طريق الموت !..
كانت ولا زالت ملساء كالجليد ..لا مطبات لا شرطة مرور ..
طويلة وعريضة تسمح لمرور أكثر من أربع سيارات معاً ..
تتمدد تحت الشمس لتكون حلبة سباق لسائقي سيارات تنقل أرواح البشر المتعبة المشتاقة ..
هكذا وصفوها وهكذا أجادوا وصفها .. ~
____________
تسارعت خطواتي هرباً من لسعات الشمس الحارقة وأمنيتي أن يكون الدور على حافلة تلطف الجو بمكيف هوائي ..لكني أصبت بخيبة أمل عندما دخلت الحافلة الملتهبة وكأنها فرن لطهو البشر.. والأسوء أنني أول الواصلين! هذا يعني أكثر الركاب عذاباً .. نام رأسي على زجاج النافذة لعل الوقت يسابق الملل، فعكس الزجاج صورة وجهه المرهق المهموم ..وخطواته اليائسة المتمايلة ..أليس هذا العم أبو عزام ؟ .. أجل إنه هو ..العم الضحوك ! ، لابد أنه كان في الحضانة عند طفله الصغير حديث الولادة .. دعوت الله أن يشفي ولده ويفرح قلب والديه .. لكن سعادتي بوجود قريب -ولو من بعيد- يشاركني طريق العودة تغلب على تلك اللحظات الحزينة ، دخل وركب في المقعد خلفي مباشرة .. يبدو أنه لم ينتبه لوجودي ! .. ملء سبع ركاب الحافلة وانطلقنا عائدين إلى أحضان منازلنا، كنت أسمع حديث المقعد الخلفي عفوياً وأنا منشغلة بالعزف على حقيبتي ذات الألوان الترابية المتربعة على ركبتي إلا أنْ شدتني نبرة السخرية التي تشبعت بها أصواتهم الخشنة وهم يتحدثون عن قدوم الشهر الفضيل الذي كنت أهديه معزوفتي المتواضعة .. عبست ملامحي وبكى الشعور العربي المسلم لحديثهم المحرج .. فمنذ متى كان شهر رمضان الكريم.."موضة".. قرروا ألا يتبعوها في سنة 2012 ؟ ..ما دام هذا عذر الكبار آباء الصغار وقدوة الشباب فكيف هو عذر الأصغر سناً !!.. لا أريد حتى أن اتخيل ... !
ومضت الأيام ..يوم ضبابي هادئ تلو الآخر لا يزينها إلا فرحة رمضان ..هكذا هي أيامي دون والدي !
دخلنا العشرة الأواخر ..فزادت الفرحة الضبابية باقتراب ليلة القدر ...ثم.. جاء ذلك اليوم الذي حمل سحب الأحزان |..
|.. وصل طيار سائق الحافلة الأسرع في القرية، هكذا كان لقبه الذي يفتخر به ! ، فتسابق العاملون لركوب الحافلة وهم يتخاصمون كالعادة في من سيصل لبيته وأولاده أولاً ؟.. الجميع مرهق ومشتاق وجائع ولو لم يكل صائماً ! ، هل يقذفون قطعة نقود معدنية أم يعودون لأيام الدراسة ويلحنون أنغام "عصفور على الشجرة يعد للعشرة " أم يقفون خلف خط سباق جري ويرون من يصل للمقاعد أولاً ؟... لا إنهم أكبر من هذا بكثير، إنهم أصدقاء وأقرباء وأبناء قرية واحدة وحي واحد ..فكروا بتسامح وتعاون وتضحية .. فركب الصائم ليصل قبل موعد الإفطار ..وركب أبناء العم ليتشاركوا طريق المنزل الواحد ..ركب الإبن ليطمئن على والده الذي غادر عمله باكراً .. ركب الأب الذي سيحظى بأكبر عدد من القبلات لأنه الأكثر عدد أبناء ..وركب العم الضحوك..العم أبو عزام المتلهف لرؤية صغيره الذي طمئنه الأطباء قبل قليل بأنه غادر الحضانة بعد تحسن صحته ..فأسرع العودة لمشاركة أسرته احتفالات احتضان الفرد الجديد ..وهكذا كان ..ركب سبعة عمال أشدهم حاجة للعودة باكراً شاكرين البقة على تفهمهم وتضحيتهم تحت هذه الشمس الحارقة ... فانطلق يا أيها الطيار فقد امتلأت حافلتك بالأرواح البشرية ..وبعد دقائق ستمتلئ محفظتك بالنقود كن كريماً ولا تشتت عقلك بعدها وتذكر من دفع ومن لم يدفع! .. وانتبه للطريق فهناك أبناءٌ ينتظرون آباءهم بشوق لا حدود له ..ثم من فضلك هلا خففت سرعتك قليلاً! نعلم أنك طيار لكن ركابك ليسوا صالحين كفاية ليطيروا إلى السماء .. أو ربما نعم! ..الله يعلم ..ويا ليت البشر يعلمون ويوقنون ويتعلمون ...!
سرحت لثوان أتذكر حلمي الغريب الذي بات يتكرر كثيراً مؤخراً ، أحلم أن أبي يعود للمنزل فجأة قبل انتهاء فترة عمله لكن رغم فرحي وشوقي لأبي الذي لم أره منذ أكثر من شهرين إلا أنني أشعر أن شيئاً خاطئاً في حلمي ..وكأنه كابوس مغلف بحلم وردي جيد الصنع ..
- وبكون شبعان والا جيعان ؟
ضحكت على نبرته المتسائلة بحماس وكأن حلمي سيروي عطشه ويشبعه الآن ، أجبته بمرح :
- بعرفش.. كل إلا متذكرته إني بقيت مبسوطة كثير بشوفتك ويعني شوي خايفه .. جد بابي طولت غيبتك احنا هون كلنا اشتقنالك كثير !
ـ أجاب بنغمة الآباء الحنونة التي تخدر مسامعي:
- وأنا برضو اشتقتلكم وبتمنى أرجع اليوم قبل بكره بـ...
سحقاً للغيرة! .. تعاون إخوتي بقيادة أمي على سرقة سماعة الهاتف بحجة أننا ..المدللة وأبيها.. لا يمكن لحديثنا أن ينتهي إلا بانتهاء الرصيد.. وانهالوا على أبي المسكين بطلب الهدايا والفتنة عن بعضهم البعض والشجار على من سيكلمه أولاً ..!
أما أنا فعدت أحاول تحليل حلمي الذي وصفوه برؤيا ستتحقق ..!!
دقائق فقط وجائت اللحظة ..لحظة وصول السحابة السوداء لتطمس معالم الحياة في القرية!!... توزعنا على شرفة منزلنا ونوافذ الصالة المطلة على جيراننا القلقين المرتعبين .. وصلهم نصف الخبر الذي وصلنا ..فقد مات جميع من في حافلة طيار رحمهم الله .. اعتصر قلبي ألماً وأنا أرى والدته قد تربعت وسط الشارع صارخة "مش رح أتحرك من هون إلا تاجيبولي خبر يقين عن ابني " ، زوجته ترتجف وتعصر يديها بقلق وبناتها يجاهدن لإمساك دموعهن خوفاً أن تقتل أباهن الذي إلى الآن لم يتجرأ أي أحد ليقول لهن أنه مات!!.. يا الله ما أصعبها من لحظات! ..أن تنظر إلى الأمل الذي يتفنن في رسمه في أعينهن القلقة بينمى أنت مدرك تماماً أن لا آمل في عودة الروح الميتة .. ترى؟ هل كانت أصعب من اللحظة التي عرفنا فيها أننا ننظر إلى حال أنفسنا بعد دقائق ... ويا لها من سخرية! قبل قليل كنا نواسيهن ونتهامس " لحد هسة ما استوعن إنهم كل الا بالسيارة ماتوا بالحادث ؟! " ..وها نحن الآن نتعلق بشظايا الآمل الذي يقول "أبو عزام هو الوحيد الي نجى من الحادث "... رباه! كم هي ضعيفة وهشة تلك التي يقولون عنها أقوى عضلة في جسم الإنسان ؟!..
انتهت..|
__________________________________________________ ______________
# سمي الطريق الذي شهد الحادث بطريق الموت أو طريق الرعب بسبب ما شهده من حوادث كان حادثنا أشدها رعباً .
# عاد أبي من عمله كما حدث في حلمي تماما، بل وعاد كل فرد كان يعمل في اسرائيل ليمروا من طريق الموت ويحضروا جنازة زملائهم الشهداء .
# توفي ابن العم أبو عزام بعد الحادث بأسبوع وكأنه يقول لا حياة أعيشها دون والدي .
# جارتنا فقدت جنينها خلال الحمل لينضم لوالده بينما جارتنا الثانية ثبت أنها حامل في أشهرها الأولى وتتمنى أن يكون ولدا يشبه أبيه المرحوم ليسندها وبناتها الثلاث .
# قتل ذلك الحادث 11 راكب من السيارتين وخلف أكثر من 50 يتيماً ..شكراً للدول المساعدة التي تبنت هذه الأسر اليتيمة وقدمت لهم المساعدات المالية والمعنوية ،رغم أن كنوز الدنيا لا توازي ضمة حنونة في حضن والدهم الراحل.. ربنا ارحمنا أجمعين واغفر لنا ذبوبنا يا رب العالمين .. ||





اضافة رد مع اقتباس










:







يا خوفي من الاخت المنشارية اذا غضبت ومعها منشارها وغول اختها 



المفضلات