
بسـم الله الرحــمن الرحـــيمـ ~
نقد قصة : عندما يرحلون يا ترى أين نذهب ؟
فريقـ ƸӜƷ عبَقُ آرتِقَآءْ ƸӜƷ
❀
❀
❀
مقدمه:
إن الحمد لله نحمده و نستعين به ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ,
من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد :
ألحُزْنُ يُقْلِقُ وَالتَجَمُّلُ يَرْدَعُ
وَالدّمْعُ بَيْنَهُمَا عَصِيٌّ طَيِّعُ
يَتَنَازَعانِ دُمُوعَ عَينِ مُسَهَّدٍ
هَذا يَجيءُ بهَا وَهَذَا يَرْجِعُ
إنّي لأجْبُنُ عَن فِراقِ أحِبّتي
وَتُحِسّ نَفسِي بالحِمامِ فأشجُعُ
وَيَزِيدُني غَضَبُ الأعادي قَسْوَةً
وَيُلِمُّ بي عَتْبُ الصّديقِ فأجزَعُ
الرثاء : هو تعداد خصال الميت بما كان يتصف به من صفات كالكرم والشجاعة والعفة والعدل والعقل. والرثاء هو التفجّع
على الميت والتأسّي والتعزّي.
و الرثاء لغةً : 1 - مصدر رثى . 2 - غرض من أغراض الشعر الغنائي يقوم على بكاء الميت وذكر صفاته الحميدة .
❀❀❀❀❀
نبصر في مطلع هذه القصة العديد من
الانتفاضات العاطفية و المعنوية و الروحية النابعة من الكاتب ، و عبق أثير المشاعر
التي تبدو كنسمات مليئة
بحرارة العاطفة و الافتعال ، كأنها قصة دافئة برعشة من
البرودة ،
لتغرز شباكها في قلب القارئ وتثير مولده للقراءة ، و تداعب روحه التي بدأت تنسج في فوه خيالها ملامح من القصة بعفوية ،
دافعتاً إياه إلى النظر بوهن لرسالة القصة و هدفها المنشود ، و لا نقاش في أنها تلتمس بعض
الرثاء على تلك الروح المودعة
لتختم القصة ببزوغ الأمل و الاستمرارية في الحياة فمهما حدث لن تبكي
الشمس و ستظل تشرق من جديد فجر كل يوم ،
و لكن تبقى تلك الذكرى تعود و تنبض في قلوب الأحباب فلولها لختم على تلك الروح أنتي ميتة
معنوياً و جسدياً .. رغم اسم
الإنسان لكثرة نسيانه إلا أن ذكرى الأحباب تصاحبه حتى قبره ..
لذا سأقف مع نص الكاتب هذا وقفة متأملة ،أبرز فيها أوجه الحسن ووهج الإبداع ،وأمسح بها عثرات البنان وشطحات القلم، وأرجو أن أوفق ~
❀❀❀❀❀
العنوان :
"عندما يرحلون يا ترى أين نذهب ؟ "
في العنوان يبث الكاتب فيه حيرته التي تتلجلج في صدره وفي صدر كل مسلم بأن يأتي ذلك اليوم " الفراق" و يتساءل بضعف
أين أذهب و مصيري قبر زين بالتراب ، كيف أمشي أتنفس و أحد الأحباب ودعني و الندم يتآكلني ، ولكن هذه هي معركتنا
مع الحياة الجادة والكريمة ،فإما نكون أولا نكون
كما أكد شكسبير (هاملت) ،فما يحدث من عراك في أرض الواقع و فراق وانهيار
منظومة القيم وهذه النيران المشتعلة بين شرائح المجتمع و التهور تأخذ بأيدينا إلى نهاية سيئة بل أسوأ ما تكون ، فلولا أن
السائق كما فهمت من سياق الحديث انتبه أو أبطأ من سرعته لما ودعهم يوسف !! فالمجتمع يحتوي العلل و الشذوذ فيه فلو
كان متماسكاً لما ودعهم يوسف مع ذلك إنها سنة الحياة كما هي الاستمرارية ، مهما أسهبت من حديث في هذه الأحداث لن
أفيها ، لذا لنرى الجانب اللغوي من العنوان ، فهو يتميز بأداة الاستفهام و الغموض الجامح التي
يعتلي عرشه ، فقد حقق عناصر
العنوان المتميز ، الذي يرمي بروح القارئ فيه رغماً عنه كأنه يجوعه لينهم حروف القصة سطراً سطراً ،
لذا انحناءه الدهشة و الروعةلا تفيه ~
❀❀❀❀❀
الاستهلالية :
كانت مترابطة سلسة و عذبه إلا من
نتف التكرارية ، و لكنها و أشيد بذلك أنها تميزت
بالعصرية و التجدد في استخدام
عنصر الطفولية بل موقف الظلال الذي أضاف لمسة رائعة
مميزة لم أقرأ لها مثيل ، و الواقعية ، لأنه رماني إلى طفولتي
و كيف كنت أكتم أنفاسي لألا يسمعني أهلي و كيف كنا نتسامر ليلاً ..
فيهم يضحك بخفوت محاولاً أن يكتم صوته حتى لا يسمعه والداه ، فإن فعلوا سيجبران على النوم لا محالة
و أعجبني بوصفه غرفة الأحلام ، و يمكننا القول أن الاستهلالية هي مزيج من العواطف و المواقف التي حين ننهي هذه القصة
سنبقى ننظر إليها و نقرأها مجدداً ، فرغم بساطتها إلا أننا حين نعرف أن صاحبها توفي تبدو مواقف مثيرة
لحشرجة البكاء بل مواقف
لا تنسى ، فمباشرةً و لا نقاش في ذلك كقراء إن كان لدينا
أخ أو أخت أصغر منا لنظرنا إليهم و تخيلنا إن ودعونا كذلك ما هو شعورنا
و حينها ستترقرق دموعنا ، و نشفق على الأخ الأكبر الذي ودع أخيــه فهو في موقف لا يحسد عليه ، فقط نتمنى أن لا تدور الدنيا
و ترميننا في موقف مشابه
التكرارية فيها ~
تناثرت أحلام الطفولة غير المرئية بين أحضانهم ، بضحكات وقهقات طفولية تبث المرح في الغرفة التي احتوتهم ، غرفة صغيرة بسريرين متواضعي الحجم ، مناسبة لصغر هيأتهم الطفولية الساحرة ،
رغم ضبابية هذه النقطة ، لأن الكثير منا قد لا يلاحظها ، إلا أن استخدام نفس الكلمة مراراً و تكراراً قد يثير
الملل ~
❀❀❀❀❀
قلب القصة :
اعتمد قلب القصة على الحوار بين الأخ و الأخت ، وكأنهم يتشاركون الألم و الحنين له
" يوسف " و الصدمة كذلك ، رغم طيل المدة 3 سنوات
إلا أن أعينهم تذرف مرارة الفراق مرة أخرى و كأنهم لا يزالون يعايشون لحظات و فاته ، وهذا ما يدل على عزة و مروق شأنه عندهم
و وابل
الحب الذي صب في كنفه .
أتعلم في بعض المرات أشعر أنه لم يرحل ، أشعر بأني إذا راسلته سيرد ، أو إذا قرعت باب غرفته سيفتح لي الباب بوجه البسوم ذاك كأن شيئاً لم يحدث ، وعندما أعي الحقيقة المرة أتألم أكثر !
مع ذلك إن رأينا القصة من زاوية أخرى ، نرى كيف تحيط
شباك العاطفة بالقراء وكأنهم يودون مشاركة
الألم كذلك ، فرغم شح القصة من البلاغة و التشبيهات إلخ ، يرى القارئ أنها قصة مميزة و يتجاهل كونها فقط
منبع للمشاعر ..
❀❀❀❀❀
نهاية القصة :
رغم رحيل الأخ الأصغر عن عائلته إلا أنه ترك لهم كنزا ثمينا لن يستبدلوه ولو بكنوز العالم كلها ، فقد ترك قلبه وابتسامته و عفويته
... فبشقاوة هذا الصغير يمكن أن يبدلوا سمائهم الملوثة بالغيوم السوداء العاصفة بأخرى بيضاء ساحرة ..
نهاية لا أريب أنها الأفضل لهذه القصة و لا شك أنها نهاية كل تلك القصص المماثلة ، الاستمرار في الحياة ! ،
فمهما بلغ الحزن و الشقاء و الألم و المرارة دائماً يتبعها ما يقوم له بيان ألا و هي البهجة والسرور واللذة والحبور وكأنه لحظة يذوق مرارة
ولحظة أخرى يتلذذ بالحياة ، تناقضات محيرة إلا أنها الحياة و تزال تستمر حتى مع كتابتي لهذه الأحرف مهما فعلت لن أستطيع أعيد لحظة ~
ابتعدت أصواتهما شيئاً فشيئاً عن الشارع وتداخلت مع أصوات قلوبهم المتألمة ، صحيح ، لقد فقدوا أثمن شيء يمكن للمرء أن يعده غالياً ، لكن الحياة تستمر ، ولهم لقاء آخر يوم الحساب .
هنا
يمكننا التماس إيمان الكاتب أو لنقل هذه المرة و نشيد على إيمان الشخصيات و مدى تعلقها بقضائه ،
فهي بأي حال من ألهمت الكاتب كلماته المتألقة هذه ..فلا قارئ يستطيع أن يكتم أمرها أو يخفي سرها " قضاء الله و قدره " ،
بل يعتريه من الحزن و الإيمان و الأمل والانبساط لأنه ليس وحده من
ودع و سيودع ، و هذا
ما يحمله على البوح بها
"شكرا أيها الكاتب بعثت في نواشيري كل تلك المشاعر " ~
❀❀❀❀❀
الهدف آخر أو قضية خفية في هذه القصة :
كما أشدنا سابقاً أن هدف القصة هو توجيه أبصار القراء إلى معنى الاستمرارية في الحياة ، و لكن إن نبشنا و نظرنا مرة أخرى
وقرأنا ما بين الأسطـر ، نرى أنه حادث سير ما أودى بحياة وبراءة روح ذلك الطفل ، هل من الممكن أن تهورنا و سهونا في أمر قد نظنه بسيط
أن يرمي بتلك العائلة برصاص الحزن و تخمة من الألم ؟! ، سأترك المجال مفتوحاً هنا لأن لكل قارئ زاويته في النظر و درجة في التطلع
و التأني ..، و لكن بزاويتي رأيت أنها دعوة إلى الإخلاص في القيادة فهي قد تؤدي بكل سائق إلى شباك الحزن صاحبتاً معه العديد من الأشخاص .. ،
بحروف اخرى أهتم الكاتب بإبراز إحدى القضايا الاجتماعية وكان المبدع يوسف إدريس من أوائل الذين حملوا على عاتقهم هذا الهم " إبراز نواقص المجتمع "
وناضلوا من أجله، قصصاً قصيرة وروايات ومقالات ومسرحاً.
وجاء الهدف على شكل رمزي ~
والرمز عبارة عن التكلم بلغتين متقابلتين : أي من جهة الصورة العامة و التعبير ، تكون المعاني الواضحة و المدركة من طرف الجميع هي
المعاني التي تصادق عليها العامة ، أما المعاني الضمنية و المرمزة فتحمل بين طياتها مقاصد المفكر و مراميه
❀❀❀❀❀
هيكل القصة :
الأحداث و تسلسلها :
الأحداث كانت
شيقة بصمت ، أي أننا نتشوق و نتطلع إلى معرفة قصة هذه الشخصية ،
ففي أواخر القصة عرفنا أنها توفيت بسبب حادث سير و عرفنا أيضاً في الأخير أن الفتاة التي كانت مع محمد أيضاً
أخته
وتحن لأخيها الأصغر ، ولكــن يمكننا القول عن عناصر تشويق أنها فقط فضول ، و أشيد بتسلسل القصة
فلولاه لما كانت القصة بتلك الجودة /
فلنتخيل للحظة لو ذكر ما حدث
" حادث السير ووفاة يوسف "
في المقدمة لتركت القصة حينها و عرفت أن ما يلي المقدمة فقط رثاء له
❀❀❀❀❀
الشخصيات :
الشخصيات مع تفاعلها للأحداث كان مرتباً ، و ما جذبني فيها هو إيمانها القوي و صبرها و قوة رابطة الأخوة بينها ..
وكما اتضح لي أن القصة تتمحور حول ثلاث شخصيات لا أكثر
يوسف ، محمد ، ونور ، و عم محمد الذي لم يكن دوره فعالاً
إلا في كلمة ...
و أعجبني وصف شخصية محمد بالهادئة و المتعقلة التي تقبلت المصير ،
و تتذكر كيف كانت في صدمة و هذه المواقف التي كانت مؤثراً جداً بنسبة لي
سمع نفسه يقول " كان " فشعر بمدى قسوة هذه الكلمة ، ماضٍ لا يمكن استرجاعه
ان الأمر صعب تقبله ، حتى أنه بعد وفاته ببضع شهور ذهب باحثاً لهدية بمناسبة يوم ميلاد يوسف ، حتى ذكره ابن عمه ناصر قائلاً : رحمه الله ..
لقد نسي تماماً أنه ليس موجوداً بعد الآن ، لقد نسي أن يوسف حبيب قلبه و روح أيامه لم يعد يركض ويمرح في البيت أو أزقة الشوارع كعادته ..
حب الأخوة ، هو الحب الروحي الذي يعم ويسمو ويأخذ انطلاقته الرمزية.
و بذلك يمكننا القول أنه أعطى الشخصيات حقها
❀❀❀❀❀
اختيار أسماء الأبطال :
و ذلك للدلالة على شخصية كل بطل منهم و منزلته و رغم أن هذه الخاصية مطمورة في القصة، و
لا داعي لها إلا أن هناك
من اشتهر في التسمية المدلولة مثل ابن طفيل و بطله حي بن يقظان و ابن سينا ، لمن قرأ قصة ابن الطفيل سيرى المدلول
في اسم البطل
" حي بن يقظان " :
"حي " يقصد به : "العقل " ، أي الإدراك ، و عند تمام الإدراك العقلي البرهاني تكتمل الحياة .
أما
" ابن يقظان " فهو يرمز به إلى الأصل الذي انحدر منه العقل ،
مع ذلك هذه نقطة أحببت أن أضعها هنا رغم عدم أهميتها و إنما فقط للإفادة ..
❀❀❀❀❀
السرد :
اتسم السرد بالعذوبة و الانسيابية ، ويمكننا القول في الرواية ، الكاتب هو من تكفل في مهمة القص و الرواية ،و لم يكن سرداً متكلفاً بل متناغماً مع الأحداث ،
و استخدم بعض الأساليب و القليل من التشبيهات
و تمكّن الكاتب من تصوير الأحداث و تحريك الصور في المخيلة و تخلصه من الأسلوب السردي الممل ، بافتعال واقع خيالي
لتطوير أحداث بعناصر التشويق الصامت . وهذه طريقة لافتكاك شرعية الدخول إلى
قلب القارئ ، و بالتالي زرع الطمأنينة فيه
و التحكم في اعتقاده ، و كما وضح لي أن القصة غلبت عليها الأسايــب الخبرية على الإنشائية ..
❀❀❀❀❀
الوصف :
كان رقيقاً وغير متخم ، مما أساء للقصة ، فالكاتب لم يصف الشارع أو ملامح المكان بدقة و إنما فقط إكتفى بضعه كلمات
لا تفي المواقف غرضها ، ولكن هنا مواقف أعجبني الوصف فيها مثل :
تناثرت أحلام الطفولة غير المرئية بين أحضانهم
لف الزمن حول نفسه أكثر من مرة ، و تهاوت صور الذكريات التي أخذت تزوره كثيراً مؤخراُ
كان القمر يبسط كفيه نحو الأرض ليمد شيئاً من الضوء إلى صديقه الليل
الفراغ بألم ، حزن أو ربما خليط بينهما ليجعل نفسه تضيع أكثر في هذا الأنين الصامت
ن يوسف طيفه الذي يتبعه في كل مكان ذهب ولم يرجع
❀❀❀❀❀
البلاغة :
لم تكن بتلك الجودة و لم يرتقي على عتبة التميـز ، فالتشبيهات قليلة و كأنها نثرت بخفه على القصة ، ربما فقط باب
البيان تواجد فيها ، لأن الكاتب ركز على وصف المشاعر و ربما أسهب فيها و ترك الجانب الأدبي و اللغوي في السرد
ولكن هذا التشبيه أعجبني و نضح من مرارة و ألم و حزن محمد من فراق أخيه
أنفاسي لا تكاد تتحمل ضيق صدري كلما مر يوم على وفاته !
❀❀❀❀❀
الحوار :
الحوار معمق الذي دار بين الأخوين هو ما يوضح الأحداث ، أي أن الكاتب استخدم هذا العنصر لكشف مضمون القصة رغم قصره .
❀❀❀❀❀
الزمان و المكان :
الفواصل الزمنية لم تكن واضحة ولكن إن ركزنا يمكننا القول أن هذه الجملة هي التي كانت الباب التي نقلتنا من الماضي للحاضر
لف الزمن حول نفسه أكثر من مرة
و الكاتب لم يهتم بذكر الزمان لأنه اهتم بالحدث أو بالفعل أكثر ولذلك لم يرد تشتيتنا لأمر الزمان لكي نركز في الواقعة ،
و كما يبدو أن الزمان هو العصر الحديث أو الحالي لوجود الشوارع .. ووجود البدر دل على أن وقت حديث الأخوين كان ليلاً
أما المكان فكان بين غرفة الأحلام و الشارع ..
❀❀❀❀❀
يتـــــــــــــــــــــــــبع أرجــــــــو عدم الرد
المفضلات