![]()
صفير جو
هناك إثنان لا بد أن يطلع عليهما كل ما أراد أن يصنع مسلسلا, رسومي كان او حياً, ديزاكي و يواسا. هذان الرجلان لا يشابهان بعضهما في أعمالهما بل يختلفان إلى درجة أنهما لم يلتقيا في نقطة, لكنهما يجتمعان في أنهما يختلفان عن السائد.
تحميل الصناعة التلفزيونية بكل تلك التفاصيل الثقيلة والصادمة للمشاهد مغامرة إنتاجية, فالتلفاز وجد للوصول السريع للإنسان البسيط والحدث البسيط بصورة لحظية ومباشرة لا يتحمل معها المشاهد عناء التسلسل أو التضمين ليضطر من بعدها إلى التحليل. عند عدم خضوعك لشروط المشاهد قد تخسره حينها, وشركات الإنتاج لن تغامر بميزانية للمراهنة.
ديزاكي نجح للوصول للمشاهد بطريقته الثقيلة وكسب من خلالها الكفتين, الصنعة الفنية والمشاهد. يواسا قدم في أعماله التلفزيونية الثلاثة إحترافية عالية لكن بتقبل أقل من المشاهدين. هذا وإن كان له مبرراته وأسبابه لاختلاف أسلوب الشخصين لكنهما يشتركان في العمق في التفاصيل والشحن في الأسلوب والكثافة في المشهد, وهو أمر غير معتاد في العروض التلفزيونية.
~~~~~~~~~~~
ديزاكي قدم تاج أعماله, التي شاهدتها حتى الآن, في هذا العمل. ديزاكي هنا تمكن من أدواته بشكل شبه كامل, سيطرة كاملة ومدهشة على سيناريو منضبط بأدوات واعية وتحكم عالي في إيقاع المشهد. تتراخى اللحظة الزمنية في المشهد وتتمدد بناء على الاحتياج الدرامي للحظة ذاتها, لتخرج في النهاية شخصيات تدور في نسق محكم.
ديزاكي هنا يعيد ذات الأسلوب الذي استخدمه سابقا في أوسكار, وعكس أسلوبه في ريمي. هذا العمل, كما في أوسكار, يعتمد في بناء المشهد على الشخصيات وحواراتها ووجودها الدرامي, فحضور الشخصية هو من يصنع الحدث بدون ان يكون هناك تشارك ما بين الشخصية وعوامل أخرى في صنع الحبكه, لذا عبء المشهد هنا وثقله يقع على الحضور الكامل للشخصية, فتفسير ملامح الشخصية سيكون له الأولولية في إيصال الصوره الكاملة للمشاهد, هنا استخدم ديزاكي أسلوب الكلوز أب أو الصورة المقربة لملامح الشخصيات لإظهار الأثر الدرامي للحظة على وجوه شخصياته.
ديزاكي هنا كان محظوظا برسام شخصيات خرافي ... أسطورة ... مدري وش اقول عنك يا سوقينو الصراحه.
- ملاحظة على الهامش: لطالما رددتها, المخرج المتميز يدير طاقم متميز, ديزاكي كان محظوظا بإثنين, سوقينو و كازو اوقا.
التكاملية ما بين منهج ديزاكي في الكلوز أب وبين ريشة سوقينو قدم واحدا من أكثر الأعمال ثراء بتفاصيل الشخصيات. سوقينو استطاع تلبيس الشخصيات التعابير المناسبة للحظة المناسبة, فشخصية كشخصية جو يجتاحها الحزن والجموح ستحتاج لتعابير مركبة أكثر تعقيدا من الرجل الفيل نيشي مثلا. فجو يدس يديه في جيبه ويمشي بانحناءة مثقلة منكبا على خطواته, كل هذه إشارات لتلك العزلة والجموح في داخله, ترا في جفنيه ارتخاءة الهم والحزن, جميع هذه التعابير ستكون ناقصه لولا إخلاص سويقنو.
البناء المرتكز في تقديمه على الشخصيات سكون قائما على أداء الممثل في الأعمال الحية, من أراد أن يعرف صعوبة ما قام به سوقينو وديزاكي فليسقط عملهما على الأداء الحي, سيكون الأمر مغامرة بين يدي الممثل, إن نجح سيكون المشهد مؤثرا, وإن فشل ستخرج مبتذلة ممجوجة.
شخصية جو أكثر شخصيات ديزاكي تركيبا وإنضباطا في ذات الوقت, شخصية جو لا تقل ألقا وتميزا عن شخصية روكو في رائعة الجميل فيسكونتي, بالرغم من اختلاف التركيب والبنية لكل منهما.
جو المضطرب الهارب الجامح, يمارس العيش من خلال الملاكمة لأنه تهوي على رأسه الضربات, كل هذا الضرب لا يعني القتال أو الفوز أو الخسارة, الضرب والألم يعيدانه للحياة لأنه يحيا في داخلهما. عندما يخرج خارج الحلبة فإنه يموت, حياته الجريحة لا يوجد ما يذكره فيها بالألم إلا الألم, لا يتورع عن شجار لأنه يريد من أحدهم ان يفجر هذه الرأس المتخمة بكل هذه الهموم اللعينة, ريكيشي والتاريخ الأسود اللعين والحياة المضنية والطفولة الضائعة والسجن والتشرد, سيكون قاتلا أو مرتزقا لو لم يكن ملاكم لأنهما يمارسان ذات العمل: ينتظران لحظات الألم. الحياة لديه ليست أكثر من تلك اللحظات التي يعيشها داخل دوامة الضرب والأوجاع, عندما يخرج منها يمارس ذات الشعور القبيح بالعجز أمام الماضي الذي يريد أن يكلمه ... أن يضربه ... أن يجهز عليه ... لعنة تطارده إلى أن يجلس على كريسه لأخر مرة.
كِن ريوتوبي من أعظم شخصيات الأنمي إن لم يكن الشخصيات الأدبية, هذه الشخصية المتحجرة الكمبيوترية ليست اكثر من كيس نتن لتاريخ قاتل, يبكي كالمجنون ويغتسل كالطفل في اخر الليل من أثار تلك الحرب التي أجهزت عليه. كِن مثال متكامل على قتل الغريزة في الإنسان وتحويله إلى مجرد مجموعة أطراف تنفذ أوامر خارجية, لا يأكل إلا كالأطفال, يمارس كل أمور حياته على شكل أوامر عسكرية, بلا حاضر ... بلا مستقبل ... إنه آلة ليس أكثر.
الدبلجة: لا أعرف من أسماء المدبلجين شيئا ولم أركز كثيرا في أصواتهم, كل ما يهمني هنا هو اللغة. هذا العمل هو أذكى لغة دبلجة شاهدتها حتى الآن, لا أستغرب حقا لو كان قد دبلج في مجمع اللغة العربية.
النفس المصري الفكاهي حاضر وبقوة في النص, العقلية المصرية في صياغة بعض الجمل تم تركيبها على نص بليغ وبشكل متقن, المدبلج هنا لم يقم بتقديم عمل جميل فقط وإنما أدخل فيه من ثقافته الشعبية ما أدخل. ستلتمس حميمية النص في مواضع كثيرة, أبرزها وأكثرها تكرارا "سلام", أما أبلغ حضور للثقافة الشعبية بصياغة بليغة و بشكل يهز المستمع هزا كان في لقاء يوكو مع جو قبل مباراته الأخيرة, ما أدري وشلون طرا عليه المجنون يدخل جملة "بالله عليك" في وسط الحوار, جملة الإستعطاف بهذه الطريقة ليست شائعة عند العرب إلا في ثقافاتهم المحلية, يخرب مخ الذكاء الي في الصياغه.
أما بالنسبة لأصوات الممثلين فصوت جو كان مميزا ويوكو ودامبي وأكثر من شارك في هذا العمل كانوا متميزين.
المشهد الختامي لا يزال يمتد معي في ذاكرتي مع تمدد الوقت, هذا المشهد ليس للنسيان أو أنه مجرد مشهد مؤثر, تلخيص كامل لحياة منطوية ... ترتاح على كرسي لأخر مرة. هذا المشهد كفيل بشرح عظمة ديزاكي وطاقمه. رسم الدهشة على أوجه الحاضرين والتوجس والخوف, ليس هذا هو العالم وليس هذا هو جو, جو لم يعش طوال حياته مع غير وحدته وعزلته, سنرى حينها جو لوحده, سنقترب منه بحذر, حتى وهو ميت يخشى على عزلته!.
* الملف الصوتي من حكاية







اضافة رد مع اقتباس






نادرًا ما أدخل هذا القسم ، الحمدلله انه كان مثبت ^^

؟












.






المفضلات