..
والروحُ لامست الرملَ قبلَ الجسد ..
ليسقطَ على الأرضِ في منظرِ الرجلُ الكسير..
وتساقطت من على كاهليه كل الرؤى وما بقي من حلمٍ وأملٍ منير..
وبقتْ تقاسيمُ الوجهِ تائهةٌ حائرة..
أأغضبٌ تعلوهُ صرخةٌ جامحةٌ كافيةٌ لملمةِ بقايا الوطن؟!
أو عبراتٌ تذرفُ من عينيه تهونُ تهمش وجه فرحته؟! ..
وتواسي حالهُ المصدوم بواقعِه المرير..
أم ابتسامةٌ عريضةٌ كفيلة بإطفاء أحزانه وألأمه؟!
أظنُّ الصمتَ في هذا المكان دوائي..
سأرتوي منه لحد الشبع ..
فينسيني وقفة ٌحصدتُ فيها كل الصورِ المؤلمة..
إني بحاجةٍ الآن لحضنٍ بحجمِ السماء الواسعة..
تلمُ بها شعثي ومشاعري المنكسرة..
وتمحو بها ذكرياتَ جهدي وكل معاناتي ..
وبدفءِ حضنها ..
أنعشُ روحي التي أُثِلجتْ حواسها ومشاعرها ..
في لحظةِ تشتُتي وضياعي..
فاستمرُ في الحياة بعدها..
ها هي الرياحُ تعصفُ..
لتوقظَ روحاً تكادُ تحتضرُ..
وتهمسُ في أذني بلطفٍ ..
تخبرني عن فجرٍ جديدْ ...
ولا أدري ألقائي معهُ قريبٌ أمْ بعيد ؟؟!! ..


المفضلات