.
بسم الله الرحمن الرحيم
====
الليبرالي المسلم .. ابتسامةٌ بلهاء في وجه العدو !
.
(1)
كلمة أولى :
بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء.
تمضي السنوات، فالعقود، فالقرون، وبمضيِّها تزداد الحقائق تجلياً، وتزداد بعض الشبهات ضراوةً في نفس الوقت، من شأن الظل أن يكون أكثر حدةً إن كان النور أقوى، فإذا ضعف النور تلاشت حدودُ ما بينه وبين الظل، أو كادت.
شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراع. ومازال زمننا المعاصر يعرض أمام أعيننا من تجليات النبوة ما يؤمن له الكافر، ويتوب له العاصي، ويبرُّ له الفاجر، ومازالت الأيام ترينا بعين اليقين ما كان عند صحابة رسول الله علمَ يقين.
ليس هذا المقال دراسةً، أو رداً على فكر، أو مناقشةً عقدية، بل ليس يعدو أن يكون تسجيلاً لملاحظاتٍ لاحظتُها، على أشخاصَ عرفتهم أو رأيتهم، أو قرأت لهم أو عنهم، قامت دليلاً على ما تردد من نشوء دعوةٍ منكرة لتدجين الإسلام وتغريبه، وتشويه حقائقه وإفراغه من محتواه، وإلحاقه بمعسكر العدو تابعاً له نازلاً عند أمره.
الاستنارة، الانفتاح، الاعتدال، طفرة العقل، تحرر الفكر، مصطلحاتٌ لامعةٌ كثيرةٌ، ومفاهيم حقٍّ أريد بها باطل، لها دعاتها وأنصارها من الذين يمَّموا وجوههم شطر البيت الأبيض، جاثين على أعتابه مسبِّحين بحمده، طالبين لرضاه.
هم مسلمون نعم، أو هكذا يقولون، لكن ما إسلام هؤلاء ؟
كيف تشتغل أدمغة الليبراليين العرب ؟
(2)
مقدمة :
حدث كثيراً، أن اصطدمتُ مع بعضهم في نقاش، وقرأتُ لبعضهم مقالاتٍ وكتباً وروايات، ورصدتُ مواقف بعضهم وآراءهم تجاه العقائد والأفكار والقضايا، ولمحتُ انقباض أقلامهم أحياناً، وهو انقباضٌ كانقباض ملامح الوجه كراهةَ شيءٍ ما، ولمحتُ وانشراح تلك الأقلام أحياناً أخرى، وهو انشراحٌ كتهلُّل أسارير الوجه فرحاً وسعادة.
يسمي أحدهم نفسه ليبرالياً، ويعتز بذلك كل اعتزاز، ثم يقول بأنه مسلم، لكن بغير اعتزاز، وكأنْ لا تناقض بين المصطلحين ! ويتباكى إن اتُّهم يوماً في دينه، ثم إذا أمن على نفسه وآنس غفلةً ما غدر بالإسلام ومفاهيمه وأحكامه، وكتب داعياً إلى القطيعة مع تراث هذا الدين العظيم، وإلى تجفيف منابعه الأصيلة، طلباً لرضاء أسياده الغربيين يبتغي عندهم العزة، فهو بهم منبهرٌ ولفكرهم عميل، وينتفش كبراً إن حصل له يوماً بهم تشبُّه، أو تناهى إلى سمعه منهم ثناء.
يكاد الليبرالي يبكي ! ودموعه دموع التماسيح، خوفاً على الإسلام وضناً به أن تتشوه صورته، ويسعى جاهداً، كما يزعم، إلى تلميعه وتزيينه وحذف الشوائب عنه، وتقديمه إلى الغرب منتوجاً منقحاً لا يشكل خطراً عليه، ولا يستدعي خوفه منه، وليس يتورع في سبيل ذلك عن إنكار السنة، وإعادة تفسير القرآن، والبث في أكبر مسلّمات الدين بعقله ورأيه، المهم عنده أن يرضى الغرب على إسلامه الهجين، وأن يحصل على شهادةٍ موقعةٍ بأيدي غربية، تقرُّ بأن ثمة في العالم العربي إسلاماً مستنيراً يقبل العلمانية، ويَدين بالديمقراطية، ويعلن القطيعة مع أصوله الأولى، ومَعينه الصافي.
إنها ولا شك ابتسامةٌ بلهاء في وجه العدو، ابتسامةُ منبهرٍ ساذجٍ يعاني خللاً في الانتماء، وأزمةً في الهوية، ابتسامةٌ لا تصدر إلا عن المنهزم الذليل الذي باع دينه بما يختلج في نفسه من كِبرٍ ونفاق.
قلتُ، بأني لست في هذا المعرض مناقشاً لفكر هؤلاء، ولا راداً عليهم، وإنما جئتُ اليوم ملاحِظاً فقط، راصداً لظواهرَ فكريةٍ يجب أن تُرصد طلباً للحقيقة وإحقاقاً للحق، فهذه الكائنات التي تعيش بيننا، وتنطق بلساننا، هي أكثر مراوغةً من الزئبق، وأخطر على هويتنا من العدو الصريح المحارب بالسلاح. وعلامة أحدهم أن تسأله هل أنت ليبرالي ؟ فيجيبك جواباً هو ليس بالإنكار، وليس بالإثبات أيضاً فيقول : وماذا تعرف عن الليبرالية ؟
إذاً، ها هي ذي، بعض صفاتهم أضعها بين أيديكم، فهل لاحظها أحدكم كما لاحظتُها ؟
ذلك مؤكدٌ ولا شك ! وإن لم يكن، فليمتحن الواحد منا أحد هؤلاء بناءً على ما سيأتي، وسيجد أن ما سيأتي من صفاتٍ يشكِّل برنامجهم الذهني الموحد، والذي يسهل بناءً على الوعي به توقع أفعالهم وأقوالهم، وكذا مواقفهم تجاه مختلف الأفكار والقضايا.
(3)
في العقيدة :
يؤمن الليبرالي (المسلم) بضرورة إعادة قراءة القرآن وتفسيره تفسيراً معاصراً، وإعلان القطيعة مع تفاسير السلف له، وهدفه من ذلك إفراغه من محتواه وتأويل آياته بما يتوافق مع أهدافه وغاياته التمييعية.
يحارب الليبرالي (المسلم) الحديث النبوي الشريف والسنة المطهرة، ويلمز المتمسكين بدراستهما بأنهم أصحابُ تخلفٍ ورجعية.
لا يهتم الليبرالي (المسلم) سوى بما هو مادي، وما هو ماديٌّ فقط، ليس لليبرالي (المسلم) أيُّ اهتمام بالغيبيات العقدية، بل ربما أنكرها إنكاراً تاماً.
لا يؤمن الليبرالي (المسلم) بعقيدة الولاء والبراء، بل لا يعتبر المعيار العقدي ذا أولوية أصلاً في الحكم على الأفكار والأشخاص والجماعات.
الليبرالي (المسلم) ينكر حقيقة أن للإسلام أعداءً يستهدفونه ويريدون القضاء عليه، وربما سخر من الذين يعتقدون بذلك وقال بأن من نظنهم أعداء لهم من الأهداف ما هو أهم من محاولة القضاء على دينٍ من الأديان.
الليبرالي (المسلم) ينكر حقيقة أن في العالم كفاراً ومسلمين، وأن الكفار يكرهون المسلمين ويكيدون لهم المكائد المختلفة على جميع الأصعدة. فهو ينكر حقيقة وجود حربٍ عقديةٍ أزليةٍ وأبديةٍ بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر.
الليبرالي (المسلم) ينكر مسألة الكفر والإيمان ، ويستبدلها بحرية العقيدة.
الليبرالي (المسلم) لا يتحدث مطلقاً عن الآخرة، ولا وجود لها في دائرة اهتمامه مطلقاً.
(4)
في الفكر والثقافة :
الليبرالي (المسلم) ينكر مسألة الحق والباطل، ويستبدلهما بالرأي والرأي الآخر.
الليبرالي (المسلم) يتعامل مع الإسلام بتعالٍ وتكبر، مصطنعاً الحياد التام في ذلك، حتى يخيل إليك أن المتحدث عن الإسلام خارجٌ منه لا ينتمي إليه، بل ينظر إليه من فوق، من برجٍ عالٍ، كأنه يستنكف أو يخجل من التصريح بالانتماء إلى دينه وإلى جماعة المسلمين.
الليبرالي (المسلم) يحب أمريكا، وفيها هوى قلبه، ولا يراها عدواً سياسياً أو فكرياً أو عقائدياً للمسلمين.
ليس لليبرالي (المسلم) مرجعٌ واضحٌ يستند عليه لتعريف العدو، فهو إما ينكر وجود العدو بتاتاً، أو يعتبر من يسميهم بالأصوليين الظلاميين أعداءً، وهم المسلمون السنة في الواقع، المهم أنه لا يرى في أوربا ولا أمريكا عدواً للإسلام والمسلمين.
الليبرالي (المسلم) يدعو إلى الديمقراطية، ويتعاطف مع العلمانية، وينبذ كل التيارات الإسلامية.
الليبرالي (المسلم) مستعدٌّ ليقرأ، ويُعجب، وربما يتبنى، أيَّ فكرٍ شرقيٍّ أو غربي، قديمٍ أو جديد، منذ فلاسفة اليونان وحتى عصرنا الحديث، ما عدا الفكر الإسلامي الصحيح القائم على الكتاب والسنة.
الليبرالي (المسلم) مستعدٌّ ليقتبس من أقوال الفلاسفة الغربيين جميعهم، وربما اقتبس واستشهد من أقوال الفلاسفة العرب ممن أثاروا الجدل واتُّهموا في أخلاقهم وعقائدهم، لكن نفسه تشمئز وتتقزز من متون الحديث النبوي الشريف.
لا يجد الليبرالي (المسلم) حرجاً في اتهام المسلم السني بأنه رجعيٌّ وظلاميٌّ متخلف، إذا دعا إلى تحكيم الكتاب والسنة، ويستشهد على ذلك بأن الخلافة الراشدة عهدٌ مضى، وأحكام الشريعة كان ممكناً تطبيقها في الماضي الجميل، والماضي فقط، في حين أنه يعتبر الاقتباس من فلسفة اليونان تفتحاً وحضارة، رغم أن فلسفة اليونان أقدم من الشريعة الإسلامية بقرونٍ عديدة !
(5)
في الهوية والانتماء :
من المستحيل أن تسمع من الليبرالي (المسلم)كلمةً واحدةً في الاعتزاز بانتمائه الديني، وبأنه مسلم، وقد يجد حرجاً شديداً في ذلك إذا اضطر له يوماً لتحقيق مأربٍ ما، لكنه لا يجد حرجاً على الإطلاق في الاعتزاز بانتمائه للوطن، أو الحزب، أو لأيِّ تيارٍ فكريٍّ أو سياسي.
هو عند الليبرالي (المسلم) حريةٌ شخصيةٌ يعتقد بوجوب ضمانها والدفاع عنها، أن يقلد المعجبون من المراهقين والشباب شخصياتهم المفضلة من الممثلين واللاعبين، لكنه يشمئز ويتقزز، وتظهر عليه علامات النفور والكراهة، إذا رأى أبسط مظهرٍ من مظاهر الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
يعتز الليبرالي (المسلم) بانتمائه، أياً كان ذلك الانتماء، بحرارةٍ شديدة ، فربما يرتدي ما قد يدل على ذلك الانتماء من الملابس ويلتحف الرايات ويرفع الشعارات، لكن الشرط الوحيد لذلك الانتماء ألا يكون ذا إيحاءٍ إسلامي، في حين نجده يشنِّع، وبشدة، على أي شخصٍ رفع شعاراً إسلامياً ولو كان، فقط، على سبيل الاعتزاز بالدين لا أقل ولا أكثر.
يدافع الليبرالي (المسلم)، باستماتةٍ متناهية، عن حقوق النصارى واليهود والملحدين، لكنه يحارب، وبضراوةٍ متناهية أيضاً، حقوق المسلمين، وربما وشى بهم إلى من يقدر على إيذائهم.
الإسلام الوحيد الذي يرضى عنه الليبرالي (المسلم)، هو الإسلام الذي يرضى عنه الغرب.
(6)
في الحريات الشخصية :
عندما يقلد المراهقون والشباب النماذج الغربية في الشكل واللباس، يرضى الليبرالي (المسلم) ويعجبه ذلك، ويبتسم بسعادة، ويقول : تفتحٌ وحرية.
عندما تتجه الأقوال والأفعال والأذواق وأساليب الحياة الشخصية والاجتماعية نحو الثقافات الغربية، يرضى الليبرالي (المسلم) ويعجبه ذلك، ويقول : تقدمٌ وانفتاح.
عندما يتجه الشباب نحو مظاهر الالتزام بالسنن النبوية في الشكل والمظهر، يتقزز منه الليبرالي (المسلم) وينفر من هيئته، ويقول : تخلفٌ ورجعية، أصوليةٌ ظلامية، إرهاب.
يدافع الليبرالي (المسلم) عن الشواطئ المختلطة، وعن انتشار العري فيها، لكنه يرفض، وبشدة، المخيمات الإسلامية، ويقول بأنها احتكار للشواطئ، وتجمعاتٌ مشبوهةٌ لأناسٍ لا يؤمَن شرُّهم.
(7)
في الأدب والكتابة :
الليبرالي (المسلم) لا يدعو إلى الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة في كتاباته، بل يدعو إلى الحريات المطلقة كما تعرِّفها الأنظمة الغربية.
الليبرالي (المسلم) يشمئز من دعاة الأخلاق ويصفهم بالسطحيين والفارغين، ويفرح بدعاة الرذيلة والانحلال ويصفهم بالجريئين وأحرار الفكر.
يكتب الليبرالي (المسلم) واصفاً نفسه بأوصاف التشتت والضياع النفسي والفكري، متمسكناً، وقد يتصف أحياناً ببعض الصفات الحميدة، لكن إذا رأيته يفعل ذلك فانتبه، فتلك مقدمةٌ لفكرةٍ مسمومةٍ قادمةٍ سيدسُّها بين السطور.
يدعو الليبرالي (المسلم) إلى الحرية المطلقة في الأدب الكتابة، لكن حريته هذه تنطبق فقط على كتَّاب الانحلال والرذيلة، أما الكتَّاب الملتزمون فهو لا يتوقف عن وصفهم بالرجعيين والظلاميين والمتخلفين فكرياً.
الليبرالي (المسلم) قد يدبِّج الصفحات ذوات العدد في مدح شخص الحاكم وتمجيده إلى حد المبالغة، لكنه لا يمانع أبداً من التطاول على لفظ الجلالة بأشنع الألفاظ في أشعاره ورواياته.
يشمئز الليبرالي (المسلم) من الكلمة النظيفة الملتزمة الهادفة، ويطير فرحاً بالكلمة البذيئة المنحلة، ويعتبرها قفزةً حقيقيةً في طريق النهضة الأدبية.
يحب الليبرالي (المسلم) أن يكتب عن المواضيع والقصص الإباحية بإسفافٍ مفرط، ويسمي ذلك تحرراً أدبياً وتنويراً اجتماعياً لا غَناء عنه من أجل اللحاق بركب التنمية والتقدم.
الليبرالي (المسلم)، عندما يكتب يكون جريئاً جداً، لدرجة الوقاحة، في التعامل مع لفظ الجلالة والذات الإلهية، وقد يكتب كفراً صريحاً بها، لكنه يتباكى بجنونٍ لو تم تكفيره بسبب ذلك أو تفسيقه.
إذا مات أحد أعلام الفكر المتعفن أو الأدب المنحل، يتحول الليبرالي (المسلم)، فجأة، إلى تقيٍّ ورعٍ يترحم على الراحل ويدعو له بالعفو والمغفرة، حتى وإن كان الميت من أعتى كتاب الكفر والإلحاد، ثم ينتقد الذين يمتنعون عن الترحم عليه ويتهمهم بتهم الظلامية والتكفير.
الليبرالي (المسلم) يعشق الأسلوب الحداثي القائم على الترميز وإحداث الغموض في المعنى، ويستغله في اللمز والغمز بالإسلام والمسلمين. وطبعاً يرفض المساءلة النقدية عن مكتوبه الحداثي والإفصاح عما يريد قوله فعلاً.
الليبرالي (المسلم) لا يعبر عن رأيه بصراحةٍ كاملة، بل يلفُّ ويدور، ويعتِّم ويدلِّس، ويرد على السؤال بسؤال، وكثيراً ما يتهرب من الجواب، وذلك لإخفاء أحقاده الدفينة على الإسلام والمسلمين.
الليبرالي (المسلم) قد يقول الحق ! لكن فقط لتبرير باطلٍ ما.
الليبرالي (المسلم) قد يستشهد بالآية والحديث، لكنه يفسرهما برأيه الخاص، ويخدم بهما أهواءه الخاصة وأفكاره المنحرفة.
بإمكان القارئ الذكي أن يلحظ ألواناً من لحن القول الذي يُعرف به المنافقون في كتابات الليبرالي (المسلم)، فهو يسيئ الأدب مع الصحابة الكرام والسلف الصالح، ولا يحترمهم، كما أنه لا يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكره، وربما اكتفى بكتابة (محمد) مجردة، ولا يُتبع القرآن بلفظ (الكريم) متعمداً، بل يقول (القرآن) مجردة، وإذا اطَّلعت على محاوراته في المنتديات المكتوبة فستلحظ أنه ينفر من استعمال تحية الإسلام (السلام عليكم)، وربما استعمل بدلاً منها أيَّ تحيةٍ أخرى عربيةٍ جاهليةٍ أو غربيةٍ مستوردة.





اضافة رد مع اقتباس












المفضلات